ثقافة السرد

عبد الواحد

ممدوح عبد الستار*

كانتْ”ضاوية” بغرفة المعاش، تعجن-تعبها-في الطستْ المملوء بالدقيق.لمحها”عبد الواحد”،وهي واضعة ذيل جلبابها في سروالها،ترفع العجين لأعلي،وتخبطه بيديها؛ فيسمع صوت العجين الذي يُحبه منذ الصغر. كانتْ تعجن، وهي منحنية. ولمّا تتعب؛ تفرد قامتها،وتتنفس بارتياح.و”عبد الواحد”في وقفته-مازال-يسترجع صورة أمه،وهي تعجن.استفاق من شروده،وتركزتْ نظرته علي بطن”ضاوية” المنفوخة.البطن التي بها حُلمه منذ سبعة شهور، أو أكثر.

– شدّي حيلك!

– كله علي الله

وهرول”عبد الواحد”ناحيتها، وانحني يساعدها في حمل العجين، ونَقلِه إلي زاوية بعيدة عن باب الغرفة. نظرته”ضاوية”كما المرّة الأولي، وأُعجبتْ بملامحه،وخلعتْ خرزتها الزرقاء، وطوّقتْ بها رقبته. هو الذي اشتري هذه الخرزة من”السيد البدوي”، وهو الذي يعرف سرّها.هي منّة منه،ومنّة له. وتذكرتْ الصُدفة السعيدة التي جعلتها بين ثنايا هذا الرجل الموسر والدافئ، وتمنتْ أن تظلّ كما هي الآن بكل ما تحسّه، وتنتفض من أجله.

باستْ”ضاوية” يده اليمني الموشومة بمركب وطفل، وجبهته البيضاء الناعمة. وقبّلها”عبد الواحد”بحنان بالغ وأبوة، ووضع يده اليمني-وكلتا يديه يمين- فوق سُرتها،ورفع  يديه، ونظر للسماء، وناجى الغيب(يا الله! خلقت الخلق في ستة أيام، وفي اليوم السابع نظرتهم، فكانتْ لهم هذه الحياة. مات لي ستة أولاد. يا الله! انظرني في السابع) وبكى علي غيّر إرادة منه. مسحتْ”ضاوية”دموعه- التي لم ترها من قبل- بكفيها المرتعشتين، واسترضتْ عينيه، وباستهما؛ فجفّ ملح العين.وقالتْ،وهي تحاول أن تتماسك،وتمسح دمعة هاربة من جفنها المكحول:

– ما لك؟

هزّ”عبد الواحد”رأسه، ومال بها إلى الخلف؛ فلمح صورة أخيه” صقر”المُعلّقة علي الجدار في برواز قديم، وتعجب كيف أتتْ هذه الصورة من غُرفة الجلوس إلي هنا. واستقرتْ عيناه علي ملامح الصورة،كأنها لشخص غريب.وأخذ يتعرف عليها: عينان جاحظتان. وشفتان غليظتان. وشعر كثّ..غزير، ومتشابك. وأنف مفلطح.وندوب كثيرة تزيّن كل الوجه.قال لنفسه: (هذا الوجه غيّر مريح علي الإطلاق) صَمَتَ”عبد الواحد”لحظة،ثم استرجع ما دار بينه وبين أخيه”صقر”منذ شهور

– حرام عليك تخرب بيتي يا صقر

– غيّر الزوجة

-لا

– غيّر الزوجة

سَكَتَ”عبد الواحد”،وطأطأ رأسه؛ لمّا لمح أولاد أخيه يدورون حوله،و”صقر”مبتسماً ابتسامة تفضح ما في قلبه، ونظراته تتكلم عن نفسه بوقاحة مطلقة في هذه اللحظة.كانتْ أُمنية “عبد الواحد” في صرصار يحمل اسمه،ويُسكت صوت أخيه،ورغبته الخفيّة. بين لحظة وأخري، ينظر”عبد الواحد” لأخيه بحنان بالغ، ومتوسلاً له ببعض الدموع،لكن”صقر ” ينظره بنظرة تحثه علي تبديل”ضاوية”.. المرأة التي ذنب لها إلا موت أبناءها دون أن تدري السبب!

كانتْ هذه لحظات ثقيلة عَجَزَ عن حملها”عبد الواحد”، فأراد أن يُخرج النصف القذر من نفسه؛ فلم يقدر. كان يود أن يقول له:(اخرج من بيتي) لكنه لم يستطع. ما الذي منعه من تصرف كهذا؟ هل لأن أخيه هو النصف القذر الذي أراد أن يكونه؟ أم أنه لا يستطيع مواجهة نصفه القذر؟ هو في الحقيقة؛ يحاول أن يتجمّل،ويخفي عن نفسه هذا النصف الفاسد الذي إن ظهر له، وأدركه؛ سوف يتعامل معه بجدية،ويكون له طريق للحياة،يكسب به.كان “عبد الواحد” عاجزاً عن مواجهة أخيه، أو مواجهة نفسه، وهو يري أخاه”صقر”يشير لأولاده بالحضور خلسة، ثم يدورون حوله، تصحبهم الجلبة، والضوضاء المتعمدة

– هه يا عبد الواحد؟

مازال”عبد الواحد”في عبوسه، والصمت قد يبّس أعضاؤه، والضيق قد حلّ بصدره

– خلاص! غيّر العتبة

– الاثنين نار يا صقر

– أنت حرّ

ومضي”صقر”مردداً بعض الشتائم التي لم يسمعها”عبد الواحد”. موت أولاده الستة؛ جعل أخاه”صقر”ينهشه، حتى أنه لم يتبق له غيّر الأمل (آه يا صقر، تريد زوجتي بعدما أصبحت لي الابن. يا صغير السن، استرضيتك بما فيه الكفاية، وأنت كما أنت مع رغبتك الأولي، وضدي. تستنزفني وأنا راضِ؛ فأنت ابني إن لم يأت الولد، وأنت أخي إن جاء.ليس لي ذنب: غيّر أن ضاوية اختارتني، ولم أعلم رغبتك فيها إلا بعد موتاي الستة؛ فكن رحيماً بي،وبنفسك!) خرج”عبد الواحد” يجرّ قدميه، وحسرته، معلناً لربه عجزه، وقلّة حيلته. وطيور سوداء تخرج من نفسه، تمنع رؤيته للأشياء علي حقيقتها. وظلّت عيناه ترطب جسده الموشوم برعشة خفيفة، وملح عينيه له رائحة نفاذة؛ شمّها أصحابه في آخر الليل

– ما لك؟

قرب الفجر؛ حكي”عبد الواحد”ما دار بينه وبين أخيه

-اقتله

طأطأ رأسه ولم يرد، وغلبته نهنهة البكاء لأول مرّة، وانهار تماماً.التم أصحابه حوله مشفقين، حتى استفاق

– خلاص!غيّر العتبة،وابعد عنه

وقرر”عبد الواحد”أنه سوف يترك البلدة في أقرب فرصة (يا ابن أمي،أعلنتُ رغبتك الخفية للخلائق؛ فلا تطلب منى سترها. أنا الذي زوجتك بمالي، واطلعتُ علي خفاياك الحقيرة، حتى أنجبتَ أولادك الثلاثة) تذكّر”عبد الواحد”كل ذلك، لمّا رأي صورة أخيه “صقر”تستقبله في كل مكان يذهب إليه، ومسح دموعه، ونظر لبطن”ضاوية”، وقال:

– تعالي يا ضاوية، نداري علي الحُلم

وفرشا أياديهم المرتعشة فوق البطن المنفوخة بالحُلم والكابوس

– إياك تكون ابن موت!

لم ترد”ضاوية”عليه،وبسملتْ، وتعوذتْ من الشيطان، وخافتْ علي رزقها ورزق”عبد الواحد”، وفركتْ بطنها بأناملها المخضبة بالدقيق، والتعب.ويد”عبد الواحد”تخاطب نصف شكّها، ونصف يقينها. ثم أزاحتْ نفسها من اليد المتلصصة علي بطنها، وجلستْ خلف صورة “صقر”، واستكان الرأس الثقيل ليدها، ولمحها “عبد الواحد”تتمتم بشيء ما (لن تحترق بسرّي يا ابن بطني.فقط؛ خائفة منك،وعليك. منذ مدّة؛وأنا أشرب مرارة موت أولادي؛ فربما تنزل دون أن أحسّ بك..أنت الحضور والغياب، والرهان بين أبيك وأخيه، وأمك تريد أبيك.أعرف.لا فرق بين حضن وحضن. ما جدوى الاختيار إذن إن لم اختر عبد الواحد.اخترت أباك دون أن يعرف برغبة أخيه، وخبأت عنه وعن أهلي السرّ؛ فرجّح كفتي،وثبّتْ عرش أمك وأبيك)

لم يعشق”عبد الواحد”المدينة،ولم يعشق الترحال. هي فقط النصيحة،وقد نفذها علي مضض، تاركاً حزن موتاه.بداية جديدة يودها أن تكتمل بالمولود الآتي عن قريب.

نَقَلَ”عبد الواحد”بعض”عفشه”لمنزل الحاجة”أم كُبّارة”.. عند تقاطع شارعي الحاج سليم وشارع البربري بكفر الزيات، وقد استأجره بعشرين قرشاً في الشهر.”ضاوية”هي آخر ما حاول نَقلِه.كانتْ تتوجع. وهو يساعدها في نقل خطواتها الواهنة ناحية الحنطور المنتظر، الذي يبعد مسافة قليلة.حملها، وألقاها بهدوء

– آه

– اصبري يا ضاوية

– الطلق خلاص

– في البيت الجديد

وصرختْ صرخة قوية،فقفز”عبد الواحد”،ومسك لجام الحصان، ورمي ما في جيبه من نقود معدنية؛ فانكفأ صاحب الحنطور علي الأرض، يفتش بيديه،ويلمح النقود في العتمة، ونظر إلى”عبد الواحد”،وقال في نفسه: (مجنون)وقبل أن يلمّ النقود التي عدّها؛داسته عربته. و”عبد الواحد”وحيد مع حُلمه، ماسكاً لجام الحصان بقوة. حمحم الحصان الأبيض، والهواء يكشح الملابس. و”ضاوية”لا تستطيع ستّر نفسها في هذه اللحظة الفاصلة. والكون الواسع؛ ينظر إليها بشفقة، والنجوم القليلة ترمي بنورها الفضي علي نصف جسدها المبلول بسوائل لزجة

(بين وعينا، وعدم إدراكنا؛ تكون حقيقة الموت، وحقيقة الولادة.الحاضر الآن عُري، وألم ضاوية نصف عُري، وأمل عبد الواحد النصف الآخر)

نظر”عبد الواحد”للخلف، ورأي بقع الضوء تقع علي نصف جسدها؛ فشدّ “تندة” الحنطور لأسفل، لاعناً كل شيء. وعند وصوله إلي البيت الجديد؛كانتْ “ضاوية” فاقدة الوعي تماماً.والكلمة التي سمعها”عبد الواحد”بوضوح في منتصف الطريق(أمي) وأم ضاوية قد ماتتْ من زمن بعيد. وكانتْ رأس الوليد ظاهرة للعين.ارتجف قلبه، ومسك لجام الحصان الأبيض مرّة أخري، عائداً من حيث أتي.

كان صاحب الحنطور يُدلّك قدمه الوارمة قليلاً،وظلّ جالساً في العتمة. لم يتحرك من مكانه، ولازمه اليقين بأن”عبد الواحد”سيعود سريعاً؛ فلم يخبط علي دار”عبد الواحد”الخاوية كما يظن، أو أي دار حتى لا يزعج أحداً. وحين رأي بياضاً في العتمة؛ أدرك أن حصانه قادم.وقبل أن يسمع الحمحمة؛ شمّ رائحة حصانه الآتية مع نسمة خفيفة قرب الفجر. ولمّا سمع الحمحمة-كأنها موسيقي عذبة، يعشقها كل حين-قام علي وجع قدميه، وتعكّز علي نفسه بصعوبة،وسار خطوات قليلة، حتى أصبح وجهاً لوجه مع”عبد الواحد”

– يا بركة دعاء الوالدان

قالها صاحب الحنطور، وهرول يستقبل حصانه الأبيض بمودة.بينه وبين الحصان تاريخ طويل من الفرح، والحزن. وقبل أن يصبح”عبد الواحد”أمام صاحب الحنطور؛ كان قد لمحه رافعاً كفّه للسماء

– حرام عليك!

رد صاحب الحنطور بصوت هامس، وهو منكس الرأس، كأنما يحدّث نفسه:

-ربنا كسرك…

ولفّ حول الحنطور يطمئن علي العربة والحصان، وهو يتألم من قدمه.مسك”عبد الواحد “رأس الرجل، وقبّلها، وقال:

– أنت رجل مبروك!سامحني،وادع لي

ورمى كبشة نقود ورقية داخل الحنطور

– استغفر الله!

قال صاحب الحنطور، ومضي رافعاً كفّه بالدعاء الصافي، والأخضر.

جلبة الحنطور،وأنّات”ضاوية”المتقطعة؛ أخرجتْ النسوة أمام البيوت. وحمحمة الحصان الأبيض؛ أعلن للرجال قدوم”عبد الواحد”و”ضاوية”. وقبل أن ينزل”عبد الواحد”من الحنطور؛ كان”صقر”حاملاً”ضاوية”، داخلاً بها غرفتها(أنا موتك، وأنت حياتي. آه يا ضاوية، واقف علي بابك من زمان. حي بنار رغبتي الأولي) ووقف”صقر”أمام باب غرفتها، ضامّاً ذراعيه بقوة، كأن”ضاوية”ما زالتْ بين يديه. شاهد”عبد الواحد”أخيه يحمل”ضاوية” بلهفة وخوف شديد، وأدرك الرغبة الأولي التي لم تَمتْ عند أخيه. هي كانتْ بين يديه منذ قليل. لم يلمسها”صقر”مطلقاً.هذه هي المرّة الأولي. لو كانتْ”ضاوية “بوعيها؛للطمته بقوة، وأزاحته بعيداً. كان”عبد الواحد”يبعد الغيّرة، والشكّ عن قلبه، وقال لنفسه: (جسدها الآن ميت! والرغبة لا تأت إلا مع جسد حي يعرف ما يريد) ومشي بتؤدة حتى وصل إلي باب غرفتها، ولمح أخاه واقفاً كتمثال. فتح”عبد الواحد”باب غرفتها، ودخل. لا يستطيع”صقر”الدخول.والنسوة يتحلقن حول”ضاوية”؛ فتبسم بصفاء، مدركاً أن”ضاوية” له، في صحوها، أو منامها.

امتلأ صحن البيت الواسع بأولاد البلدة، وجلس الرجال الكٌثّر تحت تعريشة العنب التي ينفذ منها الضوء الفضي، والنسوة يساعدن القابلة (أم الفار)بالدعاء، أو تسخين الماء

(ولد صغير خفي وظاهر، يخاطب عالمين بأعضائه الطرية. وامرأة مستسلمة. أعضاؤها مشاع لعين النسوة، وصرختها دعاء مستجاب. ورجال عالقون مع عبد الواحد. والولد ما زال يحسم أمره: وجود أم عدم؟)

انجرحتْ هامات الرجال من تعريشة العنب؛ لمّا صرختْ”ضاوية”صرختها الأخيرة. وقامتْ”ضاوية”كامرأة عفية، ولود؛بعدما لمستْ لحم وليدها الطري، وبعدما انفضّ من حولها الجمع الزائد عن حاجتها الآن،حتى القابلة التي أخذتْ أُجرتها مقدماً.

بعد صرخة”ضاوية” الأخيرة؛ارتفعتْ نغمة حزينة من مزمار بلدي. لا أحد في هذه الناحية يملك مزماراً. استجاب الخلق للنغمة منصتين، وبكوا. الناس جميعاً في هذه اللحظة يعرفون- بإحساسهم الداخلي- أن هذه النغمة الحزينة نغمته هو دون غيره. وبعد أن تطاير رذاذ العيون، ارتفعتْ نغمة مفرحة وراقصة. علي الفور؛استجاب الخلق مرّة أخري للنغمة، وراحوا يرقصون بشدّة حتى أعياهم الرقص، ونسوا علي الفور البكاء، وما كان ينزّ من أعينهم منذ لحظات، وتبادل الجميع النكات والضحك. هم لا يعرفون سبباً للضحك أوالبكاء،ولم يسألوا أنفسهم قطّ.فقط؛استجابوا بأحاسيسهم الفطرية للنغمتين. هل كان المولود تواً هو الضحك والبكاء معاً؟ ربما،لكن الأكيد أنه البكاء والضحك لأبيه”عبد الواحد”،ولأمه”ضاوية”.

بعد أن استراح الناس من الضحك والبكاء، ونفّضوا أنفسهم منه؛كانتْ الصرخة القوية. انتفض علي إثرها الكل، وتخبطتْ الأجساد بالأجساد،واحتمتْ بها. كانتْ صرخة،كأنها لوحش خرافي. ما من أحد لم يسمع النغمتين، والصرخة القوية(من أين تأتي الأصوات الممسوسة هذه؟ من جُبّ العدم،أم من مغارة الخوف؟) أعياهم السؤال،وانكمشوا، وأصبحوا كومة واحدة من لحم مرتعش.

قال عجوز قد أكله الزمن قطعة.. قطعة،ولم يتبق له غيّر قليل من السمع، وقليل من الكلام

– زمان؛ وأنا صغير..سمعت النغمتين،والصرخة من بيت الدلجموني

كان العجوز يتمتم بهذه الكلمات القليلة،وهو يتوكأ علي سنين عُمره التي شارفتْ علي المائة وخمسين عاماً، وكانتْ الرؤوس تلتصق بفمه الذي ينطق هذه الكلمات بصعوبة،كصعوبة ما يعيش عليه هذا العجوز.

العيون تلتقي ببعضها البعض، ولا تجد إجابة كافية؛فتسعي راكبة جواد تطفلها، تبحث عن مصدر النغمتين والصرخة وتنتعل الأقدام خوفها المُستتر، وتسير ملتصقة ببعضها البعض مرغمة، وكانوا قد رموا رواية العجوز،وكلماته التي نطقها بصعوبة.

الوحيد الذي لم ينشغل بأمر النغمتين والصرخة هو:”عبد الواحد”، الذي ضحك في البداية، وغنى أغنية، ورقص علي أنغامها،ثم أعياه الرقص؛فجلس علي الأرض وبكى بشدّة، ومن ثم راح يطمئن علي وليده علي فترات قريبة.

رمى الخفير”أبو الفتح الفقى”بندقيته الخشبية، وعدّل”لبدته”،والبالطو الصوف السميك، وهرول ناحية درب الصوالحه. وفي أول الدرب؛خلع البالطو و”اللبدة”، واندس بين الجمع الواقف، المندهش، الذي يمشي بطيئاً ناحية جامع العمري

– يا عم عبد الواحد

خطوتان لكل منهما، ووقفا وجهاً لوجه. قال”أبو الفتح الفقي”،وهو يمّد يديه”لعبد الواحد”

– مبروك الولد

سحب”عبد الواحد”يديه التي ارتعشتْ، وقال:

– من قال لك؟

ابتسم”أبو الفتح”ابتسامة شاحبة، وردد اسم الدلجموني بقداسة.تلعثم”عبد الواحد”، وهو يردد اسم الدلجموني، وخاف علي الولد،وكانتْ جوارحه سؤال غامض،لكن”أبو الفتح الفقي”لم يعطه فرصة للهروب، وقال:

– ابنك وجّه الناس ناحية بيته

حاول”عبد الواحد”أن يعرف الدلجموني من حارسه، وتبسم بصعوبة بالغة،وهو يتأبط”أبو الفتح الفقي”الذي لم يرتح له قطّ منذ زمن بعيد،وقال:

– أكيد تعرفه!أوصفه لي

– لا أعرف شكله،ولم أسمع صوته

اندهش”عبد الواحد”،وتسمّر مكانه،ولم يستطع النطق بما في قلبه الآن،لكن”أبو الفتح”مدّ يديه بورقة،وقال:

– مِن الدلجموني

وانحشر”أبو الفتح” في الجمع.دسّ”عبد الواحد”الورقة بجيبه دون أن يعرف ما بها،وسار مع الناس نحو جامع العمري.

***

الدلجموني سرّ نفسه. ولولا شاهد بنيانه وبوابته الشرقية؛ما ذكره أحد.لم تعرف إحدى قدميه، ولا استطاب له الجلوس مع الخلق. إن مات أحد أولاده؛لم يمش بجنازته أحد. وهل يعرف أحد أن له أبن قد مات يوماً ؟ ولم يأكل عند أحد، ولم يعمل وليمة لضيف،أو مسافر. حتى أفراح أولاده لم يحضرها أحد. أولاده كُثّر ومحجوبون.ورغم ذلك؛ لم يدع أحد أنه يُكّنى للدلجموني

يقول بعض الثقات: إن أولاده جميعاً من الذكور،ويتعجبون،لماذا لا يتزوجون؟

***

البيوت الآن خاوية إلا من ذلك الطفل الذي ولد تواً،وما زال الدم عالقاً به. ولا يستر الناس في هذه اللحظات المبهمة: سوي صحن جامع العمري الكبير.

حَمَلَ الناس سروجات الزيت والجاز،وخلّفوا وراءهم عتمة،وحوامل علي قارعة الطريق، ودخلوا الجامع الذي ضاق بهم الآن.قال الشيخ”عبد الله القصاص”،وهو يصعد المنبر:

– يا ناس،لأجل نغمتين وصرخة؛نترك بيوتنا

رد الشيخ”عوض”:

– الخوف يا شيخ

وتحسس الشيخ”عوض”مكانه،ومدّ يديه لأعلي يقطف الكلوبات الموجودة بصحن الجامع، ويناولها لناسه،وكانتْ قدمه سبّاقه للخروج. وقبل أن يخطو الخطوة الأخيرة؛سأله الشيخ”عبد الله القصاص”عن وجهته.لم يرد الشيخ”عوض”علي السؤال.. تاركاً الشيخ”عبد الله”علي المنبر وحده، ومضي راكباً عزمه إلي البوابة الشرقية.. بجوار بيت الدلجموني. الناس الآن يقودها الأعمى الذي ترك حواسه– ما عدا النظر- تعمل بقوة، الناس تترك نفسها مرغمة، وتسير خلف خطواته المتعرجة، والشيخ”عوض”يسمع تردد سؤال الشيخ”عبد الله القصاص” بأصوات مختلفة واهنة.وفي النهاية،أجاب بصوت هامس لم يسمعه سوي الذي يمسك يديه:

– البوابة الشرقية

– نسخم إيه عندها!

وتركه وحده،وابتعد، حتى أصبح الشيخ”عوض”في ذيل الناس، لكنه لم يسترح؛فجلس علي الأرض، ولم يقم من مكانه حتى عادوا.

حين خلا جامع العمري من الرجال؛كانتْ النسوة يدخلن صحنه،وآخر الداخلين”ضاوية”.

وقف الخلق أما البوابة الشرقية. هذه أول مرّة منذ قرن أو يزيد.معرفة ما خلف البوابة هو ما يلحّ عليهم الآن. رددوا اسم الدلجموني بصوت منخفض في البداية،ثم ارتفع رويداً.. رويداً.الدلجموني هو الوحيد القادر علي توضيح الأمر. اليقين،والخوف هو الذي ساقهم إلي هنا مرغمين. والدلجموني تتجلي قدرته في الخفاء. ضلّ صوت الناس جميعاً، ولم يرد عليهم أحد،حتى أن الخفراء نسوهم،وناموا.

كان صحن الجامع جسد رخو من أجساد النساء الذي يغلّفه الصمت، والنوم.طلبتْ “ضاوية”من أحدي النساء أن تنادي علي الرجال. ردتْ عليها،والنعاس يداعبها بقوة

– عليّ..

ووشوشتها، ونامتْ بجوار النائمات.

صعدتْ”ضاوية”مرغمة السلالم طينية،وبقع الدم تسقط منها علي كل درجة. نادت على رجال البلد. ربما يسمعها الرجال عند  البوابة الشرقية ؛فيلبي نداءها”عبد الواحد”،ويعود.

***

انفتحتْ متاريس البوابة الشرقية؛لمّا سمع الخفراء آذان الفجر.نظروا؛فإذا الشمس تعلن عن نفسها،وهي ترفل في ثوب الدلجموني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أديب مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق