ثقافة السرد

المتنمر

رشا بكر⁩*

على أريكته الصغيرة امتد جسده، فكان لا يسعه أن يتقلب عليها إلا بحذر، ينام تحت غطائه الخشن يشخر تحت زجاج النافذة المكسور، وكان الهواء البارد يعوي في الخارج يصفر متخللا الفراغات بين الزجاج المهشم، التي حاول سدها بأكثر من وسيلة فاشلة،إلى أن تمكن من سد جزء كبيرة منها بكارتونة نتيجة العام الماضي، نحيف الجسد، منحوت الوجه، ثلاثيني العمر، فقيرالحال، يريد الترحال.
تغافله حركات جسده الذي يرغب في الطيران،ينتفض ويهتز، فتهتز الكنبة الصغيرة المتفسخة، فيما يداهمه صوت أمه:”قم.. قم”.. في كل ليلة يرى أنه سندباد على متن سفينة في عرض البحر، وحينما يستيقظ مشفقًا على حاله فيقول: “كل شيء في السفينة كان ملكي صواريها ومشاياتها وطاقمها وكنت أنا القبطان”.
قم..تقترب أكثر وتتمضمض بحرف القاف الدائر في حلقها.
قم.. بفم شبه خال من الأسنان.. قم..كان وقعها كالمسامير.. وانهالت الوخزات.. قم..والنوم أكثر الأشياء براءة.. قم.. فينتفض وينقلب على جانبه الآخر.. والكنبة شبه المتفسخة تتفسخ أكثر،فيطحن ضروسه مستكملًا نومه ومحاولا تجاهل صوتها النافذ عبر الهواء زاحفًا من حنجرتها على الجدران يرن،مُحكمًا الغطاء على جسده، وكانداسًّا رأسه تحت الوسادة يمضغ أسنانه..لكن الأم لا تيأس أبدًا.. كلما فعل ذلك تقترب وتهزه “قم بقولك”.. وتهزه من كتفه..فتنطلق منه أنات نفاذ الصبر، ويقرر أن يضع للأمر حدًّا.. فينتفض واقفًا أمامها كالجندي.

لا يهم إذا قام بغسيل وجهه أم لا، لا يهتم بوجبة الإفطار، فقد يتسبب تناولها في تأخره عن موعد العمل وبذلك سيخصم رئيس العمل من الماهيته،فرئيس العمل دائمًا لا يعجبه شيء، وغير مكترث بالعمال؛ ولذلك لا يهم ما سيرتديه، فخزانة الملابس خاوية إلا من قميصين، وماذا يهم في ما قد أكل أو فعل.. المهم أن يكون أعمى أبكم وأصم..يؤدي عمله في طاعة بكل جهد وإخلاص وأمانة، ليقبض في نهاية الشهر مرتبه المنقوص ربعه.. ودائمًا يضع المرتب في جيب سرواله فتقتنصه الأم ..كان يشعر دائمًا بأنه يحرث في بحر.

يسير إلى محطة الأتوبيس مارًّا بالحارات والأزقة وشوارع تتلوى يتصاعد منها الدخان،هواؤها كان فاسدًا.. يهش الهواء بيده.. لكن لا فائدة!خليط من روائح الدخان..القمامة..الأطعمة الفاسدة.. فضلات الطيور كل شيء فاسد ورائحته فاسدة … لقد استسلمت أنفه لتلك الروائح وباتت حواسه الأخرى أيضًا مستسلمة جراء الاعتياد..إننا لا نعتاد شيئاُ إلا إذا مات فينا شيء آخر.
الشوارع تنقع بعيون من المياة الراكدة يتقافز فوقها كمهرج في سيرك ..

يلتقط حجرًا صغيرًا من الأرض ويركله بقدمه اليمنى، ثم بقدمه اليسرى بتكنيك محترف…أن يكون لاعبًا ضمن فريق النادي الشهير.. ذلك كان حلمه عندما كان صغيرًا، لكن ذلك لم يحدث، كلما قابل أو جالس أحدًا يتنهد ويقول: “لو كنت تركت التعليم وركزت في اللعب بالكرة لصرتُ واحدا من أغنيّاء اليوم”..وظل يركل الحجر بقدميه على التوالى ويمرره إلى أن يصل الميدان حيئذا يدسه في جيبه،وإلى العربة يصعد ويزاحم كتلًا من اللحم البشري المتداخلة..يصارع بكلتا يديه أمواج من الزفير الملتهب فيصيرالهواء خانقا في عز طوبة ..يدور الأتوبيس حول الميدان الواسع الذي تتفرع الشوارع من حوله وكلما ابتعد عنها تزداد اتساعًا عبرطريقا صحراوي يصل.

ينزل راميا بحجره على الأرض المسفلتة لشارع نظيف على جانبه سور، في قلب السور تقبع بوابة حديدية ضخمة يقف حراسها الأشداء كالبيادق يفتشونه في اليوم مرتين عند دخوله وعند مغادرته، في كل مرة يجدوا حجره الصغير، يلقون به على الأرض، فيعاود ركله.

يجد نفسه واقفًا تحت البرج الشاهق.. برج عالٍ سامق في العنان.. وحيث مشرف العمل يقف مستقرا شامخا أنفه ينظر إلى ساعته ثم تبرق عيناه له متنمرًا، يتخلل المساحات بين السيارات متسللًا،يتعرج وينسرب من بينها مهرولا فتندفع أصوات التنبيه في وجهه في أذنه في قلبه في ذاته كأحجارًا مدببة ترجمه..
– حاسب يا بهيم.
– أنت يا حيوان.
– ….. غبي.
يقف تحت إبهام المشرف الذي رمقه بنظرة من أعلى لأسفل وأمسكه من ياقة القميص بيد واحدة هزه هزتين بعنف كادت كل هزة منهما أن تخلع رقبته عن جسده غرقا في عرقه فرفع المشرف الساعة إلى وجهه البأس سأله ” كم الساعة ؟” فيتلعثم الاخر الكلمات تريد أن تخرج حنجرته تتقافزعلى لسانه ثم تتشابك وتتكوم فتنطلق في النهاية آهة واحدة.
والمشرف في أذنه يفحّ :”متأخر .. مخصوم منك …” ثم يدفع بجسده الهزيل ليرتطم بالحائط وبصوت قوي يوجه أوامره للجميع مسفقا بيديه ” هيا أسرع.. أسرع”.. دائمًا عابسا ومتجبرا وغير مكترث.
يتسلم عدته التي هي عهدته،يعتلي سقالة تصعد وتهبط وفي يديه مساحة وبخاخات، ينظف بها الزجاج الذى يدثر به البرج .. كان شغوف لمعرفة ما يدور خلفها .. ونادرا ما يقع على مسامعه بعض الكلمات والجمل تمتمات ولغات لا يفهما ..النوافذ الزجاجية أغلب الأوقات مغلقة وقاتمة .. الوانها عن بُعد تبدو للنظر غامضة معتمة .. تلمع كالمرايات عندما يتسلط عليها ضوئي الشمس والقمرويعكس صورة السحاب المار في رشاقة بشكل مبهر في عرض مستمر لكنه من كثرة المشهد المتكرر ملّ النظر .. ومل إلقاء السمع عندما استعصت عيه ترجمة لغة قائليها فعتاد ألا ينتبه وتبلد تماما .
سكان البرج ذوي عيون جاحظة تلمع وجباههم ناصعة وأسنانهم بيضاء.. ومع ذلك لا يبتسمون.. فأنوفهم مستقيمة عالية، وهم عادة غير مكترثين، بشرتهم تلتمع، نظراتهم حادة مرتابة، وعطورهم ذات رائحة نفاذة مقبضة تنشع من جدران المبني عبر الزجاج في الجراج فتصيبه في كل مرة بالتوتر والقلق.. كذلك كان المشرف عندما يصرخ في اليوم عشرات المرات : “العمل ..أسرع..أسرع”..
قيكاد أن يفقد توازنه ويقع من ذلك الارتفاع خوفا من صوته الصاعق.
يطحن شقاؤه صاعدًا بسقالته.. فوق رأس السماء يسبح في أحلام يقظة بزرقة الحرير، أستقرت سحابة فوق رأسه تماما فشخصً بصره في تمنّ : ” الا ليت السقالة صارت بساط الريح الذي يقلعني من هنا !” فيقرع صوت أمه رأسه قم..قم..والمشرف من أسفل ينبح في شراسة.. أسرع.. أسرع.
ما بين “أسرع..أسرع”و”قم.. قم”..تتشنج يده وينظف بهمّة، وعندما يحل المساء تظهر لطخة صغيرة على الزجاج، فيتهمه بالتباطوء والتواطؤ مع الإهمال والكسل .. فيعنفه وينهره وينهال عليه بالضرب .. إن من يتحدثون عن النظافة دائمًا هم أشد الناس قذارة

يبرح مكان عمله منتظرًا على الجانب الآخر من الطريق،الأتوبيس يأتي عادة خاليًا من الركاب، ويجلس مسندًا كوعه إلى إفريز النافذة ،فيري الأشياء وهي تفر إلى الوراء، يراقب انخطافها.. المحلات البائعين على الأرصفة.. الأقدام الزاحفة على الأرض في بطء وضعف وبلادة.. سماء الليل الشاحبة.. عواميد الانارة.
يزداد الركاب ويتكدسون..يقفون بوجوه بائسة ورؤوسهم المهتزة دراويش في حلقة ذكر مخدرون، الهواء مشبع برائحة الدفء، ينزل في محطته..يتعرج عبر الحواري الضيقة وأمامه حجره الصغير وحذاؤه البالي المشبع بالماء.

كان أبناء حيه أصحاب وجوه جعدة متربة لا تلمع،أسنانهم كالدبش المتكسر أكلها السوس، عندما يضحكون تبدو أفواههم كأنها البيوت الخربة، تأتي الأفواه من بعيد من آخر الحارة، وتحتشد ثم تقترب جميعًا من وجهه ضاحكة،تقترب أكثر،أفواههم المفتوحة تكاد تأكله،عيونهم تحول لوحوش ضارية وأنوفهم الكبيرة المفلطحة،يشبهون فرس النهر، سخريتهم منه تثير في نفسه الغيظ والرعب.

ينتظر في كل ليلة وقتًا مناسبًا يسود فيه الليل تمامًا ويعم الهدوء وتنهد الأجساد، فينزل إلى الشوارع يلف ثم يعود إلى حارته خلسة،مستنفرًا حواسه، يترقب فيختار نافذة بشكل عشوائي لأحد الجيران، ويرميها بالحجر، فينشرخ زجاجها في قلب الشروخ فجوة الشروخ متشعبة كأوردة الجسد يصعب رأبها.

فيستيقظ الجيران والحارة “تظيط”، يصعد إلى سطح أحد البيوت ناظرًا للبرج الشاهق من بعيد،يمطرمن فمه ضحكاته المكتومة الساخرة فوق رؤوس أهل الحارة.

 

*كاتبة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “المتنمر”

  1. لا أرى من خلال الرواية أنّ بطلها مُتنمر، هو بالكاد طيفٌ عابرٌ آخر للصخب الرتيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق