الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | قراءة في دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي للناقد العراقي سمير الخليل*

قراءة في دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي للناقد العراقي سمير الخليل*

بقلم: طارق بوحالة *

كثيرا ما أثارت الدارسات الثقافية جدلا واسعا في المشهد العربي المعاصر، حيث وصفت بشموليتها واتساع حدودها المعرفية وغياب جهازها الإجرائي، وهو الأمر الذي أفرز رفضا قاطعا لهذا المجال وعدم توطينه عربيا.
وبالرغم من ذلك فقد ظهرت محاولات نقدية من لدن دارسين وأكاديميين عرب من مختلف الجامعات والمؤسسات الثقافية مشرقا ومغربا، أخذوا على عاتقهم مهمة التعريف بمجال الدراسات الثقافية ومن ثم نقله إلى السياق العربي وإشاعته بين صفوف الباحثين. مما مكن من ظهور هذا المجال بصيغ مختلفة، وقد ظهر باعتباره عنصرا تعريفيا في ثنايا الكتب والدراسات على شاكلة ما جاء عند عبد الله الغذامي في كتابه النقد الثقافي الصادر عام 2000، أين خصص عنصرا يشرح فيه حدود الدراسات الثقافية معتمدا على أراء جملة من النقاد في الغرب خاصة أراء “جوناثان كولر” في كتابه: النظرية الأدبية، (ترجم إلى العربية بترجمات مختلفة).
كما يمكن استحضار دراسة الناقد المغربي إدريس الخضراوي: “الأدب موضوعا للدراسات الثقافية”، الصادرة عام 2007، حين وضع نماذج عربية تحت مجهر النقد والتحليل محاولا أن يبحث فيها عن ملامح الدراسات الثقافية، وهو جهد معتبر رغم بعض الخلط بين نشاطي النقد الثقافي والدراسات الثقافية.
من جهة أخرى عرف السياق العربي ترجمات لمجموعة من المؤلفات المخصصة للدراسات الثقافية، مثل ترجمة كتاب الدراسات الثقافية، من تأليف: زيودين ساردر” و”بورين فون لون” والمترجم ضمن سلسلة: “أقدم لك”، الصادرة عن المشروع القومي للترجمة بالقاهرة، من قبل “وفاء عبد القادر” الصادر عام 2002.
وميزة هذا الكتاب أنه مختصر مفاهيمي لباقة من المصطلحات القريبة والمرتبطة بمجال الدراسات الثقافية. وأيضا ترجمة كتاب “سايمون دورينغ”: الدراسات الثقافية، -مقدمة نقدية- من قبل الباحث السوري: ممدوح يوسف عمران الصادرة عام 2015، وقد جاء الكتاب ناقدا ومحللا للمباحث الأساسية التي يشتغل عليها هذا المجال.
وكذلك ترجمة الناقد العراقي “خالد سهر” لكتاب مايكل رايان: الدراسات الثقافية، مدخل تطبيقي، وقد صدرت الترجمة عام 2016، إذ ركز الكتاب على القراءة التطبيقية للموضوعات الثقافية التي تهتم بها الدراسات الثقافية متجاوزا الخوض في الإشكالات النظرية، وملتزما بمقاربة إجرائية.
أما عن التجربة التي سنناقشها فهي خاصة بالناقد والأكاديمي العراقي: سمير الخليل عبر منجزه: دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، الصادر عام 2015.
يأتي الدليل الذي خصصه سمير الخليل لباقة متنوعة من مصطلحات مركزية تنمي إلى مجال الدراسات الثقافية ونشاط النقد الثقافي كعمل رائد أخذ على عاتقه مهمة صعبة وشيّقة في آن، وهي محاولة رسم ملامح وتشكيل حدود لمنظومة اصطلاحية ومفاهمية يتم بواسطتها رسم معالم هذين المجالين خاصة في النقد العربي المعاصر الذي بأمسّ الحاجة إلى مثل هذه المنظومات المفاهيمية، متجاوزا بذلك كل النقود الموجهة سرا وعلانية لمشروع الدراسات الثقافية في الوطن العربي .
وتم توزع مصطلحات الدليل بين مجالات معرفية مختلفة، حيث تنسحب على حقول مثل: الدراسات ما بعد الكولونيالية، والأنتربولوجيا الثقافية، والنقد النسوي، وخطاب الميديا وغيرها، وهي مما يندرج تحت المظلة الواسعة للدراسات الثقافية، وقد بذل الباحث جهدا معتبرا وقيّما في جمع هذه المفاهيم، ثم شرحها من أجل تقريبها معرفيا ومنهجيا لكل باحث في مجالي الدارسات الثقافية والنقد الثقافي، مستندا إلى عدة ترجمات لأهم المفاهيم الغربية، وذلك بمعية مترجم متخصص وهو الباحث سمير الشيخ.
أما عن الدوافع لتأليف هذا الدليل فقد أجملها الباحث في قوله: ” جاءت فكرة هذا الكتاب خدمة للباحثين والدارسين بعد أن عانيت من تشتت المصطلحات الخاصة بحقلي الدراسات الثقافية والنقد الثقافي واتساعها وتداخل الحقول المعرفية المجاورة معهما، فاستنفرت كل طاقتي من أجل إنجاز هذا المشروع بجهد فردي اعتمادا على اهتمامي العلمي بهذين الحقلين ومتابعتي لهما.”(1) (دليل مصطلحات، ص5)
صحيح أن تأليف معجم يشمل أهم مصطلحات مجال معرفي جديد يحتاج إلى جهد ومعرفة كبيرين به، كما يتطلب تضافر جهود جماعة وليس فردا واحدا، ورغم ذلك فقد انبرى الباحث سمير الخليل لهذه المهمة من أجل توفير مادة اصطلاحية تمكن الباحث والمشتغل في هذين الحقلين التزود بما يحتاجه.
وما يحسب أيضا أنه سار بهما خطوة فعليّة وعمليّة إلى الأمام، متجاوزا بذلك فترة الترقب التي التصقت بهذا الحقل المعرفي منذ سنوات، رغم ما تم تقديمه من دراسات نقدية وتطبيقية. إلا أننا في أمس الحاجة إلى دليل معجمي يشمل المفاهيم والمصطلحات النقدية التي تنتمي إلى مجال الدراسات الثقافية عموما والنقد الثقافي على وجه خاص.
وكما أعلنها عبد السلام المسدي ذات يوم بأن مفاتيح العلوم مصطلحاتها، ها هو الباحث قد أيقن أهمية هذه المقولة فراح يطبقها على الأرض، مستغلا بذلك اهتمامه بالحقلين المعرفيين المذكورين أعلاه.
وما يجب التنويه إليه هو مراعاة الباحث للترتيب الزمني بين مجالي الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، حيث يرى أسبقية الأول على الثاني من حيث النشأة والظهور، وهو ما يجعلنا نعتقد أنه يقيم بينهما “حدا” عكس بعض النقاد العرب الذين يغفلون هذا الأمر، والذي نراه مهما لدى الباحث في النقد الثقافي. فمعرفة هذه القضية تجعله يعرف بعد ذلك ميدان اشتغال كل مجال.
يقول الباحث: ” لقد بدأ الاهتمام بالدراسات الثقافية أولا وبالنقد الثقافي مزامنا للتغيرات التي نقرنها بما بعد الحداثة، ولم يكن الاهتمام محض موضة فله أسبابه وبواعثه، وكان للدراسات الثقافية الفضل الأكبر في كسر مركزية النص والتحول إلى الخطاب”(2) (الدليل، ص 7)
وتزامن ظهور الدراسات الثقافية مع موجة ما بعد الحداثة، حيث تعد سنوات السبعينات والثمانينات الإطار الزمني الذي عرف مجالات معرفية متقاربة من حيث مقولاتها النقدية مثلما حدث مع إستراتجية التفكيك، ومقولات ما بعد الحداثة ونشاط الدراسات الثقافية، ونقد ما بعد الكولونيالية.
وما يحسب أيضا للباحث سمير الخليل هو تقديمه لأهم الفروق بين مجالي الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، فهو يحاول جاهدا أن يستخلص من منظوره الفروق الجوهرية بين المجالين.
ويجمل الفروق في النقاط التالية.
– الخطاب في النقد الثقافي يكون جماهيريا ومقبولا ومستهلكا على الأغلب بينما الدراسات الثقافية لا تميز هذا عن ذاك فقد يكون الخطاب نخبويا وليس جماهيريا ولكنها تقوضه وترفض سياقاته وأنظمته بقوة.
– النقد الثقافي يتعامل مع نسق مضمر ما ورائي لا يظهر على سطح النص أو الخطاب بينما تهتم الدراسات الثقافية بظواهر ثقافية لها حضور في الخطاب أو النص وفيها نسق ظاهر ومنها ما ورائية الدلالة المنسجمة مع السياق الثقافي الكامن في الخطاب وهذا في رأيي أهم فرق بينهما. بمعنى أن الدراسات الثقافية تبحث عن حضور ثقافي في النص أو الخطاب وقد تقوضه أو تحلله أو تصنفه أو تدعو إلى رفضه في بعده المعرفي أو الثقافي أو التاريخي أو السياسي أو الاجتماعي. أما إذا اختلف البعد الماورائي مع الخطاب بنسقه الثقافي فذلك يعني دخوله في عناية النقد الثقافي. وباختصار أن الدراسات الثقافية تتعامل مع الماورائي إذا كان مطابقا للخطاب الحامل للنسق الثقافي المرئي فيه.
-الدراسات الثقافية تشبه النقد الثقافي في مواجهة الخطابات المؤسساتية وتفكيكها ولا تستجيب لها بل تهتم بالمهمل والمهمّش والمقصى في الخطاب بوصفه شعبياً.
-هناك أدوات شبه إجرائية في النقد الثقافي وهو يبحث عن النسق المضمر والعيوب النسقية لخصها عبد الله الغذامي بالجملة الثقافية والتورية الثقافية وغيرها وذلك لا وجود له في الدراسات الثقافية.
-تهتم الدراسات الثقافية بالسياقات الثقافية المنتجة وأبعادها المعرفية والفلسفية والاجتماعية والتاريخية بينما النقد الثقافي لا ينشغل بذلك كثيراً.
-التاريخ في النقد الثقافي حالة متجددة ممتدة من الماضي إلى الحاضر وليس مجرد حقائق ووثائق ووقائع جامدة وهذا واحد من أسباب التداخل أيضاً.”(3) (الدليل، ص 194)
يمكن لهذه الفروق أن تزيح كثيرا من الضبابية الموجودة في الكتابات العربية التي لا تفرق بين المجالين، حيث تعدهما واحدا، رغم التباين الواضح الموجود بينهما من حيث السياق الذي أنتجهما وكذا من حيث فلسفة وتوجه كل واحد منهما.
ورغم الصعوبة في الكشف عن الخيط الرفيع الفاصل بين المجالين السابقين إلا أن الناقد أمكنه أن يقدم فروقا جوهرية بينهما، وهو ما يجعلنا نقيم فرقا بين دراسة من منظور النقد الثقافي وبين دراسة ثقافية.
وكما هو ظهرت الدراسات الثقافية باعتبارها مجالا معرفيا مع بدايات الستينيات من القرن العشرين إثر تأسيس مركز برمنغهام للدراسات الثقافية المعاصرة في بريطانيا على يد جملة من الدارسين وعلماء الاجتماع ونشر المركز أوراقا في الثقافة الشعبية ومدى أهميتها في الحياة العامة للإنسان الغربي .
ويمكن لهذه الفروق أن تفيد في تحديد دقيق للكتابات العربية التي يمكن أن تكون من صميم الدراسات الثقافية، والأخرى التي بإمكان وضعها تحت مظلة النقد الثقافي، خاصة مع وجود أراء تعتقد أن كل الدراسات العربية التي كتبت منذ عصر النهضة مرورا بما بعد النكسة من صميم النقد الثقافي، بينما تقترب من مفهوم الدراسات الثقافية. فالخلط المعرفي بينهما يؤدي حتما إلى خلط منهجي وإجرائي، فنحن نعتقد أن مجال “النقد الثقافي” هو ممارسة نقدية من صميم الدراسة الأدبية.
وتطالعنا هذه الأيام ترجمة الباحث والأكاديمي الجزائري جمال بلقاسم (أستاذ بجامعة جيجل، الجزائر) لمعجم الدراسات الثقافية لصاحبه “كريس باكر”، وهو جهد معرفي معتبر، يحسب للمترجم حسن اختياره للمؤلف الذي ترجمه والشامل لمفاهيم وأعلام وظواهر ثقافية ذات علاقة وطيدة بمجال الدراسات الثقافية.
.

*أستاذ النقد الثقافي، المركز الجامعي عبد الحفيظ بوالصوف، ميلة، الجزائر

*ورقة بحثية موسومة

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

موضوعات “الموسوعة المختارية في مصنفات الأعلام الجزائرية عبر القرون”

أ.د شميسة غربي* آثرتُ في هذه المداخلة المُوجَزة؛ الحديثَ عن أحد المُصنّفاتِ التي شَيّدَ مُؤلّفُها …

2 تعليقان

  1. أ د علي كمال الدين

    النقد الثقافي اليوم سحابة ابداع تغطي ميادين الأدب ونقده ولاسيما المعاصر منهما وليس غريبا هذا التدفق الثقافي في النقد والدراسة على القامة العراقية النقدية السامقة للأستاذ الدكتور سمير الخليل، ولاسيما أني عرفته قبل أربعين عاما طالبا جادا في السنة الحضيرية للماجستير في الاسكندرية وشاهدته غير مرة مناقشا في الدراسات العليا إذ يبدأ من الدائرة الكبرى للموضوع حتى ينتقل إلى جزئياته مستثمرا لغة الإشارة في أدائه الجميل فضلا عما تشعرك به ابتسامته الدائمة من التآلف السريع مع حديثه والدخول إلى عوالم نفسه السمحة المعطاء

    • شكرا جزيلا دكتور علي كمال الدين. متابعتكم للموقع يسرنا، محبة لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *