ثقافة المقال

من أَجلِ تُرابِ قَدمَيْ ” أُم فرح “

جمعة اللامي

ليس غير العمال من يعرفون قيمة الوقت ، إنّهم دوما يدفعون ثمنه “( فولتير )

لا اعرف أسم ” أم فرح ” . عرفت كُنيتها ،  لكنها تعرفني . ربما هي تصغرني بعقد كامل ، ويجوز أني اكبرمنها بعدد من السنوات . وهي فقيرة إلى الله فقط ، وأنا فقير مثلها إلى الله ، وإليها أيضاً. وهذه يغفرها لي ربي لأنه العارف بنوايا الخلق . لأنني إتخذت أخطر قرار في حياتي من اجل تراب قدميها .

هذه مقدم ة عادية .

المقدمة غير العادية في شأن ” أم فرح “، أنها سيدة أماراتية تعيش في دعة وسعة من الرزق في وطنها، كما في غير وطنها ايضا إنْ أرادت ذلك، رفعت سماعة هاتفها ، وإتصلت بجريدة الخليج الإماراتية، حيث كنت أعمل حتى قبل نحو سنة من يوم الناس هذا، ومنذ أكثر من ثلاثين سنة وسنة واحدة أخرى، وقالت لهم: ” اريد هاتف الأستاذ جمعة اللامي، من اجل أن اتكلم معه، بعد أن انقطعت مقالاته عن النشر في جريدتكم “.

وهذه المقدمة غير العادية الأولى لحديثي هذا.

اما المقدمة الثانية، والتي أُسمّيها غير عادية، فهي أن احداً في هذه الجريدة، بدءأً بكثير من رؤوسها، وحيث أفضالي عليهم بعلو قاماتهم إلى ما فوق رؤوسهم، لم يكلف نفسه عناء ما أقدمت عليه أم فرح الإماراتية. وهنا اتذكّر تَرْيَم عُمران تَرْيَم …. !!

وهذه المقدمة الثانية تستولد مقدمة ثالثة غير عادية ، من بين نصوصها ، ان ” جابر عثرات الكرام ” في إمارة الشارقة ، رفع سمعة هاتفه الخاص ، اكثر من مرة واحدة ، ليتفقد الفقير إلى الله كاتب هذه السطور ، ثم ليُجبرَ كسراً في قلبه ، بينما بقي الذين جَبرتُ كسر رزقهم، وكسور رقابهم ، في عقود ماضية، كانهم لا يعرفون شيئاً عن هواني على الناس ..!

والمقدمة الرابعة في حديث اليوم ، تحية الى سيدة من هذا الزمان، هي إبنة حراس البحر، وسليلة كِرام أهل الساحل ، كتبتْ ذات يوم على اديم الفيس بوك ، تحيةً إلى الفقير السعيد ، يإسمها الصريح ، وعنوانها الأصرح ، بينما لَغَفَ كثيرٌ من ” الفحول ” مابقي من فضلات العامة ، على طريقة كلاب البحر المُستأنسة ( !! )

أما المقدمة الخامسة ، فتتمثل في وفاء جُروٍ صغير ، صار كلياً فحلاً الآن ، لم يزل يتبع اثري ، وَيّتّتبَّع خطاي ، بين بيتي في منطقة السور بالشارقة ، وحديقة زينب ، وكورنيش الشارقة ، بينما الناس نيام ، أوهُمُ في عِزّ الظهيرة ..!

ولقد وجدت هذه الجُرو شبه أعمي ذات يوم ، فحملته على صدري الى بيتي ، وآويته ، وأعتنيتُ به ، حتى صار قادرا على النباح في وجوهِ الغرباء .

آه ، يا كلبي العزيز .

والمقدمة السادسة في حديثي هذا ، هو ما اقدمت عليه إمرأتي ، زينب ، حين خرجت من غيابها الأبيد لتقول لي : ” رويدك ايها العاشق ، حسبتك تعلم ما حلَّ بسقراط ، وما تعرّض له محمد ، وما حاقَ بعيسى ، وما آل اليه حال الشعراء في سجون جزيرة العرب ……! ” .

ـ: أي والله سيدتي ، لكني خشيتُ على بعض الناس من نار آتية ، في قلبي .

قالت : لا تكتم نارك .

ـ : اهكذا ، ترين ، وتريدين أذن ؟

قالت : نعم ، يا جَمْعَ القلب والفؤاد والنفس والروح . شقّ الطبلة الآن ، والآن ، وإلى حيث يعلم الله . فنحن في ايام الله .

ـ : سمعاً وطاعةً ، مولاتي .

قالت : بلى ، يا تاج راسي !

تبقى المقدمة السابعة التي تستولد مقدمات ومقدمات ، وهي مبادرة ” أُم فرح ” الأمارتية . والتي قالتها على الهاتف باكية : ” ارجع من أجلي لمواصلة ” ذاكرة المستقبل “.

ـ ولكن يا أم فرح ، ما حدث قد وقع .

قالت :” من أجلي ” .

وقبل سنوات على إستقالتي من هذه الجريدة التي أعطيتها من عمري الكثير ، وينافسني على عشقها كسور الرجال ، رجعتُ عن تقديم إستقالتي بعدما تلقيت رسالة من فتى فلسطيني في الضفة الغربية ، يقول لي فيها : ” عمّاه ، نحن ننتظرك ” .

وكان الكاتب اليهودي هينري سيغمان ، قد عزّز قناعتي بعلاقتي مع الناس، عندما تلقيت منه رسالة شخصية يقول فيها ، أنه يرسل اليّ ببرنامج إصلاح السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ، للإفادة منه في ” ذاكرة المستقبل ” .

ورحعت عن إستقالتي حين إختلى بي أحد إثنين من أركان الجريدة في حينه ، وكنت عائدا من بلغاريا سنة 1984 ، وقال لي :” تريم يريدك هكذا ، وأنا اقول : ” انت تعرف حالنا اليوم ، وتعرف موقف غيرنا اليوم ” .

وفي منزلي الآن ، كما كان فيه قبل ثلاثين سنة ، حينما عزّ وجود الكرام ، إلاّ واحد فقط ، تمَّ  تدمير مئات رسائل القراء العرب الى كاتب هذه السطور ، وكلها عزيزة على قلبي ، رغم أنها في أقلّها تحاورني مُعارِضَةًً ..!

وأكرمْ بمعارضةٍ نبيلةٍ ووطنيةٍ ، ولا ترتبط بأجنبي ، حتى لو كانت مسلحة …!

والمقدمة ما قبل الاخيرة ، هي إن ” أُم فرح ” جبهة مُعارضِة ، على طول قامتها .

وهي مَشهدُ مُعارضٌ ، على قدر سِعةِ شَيْلتِها .

أُم فرح أكبر من حزب ، وأعلى من ذروةِ ثروة قارون .

فهي تُذكّرني بأُمّي ، يوم كانت تتبعني ، وتتابعني من معتقل إلى سجن ، ومن جُبٍّ الى كهف ، ومن مدينة الى صحراء ، ومن صحراء إلى بادية .

وهي عندما تقول لي : ” عُدْ إلى ” ذاكرة المستقبل ” . ، سأعود مثل طفل لم يَنسَ ، وَلَنْ ينسى ، حُضنَ أمه . فهذا أمر.

ومنْ لا يأتمرُ بأمرِ أُمه ؟!

وها أنا ، العامل المخضرم ، من اجل تراب قدمي ” أُم فرح ” أعود الى الكتابة ، ‘نصياعاً لأمر أُمي .

فنعم المُرسِل…!

ونعم حامل الرسالة ..!

ونعم مُستقبِل هذه الرسالة ، وناشرها . ….؟!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق