ثقافة السرد

حماريات ممدوح (سداسية قصيرة ساخرة)

(1-6 ) عم محمود وحماره

بقلم: ممدوح أحمد فؤاد حسين

منذ قرون وقرون كان عم محمود بوسطجي قريتنا يركب حماره كل صباح ويوزع الخطابات على أهل القرية وفي نهاية كل شهر يستلم راتبه (ثلاث جنيهات). اكتشف عم محمود أنه يعمل لصالح الحمار فهو يشتري للحمار البرسيم بجنيهين, ولا يبقى إلا جنيها واحدا يصرفه على زوجته وأولاده.اشتكى عم محمود لحضرة العمدة فرق قلبه لحاله, ولكنه كان ساذجا فبدلا من أن يرفع راتبه أصدر قرار بتعيين الحمار براتب جنيهين شهريا, فكانت قريتنا أول من عينت الحمار!!!

غضب الحمار, وحقد على عم محمود, أنا الذي أحمله وألف به علي القرية كلها ومع ذلك راتبي أقل من راتبه, فقام بأول انقلاب, واضطر عم محمود تحت  إلحاح زوجته وتأثرا بصراخ أولاده من الجوع, إلى الرضوخ للأمر الواقع, وصار في كل صباح يحمل الحمار ويوزع الخطابات ويرضي بالجنيهين.

استحسن الحمار اللعبة, وازداد تطلعا إلي المزيد والمزيد فأدمن الانقلابات ومع كل انقلاب يتقلد منصبا جديدا وينعم براتب أكبر حتى أصبح عمدة للقرية.

تحير الحمار كيف يدير شئون القرية, وهو يعرف أنه لا يزيد عن كونه حمار. فى أول الأمر فكر في الاستعانة بأهل العلم والخبرة, إلا أنه تراجع سريعا فسينفضح أمره, ولن يطيع أحد حمارا, وسيعود حمارا يحمل عم محمود كما كان.

تلصص الحمار علي مجموعة من النسوة أملا في نظرة من هذه أو من تلك, فاستمع إحداهن تقول (الطيور على أشكالها تقع) فانصرف سعيدا وهو يقول (الحمير على أشكالها تقع) فاستعان بمجموعة من الحمير لتدبير شئون القرية, فأنزلقنا في بحر التخلف حتى أصبحنا في ذيل القرى.

وبعد قرون من تعيين أول حمار, تقدم العالم وركب الفضاء ونحن ما زلنا نركب الحمار.

أسف..أسف..  ما زال الحمااار يركبنا!!!.

(2-6) مرفوس مرفوس يا ولدي

المشهد الأول :

سُئل حمار قريتنا : لماذا ترفس من يمشي خلفك ؟

فقال : لأنه مغفل يمشي وراء حمار!!

فقيل له : فلماذا ترفس من يمشي أمامك ؟

فقال : لأنه لم يحفظ قدري ومقامي فمشي أمامي!!

يزعم المقربون من العندليب الأسمر أن أصل أغنيته (مظلوم مظلوم يا ولدي) هي (مرفوس مرفوس يا ولدي) ما دمت من أهل قريتنا !! . ولكنه اضطر إلي تغييرها خوفا من الحمار !!

المشهد الثاني:

لم أجد أعجب من حمار قريتنا إلا أهل قريتنا فهم يفضلونه علي أنفسهم وأولادهم, يزرعون له البرسيم ولا يزرعون لأنفسهم القمح. يوفرون له فرصة العمل وشبابهم علي المقاهي .

وفي المساء يعود الحمار إلي زريبته فيجد الحمارة في انتظارة. أما شباب القرية , فبعضهم  يغني (عيني علي العازب عيني عليه حاطط المخدة ما بين رجليه). والبعض الآخر يُمني نفسه (بدنا نتزوج على العيد) .

ومن غفلتهم نسوا أنه منذ ركب الحمار قريتنا لم نرى عيدا .

والأعجب من كل هذا: إن أهل قريتنا يتسامرون (رضينا بالحمار والحمار مش راضي بينا), فهو يصارحهم أنهم غير مؤهلين للديمقراطية, وأنهم سبب كل كارثة, فهذه الكارثة بسبب البناء بدون ترخيص, والأخرى بسبب جاموسة, حتى الغرقى لم يغرقوا بسبب عيوب بالمركب بل لأنهم لا يجيدون السباحة!!

المشهد الثالث:

من بين كل حمير العالم, لم أجد أحمر من حمار قريتنا. فقد غره استكانة وخضوع أهل قريتنا فتصور أنه لا حياة للقرية بدونه . وذات ليلة نظر الحمار في المرآة فأدرك أن وفاته قد قربت . فأنجب حمارا صغيرا.

المصيبة أنه يريد لحماره الصغير أن يركب قريتنا!!

فهل يركب الحمار الصغير قريتنا!؟

أم لا يُرفس أهل قريتنا من الحمااار مرتين!!؟

(3-6) الحمار باق باق

قذف عم محمود بالجريدة من يده, وطار فرحا وهو يصيح: وجدتها وجدتها, وطاف على أهل القرية يطرق الأبواب بابا بابا, يبشر أهلها بالخلاص من الحمار والاستبداد والتخلف, واجتمع أهل القرية يستمعون لعم محمود.

إن إحدى الشركات الأجنبية تقدمت بعرض لاستيراد حمير قريتنا لأن التجارب أثبتت أنها أحسن حمير في العالم وأنهم سوف يستخلصون من جلودها بعض المواد الفعالة غير الموجودة في كثير من حمير العالم.

فهاج الناس وماجوا: الله أكبر .. فرج الله قريبا..

فخاطبهم عم محمود قائلا : مهلا أيها الناس .. المسألة ليست بهذه البساطة, فرج الله لا يأتي للكسالى والتنابلة .. تعلمون أن الحمار استعان بالكثير من الحمير لتدبير شئون القرية ويجب التخلص منهم جميعا . حتى وإن استوردت الشركة كل حمير قريتنا فهذا لا يكفي.

تعجب أهل القرية: لماذا؟!

إن الحمير استولوا على كل القرى من حولنا ولم تعد هناك قرية واحدة في منطقتنا غير خاضعة للحمير, وإذا تخلصنا من حمير قريتنا فسيتأمر علينا الحمير في  منطقتنا لأنه بتخلصنا من حمير قريتنا سنتخلص من الاستبداد والتخلف وننعم بالحرية والحضارة والتقدم, وتبقى قراهم على حالها  من التخلف فينفضح أمرهم ويظهر عجزهم. لذلك سيتآمرون لعودة الحمار.

فصاح أهل القرية: وما الحل؟ ماذا تريد أن نفعل؟

الحل أن نتخلص من كل حمير المنطقة, والشركة المستوردة للحمير لن تستطيع أن تشتري كل الحمير. لذلك وعملا علي تشجيع التصدير قمت ببيع قيراط من أرضي وتبرعت بثمنها لتصدير أول حمار. فمن يتبرع بثمن الحمار الثاني؟

وواصل الحديث: يجب عليكم جميعا أن تتبرعوا بالغالي والنفيس من أجل الخلاص من كل الحمير في  كل القري في كل منطقتنا.

تلعثم أهل القرية, هذا يقول إن عندي بنت أريد تجهيزها وينصرف, وأخر يقول عندي عيال في المدارس أريد تعليمهم وينصرف و… و… .

وأنصرف أهل القرية جميعا, وتركوا عم محمود بمفردة, فانقض عليه الحمير وأودعوه السجن.

قبع عم محمود  في سجنه حزينا, لا على حاله الذي وصل إليه كما يظن الكثير, ولكن لأنه:

أيقن أن الحمااار باااق باااق.

(4-6) شي يا حمااار

جلس عم محمود في سجنه يسلي نفسه ويقول:

بكرهك يا حمار

وأحزن لما أنسي يوم

أقولك يا حمار

وأفرح لما أسمع كل الناس

تقولك يا حمار

فرحوا قلبي وقولوا يا حمار

*     *      *

حرمت المبيحات

أبحت المحرمات

حاربت الفضيلة والمحجبات

نشرت الرذيلة ومدحت العاريات

قهرت العفة والمنتقبات

رفعت شأن الراقصات

أمرت بالمنكرات

نهيت عن المعروف والخيرات

شايب وعايب وساقط في الشهوات

ضيعت الصناعات والزراعات

وتأكل الكافيار والجاتوهات

لا نجد البقوليات

وتنعم بالمكسرات

حرمتنا الضرورات

وغارق في الملذات

ضيقت علينا الحجرات

ولك ولكلابك القصور والفيلات

حشرتنا في  المواصلات

وللمسبحين بحمدك الطائرات

سرقت الخيرات

ورميتنا في الطرقات

قربت أهل الثقة والطاعات

وأبعدت أهل الخبرات والقدرات

زورت الانتخابات

قمعت الحريات

أغلقت الأبواب والشرفات

سحلت المعارضين والمعارضات

ملئت بهم المعتقلات

ذبحت الأخوة واستحييت الأخوات

وأدتُ أحلام البنين قبل البنات

سلبت الحقوق وكبلتنا بالواجبات

سخرت الشعب تسخير الحيوانات

*     *      *

لك يوم يا ظالم

هيجي

هيجي اليوم اللي أركبك

وأقولك شي يا حمار

شي يا حمااار

(5-6) ذبح الحمير

ببضع حبات من أقراص الفياجرا باع السجان ولائه للحمار وسمح لعم محمود بالهرب. اضطر عم محمود للتخفي والتنكر في تنقلاته حتي يفلت من أعين البصاصين, ولاحظ تغييرا أدخل السرور في قلبه وأنعش أماله بقرب التخلص من الحمار. سمع الرجال في مجالسهم الخاصة, والنساء في أعراسهم, والأطفال في شوارعهم, يتسامرون ويتغنون ببعض من الأبيات التي كتبها في سجنه . سمعهم يقولون:

لك يوم يا ظالم

هيجي

هيجي اليوم اللي أركبك

وأقولك شي يا حمار

شي يا حمار

فأدرك أن الوقت قد حان للقيام بعمل كبير للتخلص من الحمير .. كل الحمير.. أخذ يفكر حتى اهتدى إلى التقرب من كبير الجزارين, بعد حوار ونقاش اقتنع كبير الجزارين بضرورة ذبح الحمير, ولكنه قال لعم محمود : إني لا أستطيع أن أقنع الجزارين بالقيام بهذا العمل, فرد عليه: لا أريد منك إلا أن تجمع كل الجزارين وسوف أقوم بإقناعهم.

اجتمع الجزارين وبدأ عم محمود في شرح الفوائد العظيمة لذبح الحمير.

إخواني الجزارين:

بذبح الحمير سنزرع الطعام لأولادنا بدلا من البرسيم ويتحقق بذلك الرخاء والاستقلال الاقتصادي وما يتبعه من استقلال سياسي.. (لن تكون كلمتك من رأسك إلا إذا كانت لقمتك من فأسك).

وبذبح الحمير سيضطر العربجية لتشغيل الشباب العاطل فيتم القضاء على البطالة وآثارها النفسية والاجتماعية الخطيرة .

وبعد حل أزمة البطالة سيقبل الشباب علي الزواج فتنتهي أزمة العنوسة ونسمع زغرودة حلوة ترن في قريتنا.

والأهم من كل ذلك أنه بذبح الحمير سنتخلص من الاستبداد والفساد والتخلف وننعم بالحرية والرخاء والتقدم.

بدأ الحماس يشتعل في قلوب الجزارين, وبدأ كبير الجزارين الحديث بتشجيعهم على القيام بذبح الحمير وأعلن عن تبرعه بكل ممتلكاته لمن يقوم بذبح حمار عم محمود.

ثار الجزارين في الطرقات ولم يجدوا حمارا إلا ذبحوه, وانضم إليهم أهل القرية حتي ذبحوا كل الحمير, ونال حمار عم محمود ضربة قاتلة.

وسمع أهل القري المجاورة بثورة الجزارين فتشجعوا, وخرجوا يذبحون الحمير, وتخلصت قريتنا وكل القرى المجاورة من الخضوع للحمير.

واستباقا لغضب جمعيات الرفق بالحيوان أرسل عم محمود رسالة اعتذار لبرجييت باردوا يعتذر فيها عن ذبح الحمير, إلا أنها فاجأته برسالة تهنئة قالت فيها:

(إن الحمير التي قمت بذبحها كانت عار على كل حمير العالم قبل أن تكون عارا علي الجنس البشري).

وبشرته (بأنه قد تم ترشيحه للحصول علي جائزة نوبل للسلام تقديرا لجهوده في تحرير أهل قريتنا وقري المنطقة بأثرها).

(6-6) الحمير لا يدخلون الجنة

خلال ثورة الجزارين التي أنهت خضوع قرى المنطقة للحمير نال حمار عم محمود ضربة قاتلة, وأدرك أنه ميت لا محالة, وتذكر الجنة والنار, وما كان من الذاكرين, تذكر ذنوبه, وكان يظن نفسه إمام المتقين, فأخذ يصيح مرددا:

ما أغني عني ماليَ

هلك عني سلطانيَ

سامحوني.. سامحوني

ثم طاف على أهل القرية يطلب العفو والغفران , وعلى باب دار للأيتام قال:

سامحني

أيها الطفل اليتيم

ما مسحت يوما علي رأس يتيم

ما كنت للمسكين طعيم

ما داويت منكم سقيم

لم أجعل لكم حظ من تعليم

وعلى الشاطئ أخذ يخاطب الغرقي فقال:

سامحني

أيها الشاب الغريق

في البحر ذي العمق السحيق

حرمتكم من خير البلد الوفير

لم تجدوا غير الأبواب المغاليق

صادرت الأحلام وظننت أنني رزيق

ما كنت للحق حقيق

فحييتم بلا زفير ولا شهيق

وتحت شرفة دار للفتيات قال:

سامحيني

أيتها العروس

لم تري قمرا في ليل طويل

ولا حلم, بل كابوس وبيل

لم تفرحي بعرس ولا حب نبيل

لم تلاعبي طفلا في نهار جميل

حياتك ضباب وغيوم وعويل

وامام باب للمسنين أخذ يقول:

سامحيني

يا أم الشهيد

ما كنت أدري أن الله شهيد

لم تشهدي يوم عيد سعيد

كنت للرحمن عنيد

ثم هام على وجه في طرقات القرية كالكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث وأخذ يطلق صرخاته:

سامحوني

بماء الصديد  سيغسلوني

بسرابيل من قطران سيكفنوني

في حفرة من حفر النار سيقبروني

في يوم مقداره ألف سنة سيبعثوني

في يوم تدنو الشمس من الرءوس سيحشروني

في الدرك الأسفل من النار سيلقوني

فهل تسامحوني؟

وأنقسم أهل القرية إلى فريقين: فريق يقول: أرحموا حمار قوم ذل, وفريق أخر يرفض أن يسامحه.

فذهبوا إلى عم محمود ليحكم بينهم.

بعدما أستمع عم محمود للفريقين, مصص شفتيه, وضرب كفا على كف, وقال:

عجبا لكم, أما علمتم أن الحمييير لا يدخلون الجنة.

وبعدما لفظ حمار عم محمود أنفاسه الأخير.. سمع أهل القرية صوتا نكرا:

أخذوني فغلوني

بسلسلة ذرعها سبعون ذراعا قيدوني

عن ذنوبي ما سألوني

في سجيل رموني

بالنار صلوني

بالحميم  والصديد سقوني

الماء السلسبيل منعوني

بالزقوم والغسلين أطعموني

الحب والرمان حرموني

في العذاب المقيم تركوني

عن جنة النعيم أبعدوني

عن الحور العين حجبوني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق