الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | قراءة في رواية “باغندا ” لشكري المبخوت**

قراءة في رواية “باغندا ” لشكري المبخوت**

* سهام حمودة

تندرج رواية “باغندا ” للكاتب التونسي شكري المبخوت ضمن ٲدب التحري ٲو الأدب البوليسي وهو أدب تصنفه المؤسسة النقدية بالمرتبة الثانية من الأدب يعتمد على التحري والتشويق والإثارة لمعرفة الحقائق ، وهذا النوع من الأدب يعتبر من أشهر الآداب وأكثرها قراءة لما يحتويه على الغموض والتشويق لدرجة أنه لا يستطيع القارئ ترك الرواية إلى أن يعرف نهايتها ، ويذكر أن أول من أسس الرواية البوليسية هو الكاتب ادغار الان•
يلعب دور التحري في هذه الرواية صحافي دفعه تعطشه لمعرفة الحقيقة وبحثه عن سبق صحفي لإماطة اللثام عن اختفاء لاعب كرة قدم يلقب ب”الجوهرة السوداء” في تاج كرة القدم التونسية “باغندا “•
تدور أحداث الرواية أواخر سنة 1987 وقتها كانت البلاد تعرف حربا حامية الوطيس بين سلطة بورقيبة التي تحتضر والإسلاميين الطامعين في الحكم•وفي اقتفائه لأثر النجم الآفل يكشف لنا “عبد الناصر” خفايا مرعبة لكواليس الصحافة والكرة في تونس وخبايا المجتمع التونسي آنذاك•
فحرية الصحافة في تونس تحت الحكم البورقيبي معدومة ٬ إذ وضع عليها رقيب عارف بمصلحة النظام البورقيبي خوفا أن تنال أقلام الصحفيين من البلاد واستقرار المجتمع التونسي المتماسك •كما تقوم الصحافة على رونق الخطاب والقدرة على الكذب والتمويه وملاحة الأسلوب و اللغة الخشبية• و يمكن للقارئ أن يستنتج من خلال حديث “عبد الناصر” عن زملائه في العمل أن الصحافيين ينتمون إلى مذاهب مختلفة فمنهم الصحافي العارف بدواليب الصحافة مثل عم حسن والصحافي الذي يئس من الصحافة مثل حمادي جحيم المصمم الفنان والصحافي المرتشي الذي يقوم بالحوارات المدفوعة و يكتب مقالات تحت الطلب مثل عز الدين الجعايبي •أما المذهب الرابع فيمثله عبد الناصر وهو الصحافي الحالم بمجتمع يسوده العدل والمساواة ٬ يرنو إلى تغيير العالم بمعارضة السلطة الفاسدة والذود عن حقوق البروليتاريا • هو صحافي يؤمن انه يمكن ممارسة الصحافة بمهنية واستقلالية ولكن سكين الإعلام يخرس قلمه •
ويندد المبخوت ٲيضا بالمثقف الفاسد الذي يقدم مبادئه قربانا في سبيل الوصول إلى مآربه الشخصية من خلال شخصية رئيس التحرير عبد الحميد• فرغم عشقه للأدب العالمي والفن الراقي يحول هذا الأخير دون محاولات عبد الناصر للكشف عن اللغز الغامض لاختفاء باغندا لٲن الحقيقة على حد قوله مضرة في عالم الكذب •حتى ٲنه لقب لاعب الكرة المفقود ب”النيجرو ” ووسمه بالانحراف والجهل •فكل همه كان عدم إثارة الحكام ليعينوه وزيرا رغم انه يعرف أن جميع من في السلطة يخشون ريشته •
أما عالم الرياضة فيحكمه رجال أعمال يقامرون بالرياضيين أمثال عماد بلخوجة رئيس نادي الاتحاد التونسي• فلقد قضى على الرياضة الفردية مثل السباحة و المبارزة بالسيف و القفز العالي رغم ما فيها من دور تربوي للشباب الذي انتهى بهم المطاف في الشوارع بعد أن كانوا يرفعون العلم التونسي في الألعاب الاولمبية والمحافل الإفريقية والمتوسطية وتوجه إلى الألعاب الجماعية التي تجلب المال • كما انه من اجل طموحه إلى الانتقال بفريقه إلى مصاف الفرق العالمية ٬ داس على القيم التي جبل عليها لاعبوا الاتحاد التونسي من روح رياضية و حب الوطن فكان يشتري حكم المباراة محددا بذلك مصير البطولة و الكأس قبل بداية اللقاءات •
كما ترسم الرواية من خلال شخصية “باغندا” حياة لاعب الكرة التونسي المريرة• فمستقبل هذا الأخير المادي والكروي وحتى الاجتماعي مناط بنجاح فريقه •فهو لا يقرر مصيره بنفسه • يباع ويشترى في ” ماركاتو” وهو سوق نخاسة اللاعبين ليس له ثمن محدد لأنه خاضع لتقلبات السوق وليس لمهارته •ولٲن معظم اللاعبين حظهم قليل من الدراسة وتجربتهم مع الوسطاء مفقودة يسهل التلاعب بهم واستغلالهم مثل الأفارقة الذين يعدون لقمة سائغة في أفواه قروش سوق نخاسة اللاعبين•
تنتهي الرواية بالعثور على باغندا المفتش عنه في مستشفى الرازي للٲمراض العقلية جثة مفحمة بعد أن أشعل النار في نفسه صباح انقلاب بن علي٬ منهيا بذلك رحلته مع العجز والذل بعد أن أصبح مقعدا جراء الاعتداء الذي تعرض إليه •ولكن الراوي لم يتوصل إلى الفاعل متخليا بذلك عن دور الراوي العليم الذي لعبه طيلة أحداث الرواية تاركا للقارئ المجال للتدبر في الفاعل فربما القاتل هو القارئ المثقف لصمته على قوانين الظلم وتفشي الفساد أو الٲسرة التي تبيع أبناءها للفرق لجني المال أو هو الصحافي الذي يطمس الحقيقة أو المتعلم الذي يستغل جهل الجاهل ولقد هزت النهاية المأساوية لباغندا الوجدان اذ تكشف حقيقة كرة القدم فهي ليست فقط لعبة الجماهير للترويح على أنفسهم ولكنها قد تكون ماكينة رجال الأعمال الشرهة تقتات على الشباب الذي يرى فيها الخلاص الوحيد من فقر مدقع و ٲو هي حمامة بيضاء تبعث روح السلام بين الشعوب •
أما في ما يخص بنية الرواية فلقد طغى السرد وتوسل الكاتب في مواطن كثيرة منها بالاسترجاع والتذكر بحثا عن حقائق طمرها غبار الاستبداد•أما اللغة فوظف الكاتب أحيانا اللغة العامية في الحوارات -وهي قليلة جدا- مما عزز من رسمه للشخصيات و الكشف عن مستواها النفسي والاجتماعي وعن فكر وسلوكيات مجتمع كامل •رغم انه كان يستطيع أن يستعيض بعض المفردات العامية باللغة العربية مثل كلمة ” ليسخسخهما” صفحة101 من الكتاب وهو يسرد ما حصل بين بلخوجة و باغندا•
إن مزج الأدب بالكرة ساعد في الكشف عن قضايا هامة فكما يعتقد الأديب الأروغواني إدواردو غاليانو باتت كرة القدم مرتبطة بالاقتصاد والسياسة وتتحكم في كثير من الأوقات في اقتصاد الدول وتسير معظم الدول الكبرى الآن إلى الاعتماد على كرة القدم كأحد مصادر الدخل القوية كإنجلترا وإسبانيا والبرازيل وألمانيا • ولكن الكاتب أسهب في الحديث عن كرة القدم التونسية ومد القارئ بمعلومات كان يستطيع الاستغناء عنها حتى لا يشعر بالملل •كما تفتقر الرواية كرواية مصنفة ضمن أدب التحري إلى عنصر المفاجأة والتشويق فسير الأحداث رتيب و يطغى عليه أسلوب الاسترداد في حين أن في هذا النوع من الكتابات يتقدم التحري نحو حل اللغز بطريقة مشوقة تثير فضول القارئ وتحبس أنفاسه •
واختم قراءتي هذه بالسؤال التالي : هل يروي لنا الكاتب شكري المبخوت قصة تدور أحداثها الآن أم في الزمن الغابر؟ فاللوحة التي رسمها في رواية باغندا تستقي ألوانها من واقعنا في تونس قبل الثورة وبعد الثورة هي الألوان الباهتة للبطالة و الفساد مالي واستغلال النفوذ وهدم عقول و أجساد الشباب بالمخدرات و انتشار البغاء•أم هي شهادة أن نهضة البلاد تحتاج إلى ثورة فكرية وأخلاقية وليس فقط تغير شعار الحزب الحاكم •

*كاتبة وناقدة تونسية 

** الناشر :دار التنوير للطباعة والنشر
عدد الصفحات 240

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

مقامة: لوركا

د. عدنان الظاهر  (( شاعر إسبانيا القتيل في شعر السيّاب والبياتي ومحمود درويش )) فيديريكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *