ثقافة المقال

تجلّيات لوحة العشاء الأخير..

كتب: عمار الجنيدي

استطاع الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي أن يحيط لوحاته القليلة التي رسمها بطريقة مبتكرة من طبقات الألوان والخلفيات الضبابية وحركات شخوص لوحاته الموحية بالانفعالات المعبّرة عن دواخلهم النفسية. ففي حياته المثيرة والمحاطة بالتناقضات بدءً من لجوئه للرسم للهرب من مساءلة محاكم التفتيش حول آرائه الفلسفية ، فأخفي ودارى معظم آرائه في لوحاته ومنحوتاته، التي ما زال الجدل حولها قائما لحد الآن منذ قرون خمسة، ثم حياة الجاه والعز والمال طوال خمسة وستين عاما التي عاشها.. ولعل لوحته الشهيرة العشاء الأخير التي رسمها بطلب من كبير رجال الدين في مدينة ميلانو، قد أخذت بُعدها الجمالي من البعد الديني، والأجواء التي استلهمها ليوناردو من القصة المشهورة التي أثارت جدلا دينيا واسعا ، عندما أعلن السيد المسيح لحوارييه الاثني عشر بان الذي سيخونه وسيسلمه لليهود : موجود بيننا على المائدة، فقد كان السيد المسيح يعلم بان الكهنة اليهود سيسلمونه إلى الرومان ليصلبوه، حيث يقول انجيل متى أن يهوذا الإسخريوطي قد ذهب إلى رؤساء الكهنة وقال : “ماذا تريدون أن تعطوني، وأنا أسلِّمه إليكم؟ فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ومن ذلك الوقت، كان يطلب فرصة ليسلِّمه”. (متى 1:26-5؛14-15). واللوحة تتحدث عن ذروة لحظة درامية، حيث انفلاش الخبر الذي أعلنه السيد المسيح لحوارييه، فصار كل واحد يشك بنفسه، ويقول : هل هو أنا أيها المعلم؟ قسّم ليوناردو دافنشي اللوحة التي ظل يرسمها لثلاث سنوات (1495-1498) ،إلى مجموعات أربع، تضم كل مجموعة : ثلاثة من الحواريين، حيث تماثل شخصية كل حواري ما استلهمها ليوناردو مما تحدث عنه الإنجيل حول كل واحد منهم.

وركز على الرقم 3 في هذه اللوحة بالتحديد؛ حيث هناك ثلاثة حوائط وثلاث فتحات في الجدار الذي يدير له السيد المسيح ظهره وثلاثة حواريين في كل مجموعة، كما يمكن قراءة الطبيعة التي تنبئ بها اللوحة من هدوء وسكينة ، تماما كما هي التجليات التي تفيض بها عبقريات المبدعين الحقيقيين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق