ثقافة السرد

زفرات متألمة: قصص قصيرة جداً

أسعد العزوني

العصفور
جلست في غرفتي بالفندق وطلبت طعـام الغـداء، وكنت منهكاً وجائعاً ومتعطشـاً إلى شيء ما، لم يتأخـر النادل في الطعام. نقلت الطاولة قرب الشباك، وبدأت بالتهـام الطعـام وكأني لم أضع شيئاً في جوفي منذ أيام حداداً على ما آلت إليه أحوال العباد هذه الأيام.
كنـت آكـل وأفكـر فـي نفـس الـوقت “يومنـا أفضل من غدنـا” هذه العبـارة سقطت علـيّ مثل صخرة حطها الله من علٍ. وبينـما أصارع الأفكـار وأقلب الأمور أحياناً أتحدث مع نفسي بصـوت عـالٍ وكـأني في حلقـة نقاش مع خصـم، وإذا بعصفـورٍ يحط على الشباك ويزقزق.
كان عصفوراً جميلاً، مزركش الألوان، ومع هذا لم أعره انتباهاً لأني كنت مشغولاً بتناول الطعام والحديث عن أحوال العباد.
لم يشفق عليّ ذلك العصفور الجميل، واستمر بالزقزقة والنطنطة إلى درجة انه غامـر بحريتـه واقتحم الغرفة، أصابني شيء من الذهول، ولم افهم ما يدور بخلد ذلك العصفور الذي استنفـر إلى الدرجة العليا وكاد أن يحط على الطاولة.
توقفت عن التفكير في أحوال العباد، وانشغلت بذلك العصفور، وقلت في نفسي “ربما هو جائع” فوضعـت بعض الأرز على حافة الشباك وبدأت أراقب.
حطّ العصفور على حافة الشباك، وبدأ بالتهام الأرز مثلـي إلى أن شبع ثم طار بعيداً فقلت يا الله، ما أصعب الجوع، لقد ضحى هذا العصفور بحريته وغامر بحياته من أجل معدته وعدت للتفكير في أحوال العباد ولماذا وصلوا إلى ما هم عليه الآن.

مطار استانبول 30/5/2003.

استبسال قبرة

خطـر ببالي الصعـود إلى الجبل، فالجـو جميل وربيعي، والهـواء العليل يغـالب أشعـة الشمـس الخجـولة، وخـلال صعـودي إلـى القـمة، تناهى إلى سمعي زعيق طير خلته يمتلك من الغضب ما لا تتحمله قمة الجبل.

اتجهت إلى مصدر الصوت، وكان قريباً، ولم أعاني كثيراً من الوصول إلى ضـالتي وإذا بأفعـى تتأهب للانقضاض على عش قبرة، والقبرة تحوم فوقها وتحاول الانقضاض عليها لقتلها وإبعادها عن عشها.
جلست خلف الصخرة القريبة من موقع المعركة، بحيث لا تشعر بي الأفعى أو تراني القبرة، واستغرقت المراقبة مني ساعتين، خلتهما دهراً.
تخيلت القبرة نسراً شرساً والأفعى نملة لا حول لها ولا قوة، إذ كانت القبرة بشراسة النسر وهي تحوم فوق الأفعى بحركات استعراضية لا يقوى عليها سوى طيار ماهر، بينما كانت الأفعى تحرك رأسها لمراقبة القبرة، وبعد ذلك، تمكنت القبرة كما هيء لي من الاقتراب من رأس الأفعى، وقد هيء لي أيضاً أنها غرست مخلبـها بعين الافعـى التي استـدارت إلـى
الخلـف بحركة هستيرية وتوارت بين العشب والأشـواك فقلـت يا الله، حتى القبرة تدافع عن أبنائها، ولا تخشى بطش الأفاعـي، بينما عبـاد تركوا البلاد ولم يدافعوا عنهـا فكانـت نهبـاً للأعداء، وقفلت عائداً مـن حيث أتيت تصارعني أفكار لا أول لها ولا آخر.

مطار استانبول 30/5/2003

أغنية ووجه أنثى

اكتشفـت أن موعـد الطائرة التي ستقلني إلى انطاليـا سيحين بعد أربع ساعات فجلست في مقهى مطار استانبول وطلبت فنجانـاً من الشاي، واسترخيت مستمعاً لأغنية بالإنجليزيـة تقول “ليس معقولاً ولا منطقياً..”
كانـت تجلس أمامي فتاة بحق يطلق عليها أنثى، شقراء، ذات عينين زرقاوين، هادئة، وتشعل السيجارة الرقيقة تلو السيجارة.
وجدت نفسي أسيراً لجهتين، كلمات الأغنية وجمال من تجلس أمامي فشعرت بالخجل من نفسي عند استراق النظر إليها، ولكنني تغلبت على نفسي وانصب جل اهتمامـي على كلمات الأغنيـة، وقلـت في
نفسي “حقـاً هل كل ما يجـري في هذا العالـم معقولاً أو منطقياً؟ لكـن منطـق القوة هو السائد.

مطار استانبول 30/5/2003.

حديث السمكة

على شاطئ مضيق البسفور الذي يفصل أوروبا عن آسيا استرخيت وفي ذهني قضايا كثيرة تفوق ما يحمله البسفور من مياه وأسرار.
كان الجو ليلاً، لكنه رائع، ويشحذ على التفكير ملياً، ولأني كنت متعباً وجدت نفسي اغرق في النوم، وتداعبني النسمات العليلـة،
وتطربني أمواج البحر الهادئة، والتي بدت وكأنها موسيقى تلعبها أنامل إحـدى الجميلات الارستقراطيات.
يبدو أن من هو مثلي ليس مكتوب عليه الراحة حتى في مثل هذا الجو الخيالي، وبينما كنت نائماً، إذ بسمكة عملاقة تقفز بعصبية وتصدر بعض الأصوات،لكني لم اعرها انتباهاً، وقلـت في نفسـي “دع الخلق للخالق”
ولكنـي أحسـست بـالخوف إلى حـد الهلع مع أنني نادرا ما أخاف من شيء حسـب ما كان يقوله والدي رحمه الله، خشية أن تكون جنية من جنيات البحر.
تظاهرت بأنني أتجاهلها، مع أن فرائصي أخذت ترتعد من الخوف، وخيـل لي أنها قرأت أفكـاري، فكفـت عن الصـراخ المزعج وبـدأت ترشقني بالمـاء.
خـلال ذلك، قلـت في نفسي “المقدر مكتـوب ولا مهرب منه” وجلسـت ثم أشعلت سيجارة، وإذا بها تستقيـم عموديـاً في البحـر وتقرئنـي السـلام، عندها تأكـدت أنها ليست سمكة عادية بل هي جنية، وبدأت أبسمل وأحوقل.
ضـحكت، وقالـت، هكـذا أنتم، يتملككـم الخوف دائماً، ولا تقوون على شيء، والمدافع في صدورهم، وقد أصبح أطفالهم رجالاً قبل الأوان.
دارت بـي الدنيا، ولم أقو على أي حـركة، وسألتها بصوت خافـت عمن تقصـد، فكان جوابها: أهلكـم ألا تـرون ماذا يحدث لهـم؟ ألا تسمعون عنهم شيئاً؟ ألا تشتمون رائحة شواء لحمهم؟
حاولت إجبار نفسي على الكلام بصوت مرتفع، لكني لم أتمكن، وهمست: من أين أتيت؟ فقالت من بحر غزة، وعندها أدركت ماذا تقول وعمن كانت تتحدث، وسألتها: وما الذي أتى بك من بحر غزة إلى البسفور؟ فأجـابت لقـد ضحوا بأنفسهـم ألا يستحقون مني التضحية من أجلهم، عليّ طرد النوم من عيونكم لأبصركم الحقيقة!!
وعندها صحوت من نومي فزعاً، وغادرت البسفـور وشيء ما يتملكني ويسيطر عليّ ووجدت أن شيئاً بداخلي لو تفجر لأحرق العالم بأسره.

مضيق البسفور 31/5/2003.

بحر مرمرة

جلست على شاطئ بحر مرمرة ووجدت نفسـي كعادتي أدور في حلقة مفرغة، نهر من الأسئلة يتفجر في رأسي ولا جواب.
كـان الشاطئ يعـج بالمستجمين والنساء شبـه العاريات وزرقة البحر اكتست لمعاناً ذهبياً بفضل أشعة الشمس.
تـذكرت جزر مرمرة وتاريخها وضيوفها القسريين منذ أيام الإمبراطورية العثمانية.
ضاقت بـي الدنيا رغم رحابتها وقلت: يا بحر احملني إلى مكان لا أرى فيـه بشاعة من أي نوع وغادرت مجللاً بالهموم وبقتامة المستقبل.

بحر مرمرة 1/6/2003.
ذكريات وموعظة

دخلت الباب العالي/ الآستانة التركية ضمن أفواج السياح الذين يفدون إلى هذا المكان لرؤية محتوياته الأثرية.
كان دليلنا علي شاباً مثقفـاً وعميقـاً، وقد شرح لنا بالتفصيل موجودات المتحف من الآستانـة وأهمها آثار قدم الرسـول محمد(ص)
وأحد أسنانه وشعرة من شعرات لحيته الطاهـرة، كما حدثنا عن المؤامرات الداخلية التي كـانت تحاك ضـد السلطان من اقرب أقربائه، وكيف كان يتصرف السلطـان عند قـدوم وفـد من الخارج، حيث كان يبعث وزيراً له لاستقبال الضيوف، ويستبـق من ممر سري إلى الباب ليرى أداءه ويسمع الحوار ويعود ليجلس في قصـره ويفاجئ الضيوف بمعرفته بأغراض الزيارة.
غادرت الآستانة وأنا أترحم على السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض المساس بالثوابت مقابل المال والدعم العسكري.

الآستانة 1/6/2003

هموم في البحر

انطلقت الباخـرة بنـا من ميناء استانبول صباحاً لتأخذنا إلى جـزر الأميرات التي تستغرق ساعة ونصف بحرا، كانت هذه الباخرة تقـل خليطاً من الأجناس، وكنـت أسمع عدداً من اللغـات، لكـن ضحكتهـم واحـدة، فقلت يا الله، كـم يحاول الناس خلـق جسور بينهم بألسنتهـم وربما بعنجهيـة بعضهم الذين يتكبـرون بمالهم أو قـوة بلادهـم، لكن ضحكتهم تكشف عجزهم.
تأملت بحر مرمرة الذي يتصل بالبحر الأسود ويفصـله عنه مضيق البسفور، وكانت الأمواج تلاحق بعضها بأدب جم يتخلله حياء العذراوات قبل الانفتاح والعولمة، وكانت بياضـات تتربع على عروش الأمواج الحية، لكنها ما تفتأ ان تختفي وبسرعة كبيرة.
وبينما كانت الباخرة تمخـر عباب البحر، بـدأت الدلافيـن بالظهـور والاختفاء، وكأنها تحاول إيصال رسالة للبشـر تقول فيها أن البحـر هو الآخر يعيش سكانه حياة الناس على البر، وأن القوي يحاول افتراس الضعيف.
بدأنا نقترب من جزر الأميرات، وأخذت الباخرة تقف على رصيف الجزيرة الأولى التي تسمى جزيرة الحنّاء، وكانت الجبال تتربع على عرش الشاطئ الطويل، مزهوة بخضرتها، وهي تحرس البواخر الذاهبة والآتية من بحر مرمرة.
كانت جزيرة الحناء خضراء بالكامل، وتحتضن عشرات البيوت ذات القرميد الأحمر الحنائي الذي كان ينعكس لونه على الماء القريـب، فيبدو كلـون الحنـاء، فيما تنعكس أشعة الشمس على الماء في الجهة اليسرى فتظهر بقع بلورية.
وخلال تلك المرحلة شدني منظر طيور البحر التي تغرد في الجو مستعرضة مهاراتها وهـي تلتقط فتات الخبـز الذي كان يلقيه المسافرون في الهواء.
أو تهوي إلى الماء لتلقط ما فشلت بالتقاطه من الجو، وأكثر ما أذهلني قدرة بعضها على خطف اللقمة من يد أحد المسافرين الممدودة في الهواء، وكأنها تقول أنها حرة عكس بني البشر.
توقفت الباخرة عند أول محطة ونزل منها مسافرون وقدم إليها غيرهم، فقلـت في
نفسي، ها هي الدنيا ليست إلا محطـات، فهل نستطيع اختيار محطتنا؟
استمررت بالاستمتاع بلعبة الخبز مع الطيور التي أبدعت في إظهار مهاراتها الهندسية في الطيران وقدرتها على التقاط الخبز ما أذهلني. وعلى رصيف الجزيرة الثانيـة بورغاز توقفت الباخـرة وكانت علـى الجهة اليمنى جزيـرة خالية من السكان وهي المعلقة، وحسـب الدليل السياحـي فقد ظهرت هذا الجـزر قبل سبعة عشـر مليون عـام أثـر انقسام البحر وظهور مضيق البسفور وانفصال الجزء الآسيوي عن الأوروبـي في استانبـول، حيـث أصبحت هذا الجزر منفى للأمراء المشاكسين إبان الحكم البيزنطي وبحسب الأسطورة البيزنطية تحولت هذه الجزر إلى جزر الأميرات.
كانت هذه الجزيرة مكسوة بالأشجار، وتقول الأسطورة أن إمبراطوراً بيزنطياً متزوجاً وقع في غرام فتاة جميلة جداً، ولشدة غيرته عليها فكر بمنع أحد من رؤيتها والتمتع بجمالها، فقام بإسكانها في تلك الجزيرة.
وخلال انغماسي في جو الأسطورة اقترب منا طير يبدو أنه جائع، فقلت له: يا طير أعطنـي بعضاً من حريتك، وكانت المحطـة
الأخيرة، حيث نزلنا من الباخرة، وركبنا الحناطير التي صعدت إلى قمـة جبل الجزيرة وجلسنا في غابة كبيرة وكنـا بمجملنا عرباً فأخذنا نسرد همومنا وما أكثرها.

جزر الأميرات 4/6/2003.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق