الأربعاء , ديسمبر 13 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | أضاعوه وأي فتى أضاعوا…

أضاعوه وأي فتى أضاعوا…

الباحث: طارق بوحالة

“أضاعوه وأي فتى أضاعوا” هي عبارة يستهل بها الناقد الجزائري الدكتور عبد القادر فيدوح تقديمه لكتاب المرحوم: بختي بن عودة الموسوم بـ: ظاهرة الكتابة في النقد الجديد، مقاربة تأويلية، الصادر عام 2013 عن منشورات صفحات، بسوريا، وهو في الأصل بحث أكاديمي.
وقد انجر بغياب بختي بن عودة عن المشهد الثقافي والفكري في الجزائر وفي الوطن العربي غياب لمشروع نقدي وفكري لا يتكرر كثيرا، فلولا ذلك لعرفنا قلما يضاهي قلم جاك دريدا ورولان بارت وغيرهما من فلاسفة ونقاد الاختلاف، ولست أبالغ في هذا الحكم، فكتاباته المبكرة والسابقة لعصرها خير دليل على ذلك.
ويظهر الأمر جليّا عند قراءة كتابه السالف الذكر الذي خصصه لتجربة الناقد والسوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي، حين وضعها تحت مجهر القراءة النقدية الفاحصة، رغم أن الكتاب قد استحال إلى صورته هذه بعد عناء وجهد كبيرين من قبل الدكتور عبد القادر فيدوح لنشره، وهو الذي كان فاقدا الأمل في العثور على النسخة الأصليّة لبحث المرحوم بختي بن عودة.
ويسعى البحث إلى مقاربة ظاهرة الكتابة الجديدة في السياق العربي عبر الغوص في المنجز النقدي والفكري لعبد الكبير الخطيبي الذي قال فيه الناقد الفرنسي الشهر رولان بارت: “إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور، الأدلة، الآثار، الحروف، العلامات، وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديدا، يخلخل معرفتي لأنه يغير مكان هذه الأشياء.” (كتاب الاسم العربي الجريح، عبد الكبير الخطيبي، دار الجمل، كولونيا، ط1، ص15.)
تمثل هذه الشهادة وثيقة حيّة لقيمة منجز الخطيبي الفكري ومدى صعوبته في الوقت نفسه، وبالرغم من ذلك إلاّ أن بختي بن عودة قد تسلح بأدوات قرائية “عبر تخصصية”، حيث لم يبق سجين القراءة النقدية الصرفة، بل مزج بين الرؤيا النقدية والفلسفية والروح الشعرية، وهو العارف بالسياق الفرنسي” الذي أُنتج فيه مفهوم الكتابة، مستحضرا بذلك كل من “موريس بلانشو” و”رولان بارت” و”جاك دريدا” و”جوليا كريستيفا”، و”جاك لاكان” وغيرهم من نقاد وفلاسفة ما بعد الحداثة، دون إغفال العودة إلى أبي حيان التوحيدي والجاحظ وإلياس خوري وخالدة سعيد…محاولا تشكيل وعي معرفي مستقل عن هذه المرجعيات.
يقول بختي بن عودة في مقدمة بحثه: “لعل أطروحة الكتابة في هذا البحث هي بمثابة سفر معرفي لا يعترف بالحدود الميتافيزيقية بين الأجناس الأدبية، ولا يقف عند الممارسات النصية ذات المقاصد التجريبية والنظرية القائمة على تحقيق عنصر اللذة أو الرغبة في الإنتاج ضمن هاجس النقد نفسه الذي يدعو إلى خلق نص مواز له فاعليته هو الأخر.” (ظاهرة الكتابة في النقد الجديد، ص 29.)
وهو الأمر الذي يحتم على قارئ هذا العمل أن يذهب معه بتأن، فهو يحتاج إلى معرفة بالسياق المعرفي ومنظومة المصطلحات النقدية والفلسفية المرافقة لمفهوم الكتابة وعلاقتها بالنقد الجديد في فرنسا على وجه الخصوص. فهو كتاب يمارس على قارئه نوعا من التوتر والخلخلة وعدم الطمأنينة.
ولا يمكن أن نغفل الجهد الذي بذله الدكتور عبد القادر فيدوح لإخراج هذا الكتاب تعميما للفائدة ووفاء لصاحبه الذي عبر عنه قائلا: “بأنه كان يحمل مشروعا فكريا أجهض عنوة” (ظاهرة الكتابة في النقد الجديد، ص 23 ).
وتبقى كتابات بختي بن عودة ذات أهمية رغم قلتها -وهو الذي غادرنا في ريعان شبابه- بالنسبة إلى المشتغلين في مجال النقد بفرعيه الأدبي والفلسفي، وهو ما تعكسه شهادات في حقه قدمت من قبل نقاد وباحثين، ومنها ما جاء عند الناقد المصري محمد حافظ دياب في معرض حديثه عن التلوينات الما بعد حداثية للنقد الأدبي في السياق العربي واصفا ذلك في قوله: “…ثم ولدي الذي فقدته، الجزائري بختي بن عودة والكتابة الشعرية… “(مجلة فصول في النقد، القاهرة، ندوة النقد الثقافي، العدد 59، 2002، ص115 )
يبقى في الأخير الإشارة إلى ضرورة التعريف بتجربة بختي بن عودة للباحثين الشباب بغية خلق وعي نقدي وفكري يحمل على عاتقه يوما ما مهمة إكمال ما بدأه.

 

أستاذ النقد الثقافي بجامعة ميلة، الجزائر

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

حياتنا وجودنا تراثنا جميعها قصص

صالح الطائي* بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في 18 ك1 في كل ثقافة إنسانية لابد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *