ثقافة النثر والقصيد

حديث في النهد المتعالي

خلف الله سمير

صادفت ذات مساء
نهدا مترامي أمامي
كبحر من نور ، كسرب من حور
كنخلة ماري
كنهر من لبن ، كنهر من عسل
من الفردوس أتاني
يقذفني بعقود الحب
ويثير نيران غواياتي
ويُـطـَـوّقُ معصمي ببحر لذاتٍ
تتراءى في مهجي
كما في أذني
أنغام ناي وكمان
وهذا النهد المتعالي
أضحى يلازمني كالظل
وأينما سرت
أراه أمامي كطرف خيال
ويأبى أن يعتقني
أو أن يكسر قيدا يسحرني
كمسٍ من جان
***
رؤياه تخنقني
ويقتلني الشوق إليه ويبعثرني
لمس الحلمات
واللاتي تتراقص في عيني
كخيطانٍ من نور
في بحر الظلمات
ويسحرني ذاك النهد المتعالي
كوحي الرحمان في أذن القديس المتسامي
عن شهوات الأجساد والأبدان
ومنه تعصر ألواحي إكسيرا
يجعلني أتسامى فوق الجسد الفاني
وفوق عناقيد اللذات
***
ذلك النهد المتعالي
حرّق أوراقي وعلّق أشطانا للأقلام
وأباح قتل الحرف
وقد حرمه الإنجيل والقرآن
فيا ويلي من ذاك النهد المتعالي
والمترامي كبحر من نور أمامي
فيقتلنا بغير المدية والسكين
وبغير بنادق صيد الغزلان
ويقتلنا قتلا يخطف منا الأبصار
ويخرس فينا كل لسان
***
فآه من ذلك النهد المتعالي
وإني أراه وفي عيني صداه
كبستان أصداف ومحار
يقطر منه الشهد فوق بناني
فتجتاحني رعشة
تغيب الإحساس والوجدان
وتجعلني كداخل الفردوس
يتفيأ الأغصان والأفنان
ويحتسي فيها الراح
وشفاه الأبكار والغلمان
***
آه من ذاك النهد المتعالي
كفتيل قنديل أوقد نار
الشهوة في كل كياني
ومنه شواظ الجمر تثير بركاني
ويأبى أن ينطفأ
أو يطفأ نار غرامي
إلا بما أسكب فيه من فيض وجداني
ومن غيث رحيق الأنفاس
فآه من ذاك النهد المتعالي
والمترامي أمامي
كسبائك بلور وعقود جمان
وكؤوس الخمر يتراقص
وقع أردافها في آذاني
ويستحث قبلاتي
ويغري شفاهي ويروم أحضاني
***
أنا من بعد لقائي
بذلك النهد المتعالي
أصبحت مسحورا
كقوم فرعون
قبل عصى موسى وهتك
حجب المستور
وأصبحت مسحورا
كأن هاروط وماروط
مسا فؤادي
بسهم من هيكل الحب
فسباني وسبى لبي
فأمسيتُ سجينا أمشي خلف سجاني
أستجدي مفاتيحا
بها أفّك أغلال لظى الحب
التي فيها رماني
ذلك النهد المتعالي
وبتُّ عليلا يبحثُ
عن ترياقٍ لكؤوس الحب
والتي منها سقاني
وما منه قبلة أهداني
تكون بلسما للحب
وسدّ بيني وبين غوايات
ذلك النهد المتعالي
***
وقبل لقياه
كنتُ أظن بأن فؤادي
كقصر للحمراء
دونه ودون الحب
برج قِـمَارِشَ وقلاع
وفيالق ودروع
وسيفي المسلول
فإذا الكل يتهاوى
كظلام الليل أمام
قبس من نور
فغدوت بين يديه
كحقول من ورد
في عين الاعصار
كقصور من رمل
تحت أقدام الطوفان
وغدوت كالطير المذبوح
بطوقٍ وجناح مكسور
يبحث عن كهف يحميه
من لسعات الحب المجنون
***
علمني ذلك النهد المتعالي
بأن أقسم بالات
وبهيكل عشتار
وبمحفل كل الربات
ولهنّ أهدي قربينا وصلوات
لأنال بركات
بها أحوز لـَـذَّاتا تفيض
من تلك الحلمات
وعلمني
بأن ألعن كل متباكي
على ما فات من ماضي الأيام
وفيها لم يرتشف الحبّ
ولم يداعبْ حلمات النهد المتعالي
وعلمني
بأن أرتشف الحب وأن لا أبالي
بمقال للعذال
وعلمني بأن الحب
ليس خطيئة أتاها قوم ثمود وعاد
وعلمني بأن أرتشف الحب
وأصرخ كالمجنون والأطفال
في وجه القديسين والرهبان
وفيمن جاء تكايا الزّهاد
وأنادى في الناس
بأن هذا الحب دين ابن الانسان
وما سواه دين للشيطان
***
الجزائر / الطارف / بن مهيدي سبتمبر 2017

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق