الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | دفاع جديد عن سقراط (1)

دفاع جديد عن سقراط (1)

بقلم : أ . ف . ستون
ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف (2)

واجه سقراط (3) المحاكمة عام 399 قبل الميلاد بتهمة عدم الورع والتقوى وإفساد شباب أثينا. الخطاب الذي كتبه سقراط إلى محكمة مؤلفة من 500 رجل ، والذي أعاد أفلاطون (4) صياغته في كتابه ” الدفاع ” (5) ، يعد من الروائع في الأدب الإغريقي وجزء هام من شرائع الفكر الغربي .
لكن الخطاب المذكور لم يقنع المحكمة ببراءة سقراط فاعتبرته مذنبا وحكمت عليه بالموت باجتراع السم .
في هذا المقال (6) ، يحلل الصحفي أ.ف. ستون (7) محاكمة سقراط ويعرض بعض الأفكار التي كانت ستحول مجرى المحاكمة والطريقة التي كان سيربحها بها لو أراد ذلك . يقدم ستون دفاعا بليغا لمجتمعنا الحالي ومجتمع سقراط على السواء بعد دراسة مجتمع أثينا وقيمه وأحاديثه والذي حفظ أفكار سقراط ومعتقداته لأكثر من ألفي عام .
كان ستون لسنوات عديدة الناشر والمحرر لجريدته الاسبوعية المحترمة التي تصدر في مدينة واشنطن . ظهرت أعماله في مجلات عديدة ورائدة مثل : مجلة هاربر ، مجلة الأمة، مجلة نيويورك . يناهز عمرة الحادي والثمانين عاما . درس اللغة الاغريقية القديمة لكي يقرأ ويكتب عن دروس أثينا العريقة . وهذا المقال مقتبس من كتابة الجديد : ” محاكمة سقراط The Trial of Socrates ” .
سؤال : ما أهم اكتشاف حصلت عليه من محاكمة سقراط ؟
جواب : كان من السهل جدا أن يربح البراءة .
سؤال : ما الدليل الذي تعتمده ؟
جواب : في البداية ، هناك الأغلبية الضئيلة التي صوتت لصالح الادانة .
سؤال: ماذا كانت نتيجة التصويت ؟
جواب : لقد كانت نتيجة تصويت هيئة القضاة (8) كالتالي : /280/ صوتا يدين سقراط ، 220 صوتا يبرأ ساحته . كان مقدار الفارق /30/ صوتا أو لنقل ما يعادل 6% من المقترعين . كان بإمكانه أن يحقق تعادل الأصوات وكان التعادل في أثينا يطلق سراح المتهم .
سؤال : هل كان سقراط يدرك هذا الأمر ؟
جواب : طبعا . فهو يعبر في ” الدفاع ” لأفلاطون عن هشاشة الدعوى المقدمة ضده . يقول لم أكن أتوقع هذه الأغلبية الضئيلة .كنت أتوقع الأغلبية المطلقة .
سؤال : لماذا دُهش سقراط ؟
جواب: لقد توقع سقراط بوضوح وجود أغلبية ساحقة ضده . اعتقد أنه كان على حق في ابداء الدهشة لهذا الاقتراع المتقارب . كانت تعاليمه باستمرار معادية للديموقراطية الأثنية (9) على الدوام . لو أن الديموقراطية الأثنية بعموم أنصارها أو خاصتهم كانت تغرق في الجهل والانحراف كما اعتقد سقراط لكانت حالته ميؤوس منها . ولكن هيئة القضاة ، المنقسمة على نفسها بشكل متقارب ، تدل على أن حالته ليس ميؤوس منها . و أن أمر ادانته قسم المحكمة إلى رأيين .
سؤال : لماذا تعتقد أن المحكمة انقسمت على نفسها ؟
جواب : لأن التعبير الحر انتعش في الحياة السياسية والأدبية في أثينا وجعلها مدرسة هيلاس (10) كما يفاخر بذلك بيركليس (11) في كتاب ثاكيداس (12) ” تاريخ الحرب البيبلونيزية ” (12) وتقاطر الفلاسفة من عالم البحر الأبيض المتوسط لمخاطبة مستمعيها المتحمسين . ماذا فعل سقراط في حقيقة الأمر؟ لقد انكر انضمامه لأية مؤامرات ارستقراطية (13) أو الانخراط في أعمال عدائية ضد حكومة أثينا ، لكنه لم يقدم أي دليل للخصم على ذلك . قام بواجبه كجندي خير قيام . وهم اتهموه بما قال وعلّم . لقد كانت محاكمته محاكمة فكرية خالصة ، وهي تناقض تقاليد المدينة الأساسية . وهذا ما أحزن الأثنييين كما يحزن القارئ الحديث اليوم . في الحقيقة ، لو لم يكن سكان أثينا يقدرون عاليا حرية التعبير لما انتظروا حتى بلغ سقراط السبعين من عمره ليقدموه للمحاكمة .
سؤال : ماذا تستنتج من ذلك ؟
جواب : لو أنه فقط طلب حق ابداء الرأي ؛ لو أنه استشهد بمبادئ أثينا الديموقراطية الأساسية لكان قد حوّل نتيجة الاقتراع لصالحه وربح البراءة .
سؤال : ولكن أين تبدأ المحاكمة في هذه القضية ؟
جواب : تبدأ من التباين الجوهري بين مقدمات أثينا وتعاليم سقراط .
سؤال : كيف تشرح هذا التباين ؟
جواب : كان هناك قضايا أساسية اختلف فيها سقراط بشدة مع مواطنيه بل وكل المناطق الاغريقية المتخلفة أو أكثرها . لم يكن سقراط ضد الديموقراطية وحسب بل كان معاديا للسياسة بالمفهوم الاغريقي . لم يستحسن سقراط فكرة المدينة – الدولة Koinonia (14) إن حكمتها الأكثرية كما يحدث في الديموقراطيات أو الأقلية كما يحدث في الأوليغارغيات (15) . لم يكن سقراط يعتقد أن الشعب قادر على حكم نفسه بنفسه . لقد رأى أن المجتمع الانساني قطيع . والقطيع يحتاج إلى راع ليوجهه ، والراعي لا يستشير قطيعه .
سؤال : ما وجهة النظر الإغريقية التي كانت سائدة ؟
جواب : لخص أرسطو (16) وجهة النظر هذه ، فيما بعد ، عندما أعلن أن الانسان حيوان سياسي يعيش في المدينة – الدولة أو المجتمع . وقد أمكن الحياة الاجتماعية لأن الانسان على خلاف باقي الحيوانات يمتلك العقل الذي يعد قوة الحديث المنطقي المقنع . به يستطيع الإنسان أن يميز بين الخطأ والصواب وبه يستطيع الإنسان أن يعيش بسلام مع مواطنيه يحترم أراءهم ويقدر حقوقهم ويجعل الحياة الاجتماعية ممكنة .
قال سقراط : إن الإنسان الذي يعيش وحيدا إما أن يكون متوحشا أو إلها ً.
والحصول على المعرفة بالنسبة له ولغالبية الإغريق لم يكن مطاردة أوزة برية ميتافيزيقية للغايات المطلقة المجردة بل كان من اختصاص سقراط . والتراكم المستقر للحكمة نضح عن التجربة الانسانية .وفي النهاية ، رأى أرسطو أن المدينة مكان يستطيع فيه الناس أن يحققوا الحياة الجيدة كل فرد يحقق قدراته الذاتية كشاعر يكتب التراجيديا أو عامل حرفة متواضع أو ، نعم لنقل ذلك : كمتحدث خالد دائم السحر والروعة مثل سقراط .
سؤال : من يجب أن يحكم في اعتقاد سقراط ؟
جواب : لقد كان الحاكم المثالي والمفكر الأوحد في نظر سقراط هو الرجل الذي يعرف وهذا ما عبر عنه في كتاب ” الذكريات memorabitia” لأكسينفون (17) وطبعا ، كان ذلك البذرة التي طورها أفلاطون لتصبح لاحقا فكرة الحكم من قبل الملك الفيلسوف .
سؤال : هل فكر سقراط بالسعي للحصول على الحكم مدعيا أنه ” الرجل الذي يعرف ” ؟
جواب : قالت نبوءة دلفي Delphic Oracle كان سقراط يفاخر بأن لا أحد أكثر حكمة منه . لكنه قضى حياته يشرح ويوضح أنه ” عرف أنه لا يعرف ” وهذا ما رفعه درجة واحدة على باقي مواطني أثينا خاصة حينما لم يستطع أحد منهم أن يقابل مستواه في المعرفة الحقيقية .
سؤال : وهكذا بقيت المدينة بلا مرشح ؟
جواب : تماما .
سؤال : وهكذا لم يكن في وسع سقراط إلا أن يحتقر الدولة – المدينة ؟
جواب : حسنا . لقد كان لديه افتتان فضولي باسبرطة (18) المنافس والخصم اللدود لأثينا.
سؤال : لماذا وصفته ” بالفضولي ” ؟
جواب : لأن اسبرطة لم تكن بحاجة إلى سقراط . لقد كانت تخشى الأجانب والأفكار الأجنبية والخارجية . كانت مدينة عسكرية قاسية عاش أعضاء طبقتها الحاكمة حياة ثكنات الجيش حيث التدريب العسكري المستمر . كانوا أقلية من الناس تقود القطعان البشرية من الأقنان والعبيد الذين يحرثون حقولهم . عاش التجار والحرفيون ، الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى التي كانت تمثل العنصر الأكثر حيوية في المجتمع الأثني ، حياة صعبة واباحية بوضوح على هامش الحياة الاسبرطية وحرموا حق المواطنة . لقد خلت اسبرطة من الفلاسفة وأهل الآدب والفن . كانت تمتلك شاعرا واحدا أو شاعرين على الأكثر ، وكانا مشهورين في الغالب بسبب أغاني الحرب وكانت اسبرطة وكريت (19) الصحاري الثقافية لليونان القديمة ، ونعرف من كتاب ” كريتو ” (20) لأفلاطون أن هذه الأوليغارغيات العسكرية أعجبت سقراط كثيرا وهذا ما لم نجد له تفسيرا منطقيا.
سؤال : هل أزعجت هذه الآراء الواهية مواطني أثينا ؟
جواب : نعم . لأن كمال ونمذجة اسبرطة كان أحد خصال الأغنياء الأرستقراطيين الشباب الساخطين والذين كرهوا الديموقراطية وحسدوا واحتقروا التجار والحرفيين ممن حققوا الثروة ونافسوا النخبة السياسية الخاصة المستوطنة سابقا . وصار سقراط وهو سليل الطبقة الوسطى وابن قاطع الصخور معبود الطبقة الأرستقراطية الرافضة والمطرودة من أثينا وعلى رأسها أفلاطون واكسينوفون . في العقد الأخير ، وخلال النصف الثاني من حياة سقراط ، تمرد الشباب الأرستقراطيون بسبب هزائم أثينا العسكرية (21) وبسبب التستر على الاسبرطين و أسقطوا الديموقراطية مرتين ثم صاروا الأولاد المشاغبين و فرق القمع بيد الدكتاتورية الجديدة الجشعة . لم يحدث أن كانت الحياة والحرية والملكية مهددة وعرضة للخطر كما كانت في عهد هذين النظامين المعاديين للديموقراطية . حدث الانقلاب الأول عام 411 قبل الميلاد وحدث الانقلاب الثاني عام 404 قبل الميلاد بتحريض ومباركة من جماعة تدعى ” جماعة الثلاثين ” (22) وقد تزعم هذه الجماعة كريتاس وتشارميد وهما أقرباء أفلاطون وطلاب سقراط القدامى وكلاهما يظهران كشخصين شريفين في الحوارات الأفلاطونية . ثم قام هذا الهامش المتمرد للمجتمع الأثيني بمحاولة فاشلة لقلب الديموقراطية مرة ثالثة عام 402 قبل الميلاد أي قبل محاكمة سقراط بحوالي ثلاث سنوات فقط . حطمت هذه الأحداث الثلاثة الثقة لدى مواطني أثينا وجعلتهم أقل تسامحا مع الآخر .
سؤال : ولكن لم يكن ليحاكم سقراط بسبب هذه الأحداث ؟ ماذا فعل سقراط عندما اسقطت الديموقراطية للمرة الثانية خلال حكم جماعة الثلاثين ؟
جواب : كان هناك مقاومة ضد جماعة الثلاثين وكان سقراط يمكن أن يجعل من نفسه بطل تلك المقاومة لو أنه تكلم ضد حكمهم أو هرب من المدينة لينضم للمعارضة . لكنه وقف على الحياد . لم يدعم الدكتاتوريين ولم يعارضهم (23).
سؤال : ولكن ألم يصور اكسينوفون في كتابه ” الذكريات ” أو “حياة سقراط ” (24) سقراط على خلاف مع كريتياس وجماعة الثلاثين ؟
جواب : هذا صحيح . لكن معارضته لهما كانت ثانوية وسرية . لقد رفض سقراط أن يساهم في القاء القبض على الثري المبعد ليون من جزيرة سلاميس وكان ليون أحد الكثيرين الذين أعدمتهم الدكتاتورية من دون محاكمة فقط بغرض مصادرة أملاكهم . ثم استخدمت جماعة الثلاثين ملكية ليون لدفع مصاريف الحامية الاسبرطية التي احتلت أثينا وأبقت الدكتاتوريين في السلطة .
سؤال : ألم يكن تصرفه جدير بالثناء لأنه عصيان مدني ؟
جواب : لقد كان جديرا بالثناء. لكنه كان قد نجا من المحاكمة واعتقد أنه كان لن يدان لو أنه فعل غير ذلك . لو أنه حذر ليون من الخطر . لو أنه قام باحتجاج شعبي. لو أنه ، وهو معلم الفضيلة الخالد ، فند الأفعال غير القانونية وغير الأخلاقية لجماعة الثلاثين . لو أنه غادر المدينة لينضم للمعارضة . لكنه عوضا عن ذلك بقي في المدينة من أول الصراع إلى آخره.
سؤال : لماذا تشدد على عبارة ” بقي في المدينة ” ؟
جواب : في ظل العفو الذي صدر عقب إعادة احياء الديموقراطية لم يكن أي شخص ليحاكم باستثناء الحكام الأوليغارغيين بسبب أعمال قاموا بها أو أخفقوا في القيام بها أثناء الحكم الديكتاتوري . ولكننا نعرف من المرافعات القانونية ، في الجيل التالي ، أن ” البقاء في المدينة ” خلال الصراع كان يعد عملا مشينا وكان يستخدم لتحريض هيئة القضاة ضد المتهم .
سؤال: لقد ذكرت سابقا أن سقراط بدأ يقلب هيئة المحلفين عليه عمدا. أين الدليل على ذلك ؟
جواب : الدليل موجود في دفاع اكسينوفون ودفاع اكسينوفون يختلف عن دفاع أفلاطون وهو ليس من الروائع. لهذا السبب هو أقل قراءة لكنه وصف مختصر للمحاكمة. ويبدو أنه كتب بعد المحاكمة بوقت قصير لكن وصف أكسنوفون البسيط والسريع يخبرنا بأشياء فضل أفلاطون أن يحجبها عنا .
سؤال: ماذا يضيف أكسينوفون إلى الحكاية ؟
جواب : يقول أكسينوفون : كل من كان في المحاكمة أصيب بالدهشة من الأسلوب الذي دافع به سقراط عن نفسه وشعر كل الحضور بأن هذا الأسلوب لا يقود إلا إلى الإدانة .
سؤال : هل يوافق اكسينوفون على هذا الأسلوب ؟
جواب : يوافق على أن الطريقة التي عرض فيها سقراط دفاعه كانت بالكاد تحقق البراءة . لكنه يتابع قائلا : إن هذا الأسلوب يجب أن لا يثير فينا الدهشة والاستغراب لأن سقراط أراد أن يموت .
إذا أردت قراءة “الدفاع ” و” الكريتو” و”الفيدون” لأفلاطون بعد قراءة “دفاع ” اكسنوفون ستجد أن نسخة أفلاطون رغم أنها أكثر حذقا وثيقة الصلة بنسخة اكسينوفون .
سؤال : أعط مثالا على ذلك .
جواب : الشيء الذي أغاظ المحكمة أكثر كما يذكر كل من أفلاطون واكسينوفون هو ادعاء سقراط أن نبوءة دلفي لقبته بأعقل الرجال على حد تعبير اكسينوفون أو كما ذكر أفلاطون بغموض أكثر أن لا أحد في الكون أكثر حكمة من سقراط .ويذكر أفلاطون في دفاعه أن هيئة المحكمة صرخت بغضب عندما نطق سقراط بذلك . وقد شعر سقراط أنه كان من الضروري أن ينكر أنه كان يتبجح بهذا الكلام .
سؤال : هل هناك دليل في مكان آخر من دفاع أفلاطون يدعم دفاع اكسينوفون ؟
جواب : نعم في كتاب الكريتو وبعد المحاكمة يشتكي أتباع سقراط أنه أساء الدفاع عن نفسه ويقترحون فيما بعد في كتاب الفيدون (25) أنه كان يميل إلى الانتحار .
سؤال: كيف رد سقراط على تلك التهمة ؟
لقد رد باعتراف ثابت لا يتزحزح . أجاب بخطاب جميل لكنه مبهم وغير معقول الجوهر . لقد ناقش فيه أن الفيلسوف يجب أن ينشد الموت كإنجاز لأنه بالموت وبالموت فقط تتحرر الروح من الجسد وتكون في النهاية قادرة على تأمل الفلسفة الأبدية الثابتة . ثم يصبح كتاب الفيدون أغنية الموت المنتصرة . إنه حوار جميل ولا ينكر بالتأكيد أن سقراط اجترع السم .
سؤال : لكن ألست تتقدم في المحاكمة إلى الأمام ؟
جواب : هذا صحيح. كانت المحاكمة في أثينا تأخذ شكلين . فقد كان يتعين على هيئة القضاة أن تقترع على أمر إدانته أو عدم إدانته في البداية ومن ثم يصوتون على العقوبة . وفي إجراءات المحاكمة في أثينا كان الحكم يرمي إلى عقوبة والدفاع إلى أخرى . ولم تستطع هيئة القضاة أن تجد الفرق بين الاثنين . كان يجب أن تختار العقوبة الأولى أو الثانية وقد اختارت في ذلك الوقت عقوبة الموت . أنئذ ، استمر سقراط في تحدي هيئة القضاة مرة أخرى عن طريق طلب عقوبات مضادة لم تأخذها هيئة القضاة على محمل الجد.
كان الأبطال المدنيون والأشخاص البارزون في أثينا يكرمون بوجبات مجانية في قاعة المدينة . واقترح سقراط أن تكون عقوبته تناول الوجبات المجانية هناك طوال حياته . وعندما أثار هذا الاقتراح البلبلة والاستهجان طلب أن يدفع لهم غرامة مالية زهيدة ثم في نهاية الأمر أبدى الاستعداد لدفع غرامة مالية كبيرة بعد التوسلات من أفلاطون والأتباع الأخرين وعرضهم العون في جمع المال لدفعه.
لكن هيئة القضاة كانت غاضبة جدا لدرجة أنها صوتت لصالح عقوبة الموت . ومن الجدير ذكره أن الأصوات التي كانت مستعدة للتبرئة صوتت لصالح الإدانة .
سؤال : كيف كان على سقراط أن يقدم دفاعه في رأيك ؟ بماذا كنت ستنصحه لو كنت محاميه؟
جواب: في الحقيقة لم تعرف أثينا المحامين بالشكل الذي نعرفه نحن . كان المدعون يستطيعون أن يستأجروا كتـّاب الأحاديث وكان ديموثين أشهرهم . إلا أن سقراط لم يكن بحاجة لأي منهم لأنه كان المحاور الأذكى في المدينة وكان قادرا على القيام بدفاع ناجح لو أنه أراد ذلك .
سؤال: كيف كنت تريده أن يعالج قضيته؟
جواب : اعتقد أن سقراط أدين ظلما. ولم تثبت أي من الادعاءات بقيامه بأعمال سرية أو عدائية ضد المدينة . هذه محاكمة للرأي فقط ومحاكمة لما قاله وعلّمه في السنوات الأخيرة من حياته وبتعاليمه هتك عرض أثمن مبادئ المدينة . كان التعبير الحر القاعدة الحقيقية لديموقراطيتها وللمناقشات في مجلس الشورى حيث صنعت القوانين ولمحاكم القضاء التي فُسرت فيها هذه القوانين وأولت . لقد كفل التعبير الحر انتاج الروائع التراجيدية والكوميدية التي ما زالت تعد من روائع الأدب العالمي وصار ممكنا انتاجها على المسارح الأثنية . أعتقد أنه كان في مقدور سقراط أن يحول ذلك الهامش الضيق المكون من 6 % والذي كان يقف مع الادانة لصالح البراءة لو أنه قدم دفاعة وناقشه معتمدا على حرية التعبير .
سؤال : ما الذي يجعلك تعتقد أن سكان أثينا كانوا يدركون أن التعبير الحر هو المبدأ الأساسي للحكومة ؟
جواب : عندما يدرك مجتمع ما فكرة ما فإنه سينطق بكلمات تدل عليها . لم يعرف الرومان حرية التعبير بالمعنى الذي نعرفه ولذلك هم لا يمتلكون مرادفا لغويا يدل عليها ولكن كان لدى الإغريق القدماء أكثر من أربع كلمات تدل على حرية التعبير .

سؤال: ما هذه الكلمات الأربعة ؟
جواب : أقدم هذه الكلمات مؤلفة من كلمتين هما / حرية / eleutheros و / فم /Stamos وقد وجدت هذه الكلمة لأول مرة في مؤلفات أسخليس (26) وترد الكلمة الثانية لأول مرة في مؤلفات هيرودوت (27) الذي جعل من تأريخه ملحمة نثرية في تمجيد الديموقراطية وذكر عرضا لنضال الديموقراطية الإغريقية وخاصة ديموقراطية أثينا ضد الطغيان الفارسي . تلك الكلمة هي isegoria والتي تعني اشتقاقا ” الحق المتكافئ في الحديث في المجلس ” وقد صارت مرادفا لتعبير المساواة السياسية .

سؤال: ما هي بقية الكلمات ؟
جواب : الكلمة التالية هي parrhasia واعتقد أنها من صك أثني خاص وقد كان ظهورها الأول على حد علمنا في مسرحيات يوربيديس (28) ، وتشير الكلمة إلى الصراحة التي فاخر بها الأثنيون وحقهم في التعبير الحر كمواطنين أحرار في مدينة حرة.
لقد كانت راية خفاقة لكلمة تعني / مشاهدي أثينا / وقد استخدم ملتون (29) نصا من مؤلفات يوربيديس في بداية مؤلفه الرائع / ايروبا جيتكا / (30) الذي يعد أنبل دفاع عن الصحافة الحرة في العصر الحديث وكم كان مؤثرا لو أن سقراط استخدم سطورا من مؤلفات يوربيديس لكي يجعل هيئة القضاة تحكم بالبراءة .
سؤال : ما الكلمة الرابعة ؟
جواب : الكلمة الرابعة هي isologia وتعني / حرية التعبير المتكافىء/ . وظهرت في التأريخ الذي كتبه بوبوليبس (31) ولهذه الكلمة طعم خاص بالنسبة للأمريكيين . لقد كان بوبوليبس مؤرج الجامعة الآخية The Achaean League التي تعد أول حكومة فيدرالية في التاريخ . وقد نظر مؤسسو الدستور الأمريكي إلى بوبوليبس نظرة الملهم عند تأسيس النظام الفيدرالي الأمريكي . يعزو بوبولييس استقرار الفيدرالية الإغريقية وبقاءها على قيد الحياة مدة طويلة من الزمن بعد أن عصف الجيشان المقدوني والروماني بالحرية الإغريقية في مكان آخر إلى الحقيقة التي تقول بوجود حرية التعبير المتكافئ بين المدن الأعضاء وفي الجمعية والمجلس الفيدراليين .
سؤال : كيف كان سيناقش قضيته لو أنه أراد البراءة بالتحديد؟
جواب: لو أنني كنت كاتب أحاديثه لكنت جعلته يقول التالي :
يا رجال أثينا ! أيها المواطنون !
هذه ليست محاكمة لسقراط لكنها محاكمة للفكر والفلسفة وبالتالي هي محاكمة لأثينا . أنتم لا تحاكمونني بسبب عمل غير مشروع أو عمل مناف لتقاليد مدينتنا أو هياكلها إذ ليس هناك ثمة دليل من هذا القبيل ضدي . أنتم لا تحاكمونني بسبب أعمال قمت بها وإنما بسبب أقوالي وتعاليمي . وأنتم تهددونني بالموت لأنكم لا تحبون أفكاري وتعاليمي . هذه محاكمة للفكر وهذا شيء جديد مستحدث في تاريخ مدينتنا . وبهذا التصرف تقف أثينا في قفص المجرمين وليس سقراط . كل واحد فيكم متهم وخاصة قضاتي . دعوني أكون صريحا . أنا لا أؤمن بما تسمونه حرية التعبير وأنتم تؤمنون بها . أنا أعتقد أنم أراء الناس العاديين ليست إلا خيالات وظلال شاحبة للحقيقة لا تؤخذ بجدية وهذا سيقود المدينة للضياع . أعتقد أنه من السخرية تشجيع حرية التعبير وخاصة تلك التي تتحدث أشياء واهية هشة لا أصل لها أو تأسيس سياسة مدنية يحكمها عدد من الرؤوس التي لا تشبه إلا رؤوس الملفوف . أنا لا أؤمن بالديموقراطية وأنتم تؤمنون . هذا امتحان واختبار لكم وليس لي.
حرية التعبير عندكم تقوم على الادعاء بأن رأي كل واحد له قيمته وأن الأكثرية في القيادة أفضل من الأقلية . كيف تفاخرون بحرية التعبير وأنتم تقمعونني؟ كيف تستمعون إلى رأي الاسكافي أو دباغ الجلود عندما تناقشون العدالة في مجلسكم وتكتمون صوتي عندما أتحدث ؟ أنتم تفاخرون بأن بوابات أثينا مفتوحة للفلاسفة من كل اليونان وحتى من العالم الخارجي فهل ستعدمون الآن أحد فلاسفتكم لأنكم ، فجأة ، لا تستطيعون الاستماع إلى رأيه غير المقبول لديكم ؟أنتم من سيحل به العار من جراء إدانتي وليس أنا.
تقولون : إن أفكاري تفسد الشباب وتقودهم إلى الشك والريبة في الديموقراطية . تقولون أنني كنت معلم كريتياس وأنتم تتصرفون كما لو كنتم تلامذته.
كانت جماعة الثلاثين جائرة وكانت تفعل ما يحلو لها وأنتم تدّعون أنكم تعيشون في ظل القانون وتعملون بموجبه . ألستم تتصرفون مثلهم ؟
أخبروني الآن . بأي قانون سُنّ في أثينا تريدون حجر التعاليم الفلسفية ؟ أين يمكن أن أجد هذا القانون بين شرائع المدينة ؟ متى ناقشتموه ؟ ومتى اقترعتم عليه ؟
من سعى وراء هذه البشاعة ، كما اسميتموها أنتم بأنفسكم ، في الأيام الهادئة عندما كانت عقولكم سليمة ؟ إن اختيار حرية التعبير الصادقة لا يأتي بموافقة التعاليم للنظام القائم أو الحاكم إن كان فرديا أم متعددا . وليس من الممنوع أن يؤيد الانسان أسوأ الحكام الديكاتوريين.
حرية الرفض أساس حرية التعبير . هذا هو قانون أثينا وفخر مدينتنا والمجد الذي بناه وعاش عليه خطباؤنا حتى الآن . هل ستديرون ظهوركم له الآن ؟
تقولون أنني لم أظهر الاحترام لأرباب المدينة . احترسوا كي لا تجعلوا من أنفسكم خاطئين بجنحة إدانتي . أخبروني . كيف تحترمون بيثو ، إله اليقين ، عندما يكبت اليقين ويقمع ؟ وكيف تحاكمون الفلسفة المنشقة ؟ ألستم تخالفون زيوس أكيروس ، نصير النقاش الحر في المجلس وتعصون أوامره عندما تمنعون النقاش الحر بإدانتي ؟
الفلسفة يا سادتي ليست هشة مثل بني البشر . إنها لا تجترع السم . فلسفتي على سبيل المثال ستمنحني الحياة ولكن اسم أثينا الطيب سيلطخ بالعار وأنتم تحطمون تقاليد المدينة بإدانتي . انتم من سيلحق به العار وليس أنا .
سؤال: ستكون قد تحديتهم بإطراء خفيف. اليس كذلك ؟
جواب: نعم لو أن سقراط أثار حرية التعبير كحق أساسي لكل مواطني أثينا لكان قد ضرب على الوتر الحساس والعميق ، واعتقد أن المحكمة كانت ستطلق سراحه .

الهوامش والحواشي:
(1)- المصدر مجلة حوار الأمريكية ، ربعية ، العدد 4- عام 1994 رقم الاصدار 82
A New Apology for Socrates , Dialogue ,No 4-1991,issue 82.
(2)- محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كاتب في العديد من الصحف العربية والأمريكية .
(3)- سقراط ( 469 ـ 399 ق.م.) : فيلسوف ومعلم يوناني جعلت منه حياته وآراؤه وطريقة موته الشجاعة، أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ. صرف سقراط حياته تمامًا للبحث عن الحقيقة والخير. لم يترك أن سقراط أية مؤلفات، وقد عُرِفت معظم المعلومات عن حياته وتعاليمه من تلميذيه المؤرخ زينوفون والفيلسوف أفلاطون، بالإضافة إلى ما كتبه عنه أريسطوفانيس وأرسطو. وُلد سقراط وعاش في أثينا. وكان ملبسه بسيطًا. وعُرف عنه تواضعه في المأكل والمشرب. وتزوج من زانْثِب التي عُرف عنها حسب الروايات أنها كانت حادة الطبع ويصعب العيش معها. وقد أنجبت له طفلين على الأقل. كان سقراط يعلم الناس في الشوارع والأسواق والملاعب. وكان أسلوب تدريسه يعتمد على توجيه أسئلة إلى مستمعيه، ثم يُبين لهم مدى عدم كفاية أجوبتهم. قُدّمَ سقراط للمحاكمة وُوجهت إليه تهمة إفساد الشباب والإساءة إلى التقاليد الدينية. وكان سقراط يُلمحُ إلى أن الحكام يجب أن يكونوا من أولئك الرجال الذين يعرفون كيف يحكمون، وليس بالضرورة أولئك الذين يتم انتخابهم. وقد قضت هيئة المحلَّفين بثبوت التهمة على سقراط وأصدرت حكمها عليه بالإعدام. ونفذ الحكم بكلِّ هدوء متناولاً كوبًا من سم الشوكران. وكان يؤمن بأن الأسلوب السليم لاكتشاف الخصائص العامة هو الطريقة الاستقرائية المسماة بالجدلية؛ أي مناقشة الحقائق الخاصة للوصول إلى فكرة عامة. وقد أخذت هذه العملية شكل الحوار الجدلي الذي عرف فيما بعد باسم الطريقة السقراطية.
(4)- أفلاطون ( 427 ق.م. – 347 ق.م ) : فيلسوف يوناني قديم، وأحد أعظم الفلاسفة الغربيين ، حتى ان الفلسفة الغربية اعتبرت انها ماهي الا حواشي لأفلاطون . عرف من خلال مخطوطاته التي جمعت بين الفلسفة والشعر والفن . كانت كتاباته على شكل حوارات ورسائل . يعرف أرسطو الفلسفة بمصطلحات الجواهر، فيعرفها قائلا أنها علم الجوهر الكلي لكل ما هو واقعي . في حين يحدد أفلاطون الفلسفة بأنها عالم الأفكار قاصدا بالفكرة الأساس اللاشرطي للظاهرة . من أشهر كتبه : الدفاع ، طيماوس، بارمنيندس، السفسطائي، المائدة ، الجمهورية .
(5) الدفاع : دفاع سقراط هو نسخة أفلاطون من خطاب ألقاه سقراط للدفاع عن نفسه عام 399 قبل الميلاد ضد الاتهامات الموجهة له بإفساد الشباب، وعدم الإيمان بالآلهة التي تؤمن بها المدينة، ولكن بشياطين أخرى مستحدثة. يصور الدفاع وفاة سقراط ، وهو أحد أربع حوارات لأفلاطون تروي تفاصيل الأيام الأخيرة من حياة الفيلسوف ، إلى جانب يوثيفرو، فايدو، كريتو. يقسم إلى ثلاثة أبواب رئيسية : الباب الأول : يروي حكاية دفاع سقراط عن نفسه والباب الثاني دفاع سقراط عن نفسه بتشجيع أصدقائه والباب الثالث وداع سقراط بعد إدانته باجتراع السم .
(6)- يلاحظ القارئ أن هذا المقال كتب على بأسلوب الحوار ( سؤال وجواب ) . يبدو أن الباحث ستون كتب دفاعه الجديد على شاكلة الحوارات الأفلاطونية الواردة في ” الدفاع ” .
(7) – ستون : باحث ومترجم وصحفي أمريكي يعمل ويعيش في الولايات المتحدة يمتلك صحيفة أسبوعية تحمل اسمه . متخصص في الأدب والفلسفة القديمة وينشر أبحاثه الأكاديمية المتخصصة في المجلة الأمريكية المعروفة ” هاربر” .
(8)- هيئة القضاة :لم تكن محاكم أثينا القضائية محاكم قضاة متخصصين في القانون بل محاكم محلفين مختاريخ بالقرعة من المواطنين العاديين من ذوي العقل والحكمة والفطنة . وفي كل عام يختار بالقرعة المواطنين المؤهلين ما يعادل /6000/ عضوا ممن يبدون استعدادهم للخدمة كقضاة محلفين . ويراعى دائما عدد المواطنين في القبائل الأثنية وكانوا يوزعون على عشرة محاكم يتراوح عدد القضاة المحلفين في كل محكمة بين / 201 عضوا / أو / 401 عضوا / أو /501 عضوا / وكانت المحاكم مستقلة لا سلطان عليها وكان من الصعب رشوة أعضائها .
(9)- الديموقراطية الأثنية : هو عن نوع من نظام الحكم ، أو نوع من الإطار الدستوري ، يوجد فيه نوع ما من البنية التحتية لحقوق فردية متساوية ، إلا أنّ السيطرة المؤسساتية قانونيًّا لصالح مجموعة أثينا واحدة ، وهي مجموعة الأغلبية. وإذا لم تكن هذه المجموعة مجموعة الأغلبية. وفي الإمكان إطلاق اسم نظام ديمقراطي على مثل هذا النظام ، ديمقراطية من نوع مختلف . كلمة ديموقراطية وعند البحث عن تاريخ الكلمة فاننا نجد أنها ذات أصل يوناني: ديموس (شعب) وكراتوس (سلطة) أي: Democracy ذات أصل يوناني: ديموس (شعب) وكراتوس (سلطة) أي: سلطة الشعب. وأشهر نماذج الديمقراطية ذلك الذي عرفته أثينا ، خاصة خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. وقد قامت الديمقراطية الأثينية على مبادئ رئيسية ثلاثة: المساواة السياسية ، والمساواة الاجتماعية ، وحكومة الشعب.
(10)- مدرسة هيلاس : مدرسة مسؤولة عن النهضة الفكرية والأدبية والفلسفية في اليونان القديمة كافة .
(11) بيركليس ( 490 ق.م – 429 ق.م ) : سياسي يوناني أثيني .يشرف على مدينة أثينا القديمة . معبد رائع يدعى بارثينون ,يقوم على هضبة تسمى اكروبوليس , وهو تذكار دائم وخالد للرجل الذي بناه , بيريكليس . اعظم الساسة في اليونان القديمة . هذا الرجل المحبوب جدا الذي اشتهر بوسامته وطيبته وحزمه عند الضرورة . وشجاعته في القتال , وسماحته في النصر , وصل إلى السلطة كرئيس للحزب الشعبي في أثينا سنة 460 ق.م . وقد انتخب عضوا في مجلس العموم الذي كان يحكم الدولة في تلك الايام . وسرعان ما اظهر براعة سياسيه فضلا عن الاستقامة والنزاهة المطلقتين . وفي غضون عامين بات ابرز اعضاء الحكومة , وبقى كذلك طوال الثلاثين سنة التالية . تميز حكمه بمنجزاته السلمية , على الرغم من اضطراره لخـــــوض الحرب بين آن وآخر. في عهده كانت خلفيات الاعضاء المنتخبين لمختلف المجالس الحاكمة تخضع للتدقيق الشديد للتأكد من صلاحيتهم للخدمة العامة , بحيث يقضى على اغراء السرقة او العبث بالحسابات . وفي الوقت نفسه كان مصمما على جعل عصره عصرا ذهبيا , فزين اثينا بالمباني الجميلة وفي طليعتها البارثيون . وشجع الفنون على اختلاف انواعها , وكان من اصدقائه النحات فيدياس, والكاتبان المسرحيان أرسطوفانيس وسوفوكليس . وشجع الفلاسفة على المجاهرة بآرائهم مهما بدوا مثيرين للجدل والمناقشة , من امثال سقراط الذي لم تبدأ مشاكله الا بعد وفاة بيريكليس بداء الطاعون سنة 429 ق.م . ففقد الاثينيون سياسيا عظيما ومصلحا فذا .
(12)- ثاكيديدس (460 ق.م. – 395 ق.م.) : مؤرخ إغريقي شهير، صاحب كتاب تاريخ الحرب البلوبونيزية ويعد أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة . وقع عليه عبء كتابة تاريخ حقبة شاذة من حياة الحضارة التي ترعرع في ربوعها. كما وانه كان أول من وصف المناعة حيث انه حصل وأصيبت أثينا بالطاعون ولاحظ ان الذين اصيبوا بالطاعون وشفوا منه لم يعد اليهم المرض.
(13) – الحرب البلوبونيزية : بدأت الحرب (431 ق.م.- 403 ق.م.) بسبب التوسعات الاستعمارية والتجارية لأثينا على حساب كورنث حليفة اسبرطة فاندلعت الحرب أما عن جماعة أثينا فكانت تتكون من: أثينا – يوبويا – الجزر الكيكلادية – المدن الأيونية (وكلها شكلت الاتحاد الديلي)، بالإضافة لأكارنايا وثيساليا. أم حلفاء إسبرطة فكانوا: أغلب البيلوبونيزوس – بويوتيا – مقدونيا – فوكيس. بينما بقيت أمكنة مثل إبيروس وأيتوليا وكريت كذلك أرغوس وأخايا (الوحيدتان في البيلوبونيسوس) على الحياد. وكتب ثوكيديدس أكبر مرجع يعتمد عليه لهذه الحرب، ولم تكن الحرب الأولى المسماة بالبيلوبونيزية فقد كانت هناك حرب قبلها عام 460 ق.م. وكانت بين أثينا والمدن البيلوبونيزية وانضمت اسبرطة بعد 5 أعوام.
(14)- المدينة الدولة : وهو النظام السياسي الذي اتبعه الاغريق في اقامة دولتهم وقد كانت المدينة الدولة مستقلة استقلالا ذاتيا كاملا لها جمعية شعبية وقيادة عسكرية ومجلس شورى ومحاكم مثل : اسبرطة – اثبنا – طيبة .
(15)- الأوليغارغيات : أو حكم الأقلية هي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية. الكلمة “أوليغارغية” مشتقة من الكلمة اليونانية أوليغارخيا . وغالبا ما تكون الأنظمة و الدول الأوليغاركية مسيطر عليها من قبل عائلات نافذة معدودة تورث النفوذ و القوة من جيل لأخر. وقد كان أفلاطون هو أول من أشار إلى حكم الأوليغارغية وذلك في كتابه “الجمهورية” حيث قسم أنظمة الحكم إلى: الدولة المثالية “جمهوريته” ثم الدولة الديمقراطية ثم الأوليغارغية ثم عاد في كتابه “السياسة” وقدم تقسيما أنضج وأوضح هو من ستة أنواع: منها ثلاثة تتقيد وتحترم القانون وثلاثة لا تلتزم بالقانون ومنها حكم الأوليغارغية. وجاء أرسطو بعد أفلاطون وقدم مزيدا من التفاصيل لمواصفات حكم القلة فقال أنها تشترط نصابا مالياً معيناً في الذي يتمتع بصفة المواطن. وأضاف أرسطو أن نوع الحكم يتوقف على الثروة والملكية، ويتوقف مدى اتساع الحكومة الأوليغارغية على مدى اتساع طبقة أصحاب الأملاك. وبهذا يكون أرسطو قد مهّد لاستخدام هذا المصطلح كمرادف لحكم الأثرياء أو البلوتوقراطية، إلا أن الأوليغارغية لا تعني دائماً حكم القلة الأثرياء، وإنما هي مصطلح أوسع يشمل أيضاً أي ميزة أخرى غير الثراء. وفي رأي أرسطو أن الأوليغارغية تنتهي دائماً بحكم الطغيان وتصبح مشكلتها الرئيسية هي الاستئثار بالسلطة. ويستخدم هذا التعبير في العصر الحديث لوصف الحكومات التي تعتمد على نفوذ أجنبي، أو التي ليس لها رصيد جماهيري بحيث تعتمد على دوائر التأثير في السلطة مثل رجال المال أو الصناعة.
(16)- أرسطو : ولد أرسطو عام 384 قبل الميلاد في مدينة (ستاغيرا) في شمال اليونان، وكان والده طبيبا مقربا من البلاط المقدوني، وقد حافظ أرسطو وتلاميذه من بعده على هذا التقارب. وقد كان لوالده تأثير كبير عليه لدخوله مجال التشريح ودراسة الكائنات الحية التي منحته القدرة على دقة الملاحظة والتحليل. وفي عام 367 رحل أرسطو إلى اثينا للالتحاق بمعهد افلاطون، كطالب في البداية، وكمدرس فيما بعد. وكان افلاطون قد جمع حوله مجموعة من الرجال المتفوقين في مختلف المجالات العلمية من طب وبيولوجيا ورياضيات وفلك. ولم يكن يجمع بينهم رابط عقائدي سوى رغبتهم في إثرا وتنظيم المعارف الإنسانية، وإقامتها على قواعد نظرية راسخة، ثم نشرها في مختلف الاتجاهات، وكان هذا هو التوجه المعلن لتعاليم وأعمال أرسطو.
(17)- اكسينوفون : هو مؤرخ يوناني وكاتب فلسفي، عاش بين القرنين الثالث الثاني ق م. وكان أحد تلاميذ سقراط واشترك مع الفرس في حروبهم وله كتاب يدعى الأناباسيس والذي اشتهر به حيث أرخ لرحلة تقهقره مع رجال قورش الأصغر لآلاف الكيلومترات درس الفلسفة على يد سقراط. ثم حارب في فارس وبلغ مرتبة عسكرية عليا، وقاد جيشاً قوامه 10.000 جندي يوناني في طريق العودة إلى الوطن. وعقب هذه الخدمة الحربية انصرف اكسينوفون إلى حياة الكتابة الجدية في التاريخ، فوضع قصة الحملة الفارسية التي قادها قورش الأصغر بعنوان الأناباسيس ، وتاريخاً لليونان منذ حوالي السنة 400 بعنوان الهيلينيكا، وكتاباً عن سقراط بعنوان أشياء جديرة بالتذكّر. وكتب أيضاً ندوة سجَّل فيها مناقشات مع سقراط بالإضافة إلى كتاب الذكريات .
(18) – اسبرطة : مدينة يونانية كانت تعرف بأنها دولة مدينة في اليونان القديمة تقع على جانب نهر يوروتاس في جنوب شرق إقليم بيلوبونيز. ظهرت على أنها كيان سياسي حول القرن العاشر قبل الميلاد، عندما غزاها Dorians خلال 650 قبل الميلاد، أصبحت النزعة العسكرية مهيمنة على السلطة في اليونان القديمة. تأسست حوالي عام 900 قبل الميلاد ، عبر تجمع أربع قرى هي : لمناي ، ميسوا، كينوسورا ، بيتاني. واشتهرت اسبرطة بمجتمعها العسكري الذي ينشأ أبناءه بصفة أساسية على القتال. ووفقًا للأساطير اليونانية، فمؤسس اسبرطة هو لاكديمون ، ابن زيوس وقد سماها على اسم زوجته ابنة يوروتاس.
(19) – كريت : هي أكبر الجزر اليونانية وخامس أكبر جزيرة في البحر الأبيض المتوسط. وموقعها تقريبًا 35° ش، 24° ق. وهي تطل جنوبًا على بحر إيجه وعلى رغم أن مساحتها لا تزيد عن 8336 كيلومترًا مربعًا وعدد سكانها أقل من نصف مليون نسمة فهي من أهم جزر اليونان من حيث أهميتها الحضارية. تنتصب فيها سلسلة جبلية ممتدة من الشرق إلى الغرب وتحدها شواطئ صخرية. وأعلى قمة فيها هي قمة بسيلوريتيس التي يصل ارتفاعها إلى 2456 مترًا فوق سطح البحر. وعلى هذه السلسلة تنتشر بساتين الزيتون والكرمة وتزرع فيها الذرة والتبغ. وتعتبر هذه الجزيرة احدى أربع جزر كبرى في البحر الأبيض المتوسط وهي تتمتع بموقع استراتيجي هام أكسبها مكانة ممتازة بين سائر الجزر اليونانية، وذلك لقربها من القارات الثلاث آسيا و أفريقيا وأروربا ، حيث كانت في العصور الوسطى مركز التقاء لحضارات مختلفة لشعوب هذه القارات، كما جعلها مستودعاً تجارياً هاماً.
(20)- كريتو : هو حوار للفيلسوف الإغريقي أفلاطون. وهو محادثة بين سقراط وصديقه الثري كريتو بشأن العدالة ، الظلم ، والرد المناسب على الظلم. يعتقد سقراط أن الظلم لا ينبغي أن يجابه بالظلم، ويرفض عرض كريتو لتمويل هروبه من السجن. يحتوي هذا الحوار بيان قديم لنظرية العقد الاجتماعي للحكومة.
(21)- انظر الحاشية رقم (13).
(22)- جماعة الثلاثين : جماعة دكتاتورية أوليغارغية تعادي الحياة الديموقراطية قامت بعدة انقلابات عسكرية على أثينا الديموقراطية بتحريض من اسبرطة .
(23)- لقد بقي سقراط على الحياد طوال سنوات الدكتاتورية ويذكر التاريخ أنه ذات مرة رفض الامتثال لحكومة الثلاثين بالمساعدة في القبض على ليون الثري اليوناني من جزيرة سلاميس . رفض سقراط القيام بأي عمل مناف للقانون .هناك من يعتبر بقاء سقراط في أثينا أثناء الانقلاب الأوليغارغي دليل على التعاطف معهم .
(24)- الذكريات : كتاب في الفلسفة والتاريخ ألفه اكسينوفون تلميذ سقراط. يذكر فيه ذكريات الطالب وانطباعاته عن أستاذه. ويسميه بعض الباحثين ” حياة سقراط ” .
(25)- الفيدون : حوار فلسفي لأفلاطون يختتم فيه قصة محاكمة وموت سقراط في القرن الرابع قبل الميلاد . يعرض أفلاطون الحوار كما يرويه فيدو تلميذ سقراط . يبدأ الوصف بوصول تلاميذ سقراط مع الفجر إلى المكان الذي شرب فيه السم . يحاول الكتاب أن يظهر مبدأ الخلود على أنه مبدأ عقلاني معتمدا على اعتبارين رئيسيين : الأول- يأخذ الوجود شكل الصراع اللا منتهي للأضداد وبذلك تولد الحياة من الموت والموت من الحياة . والثاني – المعرفة ذكرى لأن الموت لا يحدث إلا بانفصال الروح عن الجسد وهذا الانفصال لا يتم إلا بعد قبول الجسد بمواد غريبة تحدث الموت . وفي نهاية النقاش يستحم سقراط ويجلس منتظرا الخادم ومعه السم ثم يودع زوجته وأولاده ثم يشرب السم فيصرخ تلامذته بقود لكن سقراط يسخر منهم قائلا : لقد أبعدت النساء لكي لا أسمع هذه الصرخات . يسير قليلا حتى تثقل قدماه ثم يستلقي ويموت بعد دقائق قليلة .
(26) أسخيلوس : كاتب مسرحي يوناني ويعتبر من مؤسسي اللون التراجيدي في الأدب اليوناني. ويعتبر إسخيلوس من واحد من أقدم ثلاث كتاب مسرح يونانيين وهم سوفوكليس و اوريپيدس. كتب العديد من المسرحيات التي جسدت التاريخ اليوناني ويقدر عددها بحوالي سبعين مسرحية ولم يصلنا في الوقت الحالي منها سوى سبع مسرحيات. ويُعَدُّ أسخيلوس أهمّ كتّاب المأساة الإغريقية على الإطلاق، وهو مؤسسها بالمعنى الفني ، وأقدم فرسانها المعروفين.
(27) هيرودوت : كان مؤرخا إغريقيا يونانيا ًآسيوياً عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (حوالي 484 ق.م – 425 ق.م). اشتهر بالأوصاف التي كتبها لأماكن عدّة زارها حول العالم المعروف آنذاك ، وأناس قابلهم في رحلاته وكتبه العديدة عن السيطرة الفارسية على اليونان. عرف هيرودوت بفضل كتابه تاريخ هيرودوت الذي يصف فيه أحوال البلاد والأشخاص التي لاقاها في ترحاله حول حوض البحر المتوسط. كما زار مختلف أنواع مسارح المعارك كما إن موضوع كتابه الأساسي هو الحروب بين الإغريق والفُرس أو الميديين، ولعله كان حاضراً شخصياً في بعض المعارك مثل معركة ماراثون ومعركة سلاميس .
(28)- يوربيديس : يُعتبر يوربيديس ( 480 ق.م – 406 ق.م ) ثالث شاعر مسرحي تراجيدي اغريقي حسب التسلسل الزمني لظهور هؤلاء الكتاب. كان يوربيديس معاصراً للروائيين اليونانيين إسخيلوس وسوفوكليس ، وكان ثلاثتهم من أشهر روائيي اليونان القديمة . وكان يوربيديس رساماً ، إلا أنه أحترف الأدب في سنين حياته الأخيرة ، وقد كتب عدداً كبيراً من المسرحيات ، وبقيت حوالي 20 مسرحية يُعتقد أنه كاتبها . وقد كان لها تأثير عميق ودائم في المسرح الغربي . ومن اشهرها : ألسيستيس ، وميديا ، وهيبوليتوس ، وأوريستيس ، والكترا .. و وكل هذه المسرحيات سميت بأسماء شخصيات شهيرة في الميثولوجيا الإغريقية اليونانية أو التاريخ القديم . وتتميز كل هذه المسرحيات بمهارة حبكتها ، وموضوعها الدرامي ، وسهولة حوارها ، ومحتواها المأساوي التراجيدي .
(29) – ملتون : شاعر وعالم إنجليزي من القرن 17، يعرف أكثر لقصيدة ” الفردوس المفقود ” التي كتبها في عام 1667. أصيب في فترة لاحقة من حياته بالعمى، وكتب حول ذلك قصيدة مكونة من 14 بيتاً شعرياً. إلى جانب جيفري تشوسر وويليام شكسبير، يعتبر جون ميلتون من أبرز شعراء الأدب الإنجليزي.
(30) – ايروباجيتكا : قاض من قضاة المحكمة العليا عند اليونان القديمة .
(31)- بوليبوس (201-120 قبل الميلاد ) : مؤرخ اغريقي شارك في التحالف الأثيني في اليونان وأخذ رهينة إلى روما . ساعد بوليبوس في تنظيم الادارة في المدن اليونانية بعد الغزو الروماني . يقع تأريخه في أربعين جزءا . كان بوليبوس يبذل جهدا مضنيا للوصل إلى الحقيقة .

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

مقامة: لوركا

د. عدنان الظاهر  (( شاعر إسبانيا القتيل في شعر السيّاب والبياتي ومحمود درويش )) فيديريكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *