قراءات ودراسات

التطرف بين الواقع الاجتماعي والمناخ الفكري

جميل حمداوي

أضحت قضية التطرف ظاهرة بارزة في المجتمع الإسلامي في العقود الأخيرة، واتخذت أبعادا دينية وسياسية ومجتمعية خطيرة، كانت لها عواقب وخيمة، ونتائج سيئة، وانعكاسات سلبية على الأمة العربية الإسلامية بصفة خاصة، والإنسانية بصفة عامة، على جميع المجالات والميادين والأصعدة والمستويات.
وقد أدت هذه الظاهرة غير الصحية، أو الظاهرة الدخيلة على مجتمعنا الإسلامي، إلى ظهور مجموعة من السلوكيات الشائنة غير الشرعية وغير المقبولة قانونا، مثل: العنف، والغدر، والتعصب، والإرهاب، والترويع، والتخويف، والتقتيل، وزرع الفتنة، وتهجير الساكنة الآمنة وطردها من بلادها الأصلية، ورفض الحوار والاختلاف والحجاج، والميل نحو عدم التسامح والتعايش مع الغير أو الآخر…
ولايعني هذا أن ظاهرة التطرف مرتبطة ببعض الأفراد والجماعات المتشددة والمغالية في مجتمعنا العربي الإسلامي فحسب، بل هي ظاهرة بارزة ومنتشرة كذلك في المجتمعات الغربية، وفي المجتمعات الإنسانية كلها، منذ بداية التاريخ الإنساني، وبالضبط مع قتل قابيل لهابيل تعبيرا عن فكره المتطرف، و تعصبه لرأيه المتشدد قصد الاستحواذ بأخته الجميلة للتزوج بها، دون أخيه الذي فضله الله عليه بسبب تواضعه الجم، وسماحته النيرة، وتدينه الصادق، وسخاء قرابينه. وبهذا، يكون قابيل قد ارتكب أول جريمة في تاريخ البشرية والإنسانية باسم الغلو والتشدد والتنطع. ولكن لا علاقة للتطرف، بأي حال من الأحوال، بالأديان والشرائع السماوية التي منعت التطرف والتشدد والغلو بشكل واضح وجلي، ونهت عنه جملة وتفصيلا.

المبحث الأول: مفهوم التطرف
يعد مصطلح التطرف من المفاهيم الشائكة والملتبسة والغامضة التي تستلزم التحديد والتعريف بشكل علمي دقيق. لذلك ، آثرنا تعريف مصطلح التطرف لغة واصطلاحا على النحو التالي:
المطلب الأول: تعريف التطرف لغة
يعرف ابن منظور التطرف في معجمه ( لسان العرب) بقوله:” قال شمر: أعرف طرفه إذا طرده. ابن سيده : وطرف كل شيء منتهاه، والجمع كالجمع ، والطائفة منه طرف أيضا … وتطرف الشيء : صار طرفا . وشاة مطرفة : بيضاء أطراف الأذنين وسائرها أسود، أو سوداؤها وسائرها أبيض . وفرس مطرف : خالف لون رأسه وذنبه سائر لونه . “
تعني كلمة التطرف، في اللغة، الابتعاد عن الوسط، والنأي عنه إلى جهة قصوى، ومخالفة الآخرين. بمعنى أن التطرف هو مجاوزة الوسط بالمغالاة والإفراط في الشيء، أو عن طريق الاعتداء ، وتجاوز الحد، ومجانبة الصواب، والابتعاد عن حد الاعتدال والوسطية، والهروب إلى الأطراف المحاذية والهامشية نأيا وتطرفا عن الحق والعقل والمنطق، والخروج عن رأي الجماعة والمسلمين، والانحراف عن الحد الشرعي، وتجاوز العقل والمنطق إلى اللاعقل والخطإ، وعدم الثبات في الأمر، والخروج عن المألوف، والابتعاد عن الخط المستقيم.

المطلب الثاني: تعريف التطرف اصطلاحا
التطرف هو الغلو الشديد، وتجاوز الحد المعقول، ومخالفة نصاب التوازن، وعدم الاعتدال في السلوك والتصرف، أو هو عدم التسامح مع الغير كيفما كانت هويته وملته ونحلته وطائفته المذهبية أو السياسية أو الاجتماعية أو الدينية. كما أنه فعل غير مشروع دينيا، وغير مقبول قانونيا؛ لأنه فعل جرمي بامتياز، قائم على الترويع والترهيب والتخويف والتهديد والقتل الشنيع، وقد حرمته الأديان والمعتقدات السماوية جميعها.
ويعني التطرف في الأفكار تجاوز حد الاعتدال في الحوار والنقاش والحجاج والتناظر والتفكير والنقد، والابتعاد عن الحدود المعقولة في تقديم الرأي، والمبالغة فيه إلى درجة الهوى والادعاء، باللجوء إلى العنف المادي والرمزي، والميل إلى التعصب وعدم التسامح والتعايش مع الغير أو الآخر. بمعنى أن التطرف هو مصادرة حرية الآخرين، ومنعهم من التعبير عن آرائهم بصدق وصراحة، ورفض أطاريح الآخرين، والتعصب للرأي الوحيد، مع نبذ تصورات الخصوم، واحتقار أفكارهم وتوجهاتهم وميولهم ، وازدراء معتقدهم الديني أو السياسي أو المذهبي أو الإيديولوجي.
والتطرف أيضا هو المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، وهو أسلوب خطِر مدمِّر للفرد أو الجماعة. ويعني هذا أن التطرف مغالاة، وإرهاب، ومجانبة للصواب والحق والاعتدال والوسطية، والخروج عن الخط المستقيم.
أضف إلى ذلك أن التطرف هو التشبث بمجموعة من القيم الصارمة المتشددة نحو الذات والغير على حد سواء، إما بطريقة سادية، وإما بطريقة مازوشية.
والتطرف أيضا هو محاولة طرف، أو شخص، أو جماعة ما من فرض تصوراتها ومعتقداتها الدينية أو الإيديولوجية أو الديماغوجية على الآخر أو الجماعة.أي: التطرف هو نوع من العدوانية ضد الإنسانية جمعاء، وهو التعصب لرأي أو دين بحسب التوجه الذي ينتمي إليه الشخص، ويحاول أن يفرضه على مجموعة من الأفراد.
ومن ثم، فالتطرف هو عدم تقبل ثقافة الآخر أو دينه أو جنسه وعرقه. ومن هنا، يحاول المتطرف فرض معتقداته وأفكاره بشكل عدواني على الآخرين، واللجوء إلى جميع أشكال العنف لفرض معتقداته الخاصة. وبالتالي، فالتطرف هو الفهم الخاطئ للدين؛ حيث يغلو الفرد ويتشدد في معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ مما ينتج عنه -غالبا- إلحاق الضرر بالغير. والتطرف كذلك هو أن يتموقع في حد أقصى بخصوص مسألة ما أو فكر بعينه.
وعليه، فالتطرف هو الغلو في الدين، والاختلاف في فهمه وتفسيره وتأويله، وقد يشمل مجموعة من المجالات، ويكون بالتعصب في الرأي، وبالخروج من الدين أصلا، حينما يميل صاحبه إلى العنف والعدوان والإرهاب والتشديد والترويع والتقتيل. أي: الخروج عن المنهج الرباني والنبوي المستقيم القائم على القرآن والسنة. ومن هنا، فالتطرف هو التعصب لموضوع معين، وغلق كل أبواب الجدل و الحوار والنقاش الموضوعي.
وباختصار، فالتطرف هو كل تحيز عنصري لتوجه ديني أو سياسي، ورفض للاختلاف، و خلق عداء مع الغير أو الآخر. ويطلق التطرف كذلك على الأعمال والسلوكيات غير المشروعة التي يقوم بها الشخص المتطرف تجاه الآخرين، بإلحاق الأذى المادي أو الرمزي.
وعليه، فالتطرف هو بمثابة نزعة سياسية واجتماعية تميل إلى استعمال العنف ضد الدولة، أو ضد المجتمع، أو ضد الغير، ولاسيما أن المتطرفين المتشددين يريدون تغيير الواقع باستعمال العنف بمختلف أنواعه، سواء أكان عنفا ماديا أم رمزيا.ومن ثم، فالتطرف هو مصادرة غير شرعية وغير قانونية للحرية الإنسانية، وعدم الاعتراف بوجود الغير المختلف، ثم إنكار متعسف لشرعية الاختلاف، وعدم القبول بالحوار المتبادل.
ويطلق التطرف كذلك على الجمود والتصلب والمذهب المحافظ، والتمسك بالتراث إلى درجة الغلو والتشدد المبالغين فيه، والرفض التام لكل جديد ومستحدث و متطور، والانغلاق على الذات، وعدم الانفتاح على الغير، وعدم التكيف مع الواقع، والجنوح نحو الماضي بسلبية واتكال وتهاون، وعدم الإيمان بقيم الحداثة وما بعد الحداثة…
وثمة مصطلحات أخرى تترادف مع التطرف، مثل: الغلو، والإرهاب، والتكفير، والعنف، والاستبداد، والتنطع، والتشدد، والأصولية، والتعصب…أما نقيض التطرف، فهو الاعتدال، والتسامح، والتعايش، والحوار، والحجاج، والإقناع، والاقتناع، وشرعية الاختلاف…
المبحث الثالث: مقومات التطرف

يرتكز التطرف على مجموعة من المقومات البارزة التي يمكن تحديدها في ما يلي:
u التشدد والمغالاة في القول والفعل والسلوك والمعتقد؛
v إيذاء الغير أو الآخر باستعمال العنف المادي أو الرمزي؛
w مجانبة حد الاعتدال والوسطية؛
x رفض النقاش والحوار والاختلاف؛
y التشدد في الدين إلى درجة الغلو والمبالغة والتطرف؛
z الاحتكام إلى الأهواء والرغبات والمنازع الذاتية؛
{الخروج عن الصراط المستقيم، والابتعاد عن رأي الجماعة؛
| استعمال مبدإ التكفير وتخطئة الغير في دينه؛
} الانعزال عن المجتمع تقية وتسترا وخلوة وتفردا؛
~ مصادرة حرية الآخرين، والتدخل في شؤون حياتهم ظلما وعدوانا وبهتانا، وزرع الفتنة بين الناس.
تلكم ، إذاً، أهم المرتكزات والبنود الرئيسة التي يقوم عليها التطرف والغلو عند جماعة المتطرفين المتشددين.

المبحث الرابع: موقف الشرع من التطرف
لم ترد كلمة التطرف في الكتابات القديمة عند علمائنا وفقهائنا العرب والمسلمين بهذا المفهوم والمصطلح إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، بل كانت هناك لفظة (الغلو ) ، أو لفظة (التشدد)، أو لفظة (التنطع) التي كانت تعبر عن التطرف والتشدد والمبالغة في ممارسة الطقوس الدينية والشعائر إلى درجة مجانبة الصواب.
وعليه، فقد ذم الشرع الإسلامي الغلو ونهى عنه، واعتبره فعلا سلوكيا شنيعا، وعده تصرفا مكروها وبذيئا، ولكن عندما يرفق الغلو بالقتل والعنف والإرهاب وترويع الناس، فهو فعل جرمي محرم، فيصبح التطرف آنئذ إرهابا وحرابة.وفي هذا، يقول الله تعالى:” إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.
والدليل على كراهية التطرف والنهي عنه ما قاله الله تعالى:” يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ.”
إذاً، يشير القرآن الكريم إلى غلو أهل الكتاب، وتحريفهم لآيات الله وتعاليمه الشرعية إلى درجة التطرف. كما أشار القرآن الكريم أيضا إلى تطرف الرهبان في ابتداع رهبانيتهم المتطرفة، وعدم الحفاظ عليها قيد أنملة، كما يبدو ذلك واضحا في قوله تعالى:” ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ.”
وقد قال الرسول (صلعم) أيضا :” لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ” .
وقال أيضا: “هلك المتنطعون” قالها ثلاثا. وقال أيضا: “إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدين.”
وقد قال الرسول( صلعم) ناهيا عن الغلو: ” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وشيء مِنَ الدُّلْجَةِ .”
تدل هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كلها على شناعة التطرف وكراهيته وبذاءته. وبذلك، يقف الإسلام، كتابا وسنة، موقفا سلبيا من التطرف،ويعده سلوكا منحرفا عن قوام الشريعة المعتدلة والمعتدلة والمتزنة.

المبحث الخامس: أشكال التطرف
يمكن الحديث عن أنواع عدة من أشكال التطرف، ويمكن تحديدها في الأنواع التالية:
المطلب الأول: التطرف في القول
يتميز قول المتطرف بالتشدد والغلو والتنطع، ومجانبة الصواب وحد الاعتدال، واستعمال الشدة والعنف في الدفاع عن آرائه المضللة، ورفضه للحوار والنقاش والجدال الحسن، واستعمال العنف المادي والرمزي في تبليغ آرائه الشاذة. ومن ثم، فالمتطرف المتشدد يأبى سماع آراء الآخرين، ويرفض الإنصات، ولا يقتنع بالاستدلال والحجاج الذي يقدمه الآخرون. وبالتالي، يتعصب لرأيه المنفرد جملة وتفصيلا؛ ذلك الرأي المتنطع الذي ورثه عن الجماعة نقلا ورواية وسوء فهم.

المطلب الثاني: التطرف في الفعل
يتسم سلوك المتطرف وتصرفه بالمفارقة بين القول والفعل؛ إذ يتشدد في ممارسة الدين إلى درجة الغلو والتنطع والتشدد، فيطلق اللحية حتى تصبح منفرة تستفز الناس، ويلبس اللباس المخالف لما يلبسه الآخرون.وفي الوقت نفسه، ينتعل الأحذية الرياضية المعاصرة ، ويستعمل الوسائل التقنية المستحدثة، من هاتف، وسيارة رفيعة، وتلفزة فضائية مقعرة. ويقول أشياء كثيرة عن الدين، ويفعل أشياء واقعية أخرى مخالفة. يظهر للناس مدى التزامه بالدين ورعا وتشبثا وتزكية، ويريهم مدى تمسكه بالسنة الحسنة . لكن أفعاله ، جملة وتفصيلا، لا تعبر عن الوجه الشرعي، فهو فظ المعاشرة، سيء السلوك، كلامه مقزز، وقاس مع نفسه ومع الآخرين، سريع الغضب والانفعال والهيجان، منعزل عن الناس، يرتضي الخلوة بعيدا في المفاوز والصحارى والجبال والكهوف، ويندمج في فرق وخلايا دينية وسياسية وجهادية وتكفيرية سرية ، يكفر البعض، ويلعن البعض الآخر، ويمارس العنف ضد الغير تخويفا وترويعا وترهيبا.

المطلب الثالث: التطرف في المعتقد
يتميز المتطرف بالانحراف على مستوى المعتقد، والتشدد في ممارسة الدين، والاهتمام بالقشور على حساب الفرائض الواجبة والأمور الجوهرية. يحرم الفنون الجميلة بشكل قطعي، ويفهم الدين فهما سطحيا خاطئا ، ويفسره وفق أهوائه وميوله ورغباته ومنازعه الذاتية، أو وفق رؤية فكرية أحادية متشددة، ولايسعى إلى تأويل النصوص الشرعية وفق مستجدات العصر ووقائعه ونوازله المستحدثة.
وأكثر من هذا يكفر الآخرين في معتقداتهم تعصبا وتحريما وتعنيفا، بل يستعمل العنف والإرهاب لترويع المخالفين لمعتقده الديني، باسم الجهاد في سبيل الله، ومحاربة الكفار على أساس أن الحرب الدينية عادلة .وفي هذا، يقول الباحث العراقي إبراهيم الحيدري:” يشكل العنف الديني الذي يأخذ شكل إرهاب دموي مشهدا مريعا من الصراع الديني-السياسي بين الطوائف، وهو الأكثر قدرة على إثارة الرعب والخوف والهلع في نفوس البشر.كما يلعب الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي دورا خطيرا في التفرقة بين طوائف المجتمع والصراع بينها وزرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع المختلفة، سواء في داخل الدين الواحد أم بين طوائفه ومذاهبه المتعددة، وخاصة في المجتمع المتعدد الديانات والمذاهب والطوائف الدينية، عبر فرض إيديولوجية دينية وحيدة الرؤى، مما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وطقوسهم وحريتهم في ما يعتقدون به. إن هذه التفرقة الدينية تساعد على خلق بيئة حاضنة للعنف والعنف المضاد.
وبما أن الدين هو ظاهرة اجتماعية وأنه ينبذ العنف والكراهية، فإن العنف يسجل حضوره بصورة واضحة في سلوك الجماعات الدينية المتطرفة، بالرغم من أن علماء الاجتماع لايجمعون على القول بأن الدين عنيف بطبعه وأن العنف يصدر عن الدين صدورا طبيعيا.”
ويعطي هذا العنف في القول والفعل والسلوك والمعتقد صورة سيئة ومشوهة عن الإسلام. في حين، يعد الإسلام دين السلام والمحبة الرحمة مصداقا لقوله تعالى:” وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.”

المطلب الرابع: التطرف الفكري
ولا يقتصر التطرف على ما هو ديني ومعتقدي ومذهبي وطائفي، بل نجد التطرف حتى عند المفكرين المسلمين والغربيين على حد سواء، ويكون التطرف في التعصب والمغالاة والتنطع والتشدد في الآراء، وخدمة أطماع الحكام والساسة ، وتكريس الاستعمار ، والدفاع عن منطق الاستغلال، وإعطاء المشروعية للكنيسة، ولاسيما المنحرفة منها، لتحقيق أطماعها وامتيازاتها وتكديس الثروات على حساب المؤمنين السذج.
علاوة على تحريف الحقائق العلمية الموضوعية، ومجانبة اليقين والصواب، والتحيز لما هو ذاتي وعقدي وعنصري وطائفي ، والانطلاق من عقائد إيديولوجية ومنازع ديماغوجية واهية ومضللة ومنحرفة. ناهيك عن الابتعاد عن العقل والمنطق والعلم والتجربة ومقررات الشرع الرباني الصحيح.
و قد يؤدي التطرف الفكري إلى تزوير الحقائق، ومناصرة الباطل، والوقوف في وجه الحق، والميل إلى مناصرة الحكام والأقوياء على حساب الضعفاء. وغالبا، ما يتمثل التطرف الفكري في التعصب لمذهب سياسي معين، أو التشبث ببرنامج سياسي معين، أو الميل نحو طائفة معينة، أو تمثل أفكار متشددة، مع محاربة الأفكار المضادة الأخرى، وإقصاء المعارضين والمخالفين والمناوئين، وقذف العلماء والمفكرين والدارسين والفقهاء البارزين بالبهتان والباطل والضلال، أو إقصائهم عن عمد وتربص وإصرار، وتهميشهم بشكل كلي، وعدم الاعتراف بهم، والتنقيص بهم زراية واحتقارا وتذليلا.

المطلب الخامس: التطرف الهوياتي​
يقصد بالتطرف الهوياتي ذلك التطرف المرتبط بالإثنيات والعرقيات المهمشة داخل كينونة مركزية مهيمنة. ومن ثم، تلتجئ هذه الأقليات أو الإثنيات إلى الاحتجاج الصاخب، والجنوح نحو الحراك الاجتماعي والسياسي ، بالتمرد عن الدولة الحاضنة، باستخدام العنف، واللجوء إلى الحرب، وحمل الأسلحة ضد الدولة، وتشكيل عصابات مسلحة همجية، واستعمال المكائد والدسائس للإطاحة بالدولة الأصل. ناهيك عن الاستغلال الزائف لمنظومة حقوق الإنسان للتمرد عن الدولة، أو مواجهتها بالسلاح والعنف والتهديد والإرهاب.

المطلب السادس: التطرف السياسي
يتمثل التطرف السياسي في الصراع الشديد حول السلطة، باستعمال العنف والسلاح ضد الأحزاب المناوئة، وتصفية المعارضين السياسيين، أو اللجوء إلى العنف الرمزي بالقذف والتشويه وتقويل السياسيين الخصوم ما لم يقولوه، واستغلال الإعلام لتوجيه ضربات قاسية مباشرة وغير مباشرة للمخالفين أو المعارضين السياسيين أو للأحزاب السياسية المناوئة. وأكثر من هذا ينبذ المتطرف السياسي آراء الآخرين، ولا يعترف كليا ببرامجهم ومشاريعهم وإيديولوجياتهم، بل يفكر في مصلحته الشخصية دون مصلحة الأمة والوطن والشعب.
المبحث السادس: أسباب التطرف
يمكن الحديث عن مجموعة من العوامل والأسباب التي تكون وراء نشأة التطرف، ويمكن تحديدها فيما يلي:

المطلب الأول: الأمية والجهل بالدين
كثير من المتطرفين المتشددين، في واقعنا العربي الإسلامي، أميون لم يتلقوا تعليمهم الدراسي، أو لم يستكملوه حتى السنوات الأخيرة من التعليم الثانوي أو الجامعي لكي يؤهلهم ذلك إلى التفكير والمناقشة وإبداء الرأي والدفاع عنه. ومن ثم، يجهلون الدين الإسلامي بشكل علمي أكاديمي عميق، ويفهمون العقيدة الشرعية فهما سطحيا سيئا أو خاطئا، بالتوقف عند ظواهر النصوص دون تأويلها، أو دون فهم مقاصدها القريبة والبعيدة، أو دون ربطها بسياقها التاريخي، أو عدم الوعي بسبب نزولها، أو محاولة ربطها بالواقع الميداني المستجد.
وأكثر من هذا فإن كثيرا من العلماء والفقهاء يتشددون في الأحكام الشرعية، ويحكمون بالأهواء ، ويخضعون لماهو سياسي وإيديولوجي، ويثيرون الفتن والنعرات والقلاقل في المجتمع. كما ينفرون الناس في خطبهم الدينية الفارغة المليئة بالحلال والحرام، أو الحافلة بمشاهد الصراط وحطب جهنم، ينطلقون من تصورات مثالية متطرفة ومتشددة .في حين، يعد الدين الإسلامي دينا واقعيا مبنيا على التوازن والوسطية والاعتدال واليسر ، ويوازن بين الدنيا والآخرة.
كما يقوم خطابهم على الترهيب بالنار أكثر مما يقوم على الترغيب في الجنة. ويحرمون بدليل أو بدون دليل اتقاء للشبهات، فيحرمون الفنون الجميلة بصفة مطلقة دون شرط أو قيد واستثناء، ويستعملون الصراخ والزعيق المنفر في خطبهم وشروحهم. وأكثر من هذا لا يثقفون أنفسهم باستمرار، ولا يطلعون إلا على الزهيد من الكتب الدينية الصفراء، دون الاهتمام بالعلوم الأخرى، وخاصة العلوم الإنسانية، كالعلوم السياسية، وعلوم القانون، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلوم التربية…

المطلب الثاني: تعفن الواقع المجتمعي والاقتصادي والطبقي
لايمكن فصل التطرف عن واقعه السوسيواقتصادي؛ لأن التطرف نتاج الظلم الاجتماعي، والغبن المتفشي في جميع المجالات والأصعدة والمستويات، وانعدام العدالة الحقيقية، وغياب تكافؤ الفرص، وانتشار الأنظمة المستبدة والعسكرية والفاشية والظالمة، ووجود تفاوت طبقي اجتماعي بسبب الرأسمالية المتوحشة الناتجة عن العولمة” المغولمة” التي تؤمن بمنطق الربوية، والاحتكار غير المشروع، والتنافس غير الشريف، واستغلال العمال والطبقات الكادحة، وانتشار الفقر والفاقة والبؤس، وانهيار القيم الأخلاقية الأصيلة في المجتمعات المنحطة والموبوءة بالأمراض والآفات المادية والمعنوية، وانتشار الفساد على حساب الحكامة الجيدة، وبروز الصراع الطبقي والاجتماعي الذي يولد الحقد الدائم ضد الأغنياء المفسدين.
المطلب الثالث: التربية الشاذة والقاسية
تقوم التربية بدور مهم في تنشئة الفرد تنشئة صحيحة وصالحة وهادفة لتكوين مواطن صالح لأسرته ووطنه وأمته. بيد أن كثيرا من الأسر تتعامل مع الأولاد والأبناء معاملة صارمة وقاسية ومتشددة ، تدفع هؤلاء إلى الانحراف والتمرد والهروب والهيجان والانفعال . وربما يكون الأب أو الأم قدوة غير صالحة، فيسبب، أو تسبب، في تحطيم الأسرة وإرباكها واضطرابها، فيضيع الأبناء، ويضيع مستقبلهم.
وقد ينتج عن التشدد في التربية الأسرية والمدرسية والجامعية ردات فعل شائنة وشاذة بسبب تطرف المربين ، وعدم تفهمهم لنفسيات الأطفال والمراهقين والشباب، أو مغالاتهم في التفكير الديني تصورا وممارسة؛ مما يترتب عن ذلك انعزال الطلبة المتطرفين عن الأصدقاء وجماعات الفصل ،واستعمال العنف المادي والرمزي ضد الآخرين، بل قد يدفعهم التطرف التربوي إلى المخدرات، والجنوح، والعدوان، والفساد ، وارتكاب الجرائم، وتمثل السلوكيات المتهورة والعنيفة والشاذة ضد الآخرين بسبب أو بدون سبب.

المطلب الرابع: التعصب الأعمى
يعد التعصب الأعمى من الأسباب التي تدفع المرء إلى التطرف والتشدد والغلو والمبالغة في الادعاء ونبذ الآخر وكراهيته حقدا وعدوانا وانتقاما. ويعني هذا أن المتطرف لا يؤمن بالحوار والنقاش والتعايش والتسامح. وبالتالي، يريد أن يؤسس علاقته بالغير على أساس العدوان، والتهميش، والإقصاء، والتغريب، واللامبالاة، والفضاضة في الحوار وتبادل الآراء، ولا يريد بناءها على أساس الأخوة، والمحبة، والصداقة، والتعايش، والتعاطف، والتكامل .
المطلب الخامس:المصلحة والمنفعة
قد يظهر المتطرف المتشدد المغالي تصرفات ظاهرية تنم عن الورع والتقوى والصلاح والهداية وحب الآخرين، والتفاني في خدمة الوطن والأمة على حد سواء، ولكن النوايا الدفينة تكشف عن رغبات مكبوتة بغية تحقيق مكاسب مادية، أو إشباع رغبات جنسية ليبيدية مقموعة منذ الطفولة ، والانتماء إلى أحزاب وطوائف دينية وإسلامية بحثا عن المصالح “السياسوية” الضيقة، أو تحقيق أغراض ومآرب شخصية ، والحصول على منافع وامتيازات ومناصب حكومية ومدنية ، باستغلال الدين، والضحك على ذقون الناس، أو الركوب على الشرع وفتاواه، وتغيير جلده من لحظة إلى أخرى، كلما سنحت له الفرصة لتحقيق منافعه ومصالحه ، ولو كان ذلك على حساب الورع والتقوى و الحقيقة والدين والعقيدة.

المطلب السادس: غياب التوازن النفسي
يعاني المتطرف من مجموعة من الأمراض النفسية كالشذوذ، وضعف الشخصية، وتشابك عقده النفسية. ناهيك عن الإحساس بالنقص، وكبت المشاعر العدوانية التناتوسية، والشعور باللاتوازن النفسي، والجنوح نحو الشهوانية والشبقية والانحراف، وكراهية الآخر، والإقبال على الدين بشكل غير متوازن، والتسرع بشكل منفعل ومتهيج، وعدم التروي في أخذ القرارات الصائبة والحكيمة، والشعور بالدونية والتهميش واللامبالاة والنبذ من طرف الآخرين…

المطلب السابع: العنصرية
من الدواعي التي تدفع المتطرف إلى استخدام العنف والإرهاب والعدوان ضد الآخرين إحساسه بالتمييز العنصري الذي يمارس ضده، أو شعوره بالتغريب والإقصاء والمعاملة المتوحشة من قبل مستقبلين يرفضون تواجده معهم في بلدهم.لذلك، ينبذونه ويكرهونه ويحتقرونه ويزدرونه، ولو كان يحمل جنسيتهم وهويتهم ومعتقدهم.
ويعني هذا أن العنصرية التي تفشت في الغرب، مثلا، قد ساهمت في تأجيج التطرف والعدوان بين صفوف الشباب المغترب، وخاصة في بريطانيا، وفرنسا، والنمسا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، واليونان، وإسبانيا…

المطلب الثامن: الاستبداد والحكم المطلق
يسهم الاستبداد والحكم المطلق في تأجيج نيران التطرف، وزرع التشدد في نفوس الشباب والضعفاء والمراهقين الأبرياء، ولاسيما المتطلعين إلى الحرية والديمقراطية والحياة السياسية الفاضلة، بعيدا عن الفساد المتفشي، وتزوير الانتخابات، ومصادرة حريات الناس وحقوقهم الطبيعية والمكتسبة.
كما تدفع الأنظمة السياسية الحاكمة المستبدة ،ولاسيما العسكرية منها، إلى الحراك الاجتماعي، والثورة على الزعماء والحكام باسم الظلم “والحكرة”، أو باسم الغبن والشطط في استخدام السلطة، كما يبدو ذلك جليا في ليبيا، والعراق، واليمن، وتونس، والجزائر، والمغرب، ومصر، والبحرين، وموريتانيا…

المطلب التاسع: الفتاوى الفاسدة والقراءات الإيديولوجية المغرضة
تعتبر الفتاوى الفاسدة من أهم العوامل التي كانت وراء انتشار ظاهرة التطرف في المجتمع العربي الإسلامي. والسبب في ذلك تكفير الآخرين، والاهتمام بالحرام والحلال، والدعوة إلى الجهاد، والتحريض على العنف والعدوان والإرهاب، وخدمة الإيديولوجيات المغرضة والمضللة والمنحرفة، كخدمة الدعاوى الشيعية أو الوهابية أو السلفيات المتشددة والمغالية في الدين.
علاوة على توظيف الدين الإسلامي في المجال السياسي للوصول إلى السلطة، باستلاب الناس، واستغلال وعيهم الزائف، والغياب الكلي للبرامج الواقعية السياسية الحقيقية، ولاسيما الاقتصادية منها، وعدم الاعتراف بالآخر، وغياب الحوار السياسي المتزن القائم على الحجاج والإقناع والاقتناع، كما نشهد ذلك عند الأحزاب والتيارات الإسلامية في تونس،ومصر، والمغرب، والجزائر، والأردن…

المطلب العاشر: الخلل المؤسساتي
قد يكون التطرف ناتجا عن وجود خلل وظيفي في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر سلبا في الإنسان، فتدفعه إلى الانحراف والجنوح والإقدام على التصرفات الشاذة التي تهدد المجتمع الإنساني بأسره. ناهيك عن التربية القاسية والصارمة والعنيفة التي يتلقاها المتطرف في بيئته الاجتماعية التي تدفعه ليكون متطرفا في المستقبل.
علاوة على المعتقدات الضالة والمنحرفة والمتشددة التي يكتسبها المتطرف في الكتاتيب والمدارس والمؤسسات الدينية والتعليمية التي تجعل منه إنسانا متطرفا ومغاليا.

المطلب العاشر: التكفير
ثمة مجموعة من الأسباب والدواعي التي تدفع الإنسان إلى تكفير الإنسان الآخر منها: عدم فهم الدين فهما حقيقيا بمراعاة مقاصده القريبة والبعيدة، أو التوقف عند ظاهر النص، دون استنطاق دلالاته العميقة. علاوة على الاختلافات السياسية بين الفرق والجماعات الإسلامية، وتناقض مصالحها، وتضارب أهوائها الإيديولوجية. ناهيك عن فهم الأمور الدينية والواقعية والسياسية فهما سطحيا، دون التعمق في حيثياتها الحقيقية، والغلو والتطرف في الدين، وعدم التسامح والتعايش مع الشعوب المخالفة للمسلمين، والإسراف في التحريم، والتباس المفاهيم، والاشتغال بالقضايا الجانبية بدل الاهتمام بالقضايا الكبرى . أضف إلى التسرع في الأحكام الدينية والفقهية، وعدم التروي في ذلك، وضعف البصيرة بالدين. ناهيك عن الجهل، والابتداع، واتباع الهوى، ومنع حرية التدين، والغلو في فهم معاني الجهاد والتكفير والتحريم والابتداع…

المبحث السابع: نتائج التطرف
ينتج عن التطرف والغلو والتشدد خراب المجتمعات الإسلامية وهلاكها، وانهيار العمران البشري، وانتشار الفتن والقلاقل والمشاكل المستعصية والحروب، وانعدام الأمن والسلم والاستقرار والطمأنينة، وتهجير المواطنين الآمنين باعتبارهم لاجئين إلى دول أخرى مماثلة أو مخالفة لنا في اللغة، و الدين، والهوية، والحضارة.
وينتج عن التطرف كذلك مجموعة من الموبقات والآفات الخطيرة كالاستبداد والحكم الطلق، وغياب الديمقراطية، ومصادرة الحريات وحقوق الإنسان الطبيعية والمكتسبة، ونبذ الحوار والاختلاف، وتدهور المنظومة التربوية والتعليمية، وتفشي الظلم والعنف والعدوان الكراهية والحقد والإرهاب، وتقديم صورة سيئة ومشوهة عن الإسلام والمسلمين…
ويعلم الكل أن التطرف قد ساهم في انهيار مجموعة من الدول العربية والإسلامية، مثل: ليبيا، واليمن، ومصر، والبحرين، وتونس، وسوريا، والعراق…
ومازال التطرف يهدد دولا أخرى كالسعودية، وتركيا، ولبنان، والمغرب، والجزائر، ودول الخليج العربي، وخاصة الكويت والإمارات العربية…
ومن النتائج الكبرى التي تترتب عن التطرف انتشار العدوان المادي والرمزي بكثرة في المجتمع العربي والإسلامي، وتفشي الفكر الجهادي الإرهابي القائم على ترويع المواطنين ، وترهيبهم بأعتى الأسلحة الفتاكة، وانتشار ظاهرة التكفير الناتجة عن عدم فهم الدين فهما حقيقيا بمراعاة مقاصده القريبة والبعيدة، أو التوقف عند ظاهر النص، دون استنطاق دلالاته العميقة. علاوة على الاختلافات السياسية بين الفرق والجماعات الإسلامية، وتناقض مصالحها، وتضارب أهوائها الإيديولوجية. ناهيك عن فهم الأمور الدينية والواقعية والسياسية فهما سطحيا، دون التعمق في حيثياتها الحقيقية، والغلو والتطرف في الدين، وعدم التسامح والتعايش مع الشعوب المخالفة للمسلمين، والإسراف في التحريم، والتباس المفاهيم، والاشتغال بالقضايا الجانبية بدل الاهتمام بالقضايا الكبرى .
أضف إلى التسرع في الأحكام الدينية والفقهية، وعدم التروي في ذلك، وضعف البصيرة بالدين. ناهيك عن الجهل، والابتداع، واتباع الهوى، ومنع حرية التدين، والغلو في فهم معاني الجهاد والتكفير والتحريم والابتداع…

المبحث الثامن: حلول للحد من التطرف
يبدو أن التطرف ظاهرة اجتماعية حادة وخطيرة تهدد المجتمع الإنساني بالويل والهلاك والثبور والحروب والفتن والدمار الشامل، وينم ذلك عن تشدد مبالغ فيه، وغلو معسر، وانحراف عقدي واضح، و جمود فكري جلي. إذاً، كيف يعقل اتهام مسلم بالتكفير، وهو يؤمن بالله ، ولا يشرك به أحدا، ويقيم فرائض الإسلام؟ لذا، لابد من الاحتراز والتريث والتروي في إصدار الأحكام الخطيرة المتطرفة والمجانبة للصواب كالتكفير.
وعليه، فثمة مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة التطرف والتشدد والغلو والتنطع. ويمكن حصرها فيما يلي:
u الابتعاد عن الغلو والتشدد في الدين مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:”إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”. وقال أيضا” هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون”. وقال الله تعالى: ” ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ “
v تمثل المنهج الوسطي، والتشبث بفكرة الاعتدال، ونبذ التشدد، مصداقا لقوله تعالى: ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا”.
وقد قال الرسول( صلعم) ناهيا عن الغلو: ” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وشيء مِنَ الدُّلْجَةِ .”
w نبذ العنف والغلو والتنطع، وتمثل منهج السلم الأخلاقي والديني والاجتماعي كما في قوله تعالى: ” يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين”
x الانطلاق من شريعة التسامح والتفاهم والعفو والتعايش والتعاون والتكامل مع الآخرين، والدفاع عن الإنسانية قاطبة، والابتعاد عن سياسة الإقصاء والتغريب والكراهية والتكفير. وفي هذا السياق، يقول الله تعالى:” وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون “، وقد قال سبحانه وتعالى أيضا: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” .
yالانفتاح على جميع الشعوب الأخرى، سواء أكانت قوية أم ضعيفة، على أساس التعارف والتكامل والتفاهم والتسامح مصداقا لقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.”
z الاعتراف بالاختلاف مصداقا لقوله تعالى :” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين”. ومن هنا، فالاختلاف نوعان، اختلاف تنوع، فهو مقبول في الإسلام؛ لأنه اختلاف شكلي في الفروع والتفصيلات. أما اختلاف التضاد، فهو اختلاف مذموم؛ لأنه اختلاف جوهري يمس أصول العقيدة، والمبادئ الدينية، ويكون اختلافا من أجل الاختلاف والخلاف ليس إلا.
ويعترف الإسلام أيضا بالجدال الحسن مصداقا لقوله تعالى:” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”.
{ تمثل الواقعية والعقلانية ومنطق التروي قبل التشدد والتطرف وإصدار الحكم بالتكفير؛ لأن في ذلك ظلما وتجنيا واعتداء على معتقد الآخر، مهما اختلفنا معه في الأفكار والمعتقدات والتصورات مصداقا لقوله تعالى:”لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”.
| المصالحة بين جماعات العمل الإسلامي والتيارات الوطنية والقومية، والمصالحة بين المؤسسات الرسمية والشعبية، والمصالحة بين الشعوب والأنظمة، مع الابتعاد عن الغلو والتشدد والتطرف، وعدم الاحتكام إلى سلاح الإقصاء والعدوان والعنف والإرهاب والتكفير، مصداقا لقوله تعالى:” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.
} فهم الإسلام فهما عميقا ودقيقا ومضبوطا، بمراعاة مصالحه وواقعيته ومقاصده الشرعية القريبة والبعيدة، ومراعاة الظروف والأحوال والعادات والتقاليد والأعراف، والتدرج في إصدار الأحكام، والاجتهاد في استنباط الأحكام في التعامل مع الآخر أو الغير الأجنبي. وقد قال الله جل وعلا :”كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.”
~ الابتعاد عن حكم الهوى، وتجنب المنطلقات الإيديولوجية والسياسية والحزبية، وعدم الارتكان إلى المصالح الشخصية مصداقا لقوله تعالى:” والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى.” وقد قال تعالى أيضا:” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”.
ومن جهة أخرى، يمكن أن نضيف حلولا أخرى، ويمكن تجميعها في ما يلي:
u استخدام الحجاج في الحوار
لقد كثر- اليوم- الحديث عن الحجاج ودوره الناجع في مقاربة مختلف الخطابات العلمية والإنسانية والثقافية، وقد تناولته بالتحليل والدرس والتقويم والمعالجة دراسات وأبحاث وكتب ومقالات من الصعب حصرها؛ إذ أصبح الحجاج موضوعا لافتا للانتباه بسبب حضوره الكلي أو الجزئي أو الضمني في مجموعة من الخطابات، سواء أكانت فلسفية أم أخلاقية أم قضائية أم أدبية أم سياسية أم سيميائية أم لسانية أم اجتماعية أم فنية …
ويعني هذا أن عصرنا هو عصر الحجاج والجدال والإقناع والـتأثير والحوار ،ولاسيما مع تطور وسائل الإعلام، وانتعاش الديمقراطية في مجموعة من الدول الغربية و العربية. و مافتئت الحاجة ماسة إليه بعد أن كثر الخلاف والعنف والتطرف والإرهاب؛ لأن الحجاج سبيل العقل والمنطق والاختلاف والتسامح والحوار البناء والجدال الحسن.
ومن هنا، أصبح الحجاج أداة لمناقشة الأفكار مهما كانت طبيعتها ومصداقيتها، وغدا آلية مهمة في محاورة الأطراف المشاركة في عملية التواصل، والغرض من ذلك كله هو التأثير أو الإقناع أو الحوار، أو مناقشة الآراء المطروحة بالتشكيك في صحتها، أو معارضتها، أو تأييدها، أو تثبيتها ، أو اقتراح أفكار أخرى للوصول إلى جواب مقنع وشاف لمجموعة من القضايا والأسئلة الخلافية التي يتجادل حولها الناس والمفكرون والعلماء على حد سواء.
وللإشارة، فليس الحجاج ظاهرة فكرية حديثة، بل له امتدادات قديمة خاصة عند العلماء اليونان والرومان والمسلمين، ويتجلى الحجاج واضحا في ثقافتنا العربية الإسلامية في علم الكلام والفلسفة وعلم الأصول والنحو والمناظرة والمنطق والخطابة…
وينبني الحجاج، في طابعه العام، على طرح الدعوى والدعوى المضادة، واستعراض الحجج والأدلة والأمثلة لإفحام الخصم بغية الوصول إلى نتيجة قد يقتنع بها المتلقي أو لا يقتنع.
كما يستند الحجاج إلى مجموعة من الآليات الاستدلالية وأساليب التفسير والبرهنة، مثل: أسلوب التعريف، وأسلوب الوصف، وأسلوب السرد والوقائع، وأسلوب الشرط والافتراض، وأسلوب التمثيل، وأسلوب المقارنة، وأسلوب التقويم والحكم.
دون أن ننسى بعض الآليات الحجاجية الأخرى، مثل: الشرح، والاستقراء، والقياس، والاستدلال، والتعارض، والجدل، والتطابق، والاستثناء، والهدف، والسبب، والإضافة، والنتيجة، واستعمال الفعل المضارع الدال على الحضور، وتمثل الصدق والحقيقة ، وتوظيف الظروف بكل أنواعها لاسيما الدالة على الحجاجية، مثل: من الأكيد، وربما، ومن المحتمل، ومن المفترض، ومن الثابت… والاستعانة بضمير المتكلم، والانطلاق من الذاتية في الخطاب، وتوظيف أحكام التقويم، والتدخل في الخطاب عن طريق مجموعة من المؤشرات التلفظية الذاتية والنبرات التنغيمية الدالة على التعجب أو التهكم أو السخرية…
ويقوم الحجاج كذلك على الجدل المبني على الأطروحة ونقيضها وتركيبها، واستعمال أنواع مختلفة من الأدلة كالأدلة المنطقية، وأدلة الواقع والتجربة، وأدلة الاستشهاد والتضمين والاقتباس، وأدلة المقايسة والمماثلة…
ومن جهة أخرى، يهدف المتكلم المحاجج إلى التأثير في المتلقي باستعمال ضمير المخاطب، والترغيب والترهيب، وصيغ التنبيه والتأثير والإقناع، وأساليب النداء والحث والنصيحة والإرشاد… فضلا عن الصور البلاغية وأساليب التحفيز والتطويع…
ويعني هذا كله أن الحجاج خير سبيل للحد من ظاهرة التطرف، ويعد كذلك أهم آلية لمحاورة المتطرفين ومناقشتهم وجدالهم بأحسن السبل مصداقا لقوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
v تدريس الفلسفة:
يسعفنا تدريس الفلسفة في تكوين ناشئة عقلانية متزنة ومتروية بامتياز، تؤمن بالعقل والمنطق والحوار الحجاجي في الدفاع عن الأطاريح الفكرية والسياسية والدينية المختلفة، وتجديد المناهج الدينية والشرعية التي تدرس بالمدارس والمعاهد والجامعات وفق رؤية عصرية حداثية، تأخذ بمستجدات العصر، وتنطلق من فقه الواقع وفقه المقاصد الشرعية، دون تشدد أو تطرف أصولي أو راديكالي.
علاوة على الاستهداء بالفقه الحنفي القائم على العقل والاجتهاد، والأخذ بفقه الواقع الميداني، وتجاوز الفقه المتشدد والمتطرف القائم على التعسير والتنفير والترهيب.
ويعني هذا أن الفلسفة ضرورة تربوية وتعليمية ومنهاجية ينبغي تمثلها في مؤسساتنا التعليمية للقضاء على التطرف والغلو والتشدد، وبناء إنسان مسلم متحرر ومتحاور ومناظر بروية وحكمة وعقل واتزان.
w إدماج المتطرفين في المجتمع
من الواجب أن تدمج الدولة المتطرفين في المجتمع، بتقديم دين وسطي معتدل ومتوازن، وإعادة تكوينهم من جديد، والتحكم بشكل جيد في المدارس العتيقة، والحد من تدريس الفقه الأصولي الجامد، وتقريب هؤلاء من الواقع الحي، وإعادة إدماجهم في الحياة المجتمعية، بتنشئتهم تنشئة مواطنة صالحة ومعتدلة ومتوازنة.

وخلاصة القول، هذه هي أهم الحلول المقترحة للحد من ظاهرة التطرف والغلو والتشدد. وبالتالي، لايمكن محاسبة المتطرفين بالعنف والعقاب والمحاكمات القضائية، بل بتجديد المناهج التربوية والدينية، وتنقيتها من الشوائب والزوائد، وتشذيب كل ما يمت بصلة إلى التطرف والتكفير والفكر الجهادي، وإعادة تنشئتهم وفق منطق الحياة المتفائلة ، ومعاملتهم معاملة حسنة، وإدماجهم داخل المجتمع، ومعالجتهم نفسيا واجتماعيا.

*باحث أكاديمي وناقد مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق