الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | بناء المقامة عند ابن ميمون الجزائري في كتابه التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية

بناء المقامة عند ابن ميمون الجزائري في كتابه التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية

الدكتورة شميسة غربي*

يتموقع الأدب العربي القديم في الجزائر بين تلوينات أدائية متنوعة، اهتمّ مبدعوها بِبَنْينتها وفق مرجعية ثقافية معيّنة، فباشروا الفعل الإبداعي باتجاهيه: المنظوم والمنثور، وطفقوا يسخرانهما في تشكيل أبعاد تتراوح بين الروحي والمادي/ الفني والنفعي؛ شأنهم في ذلك، شأن من يتّخذ من “الكلمة” ترجمانا عن بنية ذهنية، أو عن رؤية للعالم يجسدها فعل لغوي، يقوم على وظيفة تواصلية، وعلى تشابك علائقي ملموس.
في هذا الإطار، اخترت موضوعا للبحث في الأدب العربي القديم في الجزائر بعنوان: “بناء المقامة عند ابن ميمون”.
والحقيقة أن هذا الاختيار، لم يكن عشوائيا، وإنما جاء نتيجة صحبة طويلة لمقامات ابن ميمون، فقد وجدت أن هذا النوع من النثر يعد تمثيلا للذهنية الثقافية في الجزائر على عهد الأتراك ( 1515 م/1830م ) بالإضافة إلى ذلك، فإنه على الرغم من الدراسات الواسعة التي تناولت المقامة العربية بشكل عام، فإن المقامة العربية في الجزائر، بقيت غفلا، دون درس ـ في حدود اطلاعي ـ وإغفالها شكّّل عندي أحد الحوافز لمباشرة البحث وتعقب ملامحها تعقبا يتدرج من الكلي إلى الجزئي، خاصة وأن » إدراك الأجزاء وما تدل عليه، لا يتحقق إلا بإدراك الكل وما يدل عليه في سياقه العام «”” وإذا كان أسلوب المقامة عند ابن ميمون يحمل الديباجة المشرقية والأندلسية على الأخص،فإن المضمون يختلف،بحيث يبدو مدبجها كملاحظ سياسي،أو كمؤرخ يصب أفكاره في نموذج أدبي محض، يجعل من كتاب التحفة كتاب ” قضية ” في مناورة أسلوبية سلفية .
لقد عاش ابن ميمون على عهد الدولة العثمانية في الجزائر، وهو العهد الممتد من سنة (69هـ إلى 1264هـ) (1515م إلى 1830م)
وتميز عصره ـ كما يرى المؤرخون ـ بالفوضى السياسية، والاضطرابات المتتالية، حيث تنـاوب على الحكم ـ خلال فترة الوجـود العثماني ـ عـدد من السلاطين، ويشير المصدر التاريخي الذي ذكر هؤلاء السلاطين إلى أنّ أول سلطان عثماني قتل هو »السلطان عثمان الثاني ـ قتل ـ بالأبراج السبعة في ثامن رجب سنة 1031 هـ/20 ماي 1622م « “”.
أضف إلى ذلك،أن » العهد العثماني في الجزائر اتسم بانتشار ظاهرة التصوف،وسيطرتها على توجيه مسار الحياة السياسية والاجتماعية والروحية، بوجه لم يسبق لهذه البلاد أن عرفت مثيلا له« “”

وظلت ” الصوفية ” خصيصة ملازمة للعهد العثماني في كل تجلياته،وكيف لا وقد تميزت »بداية هذه الفترة (الحكم العثماني) بنهاية حياة متصوف جزائري شهير هو عبد الرحمن الثعالبي (ت 875هـ) وانتهت ـ بعد مرور زهاء ثلاثة قرون ـ ببداية حياة مجاهد ومتصوف جزائري آخر (…) الأمير عبد القادر الجزائري (ت 1300هـ) الذي قضى من عمره أربعا وعشرين سنة في هذا العهد العثماني«””
ولم تعش الدولة العثمانية تعدد السلاطين فقط،وإنما عاشت أيضا مشكل تعاقب الباشوات فالآغاوات، ثمّ الدايات،حيث تعاقب على هذا المنصب ـ منصب الدايات ـ إبان عصر ابن ميمون، وحتى تاريخ كتابة ” التحفة المرضية ” تسعة دايات: تاسعهم هو الداي محمد بكداش، محور كتاب التحفة المرضية.
وأما بالنسبة للوضع الاجتماعي عصر ابن ميمون، فعلى العموم يمكن القول إن»المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني كان مجتمعا مدنيا بمعنى أن المدنية كانت تلعب دورا بارزا في حياة السكان«””وعلى ذكر المدينة»فقد كان لكل مدينة رمزها الروحي،الذي يؤلف بين القلوب، فالثعالبي ظل حياـ ثم ميتاـ يمثل رمز السلطة الروحية في مدينة الجزائر وأحواض متيجة، وكان القطب الصوفي محمد الهواري يمثل تلك السلطة في وهران(…) أحواض شلف وتنس كان يمثلها آل آبهلول المجاجي (…) وفي عنابة كانت المشيخة في عائلة ساسي البوني« “”
وننتقل إلى الوضع الثقافي، فنجده قد تشبع بالثقافة الدينية تشبّعا عميقـا حيث »كان رجال الدين، هم العلماء بحق. فكل فقيه أو محدث أو مفسر أو أصولي أو عقائدي ،يعد في نظر الناس عالما، ويلقبونه بسيدي ” فلان ” أما إن جمع بين فنون شتى فإنه يعتبر ـ عندهم ـ عالما نحريرا، وبحرا غزيرا« “”
ويأبى النتاج الثقافي إلا أن يصطبغ بتلوينات سياسية ،ظهرت أكبر تجلياتها في فترة الداي محمد بكداش”” الذي اعتلى الحكم من سنة 1707م إلى 1710م.

وأول الأدباء الذين كرّسوا أدبهم لخدمة هذا الداي، وسخروا قرائحهم لفائدة الرواق السياسي، وكشفوا عن الحدث التاريخي بواسطة اللغة الأدبية المميزة، أقول، أول هؤلاء، أديبنا أبو عبد الله محمد بن ميمون، الزواوي النجار، حفيد أبي العباس أحمد ابن عبد الله الزواوي. »وقد أهملت جميع المظان والمصادر ترجمة هذه الشخصية ،كما سكتت عن تحديد زمان الولادة والوفاة، وضبط مكانهما«”” ويدل كتاب التحفة على أن ابن ميمون قد عاصر الداي محمد بكداش، كما تدل علاقاته على أنه قد عاصر كلا من عبد الرزاق بن حمادوش وأحمد بن عمار، وسيدي بن علي، حيث جاء في ” أشعار جزائرية “: »في ذلك الجو،قال ابن علي وابن عمار وابن ميمون شعرهم، وكان شعرا في جملته يعبر على متانة ثقافة هؤلاء الشعراء وتمكنهم من البيان العربي والذوق الفني والثقافة الإسلامية الأدبية التي تمتد جذورها عبر إنتاج شعراء الأندلس وبغداد ودمشق والحجاز ومصر«””
ولعل أصدق وثيقة ، تمكن الباحث من التعرف على أدب ابن ميمون، وتعين على الوقوف على نوعية نتاجه، تلك الوثيقة هي كتابه: ـ موضوع دراستي ـ
p التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية i
وقد ألف ابن ميمون هذا الكتاب في سيرة الداي محمد بكداش، والفتح الأول لمدينة وهران الذي كان سنة 1119 هـ/1707م. ومعنى ذلك أن زمن تأليف الكتاب انحصر بين 1707م و1710م، وهي المدة التي اعتلى فيها محمد بكداش السلطة.
وقد أشار محمد بن ميمون في مقدمة كتابه إلى الهدف من تأليفه فقال: » (…) مولانا فخر الدولة العثمانية، وناشر العدل على جميع البرية، أبو النصر محمد بكداش، أنارت أنواره جميع البلدان، والتف ملكه بالإحسان التفاف الساق بالساق، أردت أن أخدم مجلسه العالي بزف هذا الكتاب إليه …«””
بعد المقدمة، يشرع ابن ميمون في تحبير مقاماته، مشتغلا على فعالية فنية، ومناورة أسلوبية طالما لمسناها في المقامات العربية القديمة، وسأحاول تتبع نمذجة البناء في مقامات ” التحفة ” ورصد تجلياته، معتمدة في ذلك على منهج مستوحى من بنية هذا الأثر الأدبي نفسه.
وعلى ذكر البنية، اطلعت على بعض الاجراءات المنهجية المتداولة في التعامل مع النصوص، فـارتأيت تطبيـق المنهج البنيـوي، وحاولت الوقـوف على طبيعته الإجرائية المنطلقـة من الملاحظة، لتستهدف الوصف والتحليل والتركيب، وتحديـد العلاقـات، وذلك

ضمن جملة من القـواعد كقـاعدة الشمـول والكلية، والقيـم الخلافية والتماسك وزاوية الرؤية المنبثقـة عن تحليل النسـق الداخلي للعملية الإبداعية، وأسبقـية التـزامن على التعـاقب.
وعلى الرغم من كـون ” فـردينـان دي سوسير ” هو رائـد البنيـوييـن في علـم اللغـة، فـإن الرجل لـم يستعمل كلمة ” بنية ” في مـؤلفـه وإنما » كان يتحدث عن النظام والهيكل والعلاقات، مما يعد إرهاصا بها وتمهيدا لمفهومها«””
وقد عرف دي سوسير اللغة على أنها تنظيم، و» تعني كلمة تنظيم مجموعة القضايا التي تحدد (…) استعمال الأصوات والصيغ والتراكيب وأساليب التعبير«”” على العموم ،فقد مثل الاتجاه البنيوي »نظام استقبال موجه بقاعدة علمية«””
وتقوم هذه القاعدة العلمية في البنيوية على »التحليل الواقعي للظواهر بغية اكتشاف العلاقات بين العناصر المكونة لهذه الظواهر«””
ومن المراجع التي ساعدتني على التعامل مع مقامات ابن ميمون والتي لها علاقة بالمنهج الإجرائي: نصوص الشكلانيين الروس، ومورفولوجية الحكايات الخرافية الروسية لفلاديمير بروب، بالإضافة إلى الرؤى المقنعة لكمال أبي ديب، وبنية الدعاء لعبد الله العشي، وغيرها.
وهكذا قسمت البحث إلى خمسة فصول وخاتمة.
خصصت الفصل الأول للبناء المعماري، وتناولت فيه أربعة عناصر: الافتتاحية، العرض، الخاتمة، مجلى المحاكاة.
وخصصت الفصل الثاني للبناء التدرجي، واشتمل على أربعة عناصر متدرجة من البنية السردية إلى البنية الوصفية، إلى البنية التعقيبية، فالبنية الدعائية .
في حين اشتمل الفصل الثالث على البنية الولائية واحتوى ثلاث بنى: الحماس، التنديد، الخلاص.
أما الفصل الرابع، فتناولت فيه البنية الأسلوبية وذلك من خلال أربعة عنـاصر، تمثلت في: التضمين والاقتباس، الاستعارة، التشبيه، نظام الفواصل.

وأخيرا ، خصصت الفصل الخامس لمدارسة البنية الإيقاعية، وفيه حاولت الوقوف على المكونات اللفظية من سجع وقلب وجناس، والمكونات التركيبية كنظام المخالفة، والتوازنات الصوتية، دون أن أغفل المكونات المعنوية، ومحاولة التدرج إلى الكشف عن مجلى الإيقاع في إحدى مقامات التحفة، وهي المقامة الحادية عشر.
ولاشك أني واجهت عقبات وعوائق علمية تكمن في تعدد معنى مصطلح ” البنية” وفي كيفية تفكيك الفعل الإبداعي لاكتناه المكونات البانية لجنس المقامة عند ابن ميمون، حيث جعل مقاماته موزعة بين بنية ” الإخبار ” وبنية ” التزكية ” وربط بنية الإخبار بالمناسبة التاريخية المبنية على الاحتفال بفتح وهران .
والتفكيك لهذه البنى، يصطدم بالمعهود في ذاكرة القارئ العربي، حين يستحضر التقنية البنائية للمقامة العربية القديمة والتي يلعب فيها الخيال دورا ملموسا .
وإذا كان هذا البحث، قد حقق بعض النتائج المتمثلة في الكشف عن المكونات البانية لمقامات ابن ميمون، وتتبعها بالمدارسة، فإن نتائج أخرى تظل في حكم الإرجاء ،من ذلك مثلا: هل يجدر بالواقعة التاريخية أن تبنين في تشكيل زخرفي ؟ وهل التشكيل الزخرفي ـ وحده ـ كاف لتصنيف كتاب ” التحفة المرضية ” في جنس المقامات؟
ألا يمكن أن يصنف هذا الكتاب في جنس أدبي آخر، كفن التراجم والسير؟ أو كأدب ” المرايا؟ “”
بهذه التساؤلات، يبقى البحث رهين طرق القراءة الحديثة المتطلعة إلى التأويل والاستكشاف في أقصى مظانه.

الفصل الأول : البناء المعماري

تقوم ” الـمعمارية ” علـى الكـشف عـن الإطـار العام الذي تنتظم فيه أجزاء النص إذ» المـقصود بالـبناء المـعماري، هندسة النص الداخلية (…) وتعلق كل أجزاء النص بالمناخ العام الذي يطبعه « “” وما يترتب عن ذلك من وحدة تجمع الكلَّ في سلك منتظم، نستشعر معه توجه الفعل الإبداعي نحو تغطية غرض معيّن، تتشابك علاقته داخل نسيج بنائي تحكمه ـ في الغالب ـ تلك »المنطقية التاراتبية “”«على مستوى البنية الذهنية القائمة على مجموع أفكار ومواقف وانفعالات، تتساوق في مسارها العام لتشكيل فعل إبداعي متماسك، يبرز على مستوى البنية السطحية المجسِّدة لكيفية الصياغة داخل نسق معيَّن خاضع لنظام من التمظهر الخطّي الموزع عبر مساحة الأثر الأدبي.
وقد قامت مقامات ابن ميمون على بنـاء مِعْمَاري، مَنَحَهَـا خَصَائِصَ شكلية مـن شأنهـا؛ الكشف عـن ملامح الطابـع التَّأْليفي الذي انْتَهَجَه النَّاصّ أثنـاء الفِعـلِ الإِبْدَاعي، فَكَانَ أَن تَشَكَّلَ هَيْكَل العمل الفَنِّي في المقَامَات عند ابن ميمون مِنَ العَنَاصِر الآتية : الافتتاحية، العرض، الخاتمة، مع اصطناع نسبة معينة من المحاكاة للمقامات العربية القديمة. سأحاول مدارستها على أنها عنصر رابع في تشكيل البناء المعماري تحت عنوان: مَجْلَى المحاكاة .

-الافتتاحية
إذا» كانت الديباجة لا تستقيم إلا مع الطبع الذي يعكس في الحقيقة نهجا ثابتا في التعبير والتفكير على السواء « “” فإننا نلمس في افتتاحية مقامات التحفة أحد مؤشرات الأثر الأدبي، حيث بنيت المقامات بناء يعتمد أحادية الغرض و يتمثل هذا الغرض في التعضيدية المطلقة للسلطة الفاتحة لوهران، ومباركة فعل الفتح الذي شكل مادة أولية في متن مقامات التحفة.
وقد صبّ هذا الغرض في صياغة فنية، تعد بتوجّه حكائي عبر – ست عشرة مقامة- عن سيرة الداي محمد بكداش. هذا التوجه الحكائي، يتم من خلاله تقديم الأحـداث في »ترتيب مُقْنِعٍ(…)، يعتمد مَنْطِقَ السّبب والنّتيجة « “”، فنجد الاسْتِهْلاَلَ في المقامات، يَتَقَمَّص نَمَطَ السَّرْدِيَة المباشرة، ويَنْكَشِف النَّسَقُ الفَنِّي من خلال بَنْيَنَةِ المقامات على حَدَثٍ رَئِيسٍ يَتَشَرْنَقُ حول أَحَقِيَّةِ المَدْعُو ” محمد بكداش ” بالسّلطة في عَهْد الأتراك. وبتفحص افتتاحية الأربع مقامات الأولى ، من كتاب التحفة ، نلمس سيطرة بنية النبوءة بنسب متفاوتة، حيث تبدأ المقامة الأولى ـ مثلا ـ بالتّمهيد للحدث الرّئيس بواسطة بِنْيَـةِ “النُّبُوءَة” تلك النبوءة المُتَوَلِّـدَةِ عن الرّؤيـا الصُّوفيَة، فالتعريف باسم العَلَـم: “نـور الدّين أبو الحسن علي بن محمد القُرْشيّ النّسب، العربيّ الإقليم” يَعْقُبُه بَسْط النّبوءة : »فأوصى مَوْلاَنا حِينَ كَانَ صَغِيرًا، أنَّ ابني هذا على المَغْرِبِ سيَكون أَمِيرَا، وحقَّقَ الله بِهِ قَوْلَهُ وكَمَّلَ فيه مَرْغُوبَهُ وسُؤْلَه« “”

وتكون هذه النّبوءة بمثابة المكَوِّنِ الوَظيفي الذي سَيَجْلُو بِنْيَةَ الأحداث فيما بعد، فيعطينا مَتْنًا حِكَائِيًا يتمثّل في »مجموع الأحداث المتّصلة فيما بينها، والتّي يقع إخبارنا بها خلال العمل «””. ويكون الاستهلال في المقامة الثانية، بَدْءًا لِتَحَقّق النَّبوءة، بواسطة الإشارة إلى خَبَرِ ارْتِقـاءِ السُّلَّمِيَة العسكرية حيث ينطلق فِعْل القَصِّ باعتبار أنَّه » يمكن لأيِّ أخبارٍ أو رِوَاية لسلسلة من الأحداث أن يسمّى قَصًّا « “”. وقد قَصَّ صاحب المقامات خبر بَدْءِ تحقّق النَّبوءة بقوله: »وهو الّذي بيده لِوَاءُ العسكر، وينشره أمامهم ويتبختر، والمولى ما نشر رايَتَه إلاّ أقام السَّعْدُ نصْرَتَه « “”
وننتقل إلى المقامة الثالثة، فنجدها تُفْتَتَح بالتّأريخ لِتَجَسُّد مراحل النَّبوءة حيث تطالعنا ملامح مؤهِّلاتِ الاقْتِدَار على فعل شيء مَّا، تّجاه وضعٍ سِيَاسي غير مرغوب فيه، إنَّه العزم على تغيير الوضع السِّلْبي الّذي تَسَبَّبَ فيه الدّاي المتقدِّم وهو ” الحاج مصطفى أهجي”: وذلك في سنة اثْنَتَيْ عشر(1112هـ –1700م) واشتهر فضله فيه اشتهارَ القمر، ولمَّا رأى الباغي سَادَ، وطغى في البلاد … « “”
وتستمرّ افتتاحية المقامة الرّابعة في السّياق نفسه:» وهي حالة تَدلّ على أَنَاقَتِهِ في الفخر، دلالة النسيم على الزّهر، والشاطئ على النَّهْر، وتشهد له بِالعلاء والمجد … « “” حيث نلمس تَنَامِي بِنْيَةِ النَّبوءة بفضل الأخلاق العالية الّتي تَحَلّى بها ” محمد بكداش” .
غير أنّ افتتاحية المقامة الخامسة ، تطالعنا بانحصار هذا التَّنَامي، وحصـول نَكْسَةٍ مؤَقَّتة ـ إن صحّ التعبير ـ ابتلي بها صاحب النّبوءة: » وكان ذلك أواخر المحرم الحرام من ذلك العام، وحيث أنزل من ملك الملك، إلى حضيض الفلك، ناحت السّموت لأجله، وكسفت الشموس لفَقْدِهِ … « ” ”
وتتعاقب أحداثٌ تجعل بداية المقامة السادسة عبارة عن تحديدٍ تاريخي هامٍّ في مسارِ الشخصية الرئيسة: »كان ذلك في التّسعة والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثمانِ عشرة ومائة وألف، وقد اجتمع من العساكر مَا ينيّف على اثني عشر ألف، واستفتح الملك يوم الجمعة، والناس ينتظرون مُجْتَمِعَة … « “”
وبهذا الحدث تَكْسِر افتتاحية المقامة السادسة، افتتاحية ما قبلها، لتعلِنَ عن بِنْيَةِ استلام الملك ومجْرَيَاته، حتّى إذا ما وصلنا إلى افتتاحية المقامة السّابعة، لمسنا فيها إثبات الإمارة

باستعمال لقب: » هو أمير المؤمنين محمد بن علي بن محمد، الشريف، الحسني النكداني : ملك رفـع للأقمـار لواء، وألقـى على شمس النهار بهجـة وضياء … « “”
وإثبات الإمارة، استلزم التَّهْنِئَة، فكان أن انطلقت افتتاحية المقامة الثامنة على هذا النحو: »فأول مَنْ رَاسَلَه بالقصائد السّيّد يحيى بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن أبي راشد وهو العلاّمة المودود … « “”
فكما يظهر، تبدأ هذه المقامة الثامنة بذكر المراسلات التأييدية، والإشارات التنويهية بالشخصية الرئيسة الّتي تدور الأحداث حولها ـ شخصية الدّاي محمد بكداش ـ وتشكّل هذه المقامة أطْوَل مقامات كتاب التحفة المرضية لاحتوائها على مادّة شعرية غزيرة، تصب كلّها في مدح الشّخصية المحَرّكة للأحداث .
وبانتقالنا إلى المقامة التاسعة، الّتي افتتحها النّاصّ بقوله: » وذلك أنّه لمّا ساعدتهم الأيّام، ومكثوا في المدينة مائتين وخمسة أعوام، وبنوا الحصون وشيّدوها، وتملّكوا لأوطان ومهدوها، صاروا يغزون الإسلام …« “”
نصادف تحوّل فعل السّرد في هذه الافتتاحية إلى بِنْيَة مضادّةٍ، حيث تركّز الافتتاحية » على طبيعة الصراع الدائر على مستـوى أعمـق، مستوى البنى السياسية والاجتماعية(…) والتّضاد بين الإيديولوجية السّائدة «”” والأخرى المعاكسة المتمثّلة في التّسلّط الإسباني على منطقة وهران منذ» أواخر المحرم سنة914هـ أو آخر ماي 1508م إلى صبيحة يوم الجمعة من 26 لشهر شوال سنة 1119هـ/20جانفي 1708م «””.
ننتقل إلى افتتاحية المقامة العاشرة، فنجدها على هذا الشكل: » حصر هذا الحصن حامي حِمى الدّين وعَاضِده، وقاطع ضرّ المعتدين وحاصده، الّذي هدّ بعزمه الجبال الشّوامخ (….) السّيّد أوزن حَسَن «””. إنّها افتتاحية تشريفية، تعود بنا إلى أثر الشخصية الرّئيسة، في شخصية أخرى بارزة، سـاهمت بدورها البطولي في عملية الفتح للحِصـن المسمّى : “العيون” وارتبط مصيرها ـ شخصية أوزن حسن ـ فيما بعد بمصير محرّك الأحداث وبانيها الدّاي ” محمد بكداش ”
وفي افتتاحية المقامة الحادية عشر: » لما فتـحوا الحصـن الأوّل، صعـدوا للّذي في شـاهق الجـبل، وداروا به دَوَرَان الفُلْكِ وتأهّبوا للقتال ….. «””.

تقوم هذه الافتتاحية على بِنْيَةٍ جَمْعِية، حيث تعرض فعلا جَمَاعِيًا، يصوّر نُزوعًا إلى تدمير بنية إيديولوجية غير مرغوب فيها، ومحاولة استعاضتها بِبِنية جديدة تخدم المصلحة العليا من منظور ديني سياسي يوظف كلمة (فتحوا) لما لها من بُعْدٍ تأثيري روحي لا يمكن تناسيه.
ويتكرّر استعمال فعل الفتح في المقامة الثانية عشر، جاء في مسْتَهَلِّها:» لمّا فتح الله على المسلمين، وأيّدهم بالنّصر العزيز المبين، انتقلوا لحَصْرِ حِصْن ابن زهوة، وكان في ربوة …«””
كما يظهر، نلمس تنامي البنية الجَمْعِية، القائمة على نسق فكري مُوَحَّد هو الوعي بالملكية الشّرعية لهذا الحصن، أو غيره، خاصة إذا اعتبرنا الوعي »مَظْهَرًا معيّنا لكلِّ سلوك بشري «”” الشيء الذي يجعل من الفتح »حَصيِلة فعلٍ تضافرت لإنجازه عوامل كثيرة تاريخية واجتماعية«””.
وبانتقالنا إلى المقامة الثالثة عشر، نصادف افتتاحية جديدة: »لا شكّ أنّها مدينـة بَلْقـَاء الشُّهـرَةِ،وغَـابُ البَسَالَة،ومَنْبِتُ الشّوكة، وعقـاب القـواعد المُغْتَصبة للمسلمين … «””
جـِدَّة الافـتتاحية ـ كما يتّضح ـ تتمثـّل في الاعتمـاد على البِنْيـَة الوَصْفِية لمدينـة ” وهران “، فتتحوّل إلى مَرْكَز اهتمام، يساهم في اتِّسَاع فعل “الفتح” ويَخْلَعُ عليه مَزِيدا من التّفاصيل المنوطة بالأحداث وبالأزمنة والأمكِنة، وشمولية الفرح بالانتصار في تشابكٍ دلالي يتّضح أكثر عبر بقية هذه المقامة .
أمّا افتتاحية المقامة الرابعة عشر والتّي ورد فيها: »ولمّا بصروا (الغزاة) بفتحِ المدينة، تَمزّقت قلوبهم بضربَةٍ مَكِينـَةٍ، وتشـاوروا فيما بينهم، ورأوا أنّ الهلاك يفضي إليهم، لكنّهم أظهروا التَجَلُّدَ فحاربوا يوم الفتح من المساء إلى الصّبح … «””
مرّةً أخرى، نصادف افتتاحية قائمة على البِنْيَةِ المضادّة، كما صادفناها في افتتاحيـة المقامة التّاسعة،حيث يتحوّل فعل السّرد إلى تجسيد الشُّحْنَة الانفعالية الّتي تكشف وَهْمَ الطَّرَف الآخر وزَيْفَ المَوْقِفِ عنده، وتواجده ضمن وضعية متوتّرة، تفتح أفق “التّهيّؤ” لوضعية جديدة، سعى مَتْنُ المقامة إلى تشخيصها، مرورًا بسرد الظروف المُشَكِّلَةِ للحدث الرّئيس: (فتح وهران)
تتنامى البنية المضادّة في المقامة الخامسة عشر حيث استُهِلَّت بتَقَصِّي أخبار الطّرف الآخر: » ولمّا فرَّ من المدينة الكفرة، وزعموا أنّهم نَاؤُوا عن الذّلّ والمحقرة، وأنّهم إذا تفاقم

عليهم الأمر، يفرّون في البحر … «”” نلمس افتتاحية ذات نسَق حِكَائي منبثق من رؤيا أعمق غَوْرًا من مجرّد تقديم أحداث جاهزة متراكمة فـي بنيـة واقـع إنساني، تحتكره ثنائية : السالب / المسلوب، ويتداخل طرفَا الثّنائية على صعيد البِنْية الدّلاليـة لتحقيـق غرضٍ واحـدٍ يمنـح مقامـات التحفـة طابَعـًا مـِنَ الشّمولية يتمحـور حـول الاقتنـاع العميق بِحَتْمِيَة الانتصار وهو ما تطالعنا به افتتاحية المقامـة السّادسة عشر ـ الأخيرة ـ : »شَرَف باذخ، ومجد شامخ، عقد النجوم ذَوَائِبَه، وأوخز في مَفْرَقِ النّسر ركائبه، استفتح وهران وانبلج صبح النّصر وبان «””
بهذه الافتتاحية يكون الوصف المكثف لِتَجَلِيَّاتِ النّصر، أحد التقنيات المستعملة في الحدث الرّئيس، ويكـون الانتظـام المنطقي للأحـداث طيلة السـّرد، مِنْ مؤشّرات » السّببية التي تعتبر من أكثر القضايا تردّدًا في المَحْكِيَاتِ «””.
نخلص إلى أنّ افتتاحيات مقامات التّحفة المرضية، تأخذ برِقَابِ بعضها، من خلال البناء المحدّد، القائم على اختيار الغرض التّاريخي وعلى مراعاة الشكل الفنّي للمقامات بصورة عامّة في نظام معيّن، يجعل من البنية في مقامات التّحفة »بِنْيَة خاصّة هي عبارة عن انتقاء ثان خاصّ بالأديب «”” انتقاء يطرح جانبا، الافتتاحية التّقليدية في أغلب المقامات العربية القديمة، والقائمة على الوَهْمِيَةِ الثّنائية ( راوي وبطل وَهْمِيَان ) أو مفْتَرَضَان
2-العـرض
إذا كانت مقامات ابن ميمون، قد حافظت على الموروث وهو تقنية الأسلوب، فإنّها خرجت على المَجْلوب وهو المضمون، وأصبح الهدف المبَنْيَن عبر مقامات التحفة، هو تزكية رجل الدّولة ” محمد بكداش ” بواسطة محاولة الرّبط بين الأجزاء المكوّنة لمجموع المقامات في كتاب التحفة، وتتجسّد هذه التّزكية عبر محطّات تسمح بِمَوْضَعَةِ المقامات ضمن تصوّرٍ كلّي يكشف عن الرّؤيا اليقينية المتمثّلة في كفاءة الشّخصية الرّئيسة في المقامات، ومدى تحرّكها داخل إطارٍ من القيم الاجتماعية والسياسية والروحية، تتجمّع كلّها تحت مظلّة : شمولية الاستجابة لتحقيق ” الفتح “، ورصد لحظة الفعل البطولي.بهذا تكون المقامات في التحفة »تقريرًا لمعنى أي تقديمًا مباشرًا لِبِنْيَةٍ دلاليةٍ «”” حيث تتنامى البِنْية الدّلالية لتمنح الحدث بُعْدًا إيديولوجيًا وسياسيًا، يشتغل على المادّة التّاريخية باعتبارها أحـد مراكـز الاهتـمام في كتاب التحفة، ذلك أنّ المقامات بنيت علـى حـدثِ اعتـلاءِ ” محمد بكداش ” للسّلطة وهو اعتلاء يشكّل دورا محرّكًا داخل البنية العامّة التي قطعت صلتها بتقليدِ الكدية

وبالنّقد الاجتماعي المعهودين في أولى المقامات العربية القديمة بصورة عامّة، وكان اعتلاء السّلطة مرتبطا بالنَّبُوءة التي غَدَتْ بمثابة النّواة المولّدة لمكوّناتٍ لاحقةٍ يمكن إجمالها في:
​أ ـ قائد كفء يعمل على إلغاء وضعٍ معيّنٍ.
​ب ـ قوّة معادية ـ غازية ـ متشبثة بالوضع المقصود بالإلغاء.
​ج ـ يقظة جماعية لمساندة القائد الكفء.
​د ـ ملامح اليقظة الجماعية عن طريق التطوع للجهاد
​هـ ـ ثبات الحقّ، وهشاشة الباطل مثّله تحقّق ” الفتـح ” حيث ورد في بعض ما ورد في مسألة الفتح : » ونِقْمَة الله بعدوّه حَاقت، ونعَمه قد بَهَرَتْ لدينا وراقت، وأَسَارَاهم في أيدينا قـد أوثقت، وتخلّفَتْ قصورهم السّامية قِيعَانًا، وكنائسهم الحافلة أثَرًا لا عَيَـانًـا «””.
هذه المكوّنات مجْتَمِعَةً شكّلت عاملاً سببِيًا انتهى إلى نتيجةٍ مَنْطِقية هي» ممارسـة السّلطة والسّعي إلى التّأثير العقائدي (الإيديولوجي) بهدف ترسيخ السّلطة وتأييدها. «”” الشيء الذي منح مقامات التحفة وَحْدَة داخلية عميقة على درجةٍ من الشمولية تكشف عن حافِزٍ مبدئيّ يستحيل تجاهله : فوَحْدَة التّراب تستدعي فعل تخليص التّراب، وهو فعل يَجْلُو بِنْيَةَ العقل الإنساني الذي جُبِلَ على التشدّدِ في مسألة الأرض واحتوائها، كما ستحتويه يوما بين ضلوعها!!
لذلك نستطيع القـول، إنّ مَضَامِينَ المقامات في كتاب التّحفـة قد بنيت علـى مستـوى من العلاقات المتشابكة، ربطت بين الأجزاء المكوّنة لمجموع المقامات .
وإن اعتبرنا أنّ »الصّلة بين الأجزاء تكون بالغة الشّكلية إلى درجة أنّ القارئ هو وحده الذي يستطيع أن يدركها «””، فإن الخيط الرّابط بين المقامات هو : الولاء لمن يخلّص التراب، ويوحّد الشّتات، وبذلك تنبع العلاقة بين المقامات من مركزٍ واحدٍ، لتلتقي في نقطة واحدة هي: الكينونة الشرعية، كينونة تستهدف استرجاع الأرض وتبنّيها. وفي مقابل هذه الكينونة الشـرعية، تبرز كينونة لقيطة مبنية على الانتساب إلى أرض الغير وتحويلها إلـى “ورشة ” يرثها مَنْ لا حقّ له فيها .لذلك،يمكن اعتبار مضامين مقامات التّحفـة ذات مَرْجَعِيَة تاريخية مَبْنِية على خيط سَرْدي دقيق، خاضع لمقتضيات البِنْيـَة الفنّيـة في المقامات، ولتشخيص الواقع بالتواريخ وأسماء الأعلام، والحصون، بـل وحتّى تحديد العتاد الذي سخِّر أثناء الفتح: »وكان ـ نَصَرَه الله ـ أَصْحَبَ العسكر عَجَلاَتٍ، تحمل أَنْفَاطًا وآلات، من أنواع السّيف والسّهم، ومواعين النقْب والهدم، إلى الحَصَاصِيد، والسّلاليم، والفؤوس، والقواطيع، …. «”” إنّه عَرْض تسجيلي، يجلو دِقـّة المَسْرودِ ويصعِّد التَّوجّه الحِكَائي، على وتيرة من

التّتابع المنطقي للأحداث، يمنح لمقامات التّحفة علاقة متنامية مع الواقع، من خلال التّماسك الذي يميّز الخبر في هذه المقامات، تماسك ظهر في أكثر من موضع، أكتفي بذكر واحد منه: »فدخلوا خندق الحصن صابرين، وتسنَّموا سوره ظاهرين، بعد إثْخَانِ القتل وإعْمال السّيف، وبعد أن سدّت مسالكه جثث القتلى، وملئت الرحاب أشدّه الصرعى، ثمّ عاطوا من تحصّن بالحصن كؤوس القتال، وأرسلوا عليهم صواحب النِّبَالِ، وتعلّقوا بأسواره يقرعون الثنايا، ويطلعون عليهم وجوه المنايا«””.
هكذا شكّل مَتْن المقامات في التّحفة نوعا من العلاقات المتبادلة بين صاحب المهامّ وهو البطل الواقعي في ” التّحفة ” وبين المُلْتَفِّين حواليه، باعتبارهم يقومون بوظيفة الاستجابة لِمَا تمليه مهامّ البطل المؤسَّسَة على حدث ” الفتح ” وهو حدث مؤَسَّس بدوره على »رابطِ السّببية الـّذي يوحّد الأحـداث «”” ويجـلو العملية الإبداعية فـي جميـع مراحـلها.
الخـاتمة
​سبقت الإشارة في الصّفحات الأولى من هذا العمل، إلى أنّ مقامات التّحفة أخذت توجّهًا حِكائيًا، حيث باشر النّاصّ عرض الأحداث معتمدًا القصّ الذي هو »نوع من السلوك البشري (…) توصل من خلاله الكائنات البشرية ضروبا معيّنة من الرّسائل «”” وبالفعل، فقد اعتمدت مقامات التّحفة مجَسّمًا حِكَائِيًا موصدًا بخواتم مميّزة كالدّعاء الذي ورد في خواتم المقامات الآتية:
المقامة الأولى:» الدَّاعي له في حال الإيرادِ والإصدار، بالزلفى وعقبى الدّار «””
المقامة العاشرة:» حفظ الله منه على المسلمين عنصر كلمته، ومعدن قوته، ووهب ريح نصره (…) وواصل لنا ولمولانا ما عَوَّدَ، ومَتَّعَ بما خَوّلَ، وأعان على ما قلَّدَ، وأدام بقاءه، وأَعْلَى بالصَّنائِع الباهرة علاءه «””
المقامة الحادية عشر:
»والله يصل سعده، ويحرس لسيّدنا مَجْدَه «””
المقامة الثانية عشر:
» نسأله تعالى أن يبقى سيّدنا على سائر كل شدّة، ويخلد ملكه ويؤبده «””

وتقترب خواتم الدّعاء هذه من خواتم أخرى يمكن أن نطلق عليها:خواتم “الحمد والامتنان”، ووردت في المقامات الآتية:
المقامة السادسة:
»نحمدك يا مَنْ جعل قضايا أميرنا هذا وجودية منتشرة، ورياح نصره مبشرة، ووجوه الدين بها يتيحه الله لملكه المكين مستبشرة، وقدرة عزمه مؤثرة، وصفات كماله على توحيد جلاله متكثرة، ونهار نصره آياته مبصرة «””.
المقامة التاسعة:»فتبارك مَن لا يكيده كائد، ولا يَبِيد ملكه ـ وكلّ شيء بائد «””
المقامة السادسة عشر: بالنسبة لهذه المقامة، أورد محقّق التّحفة خاتمتين مختلفتين:
ـ خاتمة النسخة (أ) وفيها حَمْد وامتنان: » فكيف لا نَحْمَـد الله على تخريب هذا المصر الشهير، والقطر الخصيب الخطير، بحيث تمضي الأَحْقَاب وهو عِبْرَة للمعْتَبِرِين، وواعِظًا للمبصرين المستبصرين، وحديثه لسان صِدْقٍ في الآخرين «””.
أمّا خاتمة النسخة (ب) فتمثّلت في إيراد عشرة أبيات شعرية، بالإضافة إلى توثيق تاريخ الانتهاء من كتابة المقامات: » كـمل بحمد الله تعالـى، وكان الفراغ من نسخه من مسودة بخطّ مؤلّفه، في أواخر جمادى الأخرى عام إحدى وعشرين ومائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفـضل صلاة سنية «””.
بعد تقـصّي الخـواتم المَبْنِيَة على الدّعاء،والحمد والامتنان نجد خواتم المقامات الأخـرى كالآتي:

المقامة الثانية:
ختمت بأربعة أبيات شعـرية مع سطـرين من النّثر كَتَعْزِيزٍ للمعنى الذي تَضَمَّنَتْه المـادّة الشّعرية: » وبالجملة فقد وَافَقَتْه الرِّيَاسـَة، وانقـادت إليه السّيـاسة، فانتقـل إليها انتقـال الشـّمس فـي مطالع السّعود، ومقل روض الأماني في نضير العود«””.
المقامة الثالثة:
ختمت بالوصف لما استجَدَّ بعد القضاء على الدّاي المتقدّم ” الحاج مصطفى أهجي” حيث تـمّ الإعلان عن وضعٍ سياسي جديد: » ثمّ أسست الدّولة التي أرجت نفحاتها، وتفتحت

أكمام عدلها، وأفصحت حمائم الثّناء على أهلها وتجرّدت جداول كَرَمِها، ورَمَقَت عيون الأماني وجوه حَشَمِهَا «””.
المقامة الرّابعة:
ختمت بحادِثِ ” المنفى ” الذي تعرّض له الدّاي ” محمد بكداش “، وهو ما يشْعِرنَا بانفلات هذه الخاتمة من زِمَامِ بقية خواتم مقامات التحفة، حيث انكسرت إمكانية تحقّق النّتيجة المفترضة، وتجسّد الانتقـال من حالٍ إلى أخرى، من حَالِ القوّة إلى حال التّدهور الذي رسم تَجَلِّيَاتِهِ فعل “المنفى” وما ترتب عنه من تحويلات أعلنت عنها الخاتمة كالتالي: » ثمّ من الجـزائر انتفـى، وقلـوب الخلائق لفقده على شفا، وعـاد النّـهار ليلا، وانقلب السّرور ويلاً «””
وننتقـل إلى خاتمة المقامة الخامسة:
» حتّى أشـار صاحب الـرّأي السّديد، بالدّخول صباحًا من باب الجديد، فوقعتِ الواقعة، وما أدراك ما الواقعة ! «”” إنّها البِنْية المضادّة، تعكس تَرَاجع حال التّدهور، وإمكانية تحقّق النّتيجة المتمثّلة في فعل العودة والدّخول إلى الجزائر بسبب تهيئة الشّروط »فأعطاهم الزّاد والخيل، وصاروا يكمنون النّهار ويسيرون اللّيل إلى أن وصلوا للبساتين …«””
المقامة السّابعة:
حظيت بخاتمة تمجيدية مكثّفة للشخصية الرّئيسة “محمد بكداش”: » ولولا أن يُظَنَّ بي الغلوّ من أولياء غِلّه، ويعتقد فيّ الإغراق في غير مَحَلِّه، لأجَدْت في أوصافه، على شرط إنصافه، ولأَغْربت في النعوت بحَسَبِ نَفَاسَةِ المنعوت، والأَوْلَى الاقتصار على تَوْفِيَة بعض حقوقه ما لم يؤد إلى عقوقه، والاختصار من التعريف بمقداره، في زمان إِبْـدَارِه «””.
وكما يتّضح، نجد هذه الخاتمة تشدّد على وظيفة الوَلاَء للشّخصية المِحْوَرِيَة، التي شكّلت مادّة للخَلْقِ الفنّي في كتاب ” التّحفة المرضية “.
تبقى أربع مقامات من مجموع مقامات كتاب ” التّحفة “، كانت الخواتم فيها عبارة عن قصائد شعرية مختلفة الطول، وهي على التوالي : المقامة الثامنة:
ختمت بقصيدة مطوّلة لأبي زيد عبد الرّحمن بن عبد الله الجامعي، ومطلع القصيدة :

أَهْـل النّهَى وَذَوِي اللّهَى الكرَمَاءِ

هذي ـ وحَقِّكَ ـ سِيرَة الأمَرَاءِ
المقامة الثالثة عشر:
ختمت بقصيدة لمصطفى بن عبد الله البوني الخطيب، مطلعها :
” بكداش ” نَـجْـلِ الأَمْـجَـد

يَـا سَيـِّدِي محمــــــّد
المقامة الرّابعة عشر:
ختمت بقصيدة لأبي عبد الله محمّد بن يوسف””، مطلعها :
وَبِتَـاجِ عِـزِّ الله أَنْتَ متَوَّج

مَوْلاَيَ فَضْلكَ لِلْكروبِ مفَـرِّج
المقامة الخامسة عشر:
خاتمتها عبارة عن قصيدة مطوّلة لمحمد بن عبد الرّحمن المغربي””، وكان المطلع فيها:
عَلَيْنَـا سورَةَ الفَتِـحِ السّعِيـدِ

تَلَتْ رسل البَشَائـِرِ يـَوْمَ عِيـدِ
عَفـَا بِالشِّـرْكِ مـذْ زَمَنٍ بَعِيدِ

فَأَحْيَتْ مِنْ رسومِ البِشْرِ رَسْمـًا
وبرصد خواتم مقامات التحفة، يبدو جليا أنها قد شكّلت تكاملا رؤْيَوِيـًا قائمًا على تماسك الأجزاء المكوّنة للمقامات، وعلاقات هذه الأجزاء فيما بينها، وهو ما أفرز نوعًا من التّلاحم المطلق المَبْنِي على تنضيد الأحداث تنضِيدًا يمنح الحدث الرّئيس ميزة ملازمة للمقامات عند ابن ميمون، هي ميزة الانشغال بالفتـح، وبالتّالي التحضير له ببنـاءٍ متدَرِّجٍ، تكون معالجته لاحقًـا، بعد عنصر ” مجلى المحاكاة”.
4 ـ مجـلى المحاكاة
المقصود من ه>ا العنصر ـ مجلى المحاكاة ـ مدارسة نوعية ودرجة “المحاكاة” أو التقليد الحاصل في مقامات ابن ميمون، بالقياس إلى المقامات العربية القديمة. وبعبارة أخرى: أين تكمن هذه المحاكاة؟ هل تجسَّدت على مستوى الشكل؟ هل امتدت ‘لى المضمون؟ أم أنها تمرَّدت على أحدَيْهما، وناصرت الآخر؟
أستطيع القول إنه وبعد اطّلاعي على فـنّ المقامات في الأدب العربي، ومعاينتي لنَمْذَجتِهِ، تبيّن لي أنّ الخواصَّ النّوعية لهذا الجنس الأدبي، تكـاد تنحصر في كيفية بنـاء الأثـر الأدبي، حيث يقوم هذا النوع من النّثر على سرد الحدث من جهة، ووِفْقَ الشّكل الذي هو» علّة لوجود العمل الفنّي«””، من جهة أخرى لقد وظَّفَتِ المقامات العربية شفرات خاصّة بها سمحت بتنسيق عناصر المقامة (الافتتاحية، العرض، الخاتمة) وسمحت بالكشف

عن بنية خاصة داخل البنية العامّة التي هي بنية الأدب باعتبار الأدب » استعـمل دائـمـًا للدِّلالة على كلام يبعث اللّذة، أو يثير الاهتمام لدى سامعه أو قارئه، ويكون الخلود مصيره، وبناءً على ذلك، فهو قول أكثر صناعة من الكلام العادي «””، بالإضافة إلى ذلك، فقد تعاملت المقامات العربية مع الظاهرة الصّوتية تعاملا خاصًّا، أعطى للإيقاع سلطة، وجعله مِنْ أبرزِ مكَوِّنات الشّكل فَحَفِلَتِ المقامات بالتَّنَاغم في إطارٍ مِنَ التّنضيد للمحسّنات البديعية وفـي إطـارٍ مِنَ التَّوازي بين الجمل، وانتقـاء الألفـاظ ورَصْفِها مع توظيف الصّور المجازية، وتوزيعـها عبر النّصّ المقامي مما يطبعـه بطابـع “الأدبية” ذلك أنّه » كلّما زاد رَنِين اللّغة، وتصويرها المجازي، صارت المقالة أو الرّسالة (…) أو الكلام أكثر أدبية «””.
وإذا كانت المقامة العربية ـ بشكل عامّ ـ قد اعتمدت سَرْد الأحداث في لغـة فنيـة، تتراوح نِسَب فعالياتهـا الجمالية مـِنْ مبـدعٍ إلى آخـر، وتنـوّع مضامينهـا حَسْبَ المقصدية ” بمعنى أنّ » قصص المقامة لا تدور كلّها حول الكدية، بل لكلّ مقامةٍ موضوع منفصل «””، وإذا كانت قد اعتمدت ـ في الغالب ـ الراوي الوهمي، والبطل الوهمي أيضا، وجَنَحَت بالخيال إلى أبعد مدى، وعرّجَتْ على فضاء النّكتة والطّرفة، فإنّ مقامات ” التحفـة ” امتازت بما يلـي :
​أ ـ العرض الجِدِّي للأحداث، لأنّها تشتغل على المادّة التّاريخية، وعلى الفعالية السّياسية، والحضور الإيديولوجي الـذي هـو» تمثيـل جمعـي يهيمـن علـى مجتمع مّا«””.
​ب ـ الإلغاء للنّكتة المسْتَمْلَحَة، والطّرفة المَرِحَة، والسّخرية الجارحة التي كثيرًا ما صَادفناها في المقامات القديمة .
​ج ـ النزوع الواقعي، والإعلان الصريح الذي تواجهنا تجّلياته في أكثر من موضع فـي ” التحفة ” من ذلك مثلا: »وكان (الصهر أوزن حسن) ـ قَبْـل ـ قـام زمانًا على المدَامَةِ معتَكِفًا، ولثغور البطالة مرتَشِفًا، لا يغدو إلاّ ثملا، ولا يروح إلاّ بنشْوَةٍ مشتمِلاً «””.
إنّه إعلان صريح لمشوارٍ مضطربٍ من حياة أحد أصهارِ الدّاي ” محمد بكداش “، فكما يبدو من هذا الوصف، لم يكن الرّجل حسن الأحوال والسلوك ـ قبل فعل المصاهرة ـ ورغم وضعه الجديد وقرابته من الدّاي، فإنّ صاحب المقامات، لم يَغْفَل ماضي هذه الشخصية، وإنّما نَبَشَ في الماضي، وقارَنَه بالحاضر الذي يحمل علامات التحوّل، والانتقال من النقيض إلى النقيض،يقول ابن ميمون واصفا حاضر الصّهر”أوزن حسن”: » ثمّ فاء عن تلك السّاحة، واختار تَعَبَ النفس عن تلك الرّاحة، فراح حِلْفَ خشوعٍ، أصبح بين سجـودٍ

وركـوعٍ، ولمّا زوّجه ابنته، أشـحذ عدّته، (…) وقد نسك وعَفََّ، وأمسك عن الشّهوات وكفّ «””.
نخلص إلى أن مميّزات مقامات ” التحفة ” قد جعلت من فعل ” المحاكاة ” للمقامات العربية فعلا نِسبِيًا رغم كونها انْبَنَتْ على نظام من الصّوت ومن تشكّل المعنى في قالبٍ من المَقْدرَة الأدبية الواعية ببنية الجنس الأدبـي ككلٍّ .وسأحـاول حصر فضاءاتِ المقامات العـربية القديـمة، وفضاءَ المقامات عند ابـن ميمون ورصـد هياكـل البناء العـامّ فـي جدولٍ مبسّطٍ ، يجلو فعل نسبية المحاكاة :

مقـامـات التحفـة المرضيـة
المقامات العربية القديـمـة
1 ـ واحدية المضمون، وتجزئته إلى مكوّنات ذات علاقات حميمة :
ـ حدث الرؤيا ( النبوءة )
ـ تحقق الرّؤيا
ـ الذات المجسِّدة للنبوءة
ـ الالتفات حول الذات المجسِّدة للنبوءة
ـ الدعوة إلى الجهاد
ـ تلبية الدعوة
ـ حدث الفتح (مركز الثقل)
2 ـ ذكر الأماكن (لعيون، الجبل، ابن زهوة، المرسى)
ـ وصف وهران
3 ـ الأعلام المهنّئة على ” الفتح ”
4 ـ “محمد بكداش” بؤرة دلالية ثابتة.
1 ـ تعدّد المضامين من خلال تعددية الفضاءات :
ـ الفضاء المـرح
ـ الفضاء الساخر
ـ الفضاء المنتقد
ـ الفضاء الوعظي
ـ فضاء المغامرة
ـ فضاء الألغاز
2 ـ ذكر الأعلام والأماكن
3 ـ عَالَم من السلوكات البشرية المتناقضة
4 ـ تغيّر البؤرة الدلالية من مقامة إلى أخرى

وماعدا تلك الفروق، فإن مقامات ابن ميمون تشترك مع المقامات العربية في النسيج العام، ومن أهم تجلياته:

اللازمة المشتـركة

ـ الالتــزام بالبديـــع
​ـ الاهتمـام بالاقتبــاس
ـ اعتمــاد التضميــن
ـ الاشتغال على الفعالية السّردية
​ـ سلطــــة الإيقــــاع

الفصل الثاني: البناء التدرجي

تمهيد
1 ـ البنية السردية
2 ـ البنية الوصفية
3 ـ البنية التعقيبية
4 ـ البنية الدعائية

من خلال مدارستي لمقامات ابن ميمون، لاحظت تموضعها في نظام تدرجي ينطلق من بنى محددة . فمن السرد الذي هو عرض لأحداث معينة، بكيفية معينة أيضا، أو هو نوع من »السلوك القصصي «”” أقول، من السرد، يتدرج الناص إلى توظيف الوصف، باعتبار »الوصف في السرد حتمية لا مناص منها له، إذ يمكن (…) أن نصف دون أن نسرد، ولا يمكن أبدا أن نسرد دون أن نصف «”” .
وتتعزز بنيتي السرد والوصف في المقامات، بتوظيف بنيتين، تنتظم إحداهما في سلك الأخرى، ويتعلق الأمر ببنية التعقيب وبنية الدعاء، حيث لا يكتفي الناص بعرض الأحداث، وتوظيف الوصف، وإنما يكثف المسار بالتعقيب ـ والذي أعني به التعليق ـ على الوقائع والمواقف المنبثقة من تلاحق الأحداث وسيرورتها في خط مركز الثقل في المقامات، والذي يجلوه فعلان متآزران: فعل فتح وهران، و فعل تزكية فاتح وهران وعن التعقيب على الفعلين، تمخضت بنية دعائية، انتظمت في سلك أو في حلقة البنى السابقة، فاكتمل تدرج البناء، وهو ما سأحاول الكشف عنه بمدارسة هذه الرباعية (السرد، الوصف، التعقيب، الدعاء)
1 ـ البنية السردية
تشكل نظام البنية السردية في مقامات ابن ميمون من تجميع الأحداث والوقائع، ثم عرضها مع مراعاة التركيز على محرك الأحداث و صانعها، و ذلك وفق التسلسل الزمني الملموس من خلال طرائق المتابعة الدقيقة لسيرة الداي “محمد بكـداش “.
وهكذا اعتمدت مقامات التحفة توجها حكائيا، انبنى على تصاعد ملحوظ في الأحداث حيث » قدم الحكي بصورة موضوعية (…) على شكل إخبار «”” مما جنح بمتن المقامة إلى استقطاب التفاصيل أثناء المرور من وضعية إلى أخرى، ويمكن حصر الوضعيات فيما يأتي:
ما قبل الفتح مثل قول الناص:» ولما رأى الباغي ساد، وطغى في البلاد (…) قام المولى على ساق الجد، أنقذ المسلمين من ذلك الكد (…) أصبحت الأجناد الشواش ينادون بالتولية لبكداش «””
أثناء الفتح. مثل قوله: » وتمهد الملك وصفا، وبقيت قلوب الحاسدين على شفا«””»وتحصن بالحصن المسلمون، وانقلب على الكفار الويل والمنون وصاروا يضربون بمدافعهم في المدينة، ومن ثم أدركتهم الهزيمة «””.

بعد الفتح: »… هذا هو النبأ الذي ارتقبنا طلوع البشائر من ثنايا تلاعه، و أجزنا تلقي الركبان لرخصة استطلاعه، هذا هو الصنع السني، والفتح الهني، و النصر المثنى والعز المتمنى (…) فتح وهران، وماأدراك ما وهران ! « “”
ثلاث وضعيات، هيّأت شروط تحقّق المهـامّ التي نِيطَت بشخصية البطل فــي المقـامات ـ الدّاي محمّد بكداش ـ وجعلت أساس السَّرْدِ، أساسًا تاريخيًا تسجيليًا مَبْنِيًا على أحداث ووقائع، أسهمت في بَلْوَرَة زمن متن المقامات، إمّا بواسطة ذكر السّّنوات بالتّحديـد، وإمّا بواسطة الإشارة إلى المدد الزمنية التي تشغلهـا الأحداث والوقائع.
فمن نماذج ذكر السّنوات بالتحديد، ما جاء في المقامة الأولى:
أ ـ »… أقبل إلى الجزائر، يا حبّذا ـ به من زائر ـ وذلك في سنة سِتِّ وثمانين بعد الألف، فانتظم به الشمل والتفَّ …. «””
ب ـ »… والمَوْلَى ما نشر رايته إلاّ أقـام السّعد نصرته، وذلك في سَبْعٍ ومائـة وألفٍ، وحلّ فيه حلول الشمس في الشرق (…) وكان ـ سنة أربع مائة وألف ـ صعد المنبر….«””
ج ـ » وذلك في سنة اثنتي عشر، واشْتَهَرَ فضله فيه اشتهار القمر … «””
د ـ » وكان ذلك أواخر المحرّم الحرام، من ذلك العـام، وحيث أنـزل من ملك الملك إلى حضيض الفلْك …. «””
هـ ـ » كان ذلك في التسعة والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثمان عشرة ومائـة وألف، وقـد اجتمع من العساكر ما ينيف على اثني عشر ألف «””.
وـ » وكان استفتاحه في السابع والعشريـن من جمادى الأخرى في السنة المذكورة«””
ز ـ » وكان ابتداء حصره في يوم الأحد في الثاني والعشرين من جمادى الأخرى (…) وكان استفتاح هذا الحصن يوم الثلاثاء الخامس من شعبان المبارك سنة تسع عشرة ومائة وألف …. «””
ومن نماذج المدد الزمنية التي شغلتها الأحداث في المقامات:

أ ـ » وصاروا يكمنون النهار، ويسيرون الليل إلى أن وصلوا للبساتين، وبقوا يومين متَحَيِّلِين … «””
ب ـ » وذلك لمّا ساعدتهم الأيام، ومكثوا في المدينة مائتين وخمسة أعوام (…) صاروا يغزون الإسلام، من نحو أربعة أو خمسة أيام … «””
ج ـ »… ولمنتصف اليوم بعده، ألقوا بالإذعان إلى حكم المسلمين، فأنزلوا أعلامهم آخر النهار، بعد أن علت بنود الإسلام على الأسوار … «””
د ـ » وكان ابتداء حصنه يوم الخميس والجند منهم قـائد وجليس، إلى يوم السبت فاستفتحوه ومن الله استمنحوه … «””
هـ ـ »…فصبّحوهم يوم الثلاثاء، وقد صكت من به طبول الجهاد «””
و ـ » فحاربـوا يـوم الفتـح، من المساء إلى الصبح، ثـمّ مكثـوا هنيئة مـن الزمان … «””
بعد هذا الجرد لزمن متن المقامات عند ابن ميمون، والذي يعكس المستوى الإخباري المرتبط بالمناسبة التاريخية، يمكننا تتبّع تِقْنِيَة ” الخبر” من خلال السّرد الموضوعي الذي سارت عليه المقامات في كتاب التحفة، وإذا كان »الحَكْي هو متوالية الأفعال أو الأحداث التي يستخلصها المؤوَّل من نصٍّ سردي «””، فإنّ الحكي في مقامات ابن ميمون قـد قـام على البنية »الكرونولوجية (الزمانية ـ الترتيبية) «”” حيث ركّزت المقامات على سيرة الداي محمد بكداش، منذ رؤيا النبوءة، وعكفت على تتبّـع مصير هذه الشخصية وبنت ما عاشته هذه الشخصية من أحداث، على ترتيب لا يغفل التّفاصيل الضّرورية لسيرورة المتن الحكائي .
يبدأ السّرد بالتّركيز على النّسب والانتماء:
» فأوّل مَنْ أشار عليه أبوه، وهو نور الدّين أبو الحسن علي بن محمد القرشي النسب، العربي الإقليـم، النكداني الدار والمنشأ «””.
ثمّ ينتقل إلى متوالية من الأفعال والأحداث قائمـة على وظيفة إخبارية صِرْفة:

»ولمّا كمل شرخ شباب مولانا، أقبل إلى الجزائر (…) فكتبوه في العسكر كما هي العادة، وذهب للدار المعتادة «””
وتنمو الوظيفة الإخبارية لتفرز بنية من العلاقات المتشابكة، ترتبط بمكوّنات الخطاب المقامي إذ المعروف أن منشئي المقامات احترموا بصفة عامّة التسلسل الثابت للأفعال السّردية كما وضعه الهمذاني «””
وبتتبّعنا للوظيفة الإخبارية، نتمكّن من الإمساك بالبنية السّردية، فنجدها تضطلع بدورٍ إبلاغي يحمل غايات محدّدة كالإعلان ـ مثلا ـ عن حدث ” العسكرية ” »وهوالذي بيده لواء العسكر، وينشره أمامهم ويتبختر «””
يليه حدث اعتلاء المنبر، واتّخاذه وسيلة للوعظ والتحذير :» صعد المنبر، ووعظ الناس فيه وحذّر، يقذف لسانه لؤلؤه المكنون، ويصرف من بدائعه الأنواع والفنون، فلا يجارى في مضمار إحسان، ولا يبارى في بلاغة وبراعة لسان «””.
يقف ابن ميمون في هذا المقطع موقف المفسّر العارض، فهو يفسّر كيف استطاع هذا الداي أن يتبـوّأ منصبا عاليـا في الدّولة :رئاسة العسكـــر ويعرض تحرّكاته : رئاسة المنبر، وبين الرئاستين، تتـولّـد مقولتان، تساهمـان في تشكيـل »اللّحمـة الوثائقيـة«””:
لا يجـــارى في مضمار إحسـان
لا يبــارى في بلاغة و براعة لسان
إنهما مقولتا السمـّـوّ الأخـلاقـي
التمكّـن البيـانــي
وتتوزّع المقولات: رئاسة العسكر، ورئاسة المنبر، السمّوّ الأخلاقي، والتمكّــن البياني بين زمني الماضي والمضارع، في حركة متنامية جـادّة، ذلك أن » التكلم ليس تركيب جملة، إنما هو اختيار لجملة تراها مطابقة للمقــــام بين نمـــاذج من الجمـل «””.»وإن كنا سلّمنا بأن الواقعة التاري خية تبقى دوما نواة لعملية الصّوغ الفنّـي «””.
فإنّ العناصر تتعامد لتشترك في تشكيل ثنائيـة: التمجيـد / التحقيـر كنواة لبنيــة النّـص المقامي:

التمجيد لرجل الدّولة الأوّل عهـد الكاتب، الداي محمد بكداش

التحقير للداي المتقدّم، الحاج مصطفى أهجي .
جاء في المقامة الثالثة: » ولما رأى الباغي ساد وطغى في البلاد، واستوى في ذلك عنده العالم والجاهل، وصار الشرع سواء النبيل فيه والخامل، وعامل الناس أسوأ معاملة، وأعطاهـم المقابحة عوضا من المجاملة، وأهمل حـال الدّولة (…)، وفـرّط في مصالحها، وتجبّر وعتـا، وأتى بذلك ما أتى، واشتغل بنهب الأموال، وإجراء المظالم في كـل حال، قام المولى على ساق الجـدّ، وأنقذ المسلمين من ذلك الكـدّ، فكان سهم سعده صائبا وكلّ مَنْ كاده أصبح خائبا(…) أصبحت الأجنـاد والشّواش ينادون بالتوليـة لبكداش، فأعرض عنها وشـرد، وأمـرهم بتولية الشريف الأسعد،و أشركه معه في نهيه وأمـره، وأطلعــه على سـرّه وجهـره، لم ينفرد عنه بقصّة ولا اختصّ دونـه من الملك بحصّة إلى أن فـرّق بينهـم مفـرّق الجموع، ومشتّت الأصـول والفروع … «””.
في هـذا النمـوذج، تأبـى ثنائيـة : التمجيـد / التحقيـر، إلاّ أن تتقـوّى علـى مستوى النّصية فتتشكل من أفعـال إخبارية تخلـق خصيصة بنيوية لتقنيـة المقامـة عنـد ابـن ميمـون، تتـوزع على اثنـي عشـر فعـلا على مستوى التحقيـر، واثني عشر فعـلا على مستوى التَّمجيـد والتـزكيـة، تنبئ بعلاقـاتِ اصطـدامٍ وتوتـّرٍ، ضمن المجموعـة البنائية الآتية:

مقولة التمجيد
مقولة التحقير

1 ـ رأى
1 ـ ساد
2 ـ قـام
2 ـ طغى
3 ـ أنقذ
3 ـ استوى
4 ـ فكان
4 ـ صـار
5 ـ أعرض عها
5 ـ عامل
6 ـ شرد
6 ـ أعطاهم
7 ـ أمرهم
7 ـ أهمـل
8 ـ أشركه
8 ـ فرّط
9 ـ أطلعه
9 ـ تجبّر
10 ـ لم ينفرد
10 ـ عتـا
11 ـ ولا اختصّ
11 ـ أتى
12 ـ فرّق بينهم
12 ـ اشتغـل

فسيادة الدّاي المتقدّم، لم تقمع شهرة الداي الجديد، وطغيان الداي المتقدّم، قابـلَـه فعل المقاومة والتّصدي، وتساوي الخامل والعامل في القَـدْرِ والقيمة استوجب إنقاذ العامل وإنصافه ومن ثمّ فالتّساوي بين النّقيضين، قابله الرّفض، فكانت المقاطع في هذه المقامة عرضًا لتجلّيـات التحرّك البكداشي ضمن محطات تجمع بيـن المستوى الإعلامي الإخباري، والمستوى الإيحائي الفنّي في بناءٍ سردي يقـوم على الفعاليـة التاريخية ضمن » حياكة فنيـة «”” تجعل من مقامات التحفة؛ خبرًا في لبوس صنعة إذ يشكّل الخبر لحمة أساسية في جسـد المقامة، وتصبح دلالتها تأسيسا لنصٍّ سياسي تاريخي يدوّن في بنى وثائقية وقائع الثنائية السالفة: التحقير / التمجيد، فتتموقع هذه الأفعال الدّالة على التحقيرعلى جبهة بنية مضادّة، بنية تحقّق نموذجـا ساميا، يوسّع الوظيفة الإخبارية في نسيج بنائي متماسك، يمجّد الدّاي محمد بكداش :
* فكان سهم سعده صائبا​​​​ مقولة التوفيق
* أصبحت الأجناد و الشواش ينادون
تتويج المناصرة بالتـوليـة
* بالتولـيـــة لبكـــداش

الترفع عن الانفراد بالولايـة.
* فأعرض عنها، وشرد
* وأمرهم بتولية الشريف الأسعد
* وأشركه معه في نهيه وأمره

المثاليــة.
* وأطلعه على سرّه وجهره
* لم ينفرد عنــه بقصّــة
* ولا اختصّ دونه من الملك بحصّه

الحتميــة
* إلى أن فرّق بينهم مفرّق الجموع
* ومشتّت الأصول و الفــروع

يظهر أن البنية في هذا النّمط، تحكمها الرؤية الدّاخلية المنبثقـة من الولاء لمحمـد بكداش القائمة على نظام الوحدات البسيطة وعلى »القدرة على انتقاء الملفــوظ الملائم في الاستعمال الملائم للمقـام الملائـم «””.

ويظل البنـاء المقامي عائما في تراكمية إخبارية تحتلّ فيها الأفعال موقع الصّدارة . ففي المقامة الثالثة دائما، يقول الكاتب: » ثـمّ أسّست الدولة التي أرجت نفحاتها، وتفتّحت أكمام عـدلها، وأفصحــت حمائم الثناء على أهلها، وتجرّدت جداول كرمها، ورمقت عيون الأماني وجــوه حشمها«””.
نلمس في هذا المقطع من المقامة الثالثة علاقات التسلسل والتوافق على مستــوى الكلمات، ذلك أنّ »إخراج الكلمة في بنيـة مركّبـة متعـدّدة المستويات، ضفي عليها قيـمة دلالية موحّدة، تجعلها صالحة لأداء وظائفها على هذه المستـويــات المختلفـة «””.
فالأفعـال :

4 ـ أفصحت
5 ـ تجرّدت
6 ـ رمقت
1- أسّست
2 ـ أرجت
3 ـ تفتحت

تحقّق وظيفة تكاملية، نشأت بواسطة سلسلة من الوحدات المتتالية، فأعطت شبكة من العلاقات، انبثقت من فِعْل التأسيس إلى فِعْل الارتياح، وبعبارة أخرى من تمركــز سلطة إلى إعلان تزكية، مرورا بموجبات هذه التزكية:” أكمام عدلها، جَـدَا وِلُ كرمها”.
والعدل والكرم خصيصتان مشروطتان في تثبيت التّأسيس.
ومن لفظتي: العدل والكرم تشعّ دلالات الممارسة العقلانية على المستوى السلطوي، ذلك »أن الدّلالة هي عبارة عن شيئ، زيادة على كونه حاملا للمعاني، يثير بذاته في الفكر أشياء أخرى «””.
أمّا اللّفظتان: ” أكمـام وجداول” فتحملان فعالية فنيـة، تخدم القيمة التوصيلية حيث نجدهما تتجاوزان المستوى الصريح المجرد إلى البناء الجمالي القائـم على الانتهاك اللّغوي،

فـ »الأدب من وجهة نظر مّـا، لا مهرب له من أن يؤدّي– فــــي مضمونه، وأحيانا في شكله – شهادة مّـا عن الواقع، وهو في هذه الصــورة، لاينفكّ عن وظيفة توثيقية تصاحب وظيفته

الفنية المحض. والأدب من وجهة نظــر مقابلة، إذا تـقيـد بأداء الشهادة عن الواقـع، تنكّب عن طبيعته، وحكم عليهــا بالانسلاخ من الإبــداع «””.

والحاصل في مقامات ابن ميمون ـ على مستوى نقل الخبر ـ ذلك التّضافر بين التّوثيق وبين النّفس الإبـداعي، ممّا يجسّد اتّحادا في بنيـة التّعبير، إذ نجده يوظف الشّحنة الإخبارية، وفق معطيات بنيوية، في إطار من التّشخيص البهيــج للسّيـرة البكداشية تارة، وفي إطار من التّشخيص المتعنّت تارة أخرى.
جاء في المقامة الرابعة””: »… فسار في الناس سيرة أخذت بمجامع قلوبهم، وتوجّهوا إليه لبشاشته وحسن خلقه، في قضاء مرغوبهم، ومازالت الناس تلقـاه بالودّ، على البعد، وتقـدّمه في الأعيان، وإن لم تـره بالعيان، فلمّا أبصره خاصة الأمير على هذه الحالة، حسدوه وصاروا ينسبون إليه الفحشاء ونبذوه، ولله درّ شاعر كندة حيث قـال:

فهي الشّهادة لي بأنّي كامل
&
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص

»… فدعوا الأمير إلى رفضه، وسعوا في حلّ مبرم عهده ونقضه، فكان ذلـك سبب خلعه عن سلطانه، وإخراجه من أوطانه .. «
كما يظهر، يتراوح الخبر بين المسار البهيج لهذه الشخصية، وبين النّكبة، وبين هذا وذاك، يمتطي الكاتب جسر التصوير الفنّـي، ممّا يجعل النموذج الرابع من المقامة، موسوما بثنائية جديدة، هي ثنائية التّـأييد / التّعريض:

التعريض
التأييد
ـ حسدوه
ـ ينسبون إليه الفحشاء
ـ نبذوه
ـ دعوا إلى رفضه
ـ سعوا في حل مبرم عهده
ـ سبب خلعه وإخراجه من أوطانه

ـ سيرة أخذت بمجامع قلوبهم
ـ توجهوا إليه لبشاشته
ـ تلقاه بالودّ
ـ تقدّمه في الأعيان
ـ و إن لم تره بالعيان

نلاحظ أن بناء هذا النموذج من المقامة الرابعة جاء خاضعا لقانون الاستقصــاء )أو الكمية) على حـدّ تعبير محمد مفتاح. فـ »المحاكاة التامّـة (…) فـي التاريـخ، استقصاء أجزاء الخبر المحكي وموالاتها على حدّ ما انتظمت عليه حال وقوعها «””
وعليه، تكون ثنائية التأييد / التعريض قد قامت على الاستقصاء الدقيق لأجزاء الخبر الذي يتتبّعه ابن ميمون في متوالية من الأحداث:
” ثـمّ من الجزائر انتفـى
” وقلوب الخلائق لفقـده على شفـا
” عـاد النهار لـيلا
” انقلب السّرور ويـلا .
يبدو الحكي منظمًا، على صعيد سردي للأفعال، في حركة متنامية، يطبعها ذلك التجدّد المعهود في الجمل الفعلية .
والتجدّد هنا، طبع الرّصيد اللّفظي بالقيمة التّعبيرية، فتحدّدت القيمة الإبداعية مــن خلال الوظيفة الإخبارية المنبئة عن ذلك التصدّع المؤقّت الذي شقّ المسار البهيــج لسيرة محمد بكداش، فإذا بالبهيج ينقلب إلى مكابدة، وتتفجّر الحركة المتنامية مــع الأفعال لتخلق فضاء من الاغتراب يتشكّل في فعل المنفى، وكأن هذا المنفـــى ؛ شاهد إثبات، يرسّخ ثنائية : التأييد / التعريض . فتتـآزر تجلّيات التضاد في آخر المقامة الرابعة:
* لقي من دهره المبتسم عبــوسـا
* عـــاد النهـــار ليــــلا​
* انقلب السّــرور ويــــــلا
يبقـى العنصر الأول في هذه التّوليفـة، هو ” الفعل ” بزمانه الماضي، الحامل معنى الحاضر: ( عاد – انقلب ) = إشارة تحويلية

ويشترك مع ” الفعل ” عنصر التضاد:
* (المبتسم / عبوسا) = إشارة وصفية
* (النهار/ ليــلا) = إشارة زمانية
* (السرور / ويـلا) = إشارة وصفية
هكذا يستمرّ نقـل الخبر عبر المقامة الخامسة في بناء تسجيلي، استعراضي للسّيرة البكداشية، حيث تتمحور بنى الصّنعة والنّمنمة في وحدات قصيرة تجمع بين التّفصيل تارة، والاقتضاب تارة أخرى: »وكان ذلك أواخر المحرّم الحرام، من ذلك العام، وحيث أنزل مَن

ملك الملك، إلى حضيض الفلك، ناحت السّموت لأجله، وكسفت الشموس لفقـده، وأعلــنت أسواق العقول بكساد الفضائل والمعالي، واستئثار الوضيع على الماجد العالي … «
يصطنع هذا المقطع من المقامة الخامسة، بالإضافة إلى البناء التّسجيلي، القائم علـى التأريخ بالشّهر والسّنة، (المحرّم الحرام، ذلك العام)، يصطنع بنية التعاطف مـع الموقف المأساوي الذي وجد الدّاي، نفسه فيه .
وكأنَّ فعل النّفـي، آذن بتغيير الكون، وانطماس الرّؤى، فإذا بتجلّيات الغضــب الطّبيعي تنبثـق من فعلين :” ناحت السّموت، كسفت الشموس”، والنّياحة والكسوف من علامات التّهويل، فالطّبيعة تتّخذ موقفـا من فعل المنفـى، تتعاطف به مع المنفي ويشتدّ موقف التّعاطف عندما “أعلنت أسواق العقول بكساد الفضائل والمعالي”. والأخلاق ـ أيضا ـ أصابها الكسـاد بضياع مروّجها، وبغياب حاميها.
ويمكن تجسيم وحدويّة موقف التّعاطف على الشكل التالـي:

المنفــى
غضب الطبيعة
(حركة)
كساد الفضيلة
( ارتداد )

انسجـام في الموقف
وتتقدّم الشحنة الإخبارية على هذا المستوى من الصياغة لتقوم على انتقــاء متعمّد للكلمات.

حيث ينتظم المتن المقامي على توليد الحدث الإبداعي من تتابع أفعال ماضية في بنية سردية تأذن بميلاد حدث جديد يقوم على متوالية زمانية :» فأوقع الماضي موقع المستقبل، وشمّر عن سـاق الجـدّ نحو الطريق، إلـى أن وصل تونس الخضراء، واجتمع بأصحابه أسود القفراء، فتألّـفوا في حينهم، وأرادوا الرجوع لوطنهم، فاستنشق أمير الخضراء خبرهم، ففرق شملهم قصـدا للإختبار، إن هم من الرجال الأحرار«””.يتصاعد السرد على مستوى التّلقينية التاريخية، ليؤكّد أن » الخبر معنى لا يتصوّر إلاّ بين شيئين، يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيا، والآخر منفيـا عنه «””.
والشيئان: مخبر به ومخبر عنه كلاهما ينجرف في سياق لغوي، يخدم حــدث المنفـى وما سيتولّـد عنه من فعاليات تشكّل قطب الرّحـى في الصوغ الإبداعــي لهذا النموذج:

* فأوقع الماضي موقع المستقبل : ماض حامل لمعنى المستقبل
* وشمّر عن ســاق الجــدّ : ماض حامل لمعنى الأهبة والاستعداد
* وصـل تونس الخضـراء: صبغة زمكـانية
* فتألفوا في حيـنهم​​​​ تمحور الماضي في وحدوية الرّؤية
المستقبلية
* وأرادوا الرجوع لوطنهم​​​

* فاستنشق أمير الخضراء خبرهم​​ الماضي يعلـــن
* ففــرّق شملــهم​​​​​ عن حدث جـديـد

و» إذا كانت حقيقة كلّ نـصّ هي نظام كلامه، ونظام كل كلام يكمن حتما فـي معرفة خصائص ألفـاظه و جملـه «”” فإن الصّياغة عند ابن ميمون تقوم على بناء يخدم مشاهد المقامة حيث يسرد الكاتـب المواقف محرّكا عنصر المفاجأة: »فقال له الأمير المذكور: لاشكّ أنّي كنت كلّما أردتـم الرحيل تصاممت ونكثـت من عرى التّلوي ما كنت أبرمت، ثـمّ إني علمت أن ذلك القول كان زورا، ووشـى به مَن غـصّ أن يرانـا زائرا ومزورا، فانقشعت

تلك المخيلة، وظهرت العلّــة الدّخيلة، فتعيّن عليّ تجديد العهـد الرّائق، وكَفّ أيدي تلك العوائق «””.
إنّ عنصر المفاجأة، كما يتّضح في هذا المشهد من المقامة، ينبع من تظاهـر أميـر الخضراء بالتّحامل على الدّاي، في البداية، ثـمّ مهادنته في النهاية بل ومباركة فعله، فإذا بالأحداث تسير وفق تسلسل مشروط مبَنْيَـن على انتقـاء منظّم للكلمات، وعلى استراتيجية إديولوجية باعتبار أنّ » الايديولوجيا هي التبرير العقلاني للسّلطة «””.
وعليه ترتسم بنيـة هذا المشهد من المقامة على الشكل التّالي:

تحامل الأمير
المنفـى

الــدّاي

محمد بكــداش

الوشـاة
الأعـوان

كســر المنفــى

تحــقّـق الـحلـــم
ينعكس الانعتـاق / تحقيق الحلم في المقامة السادسة””: » وقد اجتمع من العساكر ما ينيف على اثني عشر ألف. واستفتـح الملك يــوم الجمعة والناس ينتظرون مجتمعه، فلما طلع عليهم بدره بين أنجمه، تأسفوا لقــلّـة وفـده ….
إلى أن يقول:» وبويع له بالخلافة، وما أعظمها خلافة، وأبو الفتوح صهره الأمير حسن، يفعل بين يديه كل حسن، من الذّبّ عنه بسيفه ولسانه، والفتــك بمن يروم الخروج عـن سلطانه وهو ـ أعزّه الله ـ ممّن لا يضاهيه النجم في مراقيه (…) فأقـسم بالله ليعقـدنّ على رأسه من المـلك إكليلا (…)، وليطوّعنّ له شرق البلاد وغربها وليحملنّ على طاعته عجم الرجال وعربها. والأربعة الآخرون واقفون بالباب …. «
يتأكـد الخبر في هذا النموذج ببنيـة تسجيلية مؤسّسة على العددية: » اثني عشرألـف ـ والأربعة الآخرون «.
ومؤسَّسَة على بنية القَسَم الواعد بالتغيير والسّائر بالحدث مسار التّحسين”” .

ومع العددية ومسار التّحسين، يطغى عنصر التسلسل الزمني الذي يؤيّـده التاريـخ، ويشهد به الواقع، ويسير نظـم الجمل في وحدات تفكّـك المشهد إلى جزئيات، تكتمل بها هندسة صياغة الخبر، فالصهر ” حسن أوزن ” يسـانـد الداي محمد بكــداش، ويـدعمــه بالسّيف واللّسان، والرّاية تنشر كدلالة على بسط السّيطرة البكداشية، “والأربعة الواقفون بالباب، يدعمون سلطة، ويحمون ملكا، هذه الجزئيات بتسلسلهـا ساهمت في توازي المتتاليات على المستوى السّردي، وساهمت في إمكانية التوليف من خلال خلق الرابط السّببي الذي يجمع الأحداث إلى جانب رصف ردود الأفعال وفــق سياقات ذات قيـم دلالية بسيطة، يقول ابن ميمون ـ مثلا ـ مخبرا عن الداي حسن خوجة الشريف: » فانظر كيف كـرّ عليه دهره بخطوبه، وسفر له عن قطوبه، فكدّر عيشــه، بعد ما صفا، وقـلّص برده، الذي كان ضفـا…. «””
تبرز في هذا المقطع دلالات التّكوص الذي مني به الداي حسن خوجة الشريــف، وتتراصّ الجمل في تعاقب سردي، يولّـد من دلالات النّكوص بعـدا ما ورائيــا يتمحور حول ثنائية : الدّهر / الغدر . باعتبارهما عملة واحدة بوجهين مختلفيــن، ويجعل السّرد، مؤسّسا على بنيـة الانقلاب من حــال إلى حـال، يعرضها الكاتب بعد فعل : ” انظر ” : أمر حامل لمعنى الاعتبار والتّوجّس، تتفرّع عنه دلالة الاحتراز و التّيقظ وما يدور في فلكهما.

وعلى نمط إخباري متصاعد، يعتمد أسلوب الاسترجاع وحال الشموخ التي عـاشها هذا الداي قبل النّكوص: » وكان – رحمه الله – ظاهر الصواب، متى نبس، طاهر الأثواب من كل دنـس، معجزا ببيانه، موجزا في كل أحيانه «””.
نلاحظ تعاقب أسماء الفاعلين : (ظاهـر ـ طاهر ـ معجـزا ـ موجزًا) في متتاليـة قصيرة النسج، افتتحت بجملة الدّعاء (رحمه الله)
ويبقـى البناء السّردي في نهاية المقامة السادسة سائرا على مبدأ التـوازن حيث تقـوم الجملة على وتيرة أسماء الفاعل المتعلّقة هذه المرّة بالداي محمد بكداش: » نحمدك يامن جعل قضايا أميرنا هذا وجودية منتشرة، ورياح نصره مبشرة ووجوه الدين بها يتيحه الله لملكه المكين مستبشرة، وقدرة عزمه مؤثرة، وصفات كماله على توحيد جلاله متكثرة، ونهار نصره آياته مبصرة … «””
هذا التموّج داخل سياج النّصّ، ينبئ عن حلقـة إخبارية جديدة، نطّلع عليهــا

فـي المقامة السّابعة:» هو أميـر المؤمنين محمد بـن علي بن محمد الشـريف، الحسني النكـدانـي:
ملك رفع للأقمار لواء، وألقى على شمس النّهار بهجة وضياء، سـارت بمجـادّتـه الأخبار، وحقّ فيه وفي بداهته الاعتبار، جياد سعــوده إلى الغاية القصــوى ذات استباق ….. «
إلى أن يقول :» صفته : أبيض اللون طويل القامة، معتدل الهامة، أشهل العينين، خفيف الساقين. بنوه : من الذكور – الآن – واحد، في سيرته ماجد، ذكي الفهم، حافظ فوق مايصوره الوهم …
» أصهاره: منهم أبو الفتوح حسن، الخلو البسن، طويل النجاد، قوي العزم … «
لعلّ أبرز ملمح في هذه المقامة، كونها تعتمد بناء هرميا، يبدأ بتشكيل لغوي قصيـر الجمل، يقوم على طبيعة حكائية، تنطلق من توثيق التسمية إلى ذكر الصفات إلى ذكر الأبناء، إلى استحضار أسماء الأصهار وأسماء الحاشية من وزراء وقضاة، فقـــد نقلت هذه المقامة الحياة الدّاخلية للدّاي إلى كلمات في سياق سردي، حدثـه الرّئيسـي الإلتفاف حول الشّخصية الرئيسة ـ محمد بكداش ـ ويمكن اختصار هذه المسرودات فـي الشّكـل الـتّـالي :
الــداي وصفـاته
الأبناء
الأصهار

الحـاشية

وما حدث الالتفاف حول الشخصية الرئيسة إلا تعزيز لسيرورة الأحداث من جهة، واستكناه للعلاقة القائمة بين الداي، والطرف الآخر من جهة أخرى، ومن ثم يكشف السرد ـ في هذا المقام ـ عن علاقة ” القرابة ” “” التي تربط محرك الأحداث، بمن حوله. وإن اشتراك هؤلاء في توسيع مساحة السرد، إنما ينبئ عن أن السرد لا يقوم على تجميع الأحداث فحسب، وإنما على كيفية سوقها وفق مقتضيات الحكي.
فالحكي في هذا الموقف، تطلب الامتداد إلى تصنيف من لهم علاقة بالداي ، وهكذا برزت ” القرابة ” التي يجلوها هنا، الأبناء والأصهار، بحيث كان أحد هؤلاء الأصهار ـ أوزن حسن ـ من أصحاب الحظوة والمكانة عنـد الداي محمد بكداش، جاء في المقامة التاسعة على لسان الداي، بعد جمع العسكر: » هذا خليفتي عليكم في كل حالٍ، تخيّرته للنّيابة عنّي في تدبيركم، والقيام بالدّقيق والجليل من أموركم (…) فكونوا له خير رعية بالسّمع والطّاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبرّ والموالاة خير وال «””.

ويصبح السرد صورة مجسّمة للشخصية الممدوحة قلبـا وقـالبـا، فالداي استوفـى متعلّقات الملك، وجمع إليها متعلّقات الجسـد: أبيض اللون، طويل القامة، معتدل الهامة ….. وتنمو طبيعة العلاقة بين المتعلّقـات بالدّاي بكداش وبين محيطه، فابنه في سيرته ماجد، ذكي الفهم، حافظ، …كأنّما صوّر من نور ساطع ….
” وأصهاره: منهم أبو الفتوح حسن ……
»وأمّـا أبو الوفـا السيد مصطفى، فسيرته سيرة النبلاء وشيمه شيـم الفضلاء« “”
يتضح، أن السرد- عموما – سار على نمط من التصنيف يقوم على العلاقات المتبادلة بين الشخصيات المذكورة و على نسق من الإكتظاظ بالأسماء، وتشيع هذه الظاهرة، فترتفق بتفصيلات، تشكّل تصاعدا إخباريا على مستوى ذكر الأعلام، »وأسمـاء العلم لها قوّة الإشارة إلى شخص معيّن، دون أن يكون لها نفس القدر من المعنى «””.ومن هذه الأعلام: »… أبو علي حسين، فارس المنابر، وأستاذ الأكابر …..””
»… أبو زيد عبد الرحمان الأرضي، الشريف المرتضى، وهو ليـن الجــانب، محافظ على أداء الواجب …
»… ابن عبد الله محمد بن محمد بن محمد المكنى بـ ” ابن آقوجيل “، الذي حــاز الخصل في حلبة السبق …… «””

وعلى نفس البناء السردي، تقوم المقامة الثامنة”” ضمن نسيج من طاقتين تعبيريتين: »طاقـة الإخبار، وطاقة الإيحاء«””.
» فأوّل مَنْ راسله بالقصائد السيد يحيى بن أحمد بن محمد ابن أبي القاسم بن أبــي راشد وهو العلامة المودود، الكارع في مشرع الفقـه، لاممنــوع مــن ذلك ولا مصدود….. «
وبعد عرض قصيدة التهنئة المكوّنة من 20 بيتـا، يبرز اسم علم جديد » وهنّــأه النّحرير الظريف، أبو عبد الله محمد البونصي الشريف، وهو رجل مليئ حياء وقنـى استحياء، وطود سبل ووقار وروضة يانعة الأزهار……. « ويأتي عرض القصيـدة المكوّنة من أربعة وأربعين (44) بيتـا في تهنئة الداي والإشادة به .

ثـمّ تتعاقب أسماء أعلام أخرى كإبراهيم القنيلي » رجل حصيف العقل، صحيــح النقـل، راجح الحلـم، راسخ العلـم …… «”” وتعرض قصيدتاه، الأولى تتكوّن من واحد وسبعين (71) بيتـا. والثانية تتكوّن من واحد وثلاثين (31) بيتـا.
وكما يظهر، فإن ” العَلَميَة ” تحظى بنصيب وافر في نقـل الخبر، وتقصّيـه، حيث تبرز طبيعة العلاقة بين العنصرين المكوّنين لبنيـة المقامة الثامنة على الخصوص:
الـدّاي / الطّرف الآخر في تفاعل عضوي، ينبئ عن استمرار مسـار التّحسيـن للأحداث عبر متن المقامة إذ تتلاحق أسماء الأعلام، واحـدا تلو الآخر في متتاليـة سردية، يبدأ من خطّ الانطلاق (الداي) مرورا بمتعلّقـاتـه (المحيط) وصولا إلى نقطة الانطلاق (الداي):
الــداي
المتعلّــقـات
بالــــداي

وبالوصول إلى نقطة الانطلاق، تتشكّل بنية دلالية حلزونية قائمة علـى الاستئنـاس بالحدث والامتداد في مقولـة التزكية لرجل الدولة من خلال جـرد الأسماء المهنّئـة والتي بلغت في المقامة الثامنة لوحدها : ثمانية أسماء أعلام .
هكذا نلمس، في المقامة الثامنة بنى متشاكلة، في تصنيف لفظي يراعــي صيـاغة الصّنعة، ويجعل النص يتموقع بين بنية الإخبار، وبنية الإجلال لكلّ مَـــن شارك في فعل “التهنئة ” للـداي. يقول ابن ميمون في أحد المقاطع: »وهو رجل وحيد الدّهر (يقصد عبد الله الجامعي)، بل فريد العصر، لا أعلم أني لقيت مثله في طريق الآداب، ولا أشد كاهلا منه في الانتخاب، ولو أدركه الصـاحب والبديع، لأخذا عنه كل معنى بديـع، وإذا قصد، وأخـذ الشعـر بمرصـد، وشطّر وصرّع، وجنّس ورصّع، وطابق وقابل، ووازن وماثل، واقتنص ولمّح ….. “”«
اعتمدت بنيـة الإجلال في هذا المقطع على تلاحق الأفعال ورصّها على نسيج منسجم الأجزاء، متناسق الدّلالة، يوسّع الوظيفة الإخبارية، ذلك »أنّ الخبر وجميع الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبـه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد وأغراض، وأعظمها شأنا الخبر فهـو الذي يتصــوّر بالصور الكثيرة وتقـع فيه الصناعات العجيبة، وفيه يكون في الأمر الأعـم المزايـا التي بها يقـع التفـاضل في الفصاحة«””.

تشتـدّ فعالية الخبر في المقامة التاسعة لتلازم سيرورة المتوالية السردية: »وذلك أنّه لمّا ساعدتهم الأيّام، و مكثوا في المدينة مائتين وخمسة أعوام، وبنــوا الحصون وشيّدوها، وتملّكوا الأوطان ومهّدوها، صاروا يغزون الإسلام، من نحـو أربعة أو خمسة أيّام . فكم من عالم أسروا، وكم من شريف نصّروا، وكم من ولدان، مرتدّين إلى الآن، وكم من عروب أتراب،تولغ فيهن الكلاب، وكان بنو عامر أول من دخل تحت بيعتهم من المسلمين، عليهم ما يستحقّون من الخزي إلى يوم الدّين….
إلى أن يقول””:» وصار الأمر لمولانـا “بكداش” لم يقدّم شيئا على الإعتناء بجهاد الكفرة الأوبــاش، فجمع من حينه العسكر المنصور، وأمّر عليهم السيد حسن نصره الله وأيّده…
وتستمرّ البنية السّردية في تكريس متن غنيّ بالأحداث في تراتبية ملمـوسة، مـؤسّسة على تطوّر الفعل، لتجسيد لحظة السّقوط النهائي: » فطارت نفس الكافر في أثناء منازلتهم جزعا، وذهب روعه مقسما بالأنكاد موزعا ونغصت عليه منيته، وجاءته مَنيَّتـه …… «
كما يبدو في هذا النموذج، تتقاسم البنية السّردية مقولتان أساسيتان:
* خسّـة الغزاة واندحارهم.
* سمّـوّ المجاهدين وانتصارهم.
والمقولتان غرضهما: » إفادة السامع بمضمون إخباري، لم يكن عنده، فتحصـل عنده بذلك معلومات، كان خالي الذهن منها بشكل ما «””.
يعتمد هذا المضمون الإخباري في تركيب العبارة على مكونات مباشرة، »تتألـف بدورها من مكونات أدنى مرتبة، وهكذا تصبح كلّ عبارة مؤلّفة من طبقات متعدّدة من المكوّنات «””
فقوله في مطلع المقامة:
– ساعدتهم / الأيـّام ¬ مكوّنان مباشران
– مكثوا / في المدينة ¬ مكوّنان مباشران
– تملّكوا / الأوطان ¬ مكوّنان مباشران
– صاروا / يغزون الإسلام ¬ مكوّنان مباشران
– كان بنو عامر / أوّل من دخل تحت بيعتهم ¬ مكوّنان مباشران

– فجمع في حينه العسكر المنصور/ وأمّر عليهم السيد حسن ¬ مكونان مباشران.
هذه المكونات المباشرة، شكّلت مركّبات إسنادية بسيطة، كوّنت مظهرا من مظـاهر الجانب اللّغوي في النّموذج التاسع من مقامات ” التحفـة المرضية ” وفي النماذج التي تليـه، حيث يستمرّ عرض الخبر في نسيج بنائي، يغلّب الأفعال، ويسير بها فــي حركة متجدّدة، بتجدّد مكوّنات الخبر.
وإذا كان لكلّ موقف كلام خاص، فإنّ المقامة العاشرة تؤسّس لبنيــة الطّعــان والمنازلة، والفتك والمباغتة: »حصر هذا الحصن حامي حمى الدين وعاضده، وقاطع ضرّ المعتدين وحاصده، الذي هـدّ بعزمه الجبال الشوامخ …. إلى أن يقول: »والمدافع تصرخ عليهم، والبونبات تنوشهم، بعد مرافعات صعبة، وحملات مرّة.. وصدقهم المسلمون الضمة فدخلوا خندق الحصن صابرين، وتسنموا سوره ظاهرين، بعد إثخان القتل وإعمال السيف، وبعد أن سدت مسالكه جثث القتلى، وملئت الرحاب أشـده الصرعى (….) فصمتت ألسن نواقيسهم المصطخبة، ومزقت أشلاء تماثيلهـم المتبرّجة، وسكبت دماء أحيائهم فوق دماء من قتلوه وجوزوا جزاء الضّعف بمـــا فعلــوه ….«””
وفي جدول بسيط، تنحصر بنيـة الطّعان والمنازلة على هذا الشكل:

* المدافـع
* حصـر
* جثـث
* سـدت
* البونبات
* هـــدّ
* القتلـى
* فصمتت
* حملات
* تصرخ
* الصرعى
* ومزقت
* خندق الحصن
* تنوشهم
* أشـلاء
* وسكبت
* القتــل
* فدخلوا
* دمــاء
* وجوزوا
* السيـف
* وتسنّموا

ويكفي أن تتراصّ كلمات من هذا النّوع : المـدافـع – البونبات – الحملات – القتل – السّيف – الجثث – الصّرعى – الأشلاء، لترمز إلى جـوّ الفتـك ورائحة المـوت، المنبعثة من كلّ مكان، فإذا حصن ” العيون ” لوحة دموية الشكل، ويلحق بـه فــي المقامة الحادية عشر”” حصن ” الجبل ” (برج مرجاجو)
»… وكان استفتاحه في السابع والعشرين من جمادى الأخرى في السنة المذكورة، وعدد مَنْ أسر منه مائة وستة رجال وست نسوة، وتحصّن بالحصن المسلمـــون، وانقلب عاى الكفار الويل / والمنون، وصاروا يضربون بمدافعهم في المدينة، ومن ثمّ أدركتهم الهزيمة … إلى

أن يقول » فدخله العسكر المنصور بالله ورايته منشورة، وآيات الفتح فوقها مسطورة (…( وسدد سهام الجهاد، ففتح بها ثغر وهران …… «
مشهد آخر يوظف البناء التسجيلي للأحداث ويوظف العددية:
» – أسر منه مائة وستة رجال وست نسوة .
ويرمز إلى الدّمار:
الويل – المنون – المدافع – الهزيمة .
ويرمز في نفس الوقت إلى الاستبشار :
– العسكر المنصور
– رايته منشورة
– آيـات الفتـح​​​​​ مقولات الانتصار
– سهـام الجهاد
ثغـر وهران
وبنفس التّصنيف، تستمرّ الشحنة الإخبارية في الخمس مقامات الباقية، ففي المقامــة الثانية عشر”” ورد خبر ” الفتح ” بجزئياته في سلسلة من الجمل، تصبّ فــي بنيــة الصّراع والمناوشة: »لما فتـح الله على المسلمين، وأيـّدهم بالنّصر العزيـز المبيـن، انتقلـوا لحصر حصـن ابن زهـوة، وكـان في ربـوة …..وكان ابتـداء حصره في يـوم الأحـد في الثاني والعشرين من جمـادى الأخرى، ثـمّ تفـاقـم الأمـر وتعـاظم الكفـر، حتى طأطأت صناديـد المسلميــن رأسها، وأبـدت الأسـود عبوسها، فأمر الخليفة بحفـر اللّغـم، كيما يـزول عنهم الحـزن والغـم، فمكثـوا مـدة في حفـره حتى استكمل، وأطلقـوه فلـم يصل، وكذلك الثاني

وفـي الثالث هـدّ شطرا، واستفتحوه مـن ذلك الموضع قهـرا، وقتلـوا الذين فيــه جميعـا، وانقلب إليهـم النصـر سريعا، فهنيئـا للمسلمين بقـدوم هـذا الفتـح (…) فحصر برج اليهودي اللّعين، حتّى ظفـر منه بالمنى، فانسـدل عليه الهنـا (…) فـاقتحمه المسلمون وقـد خلّفوهم قتلى ليس لهم ظهور، فكــان ثالث الفتح المسطور … » يتّضح أنّ الصّراع والمناوشة، تأسّسـا على بنيـة سردية، تحكمهـا صورة وصفية استعراضية، نابعة من تلاحق مجموعة من الأفعـال الماضية، وحروف الـرّبـط، والاهتمام بتوثيـق التواريخ:
الأفعال الماضية
حروف الربط
الأفعال الماضية
حروف الربط
1 ـ فتح
1 ـ و
12 ـ أطلقوا
12 ـ و
2 ـ أيّدهم
2 ـ و
13 ـ هـدّ
13 ـ و
3 ـ انتقلوا
3 ـ و
14 ـ استفتحوا
14 ـ و
4 ـ كـان
4 ـ ثمّ
15 ـ قتلوا
15 ـ ف
5 ـ تفاقـم
5 ـ و
16 ـ انقلب
16 ـ ف
6 ـ تعاظـم
6 ـ ف
17 ـ كـان
17 ـ ف
7 ـ طأطأت
7 ـ كيما
18 ـ حصر
18 ـ ف
8 ـ أبدت
8 ـ ف
19 ـ ظفر
9 ـ أمـر
9 ـ و
20 ـ فانسدل
10 ـ مكثوا
10 ـ ف
21 ـ فاقتحمه
11 ـ استكمل
11 ـ و

التوثيــــق
1 ـ يوم الأحد الثاني والعشرين جمادى الأخرى
2 ـ الثلاثاء الخامس من شعبان تسع عشرة ومائة وألف
3 ـ ثالث الفتح

وإذا كانت » اللّغة هي عصب العمل الفنّـي الذي تعتمد عليه في نسيـج الأحــداث وبنائه «”” فإن الخبر المسرود، يبقـى رهين عملية مكثفة لمجمل الأحداث التـي تطرحها مقامات الفتوح الثلاثة للحصون الثلاثة: (حصن العيون، حصن الجبــل، حصن بن زهوة).
فإن تطلّعنا إلى المقامة الثالثة عشر”” لمسنا سياقا لغويا جديدا يبدأ بالتركيز على المكان ـ مدينـة وهران ـ، ويعرّج على حدث الفتـح، ويصبح المكان أساس البناء في سيرورة

متن المقامة : » لاشــكّ أنّهـا مدينة بلقـاء الشهرة، وغاب البسالة، ومنبت الشوكة، وعقـاب القواعد المغتصبة للمسلمين، ومحتط طائفة العرب العامريّين، الخصيبــة النبـات والمستبحرة الماء والجنات ….لا يخفـى أنها كانت شجـى في حلق الدّين، وقـذى في أعين المسلمين، حتى أتـى الله بهذا السيّد الذي أشرقت بطلعته – في سماء هـذه المملكة – شموس الفتوح، بما منحه الله من النصر الممنوح، فاستدعى أهل الجهـاد، وضيّق عليها فسيح البلاد….

ويعجّ المكان بحركة عنيفة، تجعل منه مسرحا للمواجهة : » وقـد شهرت السيوف، وتخارقت الرّماح، وحـقّ عليهم القـول، وأخـذتهـم الرجفـة، ولولا أنهـم هربـوا ليلا لهبروهم بالسيوف وعاجلوهم بالحتـوف ….. «
إنّ عنصر المكان ـ وهران ـ، مهّد لقيمة فعل الفتح، ذلك أنّ » المبـدع عندمـا يعمد إلى تكوين جملة لغوية، يقوم بعمليتين متكاملتين. في الأولى يجري اختيارا في مفردات مخزونه اللغوي، وفي الثانية يجري عملية تنظيم لما تم اختياره بحيث يتلاءم هذا التنظيم مع النّسـق الذي يدور فيه الكلام «””.

حافز الجهاد

فـوهـران : بلقــاء الشهرة
منبت الشوكــة ​​​​​​
شجـى في حلق الدّين
قذى في أعين المسلمين

شهّرت السّيوف، وتخارقت الرماح
هذه مكوّنات خلقت بـعدا دلاليا، يسعى إلى تحقّـق معنى الجهاد، الذي هو رديــف الفتح، ومن ثـمّ فالبناء السّردي، لم يكن من بـاب تغليب فـئـة على فـئـة فقط، عن طريق اجترار الأحداث والوقائع التاريخية، وإنما تـآزر البناء السّردي مع البنية الدلالية، لخلق مشروعية الجهاد، وتوظيفها على نمط يعلـن كفاءة الداي محمد بكداش، في تخليص الأمّة من مخالب الغزاة وبيّنت بنية الشكل، بمسروداتها وبنية الدّلالة بعمقها الرّوحي (الجهاد)، بيّنتا أنّ » الفنّ يعبّر عن طريقة في الإحساس بالكون والنظـر إليه . وخلال فترات الحماس الجماعي الكبير، عندما تتوافر وحدة عضوية وحيّة بيـن المنظمات والطبقة الاجتماعية التي تمثلها، يستطيع الفنان أن يعبر، في إطـار تلـك المنظمات عن رؤية تعكس الطبقة والعقلية الجماعية «”” ولا أدلّ على ذلك ممّا ورد في هذا المقطع من المقامة نفسها””:» ثمّ احتفل الأمير –

نصره الله – لأيام الزينة، في وقار وسكينة، وطرب جرّد من الجبل تسكينه، فصارت الأسواق دورا، وأصبح أهلها زائرا ومزورا، وأمست الأجنّة فراديس، وجعلت الخيل كراديس، وبرزت ربّـات الخدور، بين شموس وبدور، فلا تبصر إلاّ غانية وغانيا، ولا تسمع إلاّ مثالثا ومثانيا، من مهرجان خطير أزرى بعرس ” بوران ” وأيام ” يزد شير “، أقبلت فيه التهاني على مولانا من كل شاعر، ونظم في ذلك مَنْ لا يعدّ مع ناظم ولا ناثر …. «

في هذا المقطع، تأسّس البناء على استعراض مظاهر » الاحتفالية «”” بنتائج الفتح، حيث تعاقبت ألفاظ الصّخب والحركة على مستوى تراكمي ، و من الدلالة على ذلك ما أحاول رصده في هذا الجدول:
– برزت
– احتفــل
– شموس
– أيام الزينة
– بدور
– طــرب
– غانية وغانيا
– صارت​
– مثالثا ومثانيا
– أصبح​
– مهرجان
– زائرا ومزورا
– عرس
– أمست​
– أقبلت
– الخيل​
– التهاني

هذا التراكم في ألفاظ الصّخب والحركة، يجعل اللّغة فـي الخطاب الأدبـي » ليس مجرّد قناة عبور الدّلالات، وإنّما هي غاية تستوقفنا لذاتها «””.
فالنّاصّ وظّف من الألفاظ ما يتحقّـق معه سمّوّ المعنى وانتظام المبنى في نسـق يسير بالعرض التاريخي سيرا دقيقا لدرجة أنّه يذكر في المقامة الرابعة عشر”” حتّى عــدد الأسرى من النّصارى، بعد التمكّن من الغزاة: » ولمّا بصروا بفتح المدينة، تمزّقت قلوبهم بضربة مكينة، وتشاوروا فيمـا بينهم، ورأوا أنّ الهلاك يفضي إليهم، لكنّهم أظهروا التجلّد فحاربوا يوم الفتـح، من المسـاء إلى الصّبح، ثمّ مكثوا هنيئة من الزّمان، وطلبوا الأمان،

جزعا من الموت، وأسفـا على ما يفقدونه بطول المدّة من القوت، وخرج النصارى، وصاروا أسـارى نحــو خمسمائة وستين، وألقـوا أسلحتهـم ومفاتيحهم في الحـين …. «
نلمس بناء سرديا، قـام على أفعال ماضية تعرض استمرار النّكسة لدى الغزاة:

بصروا – تمزّقت – تشاوروا – رأوا – أظهروا – فحاربوا – مكثوا – طلبوا – خرج – صاروا – ألقـوا.
إنها سلسلة مكوّنة من إحدى عشر فعلا، تبدأ بالتيقّـن من حدوث الفتح، وتنتهي بالاستسلام لمنفّذي الفتح، مرورا بمواجهة واهية: “أظهروا التجلّد …..”

بصروا بفتح المدينة ​​​أظهروا التجلّد….

ألقــوا أسلحتهم، ومفــاتيحهم …
تستمرّ المتابعة في المقامة الخامسة عشر”” : » ولمّا فـرّ من المدينة الكفرة، وزعموا أنهم نـاؤوا عن الذل والمحقرة، وأنهم إذا تفاقـم عليهم الأمر، يفرون في البحر فذهبت السّفن من عندنا تحاصرهم والمسلمون في البرّ تطاردهم، وهذا الحصن عظيم البنـا، كأنه مدينة للسّكنى …. «إلى أن يقول : »استفتحوه عنوة بما فيه من البضائع، وعدد النصارى الذين فيــه ثلاثة آلاف من المتمرّدين، ولكن هلكوا بطعام الغسلين . فكانت هذه فتوحات منظومـة العقود، معقودة النظام، وآلاء دائمة الاتّصال، متصلة الدّوام، وسعودا معلومـــة الوضوح، واضحة الأعلام ….. «
يتشكّل هذا المشهد من بنية الفرار والمطاردة والإصرار على التدقيق في عــرض الخبر، فالمجاهدون طوّقوا البَرّ والبحر، ممّا يعلن عن الكفاءة الحربية، وأبادوا ثلاثة آلاف من المتمرّدين، وتكلّلت بنية المطاردة، بفتح وهران ممّا جعل استهلال المقامـة الأخيرة ( السادسة عشر)””، استهلالا تقريريا، ثبوتيا: »شرف بـاذخ، ومجد شامخ، عقد النجوم ذوائبه، وأوخز في مفرق النســـر ركائبه، استفتح وهران وانبلج صبح النصر وبــان …. « ويعرف المتن المقامي تصاعدًا تدريجيًا نحو بنية دلالية بهيجة: »والخيل تلاعب الظلال مرحا ونشاطا وتلالا اغتباطا، والجياد الجرد تتدافع وتتمطر والأسل السمر تتأوّد وتتأطر، والجهات بشادي الفتح تتعطــر ….. «
فبعد استهلال المقامة بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستقرار : ( شرف باذخ ) وتعكس نهاية الصّراع، وتحقّـق مقولة : الفوز والتفوّق، تتراصّ مظاهر الفتح فـي بنية للأحداث بهيجة:

* انبلـج صبح النصـر
* الخيل تلاعب الظلال

* الجياد الجرد تتدافع وتتمطر
* الأسل السمر تتأوّد وتتأطر
* الجهات بشادي الفتح تتعطر
هذه البنية، نمت بالشّحنة الإخبارية إلى استكنـاه مراتب الوصف حيث أدّى ترتيـب الكلمات في الجمل، إلى تقويم المعنى، فالخيل (الجياد) والأسل والجهات كلّهــا تصبّ في الكشف عن بنية الاحتفالية بالفتح، وهو الخبر الرئيس، والنهاية الطبيعيـة لمشوار استعراضي نمـا وتوزّعت بنـاه بين ست عشرة (16) مقامة، جسّدت قطعــة مـن الموروث، في بنـاء سردي، يراعي التأنّق اللّفظي، والجمل القصيرة المسجـوعة، والصيغ المتوازية، وهي ظاهرة شكلية لازمت كتـاب ” التحفـة المرضية ” وهيمنت على البنيـة السردية في الكتاب.
بعد تتبّعنـا للبنية السردية كأحد المفاصل التي بنيت عليهـــا المقامات عند ابـن ميمون، يتدرّج البناء نحو مستوى أعمق، يتمثّل في الاهتمــام بالمخبـر عنـه، بالاستناد إلى تقصّي أحواله وبسط أوصافه، يظهر ذلك من خـلال التمثّل بهذه النّماذج وتحت هذا العنوان :
2 ـ البنية الوصفية
من المعلوم أن الوصف هو الكشف عن حال الشيء، أو هو تعريف الأشياء بتبيان أشكالها وعرض أحوالها، ومن المعـلوم – أيضا- أنه يعسر حصـر ما يصلـح للوصف، ومالا يصلـح، إلا أنه يمكـن التمثيل لبعض أنـواع الوصف كوصف الهيئات، ووصف الخبايا، ووصف الطبيعة، ووصف العمران (الآثار الحضارية ) ووصف الدمار ( الحروب وما في حكمها) .
و بتباين الموصوفات، تتباين نسبة الوصف، بين الإجمال تارة، وبين التفصيل تارة أخرى. و من نماذج الوصف في التحفة: » …واضح المذهب، متحليا بالوفاء والصّدق والولاء المهذّب، وكيف لا يكــون التشيع – إلى جانب تلك السيادة الكريمة – لباسه الذي به يتجمل، ورواقـه الذي بـه يتظلّل، وعدّتـه التي بها يقول ويفعل….. «””
يصطنع الوصف لحال المخبر عنه ـ محمد بكداش ـ أشكالا من البنى ، لأنّ »الحال« خبـر فــي الحقيقة من حيث أنك تثبت بها المعنى لذي الحال…” « ”
وفي هذا المقطع، توحّدت بنية ثبات المعنى، وبنية تجدّد المعنى، فالبنيــة الأولـى تشكلت في تعاقب الكلمات:

* واضــح
* متحليــا​​​ أسماء فاعل تثبت أوصافا سامية للمخبر عنه
* المهذب
بينما تكوّنت بنيـة التجدّد من:
* يتجمل
* يتظلل​​​​ ​أفعال مضارعة
* يقول ​​​​ تضمن استمرارية الصّفة
* ويفعل
فالبنية الأخيرة، باعتمادها على الفعل، أعطت الموصوف، ديمــومة الحــال، واستمراريتها على وتيرة متنامية، » لأنّ الفعل يقتضي مزاولة وتجدّد الصّفة فـي الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصّفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا «””
وفي مقطع آخر، تأسست البنية الوصفية على عرض شامل جامع : » وبالجملة، فشيـم فضله لا تفضلها في القديم والحديث شيـمة، ومذاهب عدلـه واضحة مستقيمة، ومكارمه شاملة عميمة، آثاره في سبيل الله حديثة وقديمة «””.
نلمس أنّ طبيعة الصّياغة، انبثـقت في هذا المقطع، من الإلمام والإحاطة بحــال المخبر عنه – محمد بكداش – فبنية (الجار والمجرور) في قوله: “وبالجملة”. قد أعطت بعدا دلاليا، شكّل فضاء شاسعا من الفضائل، والمثاليات، بحيث لايمكــن تعداد هذه الفضائل، ولايمكن حصرها، وإنّما تعرض بالإجمال من بـاب الإيجـاز من ناحية، ومن بـاب أن التلميح يغني عن التّصريح أحيانا.
ويبلغ الإجمال ذروته، في المقطع الأخير من المقامة الثانية حيث جاء فيه: »وبالجملة، فقـد وافقته الرّياسة، وانقادت إليه السّياسة، فانتقـل إليها انتقـال الشّمس في مطالع السّعود، ومقـل روض الأماني في نضير العود «””
إنّها بنيـة التّناسب والتّلاؤم، تنبئ عن جدارة الدّاي واستحقاقه للمنصب الذي تقلّـده، ومرة أخرى، يوظّف النّـاصّ بنيـة (الجار والمجرور): “بالجملة” لما فيها من شمولية، إنّها إعفاء من اجترار صفات أخرى إيجابية يتصف بها المخبر عنـــه – محمد بكداش – وانقياد السّياسة له – على سبيل الاستعارة المكنية – إنما هو الحكــم الفصل بشرعية هذا الداي، وبالتالي شرعية سلطة وترسيخ نظام.

وتستمرّ جولتنا مع ” البنية الوصفية “، فندخل رحاب بنيـة تفصيلية، تعتمـد استجلاء أحوال المخبر عنه – محمد بكداش – وكأنّ النّفس الإبداعي الذي التزم “الإجمال” فيما سبق، أبى إلاّ أن، يغيّر المسار، فإذا ببنيـة التفصيل تحمـل مظلّة الشرح والتّفسير: » وأما أمير المؤمنين، فهو الذي بلغت همّته في طلب العلم السّماء، وجلت أسرتـه الظّلماء، له الرّتب المكينة، وعليه الوقار والسّكينة، أخرم يراعه العوالي، واستخـدم الأحرار والموالي…. «””
إلى أن يقول: »وله أدب غضّ المقاطف، رطب المعاطف، إن نثر فالنجوم فــي أفلاكها، أو نظم فالجواهر في أسلاكها، قد أخذ بمجامع القلوب كلمه، وأغذّ في طريق الإبداع قلمه، وكيف لا وهو علم البراعة، وقيوم الصناعة (…..) جمع النظم والنثـر والخطابة والشعر، مجيدا في طريقيهما، سابقا لفريقيهما (…) فإذا نثر وسجع، وردّد الفقَرَ ورجع، وكتب ونكّت، وأجاب وبكت، وأومأ وأشـار، ونبّـه وأثار، وأقـام وأقعـد، وأبرق وأرعد، وصوب وصعد، ووعد وتوعـد، ونمق وحبر، وطبق وعبر، وأوجز وحرر، وأصل وقرر، وأعاد وكرر، أحـرز ذوق ابن أبي الخصال الخصل، وشهر في ميدان البلاغة النصل، وإذا خطو استعمل المد والمط، والبري والقط فالوشي المرقوم واللّؤلؤ المنظوم، والزهر المنضــود، والطلح المخضود …. «
في هذا النّموذج من المقامة السّابعة، تتأسّس البنية التفصيلية على ترتيب خصوصيات الموصوف، فيتشكل البناء من جمل متلاحقة، في صياغة متوازية تتفرّع إلى نمطين،أحدهما قصير التـركيب،وثانيهما، يمتدّ تركيبه إلى حـدود فقرة، وفي الجدول الآتي تجلية للصياغتين:

* السّماء = الظلماء
* المكينة = السّكينة
* العوالي = الموالي
* غضّ المقاطف = رطب المعاطف
* أفلاكها = أسلاكها
* كَلمه = قلمه
* طريقيهما = فريقيهما

* فإذا نثر وسجع = وردد الفقر ورجع
* وكتب ونكت = وأجاب وبكت
* وأومأ وأشار = ونبّـه وأثـار
* وأقـام وأقعـد = وأبرق وأرعـد
* وصوّب وصعد = ووعـد وتوعّـد
* ونمّـق وحبّر = وطبّق وعبّــر
* وأوجز وحرّر = وأصّل وقرّر

النمط الثاني
كيل طويل التركيب

النمط الأول
تشكيل قصير التركيب

وعلى الرغم من تفاوت النّمطين في التركيب، فإنّ البنية تعلن عن طموح الموصوف لإدراك العلم، وتؤكّد رسوخ قدمه في رحاب الإبداع، وكأنّ هذه البنية التّفصيلية على مستوى الوصف تتحـرّك لتعكس دلالة سامية، نواتها: تفرّد الموصوف بوسام الاستحقــاق على جميـــع المستويات:

الموصوف
=
الاستحقاق

تفوّق سياســي

دراية بفنون القول
تفوّق علمـــي

ومن نماذج الوصف أيضا: » فطارت نفس الكافر في أثناء منازلتهم جزعا، وذهب روعه مقسما بالأنكاد موزعا، ونغصت عليه منيته وجاءته منيته «””
ينتظم الوصف في هذا النموذج في بنية مضادة ،تعكس اندحار الموصوف، و تعلن خيبته، وتأذن بمصرعه، وفي هذا بعد دلالي رامز إلى الإذلال و الانكماش – إن صح التعبير – الذي هيمن على الغزاة، أثناء المواجهة في ساحة القتال.
ويتابع الناص وصف الغزاة، في مقاطع، وإن كانت متباعدة ،فهي تشترك في دلالة الإذلال و الانتكاسة التي مني بها أعداء الداي، من ذلك مثلا، قوله: » وتجلت وقاح الحرب بالحد السافر (…) وأدبر إدبار أمسه، ومضى وهمه نجاة نفسه، وانقلب مغلوبا مغلولا، يرى البرق مسلولا، ويحسب السحاب خيولا، ويظن حمرة الشفق دما مطلولا، وخلف أنصاره حصيدا، ودياره طلولا «””.
نلاحظ في هذا المقطع تلاحقا سريعا في الوصف، حيث تنتظم البنية الوصفية في متواليات قصيرة، تنبئ عن حشد مجموعة من نعوت الانتكاسة التي هيمنت على الموصوف، فهاهو قد استشعر نهايته، ويحاول إنقاذ نفسه، ولكن محاولته هذه، تبدو واهية، لقناعته بقوة الطرف الآخر، الذي تمكن من زرع الرعب في الخصم، فإذا بهذا الخصم – ولهول ما رأى – يفزع حتى من العناصر الطبيعية – المحايدة في الأصل – فظاهرة البرق مثلا تمثل عنده؛ سيفا سل لفصل الرأس عن الجسد، ومنظر السحاب يمثل عنده؛ خيولا راكضة في ساحة القتال، وحمرة الشفق في منظور هذا الخصم المغلوب، إنما هي دماء منسكبة. وكل هذا من باب وصف خبايا النفس الخائفة، الضائعة،الهاربة من واقع الانهزام، بحثا عن ملجأ، في وقت عز فيه الملجأ !
وهكذا يمكن رصد خبايا هذا الموصوف / الخصم، بصورة مركزة، على هذا الشكل:

الموصوف
=
التقهقر

استشعار النهاية
استبعاد السكينة
فقدان الملاذ

وأتعقب بنية الوصف في مقطع آخر، ينبئ عن دلالة الهزيمة في أقصى مظانها: »وأساراهم في أيدينا قد أوثقت، و تخلفت قصورهم السامية قيعانا، وكنائسهم الحافلة أثرا لا عيانا، وقد أخذ الله صلبانها، واستعجل للنيران رهبانها، وأتى الله على بيوتها من القواعد فخرت، وزلزل مصانعها العالية، فاستوت على وجه الصعيد واستقرت. فما أظن أن مدينة بلغ الخراب من معمورها، واستأصل العفاء من متبحرات دورها، ما بلغ من هذه البائسة البائدة (…) غير الله محاسنها وشرد قاطنها «””

تسعى البنية الوصفية في هذا النموذج إلى تعداد تجليات الدمار الذي أصاب وهران – المسلوبة – لحظة محاولة تخليصها من الإسبان .فإذا بالوصف يستقطب التفاصيل، ليعكس دلالة الانهزام الكبير الذي مني به المحتلون. ويمتد هذا الوصف ليشمل حال المدينة وكيف أن مبانيها دكت، فالقصور والكنائس والبيوت والمصانع، دمرت وأصبحت أثرا بعد عين.
وإذا كان هذا حال المباني فحال محتليها أدهى وأمر: أسر وحرق، وتشرد، وكلها مجتمعة ،تسهم في تماسك البنية الوصفية في هذا النموذج وفي غيره من النماذج التي بنيت على وصف الخصم، وتصوير ما لحق به.
نخلص إلى نتيجة مؤدّاها أن الوصف قد تجاذبته بنيتان: بنيـة الإجمال، وبنيـة التّفصيل، وبين تلك وهذه، برز مفصل أغنى العلاقة الدّلالية، ووحّـد عملية الصّوغ للمقامات في كتاب “التحفة المرضية”، إنه التعقيب كبنية ثالثة تستوجب التوقف عندها، والكشف عن ملامحها في متن المقامات.
3- البنية التعقيـبية
سبقت الإشارة في التمهيد لهذا الفصل إلى القصد من هذه البنية: فقد تتبع الناص الأحداث والوقائع والمواقف، ورصدها في متن المقامات، ثم حاول التعقيب عليها، والتعليق على بعضها في سطور متفاوتة الأحجام، متنوعة الدلالات، متباينة في الأبعاد،حسب قوة أو ضعف الحدث، وحسب جدية الموقف أو هشاشته.
وقد حاولت اختيار بعض النماذج للتمثيل للبنية التعقيبية في متن المقامات، فاستقام لي منها ما يأتي:
أ- »إنّ لله قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، أجراها على يـد مَنْ هو للكمال أهل «””.
ب- »علمنا أنّ مَنْ صحب الدهر وقع في أحكامه، وتصرّف بين أقسامه، مـن صحّة وسقـم، وغناء وعدم، وبعاد واقتراب، وانتزاح واغتراب «””.
ج- » لاجرم أنّ الحرّ، حيث كان حرّ، وأنّ الدّرّ برغم مَـنْ جهله درّ «””.
د– » ومَـنْ أوقد نارا، صليَ بحرّها، ومَـنْ أسال دماء الفتنة، غرق في بحرها «””
هـ- »وماقـلّ مَـنْ كان الله معه، وماذلّ من كان الله ناصره «””.
و- » فسبحانه لا مبدل لكلماته، ولا دافع لنعمائه (…) فيا بردها على كبد الإسلام من نار مشبوبة وأوثاق مطروحة، وأغلاق مفضوضة «””

ز- » ومن عامل الله في حربها بنية صالحة، ظهر والله ربحه، وطلع بالسعادة صبحه«””
ح- » فهنيئا للمسلمين بقدوم هذا الفتح على يد هذا الأمين (…) أنعم الله به على المسلمين «””
ط- » إلا أن الله تعالى لا تغالب قدرته، ولا تطاول عزته، ولا يرد عن القوم الكافرين سخطه «””
هذه عيّنة من التّعقيبات، اصطنعها النّاصّ إثر العمليات السّردية التي وظّفها عبـــر المقامات، وقد توحّدت بنيتها بالجمع بين مكوّنين: التوكيد والشرط .
ففي التعقيب (أ)، تأكّدت بنية ” القدرية ” بواسطة الأداة ” أنّ ” فالمقدّر واقع لا محالة، والحظوظ مقسّمة بالعدل، ومن ثمّ لا عتاب ولا ملامة.
وفي التّعقيب (ب)، تأكّدت البنية بمؤكّدين: (علمنا) و(أنّ) فتأسّست مقولـة: تنكّر الدّهر للإنسان، فهو ملول لا يثبت على حال، معاند لا يقهر، يخضع الإنسـان لتقلّباته فيرفعه ويخفضه، يصيبه ويخطئه، إنّه الصّراع الأبديّ بين الحــاصـــل والمنتظر ……
ويستمرّ التّوكيد في التعقيب (ج) بتكرار الأداة (أنّ) حيث يفرز البناء مقولة جديدة مفادها أن قيمة الإنسان في ذاتـه، وعظمة أفعاله من عظمة ذاتـه، وعلــى رأي القائـل، فالجواهر في التراب تبقـى جواهر، فالموصوف – المعنى بالتعقيب – لـم تهتز سطوته، ولـم تفتر عظمته حتّى وهو في المنفى، لنبـل في الطّبع، وأصالة في المعدن.
ويبنى التعقيب (د) بناء شرطيا، قائما على جملتين متوازيتين تؤسّسان بنية جزائيّة:
فالنّار تحرق مَـنْ أشعلها، والدّماء تغرق مَـنْ تسبّب في نزيفها، والحرق والغَـرق مقوّمان ينبثقان عن حالة شرطية استدعت وقوعهما.
أمّا التّعقيب (هـ) فتمثّـل بناء تقريريـا، في ملمح تعظيمي بين فاصلتين مسجوعتين تنفيـان ” القلّـة ” و” الذلّـة ” عمّن توثّقـت صلته بالحضرة الإلهية.
وننتقل إلى مدارسة البنية التعقيبية في النموذج (و) فنستشعر حمولة – إن صح التعبير – الحدث “” قد طغت لتفجر بنية مناجاتية منبثقة من المكون الروحي الذي جسده فعل التعجب المقرون بالتسليم لإرادة الله .ومن التعجب والتسليم، امتدت بنية التعقيب في هذا النموذج إلى خلق ملمح شبه استعطافي يجلوه فعل الإشفاق على ما آل إليه حال “وهران” المستباحة من طرف الغزاة، لما في هذه الإستباحة من مساس بالقيمة الروحية التي تجلوها مقولة : كبد الإسلام.

وفي نموذج (ز) يبرز – ومرة أخرى –ذلك المكون الروحي الذي تقوم عليه البنية التعقيبية ؛ إلا أنه في هذا النموذج ، يمتد إلى مقولة جديدة، هي مقولة عقد العـزم والنية المبنية على صيغة شرطية مقترنة بالقسـم: (من عامل / ظـهر و الله). وبهذا يتكون ملمح تحفيزي يصطنعه الناص بغية التذكير بالمرجعية الروحية التي تربط نجاح العمل بحافز صحة النية.
وفي محاولة لمدارسة نموذج (ح) من البنية التعقيبية ، يتكشف عنصر مركز الثقل في متن المقامات، فيتموقع فعل الفتح(مركز الثقل) بين البنية التعقيبية القائمة على التهنئة و بين الإشادة بمن خلق الحافز – عند الرعية – على نشدان الفتح ، وهو حافز تجلوه مقولة التعظيم المقترنة بالامتنان: (على يد هذا الأمين / أنعم الله به على المسلمين)
ومع النموذج الأخير (ط) من البنية التعقيبية ،تترسخ مقولة القهرية، المنبثقة من مقوم “الغلبة” المقصورة على الله وحده ، فلا قوة إلا قوته، ولا تعالي إلا تعاليه، ولا راد لأمره إلا بأمره

4 ـ البنية الدّعائية
تعتبر البنية الدّعائية أحد المكوّنات الأساسية للمقامات عند ابن ميمون حيث أدرج النّاصّ الدعاء كصيغة تكميلية لهندسة الشكل البنائي الذي جرى عليه تأسيس ” الخبر ” في ” التحفة ” ومن نماذج الدّعاء : » نسأله – تعالى – أن يجعل هذه الحادثة آخر حوادثه، وأعظم موارثه، حتّى يستديم عزّه في نعم سابغة، تنعم بـاله وخاطره، وتقرّ عينه وناظره، وتلحظه خطـــوب الدّهر، وهو منها في حماية مكينة «””.
تكوّنت بنية الدّعاء من مقولة: إقصاء الحادثة (التي هي المنفى) واستبدالها بعـــزّ السّلطان، وديمومة النّعمة .
فبدأت البنية بمعنى الطّلب بواسطة الفعل المضارع: (نسأله)، وانتهت بالفعــــل المضارع: (تلحظه) لتخلق دلالة التّـوق إلى تحقّــق حال معيّنة يعيش عليـــها المدعو له – محمد بكداش – حال الأمان والسلام رغم ترصّد صروف الدّهر ونوائبه .
وفي نموذج آخر: » وأيّـد الله أمره الرفيع تأييدا، وألهمه شكرا لايعدم منه مزيدا، وجعل سيفه الماضي – كلّما تقلّـد لأبواب الفتوح – إقليـدا، ويستأنف به الإسلام عزّا جديــدا، ويتلع جيدا، ويملأ ببلاد التّثليت توحيدا، ويذيق الكافرين بأسا شديدا، ويـريــهـم الفتح المبين قريبا وإن كانوا يرونه بعيدا «””.

تركّز الدّعاء في هذا النموذج على طلب التّأييد الإلهي للمدعو له، واستغرق معنــى الطلب عشرة أفعال، شكّلت سلسلة بنائية متعاقبة، توزّعت بين أفعال ماضية وأخـرى مضارعة، أفرزت بنية ” الحسم ” بين الحقّ والباطل، وهما في نـصّ الـدّعــاء : التوحيد، التثليت.

المناصرة:
تثبيت التوحيد
الحسم
الوعيــد
إلغاء التثليت

1 ـ أيد الله
2 ـ ألهمه
3 ـ لا يعدم
4 ـ وجعل
5 ـ تقلّـد
6 ـ ويستأنف
7 ـ ويتلع

1 ـ يملأ
2 ـ يـذيق
3 ـ يريهـم

سبعة أفعال ​​​ ثلاثـة أفعال

وفي نموذج ثالث، ينطلق الدعاء بفعل ماض، دلالته آنية ومستقبلية، ويتقاسم هـذا الدّعاء، مع المدعو له الأوّل، مدعو له ثان وهو الصهر : ( أوزن حسن ):» أبقاه الله عميما فضله، رفيعا مجده، ماضيا عزمه، معظّما قدره، وملتزما بره، جعله الله وصهره من المهتدين بهديه، السّالكين في جهاد عدو الله على نهجه «””.
بني هذا الدّعاء على جمل قصيرة، في نسيج من المشتقات المتتالية واعتمد فعليــن ماضيين، يحملان معنى مستقبليا .
ويتّضح ذلك في هذا التّصنيف :

الفعلان
المشتقات
1-
برّه ـ هديه

جهاد العدوّ

فضلة ـ مجده
عزمه ـ قدرة
أبقاه الله
2- جعله الله وصهره
1ـ عميما
2- رفيعا
3- ماضيا
4- معظما
5- ملتزما
6- المهتدين
7- السّالكين

اقتـرن الدّعـاء بمشروعية الجهـاد، فاقتضى صبغة الإلحاح على استدعـاء مقولات السمّوّ، فتتابعت المصادر على وتيرة من التّناغم:
فضله = مجده
عزمه = قدره
هديـه = نهجه
ورغم تنوع الأحجام المؤسسة لبنية الدعاء في مقامات ابن ميمون، فقد ركزت على اختيار ما جاء منها مطولا و لو نسبيا وأغفلت ما جاء منها في شكل جمل اعتراضية لشيوعها عند العامة والخاصة، ولكونها جاهزة، مثل: فجزاه الله””. و مثل: – نصره الله –””
كما أغفلت ما جاء قصير الحجم وذلك لقلته في متن المقامات ، مثل: »أدام الله له الإسعاد، وبلغه في الدارين غاية المراد «”” ومثل: » والله يصل سعده ، و يحرس لسيدنا مجده «””
وبمدارستي لهذه الرباعية ( السرد،الوصف،التعقيب،الدعاء) ومحاولة تقصيها من المقامة الأولى حتى المقامة الأخيرة،يتبيّن لـي أن “الخبر” في المقامات، يدور في فلك السّيرة، سيرة أحد أبطال السّياسة العثمانية وأنّ المبنى المقامي يعتمد الطابع التسجيلي للأحداث ورصد الوقائع مجملها ودقيقها، ويؤسّس بنى ولائية رافعا لــواء الدّيـباجـة الموروثـة، جـامعـا بين مساندة سلطة سياسية، وسـلـطة شكلية سلفية.

الفصل الثالث: البنية الوَلائية

1 ـ بنية الحماس
2 ـ بنية التنديد
3 ـ بنية الخلاص

ساهمت مكونّـات البنى الولائية في مقـامات ابن ميمون، في تأطير البنية النصية، وإثرائها ـ بشكل عـام ـ وسلكت مسلك انتقـاء العبـارة، وترويض اللفظ على الإثبات الخبري، وفـق ملمح بلاغي مكثف، ووفـق عـرض جـدي، لا يعير النكتة اهتماما، ولا يعير الفكاهة التفاتـا، وإنمّا همّه رصد المواقف، وتوزيعها على مساحة ست عشرة مقـامة، في بنـاء موحـد، غالبا ما ينزاح عـن المعيـار، ليتقمص دروب المجاز، وليعب من قـوانين الصياغة الأدبية –السلفية- قـدر المستطاع، على نمط من التـوازن والتنـاغـم، يخلق قالبا جماليا من جهة، ويفصح عن دلالة نفعية، من جهة أخرى، ذلك، أن » التوازن والتنـاغـم في الأثـر الأدبي أو الفني، يبعث فينـا إحساسـا بالجمـال، والدلالـة التي تحقـق قيمـة عليـا للإنسان، تبعث فينـا أيضا مثـل هـذا الإحساس، بل ربمّا ارتفعت به إلى مستوى اكتماله«””.
وعليـه، تكـون مكوّنـات البنى الولائية في كتاب: “التحفة المرضية”، قـد تجلت في عناصر جزئية، ساهمت في اتساع دائرة الوظيفة الإخبارية، ضمن جهاز لغـوي، يحفـل بتصويـر الوقائع وتشخيصها »فاللغة ليست بنى ودلالة فقط، بل هـي أيضا فعل كلامي، ينجزه المتكلـم، ويـؤدي به أغـراضا، (…) وفهـم الكلام وإدراكـه يعني تشخيص مضمـونه الإخبـاري، وتحديـد غرضه التـداولي، أي قيمته وقـوته الإنجازية «””.
في هـذا الإطـار، تشكلت المكوّنـات الولائية من بنى متشابكة العلاقـات، أحاديـة الغرض،هذا الغرض الذي لا يخرج عن” التعضيدية ” المطلقة للسلطة الفاتحة.
وفيما يلي جـرد لهذه البنى الولائية حسب تشكلها في المقـامات عند ابن ميمون.
1- بنية الحماس
عنـد تمعننـا في مقـامـات ابـن ميمـون، نلمس توزيعـا لبنية الحماس على مـدار مشاهـد متباعـدة، يتخلّلها نسيـج استعـاري، يمنح الموضوع أبعـادا فنيـة، وبنيـة قـائمة علـى وظيفـة التفاعـل مـع الشخصية الـرئيسة ـ الدّاي محمّد بكداش ـ وقد حاولت التقاط ومدارسة بنية الحماس من متن المقامات ،فاستقام لي منها ما يلي: »وقفـل الجيش، يجلب نصر الأكفـاء له، وصنع صنعـا لا أعهـد مثله، وقـد رفعت ألويتـه الخافـقـة على رمـاح الفخـر، وفـازت سيوفـه الماضية بإدراك الثـأر، وظل محـل الصيحة، ومنزل النقمة … «””.
لقـد خرج الكلام في هـذا المقطع، عن كـونه مجـرد صياغة تقـريرية معهـودة في الأخبـار الأدبية إلى صورة انفعـالية، هـدفها إسباغ حكـم الملمـوس على المحسوس، فالرماح والسيوف، والمحل، مجموعة أشيـاء مـادية ملمـوسة، ولكنها تحمل دلالة حسية، عندما يتعلق الأمر باكتشاف العلاقـة بينهـا وبين معـاني الفخـر، الفـوز، الأخـذ بالثـأر، النقمـة.

هكـذا، يمكـن القـول بأن “بنية الحماس” أفـرزت معنى بسط السيـادة البكداشية، وتحقيـق سلطـوية عثمانية، تحمـّس لهـا النـاس، انطلاقـا من خلفيـة معينـة هـي عملية الفتـح، ومنطقيـة “الجهـاد “، المبنية على تـركيب الصور وتشكيلها وفـق منظور رمزي، »إذ أن الاستعمال الملتوي للكلمات (بواسطة الاستعارات البلاغية) أو للجمل (بالتضمين أو الإيحاء)، ليس شيئـا آخـر سـوى الـربط الرمـزي بين معنى حاضر (بفضل داله) ومعنى آخـر غائب، وهـذا ما يفسـر القـرابة التي يكـون من السهـل ملاحظتها بين الـوقـائع الـرمزية، داخـل اللغة وخارجها«””
ويتصاعد المعجم المبنى على ألفاظ القـوة والجبروت في بنـاء حماسي مكثف: »واستباحت سيـوف الله فيها (المعركة) من النسـم أعمـارًا عـدة، ومن الحمـاة أولي بـأس وشـدة (…) ومَنْ جعل هـذا العسكـر العثمـاني (…) في الأمـر كلّـه ، وتـوعـد الكفـر بحميتـه في سبيـل الله ومن أجلـه ، فقـدحه ـ إن شاء الله ـ المعلـى وحظه بالخيـر أجـدر وأولـى «””.
فـالمقـاتلـون (سيـوف الله) استهدفـوا في غـزوهـم كل الفئـات، على اختلاف أعمارهـا، وعلى الـرغـم من شـدة بـأسها، ورسّخت صـورة: “سيوف الله” معنى القـوة العظمى التي لا تقهـر؛ قـوة الحق، في صرعه للباطل، واستحالـة ثبـات البـاطل أمام الحق إنها صورة مبنية على التشخيص المادي لما هو معنوي حيث أسندت السيوف لله من ناحية، وأريد بالسيوف؛ تلك الجماعة المقاتلة في سبيل الله من ناحية أخرى، وبذلك يتفرع عن المعنى الأول، معنى ثان؛ ينبثق من فعالية إيديولوجية ترمي إلى التأكيد على اقتدار العسكر العثماني، ورجحان كفته، وترمي إلى تثبيت هيبته (سيوف الله) وهو مـا » يحقـق تنقـلا دلاليا، إذ يخرج المفهوم من المتوالية الدلالية التي كان يوجد بها (…) إلى متوالية دلالية مختلفة«””. تتمثل في البعد الروحي العميق، المؤسس على الرؤية الدينية لمشروع الجهاد، وعلى تلك الصلة الانفعالية – أثناء الجهاد – بين العباد، ورب العباد. ونتتبـع بنيـة الحمـاس فـي مقـاطع أخـرى، يلفّهـا نسيـج من الصور الاستعاريـة، حيث تمضي عملية إنشـاء العبـارة في سلسلة كلامية تكتنـه البنـى التركيبية: » فهنيئـا للمسلميـن بقـدوم هـذا الفتـح، على يـد هـذا الأمين، إمام له صولة، جـرع الكـافـرين كـؤوس المنية، وأظهـر ديـن الحنيفية، يحيـى بعـز الدين الحنيـف وجهـه ، ويطـرق بخبـر الفتـح على أهـل “لا إله إلا الله” سمعه، ويشـرح بنصر الفئـة القليلـة على الفئـة الكثيـرة صـدره«””.
تظهـر مقـولة التهنئة، بسبب تحقّـق الفتـح، تحقـق رمـز إليه “بالقـدوم” وكأن هـذا الفتـح سَعَى سَعْـي الكائـن الحـي نحـو محققـه “إمـام له صوله”، فـأذاق المغتصبين طعـم المـوت: “جـرع الكافـرين كـؤوس المنية”، المـوت يمثل معنى مجردا، يحمـل فـوق معنـاه، معنى آخـر، يتجلى بسبب المسنـد إليه: “الكـؤوس”، وبسبب الفعـل “جـرع”. نربط هذا بقـول

الجرجاني حين يتحـدث عن الاستعـارة فيقـول: »إنها تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر، وتجني من الغصن الواحد، أنواعا من الثمر«””
فالمنية لهـا كـؤوس، وإذًا، فقـد تحقـق معنى الامتلاك عنـد مالك مجـرد – المـوت – ينصاع لمالك محسـوس، أو مالك حقيقـي صاحب الصولة- فتصبح الكـؤوس في متنـاوله يتصرف فيها ويجرعها للأعـداء مع ما في التجرع من مـرارة البلـع وبطئـه، إمعانـا في التنكيـل، وطلبا للتصفية، وإنصافـا لأهل “لا إله إلا الله” الذين نعتوا بسيوف الله ، في مقطع سابـق. وفي هذا تأكيد على أن اختيار التعابير » لا يقع حسب مبدإ الخطاب المنطقي ولكن حسب مبدأ الخطاب المعبر «””.
وتشتــدّ بنيـة الحمـاس على صعيـد مقطـع آخـر، حيث تتعمـق الصورة في استجـلاء مـوقـف يمكـن أن نطلـق عليه مـوقـف: “المبـاركة”: » والآن، تهللت الـوجـوه، واستشرف الديـن الحنفي لما لـم يزل يرجوه، كأننا بالعزائـم لأداء حـق الله مصروفة، والصوارم على سبيـل الجهـاد، موقـوفة، والهمـم بأن تكـون كلمة الله هي العليـا مشغوفـة. «””
نتحسس دائما، توظيف معجم القوة:
ـ العزائم مصروفة.
ـ الصوارم موقوفة.
ـ الهمـم مشغوفة.
إنه نسـق ثلاثي، شكـل نشاطا استعاريا، وارتكز على دلالات ضمنية، سمحت بتركيب صورة أدبية منبثقـة عن خلـق مستـوى معين من المعنى، مستوى فيه إلحاح على تجسيـم معنى”المباركة”، وفيه إلحاح على تشخيص فعـل مصيري، تقـرر حين صرفت العزائـم نفسها، إلى أداء مقـولة الحـق، وحين أوقفت الصوارم حدّتها وشـدّتها على تطبيـق فعـل الجهـاد، وحين شغفت الهمـم بإعلاء كلمة الله ، فإذا بالصورة الاستعارية مـواكبة للسيـاق العـام، تجري مجـرى الصياغة الأدبية القـائمة على فعالية اللغة، والمبرزة لرؤية انفعالية، حركت “المادي” المتمثل في: (الصوارم)، وعمقت “المعنوي” المتمثل في: (العزائـم والهمـم)، لتنصهر في مقـولة التسامي التي يفـرزها السيـاق، ذلك أن »الاستعارة تعتمـد اعتمـادا قـويا على السيـاق، وإن الكلمات أو المـواقف التي تدخـل في بنـاء الاستعارة، تـأخذ، في ضوء فـاعلية الخلـق اللغـوي معنى جديـدا، ليس هو ـ بالضبط ـ معناهـا اللغـوي أو المعجمي. وأن سيـاق الاستعارة أو الانطباعات والارتباطات القـائمة حـولها، يـوسع مـدلول الكلمات الأصلي. «””

ونجـد مـدلـول الكلمات، في مقطـع آخـر، يفجـر بنيـة الحماس ، في تصاعدية، تصل حـّد الـذوبـان في الشهـادة: » فتعلـق به المسلمون، يخوضون غمـار الشهـادة، ويتزاحمون على مراتب المنية، ويسمحون في مبايعة الله بالنفـوس الزكية «””.
لقـد حظي حصن (ابن زهوة) المشار إليه في هـذا المقطـع من المقـامة الثانية عشر، حظي بكلف المسلميـن به، واستماتتهـم في الـدفـاع عنه، ويظهـر ذلك من خلال التصويـر اللغـوي القـائـم على نشاط استعاري بـارز، يهـدف إلى تحقيـق دلالات التزكية والمباركة فيصبح فعـل “الفتـح” للحصن تأكيـدا وتجلية لـرمز دينـي، يسمـو بالـذات إلى مرتبة الإقبـال على الاستشهـاد والانقطاع لإنقـاذ الحصن، حتى تكتمـل خيـوط الخلاص.
فـإذا بهـذه الذات منتشيـة، وفي خضـم نشـوتها، يتحقـق خلاصها بخلاص الحصن (يتزاحمون).
تخلص الذات إلى بارئها، متحمسة، متفردة بإدراكها العميق لمعنى “الشهادة” (مبايعة الله).
وبهـذا البنـاء، تكـون اللغة قـد خرجت عن مستـواها العـادي المألـوف إلى مستـوى التصويـر الأدبـي، وتتضافـر الأدوات المسخـرة فـي البنـاء، من لفظة مختـارة، وصـورة رامـزة، وأداء معيـن، أقـول: تتضافـر جميعـا لخلـق معنى يترجـم الـذات، ويفصـح عن التـوق إلى مثالية الاستشهـاد على نغـم طقـوس دينية، تشتـدّ حركتها، وتتكـاثف فعـاليتها فـي مشهـد آخـر من مشاهـد الحمـاس: »…وسـدّ ما بين الخافقيـن علـوّ كلمة الشهـادات، باختلاف الأصوات، وصكت الأسماع رعـود الطبـول، واستنجـز المؤمنون الصابرون من ربّهم ميقـات الوعـد المفعـول، فلا تـرى إلا هـاويا من ذرى شرفـة تخلفـه جمّة، أو شهيـدا تتراحـم على مواقـفه لمّـة، أو ثنية تفـرع، أو شعـارا يسمع… «””
نلمس في هـذا المشهـد نفحـات من بنيـة الحماس، تسـري عبر قنـاة تعبيـرية، تنبـئ عن دلالات القـوّة ورباطة الجـأش، وترسـخ مقـولة انشغـال الـذات، وتطلّعها إلى الأسمى في صبـر وأنـاة ، فبعـد أن دقّـت الطبـول، وهي إشـارة إلى اندلاع الهجـوم، سرى فعـل الجهـاد في العبـاد سريـان النّـار في الهشيـم، ويمكن اختزال المشهـد بهـذا الشكـل:
​استعداد فطري (ذات متحمّسة)

علو كلمة الشهادات باختلاف الأصوات ​ توثب جماعي
تحقيق الوعد

انتصار الذات المتحمسة انهزام الطرف الآخر

وننتقـل إلى مشهـد آخـر، حيث تتشكّـل بنيـة الحماس، من نفس إبـداعي، ينصهـر في لقطات استعراضية، ويفـرغ في قـوالب تعبيـرية، تسيـر على نمط الصياغة السـردية » ولعلنا لسنـا في حـاجة إلى التأكيـد على أن لكـلّ مبـدع طـريقته الخاصة، وأسلـوبه المتميّـز الـذي يتعـامل به مع الأدوات التعبيـرية التي يشكـل بـواسطتها هيكـل نصه الأدبي، الذي يمكنه من أن يقـول “المعنى” و”معنى المعنى” أو من أن يقـول “شيئا” ليقـول “شيئا آخر” هو الدلالة العميقـة أو الرؤيـة الفنية الثـابتة في النّص، والمـوحدة لمتغيراته «””.
فـإذا بنـا في هـذا المقطع، نتحسس المسرود في بنـاء حماسي متصاعـد: »فتضاعف بذلك يقينـهم، وازداد به على قتـال العـدّو حرصهم، وطابت على الموت نفوسهم (…) فشره الناس إلى العـدّو، وخفوا إلى حومة الحرب خفوفـا، لم يعطف فيه المتقـدم على المتأخـر، ولا انتظر المسرع لحـاق المتلـوم. «””
المسرود هنـا، بني على تلاحـق جمـل فعلية قصيرة التركيب، مكثفة الصورة، جعلت بنية التعبيـر حافـلة بشحنة من الانفعالات، مرتبطة بالسيـاق، في إطار من العمل الأدبي الذي » أعطي له الشكل، (…) وهذا الشكل ليس فقط شكلا فنيا، بل مصطنعا في افضل معاني هذه الكلمة «””
ويمكن إبراز بنية التعبير للمسرود في شكل جدول مبسط:
– مضاعفة اليقين.
¯
– الحرص على القتال.
¯
– الاندماج في الحرب.
¯
– الترحيب بالموت.
– الحافز النفسي.
¯
– شره الناس إلى العدو.
¯
– خفوا إلى حومة الحرب خفوفا.
¯
– طابت على الموت نفوسهم.
¬

¬

¬

¬

من هـذا الجـدول، ترصـد دلالتين:
علاقة طبيعية
دلالة الواجب
دلالة التلبية​
وبين ما يقتضيه الواجب، وما تسفـر عنه التلبية، تنشأ علاقـة طبيعية، تقـوم على التقـريرية والإيضاح، ونقـل الحادثة التاريخية بجزئياتها، ممّا يجعـل العلاقـة الطبيعية، تمتـدّ في بنـاء مماثـل يشتغـل على فعـالية الصياغة السلفية، حين تعالـج تلك الصياغة فعلا حماسيا، فتقتنص له من المعانـي ما شرف، ومن اللفظ ما حسـن: » ثـم ثنـوا الأعنـة، وللنصر لـواء

بكـل ثنيـة، وعلى كـل راية عنـاية ربانية، والوجوه بـادية السفـور، والخيـل دامية النّحور، والسيـوف موردة الخدود، والـرّماح مختصرة القدود، ومحابـر الكنـائن خـاوية من أقلامها، وسواد السوابـغ خالية بعـد ازدحامها . فالفتـح قـد فتـح لكم بـابه ، والنّصـر خوّلكم كتائبه ، وفي يـدكم كتـابه «””..
لعلنا لا نذهب بعيـدا، إذا نعتنـا هـذا المشهـد من المقـامة الخامسة عشر (في حصر حصن المرسى) ببـؤرة الحماس، والذي كان من مظاهـره تشابك العلاقة بين الذات المتحمسة، الراغبة في القتـال، وبين متعلقات القتـال، من ألوية ورايات، وخيـل وسيـوف ورماح، شخصت في مجموعها لتصبّ في دلالات القـوّة، وتجنـح إلى فضـاء أرحب، يرمـز إلى تكثيف مقـولة الحـق بواسطة تسخيـر عبارة: » وعلــى كـل رايــة عنايـة ربـانيــة «
فالسمـاء تبارك فعـل الفتـح، وتضمن له الحفظ ، وتتكفـل بتحقيقـه، وما الخيـول وما السيـوف الموردة الخـدود (بالدماء) والرّمـاح المختصرة القـدود (بسبب تتابع الطعن) ما هذا كله إلا صور منتزعة من فضاء صاخب، يعـجّ بالحركة، ويزخـر بالتصادم بين النقيضين: التوحيـد، التثليت.
إنها الذات المنطلقة من رمـز ديني في مواجهة مشروع دنيـوي، يتشبث بما ليس له، ويدعي ملكا ما لغيـره، في مراوغة مصيرية، قـائمة على ثنـائية فرعية: الموت/الحياة، والناتجة عن ثنائية أصلية: الحـق/الباطـل.
وعن هـذه الرباعية، تمخضت بنية الحماس كأحد المكوّنات البانية، في كتاب التحفة المرضية، حيث كان التركيـز على دلالات القـوة والمواجهة وارتشاف المـوت عن طيب خاطر، ورحابة صدر، مما يسبغ على بنية الحماس في المقـامات بعـدا أعمـق، إنه الإيمـان “بقضية” فجّـرها رجل يدعى “محمد بكداش”، وبتفجيرها برزت دلالات روحية وجدانية، وكأن التطلع إلى الحيـاة لا يكـون إلا بعبور جسـر الموت، ومن ثـم فمرحبا بموت يـأذن بميلاد جـديـد.
وفي محاولة أخرى لرصد بنية الحماس ، نلمس صورة حافلة بالحركة المتجدّدة والمشاهـد المتتابعة في تنـاسق داخلي ، مفعـم بجـوّ الحبور: » وقفـل وأَلْوِيَة النّصر عليه خـافقة ، وأسـواق الظهور نـافقة ، وألسنة الشكر والحمـد نـاطقة والظنون في فضله الصادق / صادقة «””
نخلص إلى أن بنية الحماس ـ إذن ـ قـد تشكلت من جمل قصيرة في معظمها، واعتمدت المجال الاستعاري حيث» يأخـذ الاستعمال الاستعاري أهمية خاصة (…) بما يحـويه من قـدرة ابتكارية على تجـاوز المواضعات المألـوفة، إلى خلـق مواضعات جـديـدة«”” كما تشكلت من دلالات متشابكة الصلة فهناك استعـداد فطري، وتعطش للقتـال، ثـم تطبيـق فعلي، وأخيرا فـوز بالمبتغى.

وقـد أدى هـذا التشابك إلى أن »تتآلف الصلة بين المدلولات، فلكي تكـون الجملة ذات معنى، لا يكفـي رصف كلمات مأخـوذة من قـاموس أخـذا عشوائيـا «””
وإنما المعـول على كيفيـة البنـاء وانسجامها مع الدلالة، الواردة في السيـاق، باعتبار السياق »حصيلة استعمال الكلمة داخل نظام الجملة متجاورة وكلمات أخرى، مما يكسبها معنى خاصا محددا «””.
نخلـص إلى القـول إن بنية الحماس، كغيرها من البنى الأخـرى، المتفرقة على مساحة المقـامات عند ابن ميمون قـد حظيت بنـوع من الترابط ، بين الجمل المتآلفـة في مستـوى سيـاقـي تشكّل» انطلاقا من توفيـر نوع من الربط المنطقي بين وحدات النص…«”” وكيف لا والمقـامات في كتاب التحفة استفـردت بموضوع السيـرة الذاتية لرجل دولة، والتقط مؤلفها الأحداث مراعيا مقتضى الحـال، وما يفرضه المقـام من المزاوجة بين الجانب الدلالي والجانب البنائي، وذلك لأن » كلّ لغة إنّما هي حصيلة نـوعين من الضغوط : ضغوط الدلالة، وضغوط الإبلاغ «””.
ومـن بنيـة الحمـاس، التي حاولنـا تقصيهـا في مقـامات ابن ميمون، نعبـر إلى بنيـة أخـرى، تخللت بعض المقـامات في كتاب التحفة المرضية، إنها بنية التنـديـد، فما هـي هـذه البنية؟ ومـمّ تشكّلت؟
2- بنية التنـديد
إن تحمس الناص لفعل ،إنما كان نتيجة استيائه من فعل مضاد ،فإذا به يصطنع بناء تنديديا، يقوم على التعريض بكل ما فيه مساس بالسلطة الفاتحة. ويقوم أيضا على فعل التحامل الموزع على المواقف المتسببة في تعطيل ” الفتح” أو عرقلته. وعلى هذا الأساس تجسدت بنية التنديد في مقاطع، تحفل بمعاينة الواقع، وتأسست على نمط سردي، وفي ثوب مجازي، يخدم تقنية الانتقال من مشهد إلى آخر: » فلمّا عزم البـاغي عنـد الصّباح على الدخول،سمـع زعيـق المـدافع ونقـر الطبول، فبقي بـاهت البصر، ولم يشعـر بالخبر، إلى أن وقـع له طلب إصاره إلى الاعتقـال (…) ففرّ فرار الانس من الخائف وسرى إلى ” القليعة ” سري الخيـال الطائف«””.
يختصّ بنـاء التّنـديـد في هـذا المشهـد ، بالدّاي المتقـدّم والمدعو: “الحاج مصطفى أهجي” والذي تولّى السلطة سنة 1112هـ/1700م، وعـاث فيها فسـادًا كما يفهم من لفظة “باغي” في النّصّ، وكما يفهم من عنوان المقـامة بَلْهَ النّصّ، حيث بني العنوان نفسه على تلاحق مدلولات تمهّـد لبنية التنديد: ” في توليته على تقسيم خبز العسكر وكيف نزع الظالم

حين طغى وتجبّر ” ظلـم وطغيان وجبروت، ثلاثية كافية لهيكلة بنية تنديدية. وبعد هذا المشهد ـ الفردي ـ إن صحّ التعبير نتحسّس مشهدًا آخر، يقـوم على بنـاءٍ تنديدي في صورة جمعية: »وكان بنو عامر، أوّل من دخل تحت بيعتهم من المسلمين، عليهم ما يستحـقـون من الخـزي إلى يـوم الديـن، أمّة لا تعقـل رشـدها، ولا تجـري إلى ما تقتضيه نعـم الله عندها ولا تقـلع عن أذى تفشيه قـربا وبعـدا جهـدها، فصاروا لا يرعون لجار ولا لغيره حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمّة، قـد أعماهـم عن مصالحهم الأشر، وأضلّهم ضلالا بعيـدا البطـر، ونبـذوا المعروف وراء ظهـورهم، وأتـوا ما ينكر مقتـديـا صغيرهم بكبيرهم، وخاملهم بمشهورهم، ليس فيهم زاجر، ولا منهم إلا غـاوي فـاجر، يعزون الكافـر على المسلمين، ويغزونهم به في كلّ كمين. «””
عند تأمّـل هـذا المقطع من المقـامة التاسعة، نكتشف بنية تنـديـدية، تصل مداها، وتنبعث من استعمال لغـوي مكثف لألـفاظ الخـزي، ولعبارات الاستنكار، يقـذفـها ابن ميمون في وجه (بني عامر) بسبب تواطئهم مع الإسبان، وتصل دلالات الاستنكار أوّجها، فتتقمّص صيغة الدّعـاء على (بني عامـر)، فهـم مجمّع الرذائـل، وعيـن النقـائص، يظهـر ذلك من خلال تعـاقب الصفـات بتوظيف الأفعـال ومـا في حكمها كأسماء الفـاعل:
* أمه لا تعقل رشدها ¬ استصغار لشأنها.
* لا تقلع عن أذى تفشيه ¬ بصمة عار في جبينها.
اللاإنسانية
* لا يرعون لجار ولا لغيره حرمة
* نبذوا المعروف وراء ظهورهم​​​

سوء المعدن.
* أتوا ما ينكر، مقتديا صغيرهم بكبيرهم
* ولا منهم إلا غاوي فاجر​​​
* يعزون الكـافـر على المسلمين ¬ الخـذلان.
نضع أيدينـا في بنية التنـديـد هــذه، على مفـردات منتقـاة، وموظفة في بنـاء موزع على فـواصل، تطبعها امتدادات أسلوبية نـاتجة عن ذلك التقـارب المعنوي بين الأفعـال من وجهة زمنين مضارع وماض في سيـاق دلالي موحّد:

* لا تعقل
بنية النفي
المحملة بدلالات السلب.
* لا تقلع
* لا يرعون​​

* ما ينكر
بنية الإثبات
دلالة الدناءة.

• نبـذوا
* أتـوا​

ونتعقب جـوّ البنية التنـديـدية في مقطـع آخـر، من مقـامات كتاب التحفة، فنجـده كالآتي:» والعـدوّ في أثنـاء هـذا ـ حسبما نتعـرفـه من ألسن أسراره ـ مجتمع بالمـدينـة، يتقـلب بين لهيـب الحنـق وجمـاره، وقـد بثّ تلك الأمّة المتلاحقة إليه من إسبـانية بين أسـواره، ووحـد لها ارتقـاب أمـره، وانتظـار أخباره، ولا شك في أن هـذه القـروح، يصيـر وخـزها إلى قلبه،وتثيـر نكاياتها من عرقوبه، وبالله تذرؤ في نحره، وبحزب الله نستعين على حزبه، وبربّنا ـ تعالى ـ نستظهـر على ربّه المنصوب وإلهه المنحـوت. «””
نلاحظ أن هـذا المقطـع، مبنين على عرض غليـان الإسبـان، وهـو غليـان نستشفـه من تـوظيف لفظـي: “لهيب-جماره” حيث استعملتـا من بـاب التعبيـر المجـازي لنقـل صورة ذهنية، تتـوافـق ونسيـج التنـديـد الذي تسيـر عليه بقـية المقطع، ذلك أن »جدلية الاستعمال ترضخ عناصر اللغة إلى تفـاعـل عضوي بموجبه تنـزاح الألـفاظ تبعـا لسياقـاتها في الاستعمال عن معانيها الوضعية. «””
وقـد لمسنـا تـوسلا شديـدا إلى توسيـع دلالات الألـفاظ في البنـاء الآتي:
* القـروح يصير وخزها إلى قـلبه.
* تثيـر نكـاياتها من عرقـوبه.
* تـذرؤ في نحـره.
* ربّـه المنصوب وإلهه المنحـوت.
الظاهـر أن بنية التنـديـد، اقتضت الخروج على المتواضع عليه من التعابيـر، وانتقـت ما من شأنـه أن يخلـق وظيفة تـأثيرية وأن يحرك دلالات الاستنكار، ضدّ من كـان عنصر أذيـة لغيـره.

1. حزب الله

رمز روحي
فما القـروح والوخـز؟ وما النكـايـات؟ إنّها ترجمان البـلاء، الـذي استفحـل بسبب الطرف المغتصب إبّـان فتـرة الاستيلاء على أحـد الحصـون، (حصن ابن زهوة) وبما أن هـذا الطرف المغتصب شكـل رمز أذية، فقـد وجب أن ترتـد الأذية إليه، وأن يرجع كيـده إلى نحـره، فيحصل تمكيـن المعنى بواسطة علاقـات داخـل بنية مقطع التنـديـد، وهي علاقـات تقـوم على كشف دلالة الصراع بين التوحيـد والتثليت، بين الحاصل الملموس، المجسـد،

والمنتظر الغيبي المحسوس، وكلاهما في تنـافس، شكلت اللغة مسرحا له، فتهيـّأ للبنـاء ـ في ظله ـ تلاحـق في الصور، واتسـاع في الدلالة ، يعكس واقعـا، وينمي بعدا ، ويطرح قيمـا تسير وفـق رؤية دينية، نختزلها بهذا الشكل:
حزب الله
رمز روحي

جبروت

مالك الأرض ووارثها

• ربّه المنصوب
• إلهه المنحوت
2. رمز مادّي

3. الثبات

4. هيمنة مؤقتة

5. انكسار أكيـد​
​​
اللاشرعية

​​​​
وبين الـروحي والمادي، تنمـو بنية جـديـدة، تستلهـم تماسكهـا مـن شرعية المطلوب، والمطلوب هو “الخلاص” فما مـوقـع بنية الخلاص من سائـر البنى الأخـرى في مقـامـات ابـن ميمـون؟
3- بنيـة الخـلاص
ليس من المستغرب في مقـامات ابـن ميمون أن تنضـم “بنية الخلاص” إلى بنيتي الحماس والتنـديـد، لتشدّ أزرهما في بـوتـقـة سلسلة الأحـداث، وتشابـك العلاقـات، فـإذا بهـذه البنى: (الحماس، التنـديـد، الخلاص)، تـرفـع الحجـاب عن مرجعية بنـائية تخـدم دلالة “الولاء” لرجل ـ هو محمد بكداش ـ خلـق التحوّل، وانتزع الحلـم بشرعية الفتـوحات المتعـاقبـة، فكانت أوّل بنية للخلاص في كتاب التحفة، هـذا المقطع: » وكان هذا الفتح عشية عاشر جمادى الأخير في السنة المذكورة، وبـاء المؤمنون بشفاء الصدور وسرور القلوب، وقـرّة العيون، وقـد علموا أن الله أحيى للأخذ بثـأرهم من لا ينـام عن الأمة، ولا يصانع في رعي الذمة، وجاست خيـل من أحواز وهران الجوّ الذي لم يطرق في غير هذا الوقت حماه، ولا عرف اسمه، فضلا عن مسماه، حتى لاذ فـرسان النصرانية والمنتصرة ـ على وفور عـددهم ـ بالأسوار، وطارقـتهم الغـارة الشعواء ببـاب الدار«””.
تتجاذب “الخلاص” في هـذا المشهـد صورتـان أولاهما مرتبطة بدلالة الاطمئنـان والاستبشـار، والثـانية منهما مرتبطة بدلالة الخـوف والهروب، ووجود الصورتين، شكّل ثنـائية ضديـة بين فعـل الاطمئنـان، وفعـل الهـروب، وما بينهما من مسافـة، يقـربها التنـاول المجازي لأثـر الفتـح في النفـوس، فالفتـح شكّل بلسمـا أشفـى الصدور، والـداعي إلى هـذا

الفتـح، ـالذي هـو رجل الدولةـ استـوفى حقّـه من النعـوت العالية: ” لا ينـام عن الأمّة، ولا يصانـع في رعـي الذمة ” إذ في هـذا الوصف إشارة كنـائية، إلى مواقف المنعوت ـ رجل الدولة ـ وتيقظه فيما يخصّ شـؤون أمته وانهمـاكه في توطيـد أركـانها.
إنه رمـز الخلاص ، خلاص أراده الله فجعـل أسبـابه في يـد المنعوت: “وقـد علموا أن الله أحيى للأخذ بثأرهم من لا ينـام عن الأمة …” فعلان ماضيان
(علمـوا ـ أحيى) يفيـدان التحقيـق واليقيـن، متبـوعـان بفعـل مضـارع
(لا ينـام) يفيـد التـأهب المستمـر، فنخرج بنتيجة فحواها:
إرادة الله:​تَجَسَّدَتْ في​ ​توفير السبب
​​​​ ​ ¯
إرادة مثلى​​​ كفاءة الفـاتح

من هذا المنطلق، تتخـذ الصورة الكنـائية في هـذا المقطع، بعـدا أعمـق، يتمثـل في البنيـة الداخلية المتماسكة، حيث تتجمّع المعطيـات لتسبغ على بنية الخلاص جنـوحا إلى الإثبـات، ومن ثـمّ، كـانت فـاعلية البنـاء المجازي رامزة إلى إثبـات صفـة التيقـظ لهـذا الذي ” لا ينـام عن الأمة …” ويعـزز هـذا الإثبـات ما جاء بعـده، وفي السيـاق نفسه: “جاست خيل الله من أحواز وهران، الجو الذي لم يطرق في غير هذا الوقت حماه، ولا عرف اسمه فضلا عن مسماه…”
نستشف الحرص والاستقصاء المفهـوم من فعـل (جاس) حيث تكتمل صورة التيقظ بتسخير الخيـول لتقتحـم المستحيـل ولتغـزو الأحواز الوهرانية، بقـوّة بـاهـرة، مدمّـرة، لـم تتـوقعها الأحواز، ولـم تمـرّ بخلـد مغتصب الأحواز.
فإذا بمشهـد آخر ، يجلو فعـل الظفـر ويكثّف بنية الخلاص: »ولمّا ظفـر أمير المـؤمنين ببطلهم ومقـدامهم ، وأخذهم بنواصيهم وأقـدامهم وعـاقبهم على جرأتهم وإقـدامهم ، جعلهم جميعًا في مركب «””.
ونتحسس بنية الخلاص في مقطع آخر فنجدها مؤسسة على نسيـج تصويري تخللته حياكة مجازية: » وكان يـوم هـذا الفتـح يـوم زينة، رفعت الأصوات بذكر “لا إله إلا الله” بوقـار وسكينة (…) وحيث يسّر الله تعالى بفتـح هـذه القـلعة المنيعة، والهضبة الرّفيعة، سفـرت الفتـوحات عن غررها، ووضعت أنبـاء النّصر على صفحات السيـوف وطررها، واستبشرت الأرض بوابل مطرها، وظفرت النفوس بأقصى وطرها «””.

حَـدَث الفتـح، جعـل الدلالة تتّسع، و» تعـدّد الدلالة لا ينبـع من الكلمة في حدّ ذاتها، وإنمّا من ارتباط الكلمة بكلمات قـريبة أو بعيـدة«””. يوحّدها السيـاق، وينشئ بينها علاقـات تستوجب التفـاعل، وتتمظهر في معجم مفعـم بالحركة والحبور:
ـ يـوم زينة.
ـ سفرت الفتوحات عن غررها.
ـ وضعت أنباء النصر على صفحات السيوف.
ـ استبشرت الأرض بوابل مطرها.
وكأن هـذه الأخيرة في مـوقـف تعـاطف مع حـدث “الفتـح” وقـد لا نذهب بعيـدا إذا فهمنـا أن المعنى أعمـق وأوسع من مجرّد تعـاطف، إنّه مباركة السّماء لحدث “الفتـح” في صورة تجسيـدية، جعلت من الأرض كائنـا حيّـا، يعتريه شعور الاستبشار حال حصول الدافـع إلى هـذا الشعور.
وقـد كان لهـذه الحياكة المجازية، ارتبـاط بما قبلهـا، حيث ذكرت السيـوف وألحقت بها الصفحات، وكأنّمـا دوّنت على هـذه الصفحات أخبار الفتـح، وإنَّما ذلك من بـاب أن السيـوف شاهـدة على حدث الانتصار، بل إنّها هي التي وقَّعَتْ هـذا الانتصار، فكانت البصمة بمثابة خبر مكتوب جرى على صفحات مميزة ، صفحات الطعان والمنازلة، وبهـذا تكـون الصورة ناقـلة لخصيصة التفـاعـل بين ما هـو مادي ملموس، وبين ما هـو معنوي محسوس. و» المعاني إذا وردت على النفس، هـذا المورد، كان لها ضرب من السرور خاص، وحدث بها نـوع من الفـرح عجيب، فكانت كالنّعمة لـم تكدّرها المنّـة، والصنيعة لـم ينغصها اعتـداد المصطنع لها «”” وتستهوينـا بنية الخلاص، فنترصدها في مقطع آخر: »ثم علت فـوق الأبـراج رايات الإسلام، وارتفعت كلمة التوحيـد، وتناول تماثيله التدمير، وأنزل ناقوسه إنزال التهوير، وجلب به على المسلمين عوارق الفتح المبين، وفـازت يـد الإسلام من هـذا المعقـل العزيز عليه بقـرار القلـوب وقـرّة العيون، وشفى منه داء عضال، وكفى بـلاء لا يطاق «””.
نجد بنية “الخـلاص” في هذا المقطع، قد قامت على ثنائية ضدية: الانتصار/الانكسار، فلم يكن المسرود مقتصرا على تصوير مظهر “الخلاص”، وإنما قـوبل بصورة الانكسار عند الطرف المهزوم، فاعتلاء الرايـات للأبراج، قـابله تدمير التماثيل، وارتفـاع الأصوات بالتوحيد، قـابله إنزال النـواقيس: صورتان تشكلان ضدية مطلقة، يتمخض عنها استئصال لوضع شاذ، استفحل زمنا، فغـدا كداء عضال، إذا سرى في عضو، كان علاجه البتر ليس إلاّ. وعلى غرار هذا المقطع، يبرز “الخلاص” في صورة مكثفـة لمظاهر الاحتفالية””:

»فوقع هذا الفتح المبين، عند استشراف النفوس إليه، بتمالؤ الصالحين عليه، ومن حينه انتشرت به في الأقطار البشائر، خصوصا لثغـر الجزائـر، فكان يوم عيد، وسرور جديد، وطرازا على الحلة السيرا، وتماما للنعمة العظمى… «”” يصور هـذا المقطع من بنية الخلاص، استفتاح مدينة وهران حيث اشرأبت النفوس إلى تحقيـق الحلم، أمّا وقد تجسّـد الآن، فلا غَرَوْ أن تهتـز البلاد، ويهتز العباد (تمالؤ الصالحين) وقد لاحت البشائـر، تأذن بميلاد جديـد، يكتسي الطقوس الاحتفـالية المعتادة في الأعياد، كارتداء الجميل المنتقى، وتبـادل التهاني المشار إليه في مقطع آخر: »ترادفت بهذه الفتـوحات التهنئـات، وفرعت بالبشائـر الثنيات «””.
وخلاص ـ كهذا ـ سخرت لتحقيقـه الأرواح والعتـاد، ولـم يبخل عليه بما من شأنه التعجيل بإدراكه: » أصحب العسكـر عجلات تحمل أنفاطا وآلات، من أنـواع السيف والسهـم، ومواعين النقب والهـدم، إلى الحصاصيد، والسلاليم، والفـؤوس، والقواطيع….«””
أقول: خلاص بهذا الشأن، لا بدّ أن يحظى بنـوع من التقـديس، يرتقي إلى مستوى طقـوس روحية تباشر أمام الملأ: »اجتمعت الخلائـق من كل فـجّ عميـق، لميعـاد لقـائه، وبرزت المخدرات لزينة صعوده في سماء الفتح وارتقـائه، والسكك له بالأوقـار قـد ضاقت، والأيدي قـد حملت فوق ما أطاقت، والمناصل قـد نهـرت وراقت ونقمة الله بعـدوّه قـد حاقت «”” إنها “الاحتفـالية” التي بلغت مداها بتجمع الناس، وإسراعهم إلى اللقيـا، والتهنئة، اللقيـا لملء العين، وإنعاش الروح، التهنئة بتقـديم الهدايا (الأوقار) كأحـد الطقوس الواجب تـأديتها في مثل هـذه المناسبات، إنّها الممارسة الفعلية النّـاجمة عن الشعور بالخلاص، خلاص لـم يكن ليكـون، لولا حصول بنيتي: الحماس، التنديـد … لذلك يمكن جمع الثلاث بنى في هـذا الشكل:
الحماس

التنديد​​​​​​الخلاص

بهذا الثالوث، أكون قد تعقبت البنى الولائية والتي شغلت مساحة نسبية من متن المقامات في التحفة، وهي بنى متآزرة، ناجمة عن التحمس لفعل، مقابل التنديد بفعل آخر، ليتشكل فعل ثالث (الخلاص) فيتساوق مع ما سبق في نسيج بنائي له علاقة بِبُنَى لاحِقة، سأحاول معالجتها في الفصل الرابع من هذا البحث.

الفصل الرابع: البنية اللأسلوبية

تمهيد
1 ـ التضمين والاقتباس
6. 2 ـ الاستعارة
3 ـ التشبيه
3 ـ نظام الفواصل

من المعهـود في المقـامـات أنّها »عمل فنّـي، مصمَّـم يـؤدّي غـاية بعينها، ويتقيـد بأصول فنيّـة محـدّدة«”” و قد تموضعت مقامات التحفة على ناصية خواص أسلوباتية، لا هي تتأتـى في النثر العادي ولا هي ترقى إلى مستوى المنظوم الشعـري، وإنما نجدها قد حيكت وفق نسيج أسلوبياتـي يتصيد التركيـب الفني في أقصى مظـانه ويتوسل سبلا إبداعية من شأنها أن تؤرجح الأثر الأدبي على ميزان التأويل، الذي سيجـر – حتما – إلى استنطاق النص ومحاولة فك دلالاته رغم الانحرافات التي قد يتعمدها الناص لحظة الخلق الفني . تلك الانحرافات التي» هي في الواقع نتاج براعة استخدام المادة اللغوية المتوفرة، وتوظيفها الذكي للإمكانات الكامنة في اللغة. «”” وهو توظيف يجنح بالمتلقي إلى تمثل نسق تصوري انبنى على مكونات أسلوباتية، توزعت على رقعة مقامات التحفة، وِفْقَ سُنَنٍ خاصة في التصوير والتشخيص.
وقد اخترت من هذه المكونات الأسلوباتية لمقامات التحفة: التضمين و الاقتباس، الاستعارة ،التشبيه، نظام الفواصل. وهو اختيار له ما يبرره، إذ تعتبر هذه المكونات بنى بارزة في التشكيل الجمالي لمقامات التحفة، بالإضافة إلى بنى أخرى مهيمنة ،سأحاول مدارستها في البنية الإيقاعية بعد هذا الفصل مباشرة.
1 ـ التضمين والاقتباس
من المعهـود في المقـامات، تحليتها بالأشعار المختلفة، وركونها إلى التضمين والاقتباس بنسب متفـاوتة، وقـد لمسنا في مقـامات ابن ميمون بـاقة من الأشعار مجدت في معظمها شخصية الداي محمد بكداش، وأشادت بالفتح العظيم لمدينة وهران، حتى أن عـدد الأبيات الشعرية في هـذه المقـامات، قـد بلغ سبعمائة وخمسة وتسعون (795) بيتـا، ممّا جعـل محقّـق كتاب التحفة المرضية، يقـول في معرض حديثه عن مزايا الكتاب: »ميزة القصائد الشعرية والأراجيز التي أودعها كتابه، وهي وحدها تصلح أن تكون موضوعا لرسالة جامعية، لا سيما أن أغلبها أنشد ونظم من أجل الجهاد لإعلاء كلمة الله، وانتصار المسلمين على من غصب أرضهم واستنقص قوتهم، من أولئك الإسبان الذين سوغت لهم أنفسهم أن يستعبدوا العباد، ويستعمروا البلاد«””.
وفيما يلي جدول للمادة الشعرية التي عزز بها ابن ميمون مقـاماته مع الأغراض التي عالجتها وأسماء الناظمين :

اسم الناظم
موضوع الأبيات
عدد الأبيات
رقم المقامة والصفحة
سيدي قاسم البوني.
الولع بالفتى
02
المقامة الأولى :118
أبو بكر محمد بن أحمد بن دحيم الأندلسي.
مدح من آلت إليه السيادة وتحذيره من المتملقين.
15
المقامة الثانية:
120-122
أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري.
عتاب رقيق
14
المقامة الثالثة :
124-126
أبو العباس أحمد ابن الشيخ سيدي قاسم الملقب:بابن ساسي البوني.
الإشادة ببكداش، وتوجيه الأنظار إلى “بونة” المظلومة.
-شيء من الحكمة والصلاة والسلام على النبي.
أ-88.
(أرجوزة)
ب-34 بيتا
(قصيدة)
المقامة الرابعة:
128-132
و:133-134
أ-السمؤال بن عاديا اليهودي
ب ـ الاسم غير وارد
-الضرر ليس في القلة.
-تمجيد بكداش
03
المقامة السادسة :
139-140
ابن أبي راشد
ـ التهنئة المقرونة بالمدح والدعاء
20
المقامة الثامنة :153
إبراهيم القنيلي.
-التهنئة المقرونة بالمدح
45
المقامة الثامنة :
155-161
إبراهيم القنيلي.
– المدح
– المقرون بوصف الطبيعة
– وبالشكوى
71
المقامة الثامنة :
162-166
إبراهيم القنيلي.
– مقدمة غزلية.
– تعداد شمائل الممدوح.
31
المقامةالثامنة:
166-169
أبو عبد الله محمد بن محمد القالي.
-الدعاء للممدوح مع ذكر صفاته.
13
المقامة الثامنة :
172-173
أبو عبد الله محمد بن محمد القالي.
الاعتراف بالتقصير في المدح.
02
المقامة الثامنة :
173
أبو عبد الله بن محمد القالي.
ـ الاستعطاف.
02
المقامة الثامنة :
174
أبو عبد الله محمد بن أحمد البونى.
– الدعاء وصفات الممدوح.
05
المقامة الثامنة :
175
أبو عبد الله محمد بن أحمد البوني.
-الضراعة إلى الله
-تقديس “بكداش”.
16
المقامة الثامنة :
175-176
ابن يوسف الجزائري.
– مظاهر الفرح بقدوم الممدوح.
– وصف العسكر بقيادة “أوزن حسن”.
-الدعاء لصاحب الشأن: بكداش.
40
المقامة الثامنة :
177-180
ابن عبد الله محمد المستغانيمي.
– الشكوى.
-استسلام وهران للقائد الممدوح.
– الدعاء.
28
المقامة الثامنة :
181-184
أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله الجامعي.
– الغزل
– تمجيد الجنود.
– الإشادة ببني عثمان.
– وصف الطبيعة.
– ذكر الفتح.
60
المقامة الثامنة :
187-196
أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله الجامعي.
مدح السيرة البكداشية وعرض شمائلها.
38
المقامة الثامنة :
199-202
ابن آقوجيل
-أحوال القهر.
-دعوة الأمير إلى إعلان الجهاد.
-مأساة وهران قبل الفتح.
-الدعوة إلى الاهتمام بالعلماء.
-الدعاء للممدوح.
70
المقامة التاسعة :
205- 209
أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن ابراهيم المشهور بلقب: “القرومي”.
-حال وهران.
-التحريض على الغزو.
-الصلاة على النبي ورهطه
09
المقامة الثالثة عشر :
230 – 231.
أبو عبد الله محمد بن محمد الثغيري
-فتح وهران.
-التذكير بماضيها.
-ذكر بكداش وصهره.
-الصلاة على النبي.
18 (أرجوزة)
المقامة الثالثة عشر :
234-235
أبو الوفا مصطفى.
-فتح وهران.
-المطالبة بانجاز الوعد.
-الصلاة على النبي.
13
المقامة الثالثة عشر: 237
أبو عبد الله بن يوسف
-مدح بكداش.
-مدح العسكر.
-محاصرة العدو.
-عودة وهران.
44
المقامة الرابعةعشر: 239
أبو عبد الله محمد بن أحمد الحلفاوي
-مدح بكداش.
-التجهيز العسكري.
-الإشادة بأوزن حسن، والداي:باي مصطفى (أبي الشلاغم).
-فتح برج “العيون”.
-قلعة مرجاجو.
-حصن (ابن زهوة).
-البرج الأحمر.
-الصلاة والسلام على النبي.
72
المقامة الخامسة عشر :249-259
محمد عبد الرحمن المغربي.
-التهنئة بالفتح.
-حال وهران بعد الفتح.
-مدح الجيش.
30
المقامة الخامسة عشر :260-261
محمد بن ميمون.
-التهنئة بالإياب.
-التذكير بعظمة الفتح.
10
المقامة السادسة عشر :263-264
إلى جـانب هـذه الأشعـار، التي احتـوتها المقـامـات في كتاب التحفة، على سبيـل التضمين، فإنّنـا وجـدنـا قطعـا نثـرية في شكـل رسائـل، دوّنها أصحابها بغرض الإشـادة بمن آلت إليه السيـادة، من ذلك مثلا رسالة من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الشهير بالقرومي، على لسان والـده: » الأمير الذي شهدت بإمامته أبـرار الرّجال، ووجبت بيعته وطاعته علينا في جميع الأحوال، فقمنـا لله في نصحه بالدّعـاء له بالنّصر والرّشد في الأقـوال والأفعـال، إمام المسلمين، وخليفة رسول رب العالمين «””
وهناك من دوَّن رسائله لغرض مـزدوج، يجمع بين إعلان الـولاء، والشكوى من تقـلبات الـدّهر، نذكر ـ على سبيل المثال ـ أبا عبد الله محمد بن محمد القـالي والذي كان مريضا: »… ومع هذا فمولانا ـ أدام الله به الاستعادة وبلغه في الدارين غاية المراد ـ جدير بأن يقال في أعظم من هذا، ولكن شدة الألام، وسوء آثارها، منعني من الاسنبساط في الكلام على أني أقول من كبد معلول شعرا… « “”
ونذكر أبا زيد عبد الرحمن بن عبد الله الجامعي بمقطع من رسالته » (…)وبعد فإنه لمّا أطلعني الانتقال المعذور في فلككم السعيد، وأجلسني السعي المشكور، من بساطكم الرفيع غير بعيد، وجب علي ما يجب لأمثالكم على مَن فَتَق الله لسانه بالبيان، وملك تصريف أعنّة الفصاحة بالبيان فأنشأ هذه القصيدة التي اشتملت على النزر من ثنائكم الجميلة أوصافـه (…) وسأشفعها ـ إن شاء ـ بكتاب، ولو وسعني القـدر لكان ممّا ينوء بالنوق ذوات الأقتاب (…) وهـا أنا لا منزل آوي إليه، ولا مـال أعول عليه، وإن نظرت إلي بعين الرحمة، فلا أمسي إلا أغنى هذه الأمة، أبقاكم الله محط الرّحال، ومنتجع الآمال «””وعزز ابن ميمون مقاماته بالاقتباس من القرآن الكريم، ومن المعلوم أن » الاقتبـاس من القـرآن الكريـم أوّلا، ثـم سائـر الآثـار الأدبية على اختلافهاثانيـا، خاصية من خصائص أسلـوب المقـامات «”” فهو »سنّة من سنن العرب في القول «””.
وبعملية جرد بسيطة، يمكن حصر الآيات المقتبسة على هذا الشكل:

عنوان المقامة ورقم الصفحة التي حوت الاقتباس
رقم الآية
اسم السورة
المقْتَبَس
“في تغريبه من الجزائر ورجوعه إليها بقدر الحكيم القادر”: 138.

14
الفجر
“إن ربك لبالمرصاد”
نفس المقامة: 139
160
آل عمران
“إن ينصركم الله، فلا غالب لكم،وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده”
“في حصر حصن العيون وكيف استفتحه عنوة المسلمون”: 214
102
هود
“وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة
“في استفتاح مدينة وهران وكيف صار عز الكفرة إلى الهوان”: 228
48
الزخرف
“وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها”
“في استفتاح برج الأحمر والجديد، وكيف ألقوا لأبي الفتوح المقاليد”: 239
43
الأعراف
“وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله”
في حصر حصن المرسىوكيف افتتحه المسلمون وزال باختتامه الأسى: 248
13
الصف
” نصر من الله وفتح قريب”
إلى جانب هـذه الآيـات المقتبسـة اقتبـاسا حرفيـا، نجـد ابن ميمون قـد لجـأ إلى إجراء »تعديلات على الأثـر المقْتَبَس ، فلا يبقى منه إلاّ بعض الملامح الدّالّة عليه«””، كقوله مثلا: » وإذا خط واستعمل المد والمط، والبري والقط، فالوشي المرقوم، واللؤلؤ المنظوم، والزهر المنضود، والطلح المخضود، والظل الممدود.. «””
نلاحظ أن صاحب المقامات قـد ركب سجعه الأخير من النص القرآني المعروف: )في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود( الواقعة: 28-29-30.
وفي مقامة أخرى، ورد قوله: »فكأن الولد هزته زعازع الأشواق إلى تلك المواطن التي خص الله بها رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه«””

ففي هذا إشارة إلى قوله تعالى: )من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من فضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا( الأحزاب 23.
وفي المقامة نفسها، نلمس تعديلا آخر في بنية الاقتباس في قوله: » وعلى هذا المهيع كانت مجالس وعظه، المتعطشة إلى الحكمة المتجافية الجنوب عن المضاجع اعتلاقا بوراثة من خصه الله بالعصمة… «””
فعبـارة: (المتجافية الجنـوب عن المضـاجع)، مقتبسة من قوله تعالـى: ) تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون.( سورة السجدة، آية: 16.
ونتعقب بنية الاقتباس، فنجد في مقامة أخرى”” قول ابن ميمون: » ولما أطلقوه مكثت الظلماء هنيئا، فانقشعت عن مثل مرأى الظمآن للسراب حتى إذا جاءه لم يجده شيئا «
فـفي هذا المقطع، إشـارة إلى قوله تعالى: }والذين كفروا أعمالهم، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مـاء حتى إذا جاءه لم يجـده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب{. سورة النور، الآية: 39.
ومن الملامح الدّالة على بنية الاقتباس أيضا، ما ورد في آخر المقامة الخامسة””: »وبقوا كأنّهم مقَرَّنون في الأصفاد « فقد وردت العبارة ـ مع تغيير في الحركة الإعرابية ـ في قوله تعالى : } وتـرى المجرمين يومئذ مقرّنين في الأصفاد { سورة إبراهيم الآية 49.
وما ورد في المقامة الحادية عشر””:» ولا زال جنابه المؤمل كهفا والثناء عليه رقيما« حيـث “وكـما لا يخفـى – نجد المقتبس متواجدا فـي قوله تعالـى: } أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا{ سورة الكهف الآية 09.
وبجرد بنية التضمين والاقتباس، نستطيع القول بأن هذه البنية في المقامات، شكّلت رواسب دينية وثقافية وإيديولوجية، ممـّا يـدلّ على أنّ راوي الخبـر »نادرًا ما يبتكـر بـل يتلقّى مـادّته من محيطه أو من الوقـائع الشائعة ثمّ يكيّفها لتلائـم حكاية مّا «””.
ومن ثم فالمقتبس يمتلك “المرجعية” – إن صح التعبير- في ذهن المتلقي لمقامات التحفة لأن البناء قـد » امتـدّ ليشمل مواد أخرى يمكن تضمينها في السّرد كبعض الأشعار أو الأقوال المأثورة «””، وهو ما منح متن المقامات، حمولة معنوية – إن صح القول –

معتبرة، من شأنها انتظام البنية في تلوينات أدائية تسهم في خلق وظيفة تعضيدية لا يمكن تجاهلها.
2- الاسـتعـارة
تعد الاستعارة أحد أشكال التعبير المجازي في الصوغ الإبداعي، فـ » المجاز ليس واقعة مكونة للغة فحسب، وإنما يلعب دورا أساسيا في بَنْيَنَةِ الأنساق التصورية بصفة عامة«.””
ومما جاء في تعريف الاستعارة: »هي مجاز لغوي علاقته المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. وهي تشبيه سُكِتَ عن أحد طرفيه «.”” وجاء في تعريفها أيضا: »الاستعارة هي اللفظ المستعمل في غير مَا وُضِعَ له للمشابهة، وبهذا فارقت المجاز المرسل«.””وفي تعريف آخر : »الاستعارة نشاط لغوي خالق للمعنى، ووسيلة من وسائل الإدراك الخيالي المتميز من التحليل والبيان المباشر والمدلول الثابت «.””
وفي أسرار البلاغة : » اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفًا تدل الشواهد على أنه اختص به حين وضع ، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل،و ينقله إليه نقلا غير لازم.فيكون هناك كالعارية «”” وبالإضافة إلى هذه التعريفات، نجد الاستعارة قد وصفت على أشكال منها: »الاستعارة ليست تعبيرا عما هو كائـن وحسب، ولكنها تخلق ما ليس بكائن أيضا، وهذه القابلية للخلق والإبداع تجعل منها أكثر من عملية لغوية. ولكن مرآة لثوابت الذات الإنسانية. «”” ويقترب من هذا الوصف للاستعارة وصف آخر فحواه » إننا نعيش على الإدراك الاستعاري في تعقلنا وتخيلنا، في يقظتنا ونومنا (…) فالاستعارة إذا ليست – في أي مجال من مجالاتها –عنصرا إضافيا،بل هي المخرج الوحيد لشيء لا ينال بغيرها، ليست ٍٍ الاستعارة عنصـرًا خارجـيا على التفكير«”” وبما أنها كذلك، أي ليست عنصرا خارجيا على التفكير، فإنها » حاضرة في كل مجالات حياتنا اليومية. إنها ليست مقتصرة على اللغة بل توجد في تفكيرنا وفي الأعمال التي نقوم بها أيضا، إن النسق التَّصَوُرِي الذي يُسيِّرُ تفكيرنا وسلوكنا له طبيعة استعارية بالأساس«””.

بهذا الوصف، تكون الاستعارة جامعة بين المعاينة الجمالية، والتمثل الذكي للأشياء، أو بين الفكرة والقالب الفني في إطار من العلاقات بين الأجزاء المكونة للتعبير، فإذا » بالنشاط الاستعاري يخلق نظاما من الدلالات (…) أو يعيد تشكيل المعنى من جديد«”” داخل بنية العمل الأدبي الذي يقوم أساسا على علاقات داخلية تربط بين المكونات البانية، المعتمدة على شرعية ما يسمّى بالوسيلة الفنية باعتبار هذه الأخيرة » ذات دلالة، لا تنفصل عن وضعها داخل نسق معين «””
وإذا كان »استبصار الحقيقة بواسطة الا ستعارةُ يُعَدُّ أكبر علامـات الطريقة الاستاطيقية«”” فإن ذلك لاينفي تواجد شروط للاستعارة » تسمح بالحكم عليها بالحسن أو القبح، وهي شروط يدور معظمها حول الوضـوح والقرب من الحقيقة ومراعاة ما جرت به العادة، وأقره العرف، أو الذوق السليم وارتاحت إليه النفس «””
وفي قول آخر، جامع للبيان والبديع في آن واحد، ورد ما محتواه: » أما الإستعارات والمجاز والمحسنات البديعية فمع جريانها في الألفاظ، لا يظهر حسنها إلا إذا راعينا فيها الجمال في الصياغة والتصوير «”” وكما وجدت شروط، وجدت تقسيمات استعارية متنوعة لاعتبارات تقوم على عناصر معينة كـوجه الشبه و كوجود المشبه به أو عدم وجوده، وكاعتماد نوع اللفظ الذي جرت فيه أو اعتماد التلاؤم في عناصر التركيب بين ّّالمشبه أو المشبه بهّ فكان أن انقسمت ٍالإستعارة على هذا الأساس و- كما هو وارد في أشهر كتب البلاغة –إلى إستعارة تصريحية وأخرى مكنية، وإلى استعارة أصلية وأخرى تبعية، فمجردة، فمرشحة، فمطلقة.
ويسعى توظيف هذه أو تلك إلـى خلق قيمة دلالية جديدة تغني السياق الإبـداعي، وتشد من أزر البنى الأخرى المكونة، خاصة وأن » اللغة منظومة لا قيمة لمكوناتها أي لعلاقاتها إلا بالعلاقات القائمة فيما بينها «””
واهتمت كتب البلاغة بتوضيح الفروق بين هذه الأنواع من الاستعارات فاعتبرت الاستعارة التصريحية هي ما صرح فيه بلفظ المشبه به، والمكنية » هي التي لم يذكر فيها المشبه به وإنما يكنى عنه بذكر أحد لوازمه (…) والأصلية هي الاستعارة الجارية في اسم دال على ذات أو مفهوم دلالة مباشرة «”” وأمّا الاستعارة التبعية فهي »ما تقع في غير أسماء الأجناس من الأفعـال و الصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة والحروف (…) فمعنى

الاستعارة التبعية أن يكـون المستعار فعلا أو صفة أو حرفا، والمستعار له لفظ المشبه لا المشبه به«”” وعرفت الاستعارة المطلقة بأنها: » التي خلت مما يلائم المشبه به بعد استيفاء القرينة المانعة (…) والمجردة هي التي الاستعارة التي يتوفر فيها ما يلائم المشبه بعد استيفاء القرينة (…) والمرشحة هي التي يتوفر فيها ما يلائم المشبه به بعد استيفاء القرينة«””
ومهما يكن أمر هذه التقسيمات والتفريعات فإن التشكيل الاستعاري » لا يزال موقوفا على ما نسميه النقل أو الاستبدال اللغوي (…) وأنه لا يمكن أن تبحث جماليات الاستعارة بمعزل عن جماليات الصياغة والتشكيل (…) وأن سياق الاستعارة (…) يوسع مدلول الكلمات الأصلي ويحدث تغييرا جوهريا فيه «”” خاصة إذا اعتقدنا أن» الكلمة على الرغم من صعوبة تحديدها هي وحدة تفرض ذاتها على الفكر، وهي أيضا شيء مركزي في آلية اللغة«””.
وقد حاولت الوقوف على النشاط الاستعاري في مقامات التحفة، فوجدت أن هذا النشاط موزع على جميع المقامات دون استثناء، وأنه لا تخلو مقامة من نسبة معتبرة من الاستعارات، مما يشكل معطى جماليا وفق نظام من الانزياحات الاستبدالية المبنينة على تشابك في العلاقات بين المعاني والرموز التي تستخدمها اللغة الأدبية في الحياكة النصانية و هكذا – وعلى سبيل المثال –جاء في المقامة الأولى أثناء الإشارة إلى نسب وحسب الدّاي محمد بكداش: »يرجع (…) في نسبه إلى أهل بيت جليل (…) وفي حسبه إلى دين يراقبه «”” في ملاحظة أولية نصادف فعل ” المراقبة ” الذي يسند في الأصل إلى الكائن الحي، المتميز بسمات تجعله – منطقيا – هو الذي يمتلك خاصية التصرف في معالجة القضايا معالجة تتجسد في القيام بفعل المراقبة أو المتابعة، بغية بَتْرِ سُلُوك معين، وزَرْع سلوك آخر. وبدلا من أن ينسب الناص هذه الخصيصة إلى الكائن الحي، نسبها إلى الدين، متخيلا أن الدين قد تَشَخْصَنَ، فغدا يقوم بمهمة المراقبة، في حين أن الديـن معنى مجـرد، وتعاليم يدعى إليـها الناس فتختلف نسب الاستجابة لديهم وبالتالي يصبح مدلول المراقبة – هنا – مرتبطا بالمحاسبة النفسية، النابعة من ذات الكائن الحي لذات الكائن. وبذلك يكون النص قد أجرى تَجَوُّزًا في مستوى التعبير مما سمح بخلق نوع من العلاقات بين المشبه به – المحذوف – وهو الكائن الحي، والمشبه المذكور وهو الدين.
فأخرج فعل المراقبة من مجاله الضيق إلـى مجال أوسـع، بحيث أصبـح كل من الدين والكائن الحي موحدين بعلاقة المشابهة. فكان الانسجام في الدلالة بيْن دِينٍ يدعو، وبين كائن يُطََّبِقُ الدعوة في شكل مراقبة حققها النشاط الإستعاري الساعي إلى تنامي الصورة المجازية وِفْقَ طبقاتٍ من المعنى المكثَّف ذي الأبعادِ الدلالية المترسبة في النفس الإنسانية حين يجتمع المصطلحان: دين/مراقبة.

ويكون تبسيط هذه الاستعارة على الشكل التالي:
دين

تعاليم سماوية

مقولة التجريد
إنسان
+ عاقل
+ يؤدي واجبا
مقولة التجسيد

مـجال التخييـل

عــلاقة مشابهـة

وتتابع الاستعارات على نحو مكثف، ينبئ عن هيمنة الإجراء المجازي الذي يعمل على خرق القيود، و يكسر نمطية الصورة الواقعية،متطلعا إلى الأداء الفني الذي ينفر من الشائع المألوف، و يحط الرحال عند النادر المبتدع، وهكذا نصادف نموذجا استعاريا آخر، جاء فيه: »تباهت به الأيام، وتاهت في يمينه الأقلام «”” لقد جرى في هذه الاستعارة، سبغ شعور التباهي على الأيام من جهة، وسبغ شعور الدلال على الأقلام،من جهة أخرى.
وكلاهما من باب التشخيص، ومن باب إخراج الدلالة القائمة إلى دلالة أوسع فالأيام لا تملك شعورا بالتباهي أو غيره، ولا هي تحس بالإنسان في أي حال من أحواله، وإنما أجرى الناصُ الاستعارة في ” تباهت ” ليفسح العنان لتثبيت سيل من الأمجاد المتحققة على يد المنعوت المقصود في هذه العبارة. فكان الإخراج لشعور التباهي من باب إضفاء صفة الاستحقاق، وتكريس مقولة السمو لشخصية ” محمد بكداش” الذي سرت به الأيام، فتباهت و تفاخرت، شأنها شأن الإنسان عندما يحقق أمرا عظيما، أو يُصَيِّرُ حلمه واقعا.
وبذلك تقوم علاقة المشابهة بين عنصرين، جعلهما النشاط الاستعاري أكثر قربا فإذا بهما (الإنسان والأيام) يشتركـان في الإحسـاس الموحـد تجاه المنعوت الدّاي محمد بكداش ويستمر التَّجَوُّزُ على مستوى العبارة، حيث تبرز مقولة جديدة، تُكَثِّفُ الدلالة لتقفز بها إلى تأويل أكثر عمقا : “وتاهت في يمينه الأقلام ” فمن شعور التباهي، إلى شعور التيه و الدلال، المُوَّلِدُ لعلاقاتٍ جديدة، بين الذات المتحركة النابضة بالحياة، وبين الأقلام الساكنة والمنتسبة إلى الجماد، إِذْ أُسند الشعور بالدلال إلى الأقلام، تترنح جَدْلَى وهي في يد الممدوح: الأقلام تشخصنت لتحمل سمة من سمات الشبه مع الكائن الحي، حين تتجمع حوله القلوب و تعلق به الأذهان. والدلال – في الغالب- نعت خاص بالمرأة، فهي تتدلل عندما تتحسس تأثيرها على غيرها، ومَنْ مِنَّا ينكر تأثير القلم حين يصول ويجول في عالم البيان، فَيُقَرِّبُ البعيد، ويَقْتَحِمُ بنا عوالم جديدة، تُذَكِّرُنا بِبُعْدِ النَّظَرِ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين وصف تأثيره بقوله : “وإنّ من البيان لسحرا”

وقد أجرى النّاص هذه الاستعارة لتوجيه الدلالة إلى معنى أعمق يرتبط بما حكاه عن رفعة شأن الممدوح في مجال فنون القول التي مارسها، فَتَحَكَّمَ فيها: » و لا يُبَارَى في بلاغَةِ وبراعةِ لسانٍ (…) ويظهـر الإعجـاز فيما أظهره مـن البيان وأبداه «”” و إذًا حُقَّ لهذه الأقـلام أن تتيه وهي فـي يمين الممدوح الـذي امتلك ناصيتها – رغم اعتياصها على سواه – فوظفها في مجال البيان وأثر بها على غيره حتى أنه: » إن نثر فالنجوم في أفلاكها أو نظم فالجواهر في أسلاكها، قد أخذ بمجامع القلـوب كَلِمُهُ، وقـد أغـّذ في طـريق الإبداع قلمه (…) جمع النظم والنثر، والخطـابة والشعر،مُجيدا في طريقيهما(…) وقلمّا اجتمع لأحد الإجادة في الفنّيْنِ «”” وشهادة كهذه، كافية لتعيننا على اختزال الاستعارتين السابقتين على هذا الشكل:
الأيام / إنسان
الأقلام/ إنسان
تباهت الأيام

تاهت الأقلام
فقد تَوَزَّعَتْ علاقة المشابهة على مقولتين :
أ- مقولة الزمن
ب- مقولة الجماد

التَأَنـْسـُنُ
تـــمثـــّلٌ خــــيالـــي

وعلى نفس المنوال، تجري استعارات أخرى قد لا تخص الممدوح أو المترجم لـه، (محمد بكداش) ولكنها تتجاوزه إلى مظاهر أخرى: » «وكانوا في هذه المرّة أوسعوه تحصينا (حصن العيون) (…) والمدافع تصرخ عليهم، والبونبات تنوشهم «””
أجرى النّاص الاستعارة في عبارة: المدافع تصرخ عليهم. والصراخ من لوازم الكائن الحيّ، وليس من لوازم الجمادات، وبذلك يكون قد تجوّز على مستوى العبارة، فَقَصَدَ إلى إسقاط فعل الصراخ على أضخم المعدات الحربية – المدافع – معتمدا نقل صورة شبيهة بين الإنسان حين يغضب لحق فيثور، وتتحرك مظاهر غضبه فـي شكل تعابيـر عنيفة، أحدها الصراخ، وما يصحبه مـن مواقف حسية وإشارات التمرد التي لا يمكن أن تستكين أو يُكْبح لها جماح إلا إذا استفرغت غليان النفس وسخطها.
وبهذا تكون المدافع قد اكتسبت علاقة مشابهة مع الإنسان في غليانه وغضبه، فراحت تصرخ وما ذاك الصراخ إلا صوت هذا العتاد الحربي الذي يخرق الآفاق، ويكسر السكينة، يزرع الخوف، تماما كالمستشيط غضبا حين يصرخ في وجه من حرك عنده مشاعر الغضب، أو حين يثور لحَقٍّ حاول غيره طمسه.
وبهذا تتسع دلالة صراخ المدافع إلى دلالة صراخ الحق أو صراخ الرفض ضد اغتصاب الأرض وهو تصور مبنين – استعاريا – على » تشخيص الكيانات غير

الإنسانية«”” وخروج على نمطية المعنى المعتاد إلى معنى جديد، يخالف ما هو معهود في الذهن البشري. وفي نموذج آخر: » حتى ظفر منه بالمنى، فانسدل عليه الهنا «””
في هذه الصياغة المعبرة عن تمكن الدّاي محمد بكداش من تحقيق بغيته باسترجاع حصن “ابن زهوة ” – والذي اختصت بأحداثه المقامة الثانية عشر – حاول الناص اعتماد إجراء استعاري باستبداله للفظة بأخرى، فنجده قد وظف لفظة “فانسدل” توظيفا انتهك به المألوف، ذلك أنه أسبغ هذا الفعل على ” الهنا” الذي هو في الأصل إحساس يختمر الإنسان الفائز بمراده، المحقق لمآربه، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فالذي ينسدل هو الثوب، وليس الإحساس.
الإحساس يعتري وينتاب النفس، ولا يمكن أن ينسدل وقد حفل الكلام العربي باستعمال عبارة : أرخى الليل سدوله، أي أرسل أستار ظلمته، على أساس أن السدل هو الستر فكان أن ربطت الاستعارة بين ما هو مجرد محسوس وبين ما هو مجسد ملموس بواسطة علاقة المشابهة القائمة علـى الإرسال والإرخـاء. فالهنا حين يغمر النفس- بعد سابق معاناة – إنما يكون كالستار الذي أُرْخِيَ ليلطف الأجواء فيصبح – بفعل إرخائه – سببا لتوليد معنى آخر، معنى الراحة والاسترخاء حين تُرْسَلُ النفس على سجيتها، وتستشعر فوزها بالمنى.
وتتتابع المقامات حافلة بهذا النوع من المجاز، حيث تتراكم الإستعارات في متتاليات خاضعة لقانون انتهاك المألوف، فإذا بالمتن المقامي يقع تحت سلطة الرصيد المجازي الذي ينمي إسقاط خصائص المحسوس على خصائص المجرد، وفي هذا النموذج المختار إلى جانب النماذج السابقة، ما يدل على ذلك: » وضحكت النصول في اليوم العبوس «”” لَقَدْ تحرك النشاط الاستعاري في هذا البناء إلى إعلان التصفية واسترجاع حصن المرسى – كما أنبأت عن ذلك المقامة الخامسة عشر – ولتوصيل الدلالة في نسق تصوري، يقوم على الثنائية الضدية، نستشعر وضعية النصول وقد غادرت الأغماد، واِشتّد لمعانها، لحدتها، وظهر بياضها وكأنها ثغر ضاحك، وهي تتحرك يمينا وشمالا، وفي حركتها رمز لقهر أعدائها، فالضحك سمة متولدة عن إنفعال يعتري المرء لسبب من الأسباب، ربما يكون أحدها تلك الروح المرحة المستفيضة بشرا.
وفي مقابل هذه النصول الضاحكة،المستبشرة، بما حققته من انتصارات متلاحقة، تبرز صورة مهولة،تستدعي استحضار قتامة الحدث حين أُسْنِدَ قناع ” العبوس ” إلى ” اليوم” وكأن اليوم الذي هو في الحقيقة مقولة زمنية مجردة، وكأنه كائن حي افتقد مسبّبات السرور، ورَكَنَ إلى العبوس . وبذلك يكون الضحك والعبوس على طَرَفَيْ نقيض، قِدْ اسْتُعْمِلا لخلق دلالاتٍ بعيدة، ترمز إلى حسم الموقف بانتصار طرف، وانهزام طرف آخر. وكلاهما تربطه علاقة مشابهة، قامت على حذف المشبه به الذي هو الكائن الحي، واكْتَفَت بانتقاءِ ميزة من مميزاته ألا وهي سمة الضحك، وصفة العبوس.

وشتان بين الحالين، من جهة، و بين مَنْ قُصِدَ بِأَحَدِ الحاليْنِ من جهةٍ ثانيةٍ .
ولكنه الأداء الفني حين ينفلت من المعيار إلى الوظيفة الجمالية فتصبح الاستعارة على هذا الشكل :
العبوس
اليوم

النصول
ضحكت
صفة
زمن

جماد
إنسان
+ إحساس
– إحساس

– انفعال
+ انفعال
+ انفعال
– انفعال

– استجابة
+ استجابة

خلق علاقة مشابهة​​اتخاذ مقولتين : التجريد والتجسيد
هذه بعض النماذج مما ورد في التحفة ، في مجال النشاط الاستعاري، وهي كثيرة ، وقد حـاولت الكشف عن نظامها، حسب ما اقتضته البنية فيها،على أن هناك طـائفة أخـرى أكتفي برصدها في الآتي:
» إذا حبر الرسائل، وأجرى دمع الحبر السائل« .””
» وتعترف الدهور بمزية دهره «.””
» حتى يصبح روض الكفر بهبوب عزائمه هشيما ، ويستنشق الإسلام من إتاحة الكرة على يديه، روحا عاطرا ونسيما «.””
»و قيدت نواقيسها بالحبال(…) فأبرزت خاسئة فاغرة، وتركتها – بعد سل ألسنتها – دامية ثاغرة «.””
» والكفر قد ذل واستكان، ودخل عزه في خبر كان «.””
2 – التـشبـيـه
كما حفلت مقامات التحفة بالاستعارة، نجدها كذلك قد زخرت بلون بياني آخر هو التشبيه الذي وصف بأنه: » نشاط تصويري غني بالإيحاء «””

لقد شكل هذا النوع من البيان أحد المكونات الأسلوباتية الهامة في متن المقامات، حيث لجأ الناص– كعادة المقاميين– ليرسم الأشياء من زاوية نظره، وليبلور الأحداث، واضعا نصب عينيه استعمال المُعْطَى الجمالي القائم علـى تعميق الدلالة، وعلى استحضار الأبعاد الفنية بواسطة اختيار كلمات دون أخرى وتوزيعها من منطلق الخبرة بعلاقات السياق وتوظيفها في بناء الأسلوب باعتبار هذا الأخير: » خاصية لغوية متقنة، تعتمد علـى مـزج هندسي وتشذيب منمق من اللغة، يختلف عن الاستخدام اليومي الذي يتسم بالعفوية والتلقائية «””
وتكاد تجمع أغلب التعريفات على أن التشبيه هو عقد مماثلة بين شيئين أو أكثر بفعل المشاركة في صفة أو أكثر.
فقد ورد مثلا في أحد التعريفات: » هو الدلالة على مشاركة أمرٍ لآخرَ في معنًى «””. أو هو »صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة، لا من جميع جهاته، لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إيّاه « “”
وورد في موضع آخر تبيان الفرق بين التشبيه والتمثيل، فجاء ما يأتي: » إن التشبيه عامٌٌّ والتمثيل أخصّ منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كلّ تشبيه تمثيل «””
وفي تعريف أشمل: » التشبيه هو صورة تقوم على تمثيل شيء حسي أو مجرد، بشيء آخر حسي أو مجرد لاشتراكهما في صفة حسية أو مجردة، أو أكثر «”” ويقترب من هذا التعريف، تعريف موجز، فحواه: » إنه (التشبيه) الطريقة للتمثل بالنموذج «””
وَوُصِفَ التشبيه بأنه » يتجاوز غاية الإفهام والتوضيح إلى الإمتاع باعتماد الطريف والجميل ويكون ذلك عن طريق التخيل «””
والأصل في التشبيه أربعة أركان: مشبه، ومشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه .
وأما أقسامه فمتعددة » فبعضها يتعلق بحضور أركان التشبيه، أو غيابها. وبعضها يقوم على البساطة والتركيب أو الإفراد والتعدد في طرفي التشبيه ووجهه،و بعضها يقوم على طبيعة العلاقة القائمة بين الطرفين من حيث اتجاهها أو ظهورها وخفاؤها «””ومن ثم تعددت أنواع التشبيه من تشبيه مفصل إلى مجمل، إلى مرسل، فمؤكد،فبليغ، فتشبيه صورة أو تمثيل، ثم تشبيه ضمني وآخر مقلوب. وكُلُّهَا أنـواع تساهم في بنية الصورة المراد التعبير

عنها، بتقريبها – على الأقل – من ذهن المتلقي الذي يتفحص البنية لسطحية قبل اكتشاف البنية العميقة المتمثلة في المفهوم الذهني والتي ظهرت ملامـحها مع عـبد القاهر الجرجاني حين »فـرق بين النظم والترتيب والبناء والتعليق. فجعل النظم للمعاني في النفس، وهو تماما البنية العميقة عند تشومسكي «”” وقد حاولت مدارسة بعض العينات من التشبيه، فوقع اختياري على نماذج منها: » فصار غرة في جبين الملك ودرة لا تصلح إلا لذلك السلك «””
يتعلق الحديث – هنا – بشخصية المترجَم له الدّاي محمد بكداش الذي شكل قطب الرحى في المتن المقامي في التحفة . فغدا الناص يعرض مراتبه العسكرية، وكيف أنه كان أهلا لها بل وكيف أنه استطاع انتزاع إعجاب الرعية والتفاتها إليه، وهي صورة يُنْبِئُنَا عَنْهَا لفظ “غرة” الذي يراد به الحسن والإشراق والذي له علاقة بتلك النقطة البيضاء الموجودة على جبهة الفرس. فقد بُنيت هذه الصورة على تشبيه الممدوح بالغرة وحُذِفت الأداة زيادة في الإدعاء بأن المشبه والمشبه به واحد. فكان الجمع بين الإنسان وبين الصفة وتوحّدا للدلالة على معنى أبلغ وأمتع، وأبعد من مجرد نية في مدح المترجَم له. يتكـشف ذلك عندما يتضاعف التشبيه الأول بتشبيهٍ ثانٍ يعززه في نفس المقطع :” ودرة لا تصلـح إلا لذلك السلك ” وإذًا فالمترجم له، جمع بين كونه غرة، ودرة، وأنّ مقامهُ مقام اللؤلؤة من العقد المنتظم وفي هذا توزيع جديد، من شأنه خلق علاقاتٍ بين الطرفين أو بين الأطراف الثلاثـة:

علــو المــقام
الــدرة
جـمــاد
عاقـل
ذكـر
+ فعـل التثمين
الغــرة
عـــلامة
عاقـل
ذكـر
+ فعـل الإشراق
الممدوح
إنـسـان
+ عاقـل
+ ذكـر
+ فعـل السلطة

وعلو المقام، دلالة تتوغل في عمق الموقف الذي وقفته الرعية من الدّاي حين باركـت فعل اعْتِلاءِ الرجُلِ لمَنْصِب عسكريّ وسياسي – فيما بعد – وما النـّاص إلاّ واحـد من هذه الرعية، يُعبر عَنْ رُؤيةٍ شمولية قائمة على التّبجيلِ والتّعظـيمِ للسُّلطة العثمانية التي رأى فيها الجزائريون مُنقِذًا لهم من الاعتداءات الأجنبية، خاصة وأن فتوحات الحُصُون المذكورة في مقامات التحفة، كلّها تحققت على يد الدّاي محمد بكداش وصِهرُه أَوْزَنْ حسـن . وبـذلك كـان غـُرّة ودّرة منتظمة فـي السِّلك السِّياسـي لآل عُثْمـَان.

وفي نموذجٍ آخر من نماذج التشبيهِ، وَرَد ما يلي: » و بَقَوْا كَأَنَّهم مُقَرَّنُونَ في الأَصفادِ””
تُشير هذه الصـُّورة إلى حال الوُجُومِ الّتي اعْتَرَتِ أعداء الدّاي عندما عاد من مَنْفاهُ، ودخل الجزائر. وكانت عودتُه كالصّاعقة، أَذْهلتِ القومَ، فسلبتهم موقِف المجابهة، وأذابت عندهم فِعْل المواجهة، فإذا بِهم وكأنَّهم قُيِّدوا بالأَغْلالِ لا يحرِّكون ساكنًا. وهي صورة ترمز إلى موقف الفزع، حين يغزو الذات الإنسانية، ويُفقِدُها السّيطرةَ،و يسحـب منها ردَّ الفِعـْلِ ، الأصفادُ تعكس الاستسلام و الذُّلَّ، وما ينتج عن الأصفاد من آلام معنوية – ورُبَّمَا جسدية – وبهذا انبنى التشبيه على طَرَفَيْنِ وأداة :

الأداة
مشبه به
مشبه
كأنّهُمْ
حَالُ المقرنينَ في الأصْفَادِ
هُمْ
(بَقَوْا)
وحُذِف وجهُ الشَّبه، وحَذْفُه يَسْتَدْعِي حدس المتلقِّي: ففيم يمكن أنْ يتشابهَ حالُ
( بَقَوْا) بِحالِ المُقرَِّنين في الأصفاد؟
ألا يمكن أن يتشكّل وجه الشّبه في هذه الدّائرة:

• مغلوبون على أمرهم.
• مرارة الانهزام.
• انكسار داخلي.
• تصفية موقف.

وكلها سِمَاتٌ شُحِنَ بها المُشبَّهُ عند التَّقاطع مع المشبه بِهِ، فاتّسعت الدلالة لتُوَّلد عنصرًا جديدا في هذه الصورة، يفضي إلى حتمية التقابـل بين ثنائية الغالب/المغـلوب ببعدهـما الرَّامز إلى الحياة والاِندحار، إلى العظمة والتَّقَهْقُر، حين يصطدم طرفان، فَيَثْبُتُ أحدهما، وينهار الآخر، وعن هذا الآخر، عبَّرتِ الصُّورة التشبيهية: ” مُقَرَّنُونَ في الأَصْفَادِ”

وفي مَشْهَدٍ من مشاهِدِ فَتْحِ وهران يجنح النَّاصُّ إلى استعراض ملامح الهجوم وقد استقَرَّ الرَّأي على تخليص وهران: » فَانهارَتْ مِنْهُمْ الهِضَابُ وَانْهَالَتْ، وَتَدَافَعَتْ الأَوْدِيَةُ وَسَالَتْ (…) كَأَنَّهُمْ سَحَائِبُ الخَرِيفِ حَرَّكَتْهَا الزّعَازِعُ وَ ضَرَبَت أَبَاط رَكَاِئبَها البُرُوقُ الخَوَاطِفُ«””
عند تفكيك هذا المَشْهد، تتراءَى صـورة الجَمَاعاتِ المُقاتِلـةِ وهي تنطلـق من الهِضابِ بأعدادها الهائلة، ومعداتها الحربية، وتحركاتها المكثفة، وما ينتج عن هذه التّحركات مـن تَغَيُّر ٍفي الوضعياتِ والأجواءِ وخرقٍ للهدوءِ المعتاد. وكأنَّ هذه الجماعات المقاتلة في تدفُّقِها و اندفاعها وقوَّتها بلْ وشراستها، كأنَّها الطبيعة حين تُبْدِي الوجه الآخر: وجه َالاِكْفِهرَار ِوالتَّجَهُّمِ. وبذلك ينتقل الذّهنُ – في هَذَا المَشْهَدِ – إلى استحضار تلك لعناصرِ التّي تُشكلُ التَّمرُّد في الطبيعة، فتَسْلُبُ نِعمةً، أو تجلب نِقمةً. واستغلال العنصر الطبيعي في هذا التشبيه، رمزٌ من رموز القوّة. ففي المُشَبّه به، ( سحائب الخريف ) رموزٌ على رأسِها: رمزُ التَّغَيّـر.
والتَّغَيّـر استئصالٌ لوضعٍ أو لحالٍ قديم، و التَّغَيّـر إلغـاءٌ للهدنةِ التّـي أعلنتها أجـواء لصَّيف. وبذلك يشترك حال المُشَبَه (المقاتلـون) وحالُ المشبّه به ( سحائِبُ الخريف) في صفة الاِنقلابِ العنيف والهجمة المباغتة. وما الزَّعازِعُ العاتية والبُرُوقُ التّي مهّدت لها سُحُبُ الخريف إلاّ دِلالةٌ على شدة القتال، وهَوْلِ الأجواءِ.
فكما أنّ شِدةَ الرّياح لاَ تُبْقي ولا تَذَرُ، وكما أنّ مظهَرَ البَرْقِ لا يخلو من خَطـَرِ، كذلـك شَأن هؤلاء الجماعة المقاتلة، الزّاحفة كَزحف السُّحب، حين تَقْتَطِعُ جزءًا من السماء، فيكون هذا الاقتطاع ناقوس إِنذارٍ عن تشكُّل طبيعيٍّ لاحقٍ.

– المُقَاتِلُونَ​
– التدَفّـق
– الكثرة​​​
– ​

– سَحَائِبُ الخريف
– الرياح (الزَعَاِزعُ)
– البُرُوق

طرَفٌ أوّل
مَجاَل التَّخْييلِ
( كَأَنَّهُمْ)
طرَفٌ ثَانٍ
وفي اختزالٍ يُجسِم ُالصّورة التَّشبيهية َتظهر العناصر التي انبنى عليها التشبيه وهي كالآتي:

ـ التدفق
ـ الشدة
ـ الخطورة

وغير بعيدٍ عن هذه الصورة، صورة المقاتلين وقد ضَمَّخَتْهُمْ رائحة الحرب التي نكاد نشْتَمُّها من السياقِ التّشبيهي السابق، تَتَراءَى لنا صورة أخرى أعمق دلالة: » و إِنَّ عَدُوَّنَا لَمَّا ضَاقَتْ عَليْهِ المسالك، وثغرتْ أَفواهَهَا إِليه المهالك، أَقَدَمَ إِقْدامَ مَنِ استعجل الحِمام، ولم تَمْطُلْ به الأَيّام«””
بُني التَّشبيهُ في هذا المشهد على ظلال صورة الضّياع التي عاشها الخصـم. إنّه التـّورُّطُ بالإقدام على المغامرة – على مضَضٍ – وقد تأسّست هذه المغامـرة على الإقـدام على لحرب، وكأنّ الإقدامَ مُتَنَفَّسٌ وانفراجٌ للأزمة التي تُطَوِّقُ الخَصْمَ، ظنًا منه أنّه بهذا الإقدام قد يتنحى عن الهزيمة، أو أنّه سَيُمَدِّدُ فرصةَ تواجده بالحِصْنِ المُغْتَصَبِ(حصن المَرْسَى) الذي روت أخباره المقامة الخامسة عشر.
وبهذه المغامرة، يكون الخصمُ قدِ استعجلََ حِمَامَ الموت، وكأنّه استطالَ أجَلَه، فسعى إلى حتفِهِ. وما ذاك إلاّ من باب الاشتراك في الفِعْلِ بين طرفيْنِ أحدهما حاضـرٌ وهو المشبه (الخَصْمُ ) وثانيهما غائبٌ وهو المشبه به (السـّاعي إلى حتْفِهِ بِتَهَوُّرِهِ) ولعـلَّ هذه الصُّورة، أو هذا الموْقِف الصَّادرِ عن السَّاعـي إلى حتفه، يعود بنا إلـى استحضار أحـد أغراض التشبيه، ألا وهو: » الاسْتِطْرَاٌفُ أو الإمتاع ُباستدعاءِ ما يقلُّ حُضُورُهُ في الذهنِ «””
تلك كانت بعض العيِّنات من التَّشابيهِ التي وظَّفها النَّاصُّ في مقاماته، والتي شكَّلتْ أحـد المكوِّنات الأُسْلُوباتية – على الرغم من قِلَّتِها – إذا ما قِسناهَا بالإجراء الاستعاري الوارِد في التُّحْفَة .
ولا يخفى أنَّ الباحث عن حجم التشابيهِ في المقامات العربية – على العموم – يهتدي إلى أنَّ هذا الحجم: » يَخْتَلِفُ كَثْرَةً وقِلَّةً، تَبَعًا ِلأَذْوَاقِ الكُتَّابِ الذينَ دَبَّجـُوهَا(المقامات) وتَبَعًا لِمُعْطيَاتِهِمْ الأَدَبِيَةِ ومَواهبِهِمْ وأَخْيِلَتِهِمْ التي يَعظُمُ حَظُّهَا ويَضْؤُلُ من كَاِتبٍ لآَخــَرَ «”” ومهما اختلفت القدرات، فإن أسلبة المقامات تتقمص –عادة – نسيجا بنائيا خاصا بها، يجعلها بمنأى عن ضروب النثر الأخرى، ومرد ذلك؛ توظيف البديع بجميع أنـواعه، وتكثيف الإجراءات المجازية، وقد انتظمت مقامات ابن ميمون في سلك شرعية البـديع – إن صح القول – وهي شرعية تمتد إلى عنصر آخر، يجسده ” نظام الفواصل ” الذي أحاول مدارسته في الآتي.
4 – نظام الفواصل
اِنبنى النسق المقامي في التحفة على نظام من الفواصل، شكل تناغما ّحيويَا، تمرست الأذن على التقاطه. ومرد ذلك:
أ) التقارب في عدد من الألفاظ التي شكلت نظام الفواصل.
ب) التماثل في الصيَغ

ج) شيوع التقفية المتقاربة أو الموحدة.
وسأحاول مدارسة بعض النماذج ، أبين من خلالها طابع نظام الفواصل في متن مقامات التحفة، وكيف أن هذه الفواصل قد توزعت على رقعة النص المقامي توزيعا يقدس المعطى الجمالي، ويتطلع إلى التنويع بتوظيف الفواصل الطويلة تارة والقصيرة أحيانا، والمتوسطة عموما، مما ينعكس على حجم الفقرات البانية للنص المقامي، إذ يختلف طولها تبعا لمكوناتها.
أ-التقارب في عدد الألفاظ
من نماذج هذا العنصر، قول الناص: » والله ولي التوفيق فيما قصدت، والكافي من الخطل فيما سردت، فعليه كان معولي، وبه حسن تأولي «”” عند محاولة تفكيك هذا النموذج، يتضح أنه بني على تقارب واضح في عدد الألفاظ المكونة للفواصل المسجوعة، مما يسمح باكتشاف نسبة ملحوظة من التناسق في البناء الأسلوبي، يجلوها هذان الجدولان :
1

قصدت
فيما
التوفيق
ولي
والله
سردت
فيما
الخطل
من
والكافي

2
معولي
كان
فعليه
تأولي
حسن
و به
نلاحظ في الجدول الأول، تساويا على مستوى الكلمات. حتى إذا تمرست الأذن على وتيرة التساوي، إذا بنتوء – إن صح القول – يبرز بسبب إضافة لفظة: سردت . غير أنه، وإن كان هذا النتوء قد جاء على مستوى البنية السطحية، فإنه يختفي على مستوى البنية العميقة حيث تتوطد العلاقة بين معنى (قصدت) و(سردت) إذ هما يخدمان منطلقا واحدا هو الإحتكام إلى الله، والوثوق بمدده أما في الجدول الثاني، فيبلغ التساوي – في عدد الألفاظ – مداه. حيث تتوزع ثلاثة ألفاظ على كل جملة انبنت عليها الفاصلة، فلا نتوء ولا اهتزاز، وإنما الوتيرة الواحدة في نظام الأداء. وهي وتيرة التناسب الذي تولد عن » تساند الكلمات« “” في الجملتين المتتاليتين والمكونتين من ستة ألفاظ، تربط بينها علاقة تفويضية مجلاها: الركون إلى الله وتسليم الأمر إليه .
وبالجمع بين مكونات الجدول الأول، ومكونات الجدول الثاني، نشأت فقرة قائمة على وحدة داخلية، وعلى تماسك في البناء، انطوى على نشاط إبداعي، مرده توفر النية الجمالية في الأداء، من ناحية، ومن ناحية أخرى الإفصاح عن رؤيا هادئة شكلتها بنية قائمة إن لم أقل

منبثقة، من الاعتلاج الداخلي حين يغمر النفس الإنسانية ذلك الإحساس بالاستكانة إلى الله واستحالة الاستغناء عن الملاذ الروحي الذي نستشعره حين نتأمل المتوالية الخطية : ” فعليه كان معولي، وبه حسن تأولي”
ومن ثم فإننا »عندما ندرس عملا فنيا، رغم خصوصيته، لا يمكننا تجاهل المؤثرات التي، لا بد أن تكون ماثلة في الذهن، سواء من البيئة أو المجتمع أو الظروف السياسية(…) على اعتبار أن العمل الفني هو بمثابة تفاعل بين عناصره، وبين ما هو خـارج عنه «””
ب- التماثل في الصيغ
يشكل هذا العنصر أحد أوتاد بناء الفواصل في فن المقامات، ومن نماذجه فـي التحفـة: »فلما أدركه العذل، وانقلب للجد الهزل، وصار الأمر لمولانا “بكداش”، لم يقدم شيئا على الاعتناء بجهاد الكفرة الأوباش «”” نلاحظ أن الصيغ التي انتهت بها الجمل، توحد وزنها، فـ :
العذل تماثلها الهزل.
بكداش تماثلها الأوباش.

وفي نموذج آخر أكثر كثافة: » حصر هذا الحصن، حامي حمى الدين،وعاضده، وقاطع ضر المعتدين وحاصده، الذي هد بعزمه الجبال الشوامخ، واجتث بحزمه الأصول الرواسخ (…) وكانوا في هذه المرة القريبة أوسعوه تحصينا، ونصحوا أثـواب عورته ترميما (…) بعـد مرافعـات صعبة وحملات مرة، ومدافعات تجاه بابه استوعب لفيفهم معها التحصن، واستكملوا التمنع «”” عند تفحص هذا النموذج، يتضح أنه بني على صيغة من الثنائيات حيث تشكل كل ثنائية وحدة صيغية يمكن تصورها على هذا الشكل :

ج- شيوع التقفية المتقاربة أو الموحدة :
تجسد التقفية في المقامات ظاهرة التماثل الصوتي، الذي يضمن تماسك البنية على هيئة معينة من خلال » توزيع الأدوار النغمية «””
فيحصل نظام متشاكل و تأليف متناسب، يمدان جسر التواصل بين المقامات، فلا تفتأ تطالعنا بملامح مقاييس جمالية، منسجمة مع البنية التقافية السائدة عصـر ابـن ميمون.ومن نماذج التقفية في كتـاب التحفة : » فكتبوه في العسـكر كما هي العـادة،و ذهب للدارالمعتادة،فمن ثم و بنيانه مؤسس على التقوى، و المراقبة في السر و النجوى«”” لقد اشتمل هذا النموذج – كما هو واضح – على نوعين من التقفية .
النوع الأول: هاء السكت ودال قبلها مد طويل.
النوع الثاني: واو متبوعة بألف مقصورة
العادة​​​ المعتادة.
التقوى​ ​​ النجوى
أ) الياء والمد والسين وهاء السكت أو التاء المربوطة في لفظتي:
الرياسة​​​السياسة
ب) العين و الواو والدال في لفظتي:
السعود​​​العود
وهكذا بنيت مختلف نماذج التقفية في كتاب التحفة ، حيث تقوم الفواصل ـ في الغالب ـ على نوعين من التقفية، يتقاربان في المسافة، ويتحد لفظان من كل أربعة ألفاظ، فينشأ نوع من التناسب في بناء الفقرة بشكل عام، مما يجعل البناء في متن المقامات يتقيد بخصيصة مهيمنة، تجليها سلطة الإيقاع، وهو ما سأحاول مدارسته في الفصل الخامس من هذا البحث.

الفصل الخامس: البنية الإيقاعية

تنبني المقامات العربية على أعراف إيقاعية معينة، تطبع الخطاب بالزركشة المتولدة عن بنى التشكلات الصوتية، الخاضعة لطراز الصنعة: فمن تعادل التراكيب النحوية، إلى تراكم نمط الأداء، إلى اختيار اللفظ، وتوزيعه على مساحة النص المقامي، إلى محاولة خلق سبل إبداعية، تجمعها علاقة وشيجة. من هذا كله، يمكن رصد آلية الإيقاع في العملية الإبداعية.
وإذا اعتبرنا الإيقاع هو المضي – أثناء العمل الأدبي – على نسق صوتي معين، فإن »جمال الأسلوب العربي ظل قائما إلى بعض هذا القرن على الإيقاع (…) فالخطابة العربية في أرقى عصورها، والمقامة في مسار تطورها عبر عشرة قرون من الزمن (…) اتخذت لها سيرة الإيقاع، سبيلا إلى التوصيل «””.
وبناء عليه، يبرز النثر الفني كنوع أدبي يحظى بسلطة إيقاعية، لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها، مادمنا نجدها قوية المثول؛ إن على مستوى المبنى، أو على مستوى المعنى، لأن »دلالة النص ليست مفهومات فحسب، ولكنها مسموعات أيضا، وتشكيل جمالياته (…) يسهم في إنتاجها: حسن اختيار اللفظ، وحسن توزيعه، وحسن اختيار الطاقات الإيقاعية«””. وكلها معطيات من شأنها خلق » نوع من الترنم أو النغم الموسيقي المتجاوب بصوت واحد «””.
وإذا كانت » اللغة مستودعا للصور السمعية، والكتابة الشكل المحسوس لهذه الصور«””. فإن طريقة الأداء، تكون حاسمة في تصوير المعنى، وعندما أقول الأداء فإنما أقصد ذلك الجانب الفني الجمالي القائم على توظيف أصوات دون غيرها، وتخير صوغ إبداعي دون آخر، بغية تحقيق نوع من الانسجام الصوتي في النموذج الأدبي.
فـ » الأصوات هي اللبنات التي تشكل اللغة أو المادة الخام التي تبنى منها الكلمات والعبارات «””.ومن العبارات والكلمات والحروف، تنبثق تلوينات صوتية تلتقطها الأذن، فيكون وقعها على الوجدان، وقع الماء على الظمآن، خاصة إذا اعتبرنا » وظيفة الفن الأولى هي إثارة الانفعالات الوجدانية وإشاعة اللذة الفنية بهذه الإثارة””.
ومن الروافد المساهمة في اللذة الفنية، تلك الممارسة الجمالية التي تؤطر النص الأدبي، وتمنحه صدى ذا موجات، ترتسم تجلياتها في بناء إيقاعي، يفرض حضوره، فتطرب له الأذن، ويستسغيه الذوق.

وقد حاولت من خلال مدارستي للبناء الإيقاعي رصد بعض المكونات الإيقاعية بشكل عام، والتي حاول النقد الحديث حصرها، فاهتديت – بعد الاطلاع – إلى» أنها لا تخرج عن كون بعضها حصل نتيجة للتكرار اللفظي، كتكرار أحرف بعينها، أو مشتقات بعينها، أو أنظمة بلاغية كالسجع والجناس ورد الإعجاز على الصدور، وعن كون بعضها جاء نتيجة للتركيب المتوازن كالجمل المتوازنة تركيبا وبالتالي صوتيا «”” مع » الحرص أحيانا على أنماط من التخالف الذي يحقق في النهاية ألوانا من التناسب في الإيقاع بحسب السياق والاستعمال«””.
وكثيرا ما حظيت مسألة “الجرس” في باب الإيقاع، باهتمام دارسي الإيقاع، فاعتبروا »جـرس اللفـظ هـو إيقاعه الذي يلقيه فـي الأذن، وصوته الذي يتلقاه السمع، وهذا الإيقاع ينتج عن إيقاع كل حرف من حروف اللفظ على حدة، ثم عن إيقاع الحروف كلها مجتمعة في هذا اللفظ، وما فيها من مدات وغنات وشدات وغير ذلك «””.
ووجدت من حدد قوانين الإيقاع في سبعة مكونات» وقوانين الإيقاع سبعة: النظام والتغير والتساوي والتوازي والتوازن والتلازم والتكرار «””.
كما أن هناك من عدد الأجزاء المكونة لموسيقى الإيقاع على هذا الشكل: » من هذه الأجزاء التي يجري توقيع الموسيقى بها:
التركيب اللغوي حين ينتظم في أنساق من الموازنات والتقطيع.
التكرار وفق أشكال موظفة لتأدية دلالتها.
التوزيع والتقسييم (…) بهدف دلالي موحد.
التوقيع على جرس بعض الألفاظ المعجمية والموازاة بين حروفها «””.
وساهمت اتجاهات البحث البديعي في تحديد مكونات الإيقاع. ومما ذكر في هذا المجال: » ومن التكرار النمطي الذي اهتم له البلاغيون على المستوى الصوتي مبحث السجع الذي عددوا فيه ألوانا من الأداء يتمثل فيها عنصر التوازن اللفظي (…) بل إن هذا التكرار النمطي قد يأخذ صورة أكثر إيقاعا عندما يشترط البلاغيون أن تكون فواصل الأسجاع (…) ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها بالسكون في حال الوقف «””.
ويربط البعض البنية الإيقاعية بنشاط الأصوات مضفيا عليها صفة التعقيد: » إن نشاط الأصوات بنية إيقاعية موحدة (…) إن الإيقاع بنية معقدة متعددة المظاهر، ولكن

فكرة الإيقاع هي هي لأنها قلب البناء الصوتي (…) وإن حيوية هذا البناء والإيقاع تنعانقان وتنمي إحداهما الأخرى «””.
ويلخص باحثون آخرون التشكلات الإيقاعية الممكنة بواسطة ربطها بالنبر، ومحاولة التفريق بين النبر اللغوي والنبر الشعري » فالإيقاع يرتبط جذريا بتمييز وحدة أولية، أو نواة زمنية متميزة يقع عليها النبر «””.
وحظي الإيقاع المعنوي باهتمامات الممارسة النقدية الحديثة التي ارتأت أن» الإيقاع الصوتي والإيقاع المعنوي متساويان في الأدب. وهما جزء أساسي في التعبير«””.
ويتمظهر الإيقاع المعنوي في أحد مباحث البديع » فالطباق والمقابلة تتمثل فيهما عناصر الإيقاع المعنوي «”” خاصة إذا وضعنا في الاعتبار » أن للغة طابع منظومة قائمة كليا على تقابل وحداتها المحسوسة «””.
والإيقـاع – كما هو معـروف – نـوعان: إيقاع خـارجي وإيقاع داخلي.
فالخارجي – وباختصار- ما قام على الوزن والقافية إذ » الوزن في النقد العربي القديم، ركن من الأركان الأساسية التي يقوم عليها بناء الشعر (…) والقافية في النقد العربي القديم كالوزن، من العناصر الجوهرية في الشعر «””.
وأما الإيقاع الداخلي فهو » ما زاد عن الإيقاع الناجم عن الوزن والقافية في الشعر«””. وبمعنى آخر » الإيقاع الداخلي هو حركة توليد جديد داخل النص (…) وهو جزء هام من عنصر الموسيقى (…) إن الإيقاع (…) حركة تنمو وتولد الدلالة «””.
وقصارى القول » إن مظاهر تجلي الإيقاع الداخلي هو منطوق اللغة بوجه عام، فالأصوات اللغوية إيقاعية بالقوة، وإيقاعية بالفعل، إذا انتظمت وحايثت في انتظامها وتوزيعها في النص انتظاما وتوزيعا صوتيا ينتج الإيقاع «””.
وبتوظيف الإيقاع في العملية الإبداعية، تطفو على النص المقامي، تلك البنية الجمالية التي تستمد شرعيتها من اقتناص ألوان البديع، أو من التكرار، وتسخير ذلك في بنية العمل

الأدبي ككل، فإذا » بالإيقاع في حقيقته، ليس ما صفق في الأذن فحسب، ولكنه أيضا ما أثار الوجدان، وحرك المشاعر وحمل على الانفعال الداخلي «””.
ولا مناص من الاعتراف، بأن الصياغة في المقامة العربية – بوجه عام – وفي كتاب “التحفة المرضية” – بوجه خاص – تبنت صبغة إيقاعية بارزة باستغلالها للعناصر اللغوية، ورصف الألفاظ رصفا، والعناية بالتراكيب وتنويعها على نحو يؤكد أن »هدف الجميع يتمثل في الاحتيال الفني – إن جاز التعبير- على خلق عنصر الإثارة الإيقاعي من أجل تنبيه نشاط السامع النفسي، وتحريكه، قصد كسب استجابته وتفاعله مع الناطق، تفاعلا إيقاعيا داخليا«””.
ولا غرابة في ذلك، مادام» الإيقاع لم يتخذ اسمه ذاك لمجرد حصول الإيقاع السمعي فيه، بل ولأن له وقعا أي تأثيرا في النفس «””.
من هذه الزاوية، يتشكل محور البنية الإيقاعية ومكوناتها الأساسية. فما نصيب مقامات ابن ميمون من الإيقاع؟ وما مظاهر هذا الإيقاع كصيغة تولد التوافق في بنية النص المقامي خاصة وأن » بحوث الشكليين أثبتت أن النثر الأدبي ليس مجرد مادة هلامية مشوشة، مضادة للإيقاع، وإنما على العكس من ذلك، يمكن التأكيد بأن التنظيم الصوتي للنثر، يحتل مكانا لا يقل أهمية عن التنظيم الصوتي للشعر، وإن كانت طبيعة كل منهما تختلف «””.
وسأحاول – فيمايلي- مدارسة مكونات الإيقاع في كتاب “التحفة المرضية” لمحمد بن ميمون الجزائري وذلك حسب البنية الإيقاعية المهيمنة في مقاماته، والمتجلية في مكونات لفظية ومكونات تركيبية، وأبدأ بالمكونات اللفظية والمتمثلة في السجع والقلب والجناس.
أولا: المكونات اللفظية
1 – السجع:
جاء في تعريف السجع بأنه: » اتفاق بعض الجمل في النص أو المقاطع في الجملة الواحدة في النثر، في الحرف الأخير منها «””. أو هو ” تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد وهذا معنى قول السكاكي: الأسجاع من النثر كالقوافي في الشعر وهو ثلاثة أضرب مطرف ومتواز وترصيع «””.

وعند مدارستي لمقامات ابن ميمون، وجدتها ترفل في بني موقعة، تستند على ألفاظ منتقاة، وتصطنع جملا مسجوعة، متماثلة الصيغ – في الغالب – متوازية بعضها مع بعض في البناء وطرائق الإخراج.
يبدو ذلك جليا؛ انطلاقا من عنوان الكتاب بله محتوياته. وقد اصطنعه صاحبه على النحو الآتي:
التحفة المرضية
في الدولة البكداشية
في بلاد الجزائر المحمية

في هذا العنوان، نلمس إعلانا صريحا عن الولع بالبديع، وإرضاء ذكيا للحاسة السمعية، واجتذابا فطنا لعوامل نفسية، من جراء تتابع إيقاعي متمثل في تكرار حرفين في نهاية كل دفقة صوتية والحرفان هما (الياء) و(التاء المربوطة) أو هاء السكت. بالإضافة إلى تنغيم “التشديد” الذي نستشعره عند نطق حرف (الياء) علما بأن » وجود التشديد في اللغة العربية يؤدي إلى تكرار صوتين يساوي كل منهما في طوله وحدة صوتية تقريبا «””.
وإذا فقد توفرت الشرعية البديعية – إن صح التعبير- انطلاقا من العنوان، حيث فرضت الظاهرة الصوتية رنينها على مستوى ثلاث سجعات:
المرضية – البكداشية – المحمية

وثلاثتها تتطلب الوقوف على الساكن في فواصلها »لأن الإعراب يفسدها «””.ويبقى في هذا العنوان، مجال سأتناوله في المكونات التركيبية.
من هذه الإنطلاقة الموقعة، أدخل عالم المقامات في كتاب التحفة، حيث نجد ذلك التزاوج بين حركية الإيقاع وبين الدلالة، إذ »المسألة أعمق من مجرد حدوث تطابق شكلي بين الصوت والمعنى في الكتابة النثرية. فالوقفة الصوتية في هذه الكتابة تعمد إلى تزكية المعنى وتأكيده، والوقفتان معا … تتكاثفان لتركيز الدلالة ولتقوية الخطاب «””.
وقد خضعت مقامات ابن ميمون للوقفتين، فانتقيت منها نماذج ذات لغة مسجوعة، تسير على وتيرة من الائتلاف والانسجام، وتعد بتواجد نفحة من الإثارة الإيقاعية فالمقامة في كتاب “التحفة”، لا تكتفي بأن توقع فقط، وإنما توقع وتقول في آن واحد.ذلك ما سنلمسه في النماذج الآتية:

»ولازال مولانا على هذه السيرة، حتى أشار عليه رجال من أهل البصيرة، ومن ثم وسعده في الأفق الأعلى مرصود، وملكه بالله معصوم معضود، وشمله باتصال الأماني ورضى الرحمن منضود «””.
عند رصد صيغ السجع في هذا النموذج، نلاحظ خمس فواصل:
الفاصلتان الأولتان المنتهيتان بحرف الراء:
ولا زال مولانا على هذه​​ السيرة
حتى أشار عليه رجال من أهل ​ البصيرة
جملتان موحدتان من حيث التركيب، في مقابل سجعتين من حيث الصياغة، وردتا متقاربتين من حيث الميزان، تنبئان عن طبع صاف حققته بنية الانسجام بين الجملة الأولى والجملة الثانية.
ثلاث فواصل تنتهي بحرف الدال:
وسعده في الأفق الأعلى​​​ مرصود
وملكه بالله معصوم ​​​​ معضود
وشمله باتصال الأماني ورضى الرحمن​ منضود

نلاحظ توازنا في الفاصلتين (مرصود، معضود) فإن جئنا إلى الفاصلة الثالثة، وجدناها تطول نسبيا بسبب إضافة:” رضى الرحمن” ومع ذلك، فعند حصر هذه الفواصل في جدول، يتبين أن درجة التناسب بين الألفاظ، قائمة وملموسة رغم اعتماد: “رضى الرحمن”.

مرصود
سعده

ومـن
ثــم
معضود
ملكه

منضود
شمله

ثلاث جمل اسمية في هذا الجدول، لا تنتهي بنفس الوزن والتقفية فقط، وإنما تبدأ أيضا بتطابق صوتي ملحوظ، يساهم في إبراز شيء من الترجيع الصوتي، فيغطي ذلك النتوء الخفيف – إن صح التعبير – الحاصل بسبب زيادة لفظتي: “رضى الرحمن”.
»وبالجملة؛ فشيم فضله لا تفضلها في القديم والحديث شيمة، ومذاهب عدله واضحة مستقيمة، ومكارمه شاملة عميمة، وآثاره في سبيل الله حديثة وقديمة «””.

نلاحظ أن الفواصل في هذا النموذج قد قامت على تكرار حرف الميم وعلى هاء السكت أو التاء المربوطة، كما نلاحظ أن الصيغة الصوتية للألفاظ قد تنوعت ما بين: المصدر والفعل إلى اسم الفاعل، إلى الجموع، فاللواحق، وكلها ستظهر في جدول – مبسط – تتوزع على مساحته المكونات اللفظية.
فبالنسبة لتكرار الحروف: الميم مع التاء المربوطة أو هاء السكت، أمثلها بهذا الشكل:

هــاء
السكــت
فـــشيــــــم
القـــــديــــم
شــيـــــــمــــة
مستــقــيــــمـــــة
مــكـــــار مــــــ
عــمــــيـــمــــــة
قـــــديــــمــــــة
وبالنسبة لصيغ الألفاظ، أوضحها في شكل مجاميع موزعة على :

ـ لا
ـ تفضلـ

ـهـا
أداة + فعل
لاحقة

ـه
ـهُ
ـ فضل ـ عــدل ـ
ـ شيم
ـ مذاهب
ـه
ـه

ـ مكارمـ
ـ آثــار
لواحق
مصادر
جمــوع

1 ـ
و
2 ـ
و
3 ـ
و
4 ـ
و
5 ـ
و
6 ـ
و

ـ واضحة
ـ شاملة
ـ مستقيمة
ـ أسماء فاعل
تراكم العطف ست مرات

وقد ارتأيت – بعد محاولة مدارستي لإيقاعية السجع في التحفة -ارتأيت أن أجمع الفواصل المسجوعة في جدول، أبين من خلاله، أنواع السجع التي وظفها الناص في مقاماته، فكان أن توفر لي منها ما يلي:
جــدول بعض البنـى المسجوعـــة
الصفحة
عدد الفواصل
نوع السجع
العبارة
115
فاصلتان
متواز
كان من أهل الفضل والمجد، ونفحة مسك عبقت بين غور ونجد
115
فاصلتان
متواز
فأوصى مولانا حين كان صغيرا، إن ابني هذا على المغرب سيكون أميرا.
115
فاصلتان
متواز
يرجع في نظره إلى عقل حصيف ودين متين، وسلوك من النزاهة التامة على سبيل مبين
116
فاصلتان
مطرف
ظهرت له –مرارا- في أهل هذا المجال، ويعلم منها أنه أحد أفراد الرجال.
116
فاصلتان
متواز
فمن ثم وبنيانه مؤسس على التقوى، والمراقبة في السر والنحو.
122
فاصلتان
متواز
وبالجملة فقد وافقته الرياسة، وانقادت إليه السياسة.
122
فاصلتان
مطرف
فانتقل إليها انتقال الشمس في مطالع السعود، ومقل روض الأماني في نضير العود.
123
فاصلتان
متواز
وذلك في سنة اثنتي عشر، واشتهر فضله فيه اشتهار القمر.
123
فاصلتان
مطرف
ولما رأى الباغي ساد، وطغى في البلاد.
123
فاصلتان
متواز
واستوى في ذلك عنده العالم والجاهل، وصار الشرع سواء النبيل فيه والخامل.
123
فاصلتان
مطرف
واشتغل بنهب الأموال، وإجراء المظالم في كل حال.
123
أربع فواصل
متواز
ولم يزل ماضي العزم،مسدد السهم، مرهوب الجد ممتثل الرسم، مرفوع النصيب من نعمة الله عند عدد القسم.
124
أربع فواصل
مطرف
وأشركه معه في نهيه وأمره، وأطلعه على سره وجهره، لم ينفرد عنه بقصه، ولا اختص دونه بحصه.

142
فاصلتان
مطرف
ورفعوهم إلى قرية من قرى زواوة وارتفعت عنهم الشقاوة.
144
فاصلتان
مرصع
تجتليه بساما، وتنتضيه حساما.
145
فاصلتان
متواز
فسيرته سيرة النبلاء، وشيمته شيم الفضلاء.
145
فاصلتان
مطرف
له بدائع مائسة الأعطاف، مستعذبات الجنى والقطاف
145
فاصلتان
مرصع
تتنسمها زهر كمام، ويتوسمها بدر تمام
262
فاصلتان
متواز
شرف باذخ، ومجد شامخ
262
فاصلتان
مطرف
والكفر قد ذل واستكان، ودخل عزه في خبر كان.
263
فاصلتان
متواز
وقد أخذ الله صلبانها، واستعجل للنيران رهبانها.
263
فاصلتان
مطرف
غير الله محاسنها وشرد قاطنها.
263
ثلاث فواصل
مطرف
فله الحمد ومنه أسأل أن يصل للإسلام، عوائد النعم الجسام، ويلهمنا الشكر المستدعي للمزيد من هذه الأقسام.
وإذا كان »الإيقاع في النثر، حصيلة لترتيب في الكلمات «””، فإن حروف هذه الكلمات، قد تخضع لتغيرات تساهم في خلق الظاهرة الصوتية المميزة والمولدة للإيقاع، هذه التغيرات معروفة في باب الصوتيات ” بالقلب” فما تجلياتها في مقامات التحفة؟.

2-القلب
إذا كان » الإيقاع ظاهرة صوتية لغوية «””، فإن هذه الظاهرة لا تستقر على حال، وإنما تنتابها تغيرات داخل الكلمة الواحدة، حيث » يحدث (…) أن تتبادل الأصوات المتجاورة أماكنها في السلسلة الكلامية، ويسمى هذا قلبا «””.
ومن نماذج القلب – القليلة – في التحفة:
» وما يزال موصول السبب، واضح المذهب، متحليا بالوفاء والصدق المهذب «””.
»وشطر وصرع، وجنس ورصع، (…) واقتنص ولمح، وأومأ وملح «””.
»لم أر منذ عقلت بسني، وعلقت خطابته بذهني، أحق منه في طريقة الوعظ «””.
في هذه النماذج، يبرز ” القلب” كأحد التبدلات الصوتية المساهمة في تنويع الإيقاع بواسطة التلاعب بموقعية “الحرف” حيث يتغير مكانه على مستوى اللفظة الواحدة، ومن ثم يتغير مدلول اللفظة إذ إن »ما يهم في الكلمة، ليس الصوت ذاته، بل الفوارق الصوتية التي تساعد على تمييزها من بقية الكلمات الأخرى، إذ إن الفوارق هي التي تحمل الدلالة«”” . وفي – جدول بسيط – سأحصر ظاهرة “القلب” في النماذج المذكورة آنفا:

التمثل الذهني أو المدلول
اللفظة الثانية أو الدال
التمثل الذهني أو المدلول
اللفظة الأولى أو الدال
لمؤدب
المهذب
المسلك
المذهب
الترصيع: التنظيم والتزيين (من فنون السجع).
رصّع
التصريع في الشعر، جعل البيت منه ذا مصرعين
صرّع
أتى بكلام مليح أو ما لذّ واستملح من الأخبار
ملح
أشار إلى (التعريض)
لمح
نشبت واستمسكت
علقت
وعيت
عقلت
كما هو ملاحظ – من خلال الجدول – نلمس تنويعا في موقعية الحرف من اللفظ، وهو تنويع ساهم في تدعيم المكونات الإيقاعية اللفظية التي توزعت على بعض من رقعة النص المقامي والتي تؤكد » أن النثر الفني (…) لا يخلو من بعض الجمالات الشكلية«””.
ومن نظام القلب. انتقل إلى مظهر آخر من مظاهر الإيقاع ضمن المكونات اللفظية، ذاك المظهر هو الجناس.
3-الجناس
من الخصائص الإيقاعية في المقامات. ذيوع ظاهرة الجناس. كأداة من أدوات الترجيع الصوتي. ذلك أن »الجناس والسجع والترديد ورد الأعجاز على الصدور، وما شابه ذلك، من أهم أدوات الترجيع الصوتي المقصود، التي يمكن رصدها في المنظوم كما في المنثور «””.
ومما جاء في تعريف الجناس: » أن يتفق لفظان أو أكثر في الأصوات المكونة لهما. ويختلفا في المعنى «””.
وفي موضع آخر: » (…) ولذلك قال الحريري في المقامة الشعرية على لسان صاحب الشرطة: إني مولع من أنواع البلاغة بالتجنيس، وأراه لها كالرئيس (…) لأنه أشرف تلك الأنواع، وأكثرها استمالة للطباع، قد كلفت به النفوس، ونزل من الكلام منزلة الحلى من العروس «””.
وجاء في تعريفه أيضا: » أن يأتي الشاعر بكلمتين مقترنتين مقتربتين في الوزن، غير متباعدتين في النظم، غيرنا فرتين عن الفهم، يتقبلها السامع، ولا ينبو عنهما الطبع «””.
وينقسم الجناس إلى » قسمين كبيرين: الجناس التام والجناس الناقص و(…) لكل منهما تفريعات عديدة حسب درجات الاتفاق أو الاختلاف «””.
أو هو » تكرار الملامح الصوتية ذاتها في كلمات وجمل متفاوتة في الكثافة، وغالبا ما يهدف ذلك إلى إحداث تأثير رمزي عن طريق الربط السببي بين المعنى والتعبير «””.

ومن نماذج الجناس في مقامات التحفة: » وأوخز في مفرق النسر ركائبه، استفتح وهران، وانبلج صبح النصر وبان «””.
يتمثل الجناس في هذا المقطع في رصف لفظين مبنينين على صيغة صرفية قائمة على التماثل الصوتي، حاملة لسمة إيقاعية داخلية، أوجدتها نسبية التشابه في الحروف من جهة، وقرب المسافة بين المفردة وجنيستها من جهة أخرى:
مفــرق النـسـر
صـبــح النــصر
ففي المفردتين تعادل في عدد الحروف، وتقارب في النسيج الصوتي بين حرفي: السين والصاد، وكل منهما مهموس رخو، وإن كان الصاد أملأ من السّين صوتا. والطرفان المتجانسان عبارة عن اسمين رامزين لدلالة القوة والغلبة.
فالنسر – ملك السماء – من الطيور الكواسر، التي لها وزنها قوة وبطشا، وله ميزة الانتقاء في الاقتناص، وقد تجانس لفظ “النسر” مع لفظ “النصر” الذي لا يحصل إلا إذا كان الساعي نحوه، يمتلك قوة وبأسا شديدين، من شأنهما أن يجعلاه ملك الأرض – أو على الأقل – ملك المنطقة التي يقيم فيها أو عليها ولا غرابة في هذا القرب الدلالي،» فهناك كلمات تختلف في اللفظ وتشترك في المعنى، وهناك ألفاظ أخرى تشترك في اللفظ مع الاختلاف في المعنى. لكن معظم الدارسين الغربيين يكاد يسلم بأن الجناس بأنواعه المختلفة، يعزز الصلات المعنوية التي تربط بين الوحدات المعجمية «””.
ومن نماذج الجناس أيضا، اختار هذا المقتطف: » تعرض عليه أنظار الزمخشري في البيان، فيزيف واهيها، وينبه من الغفلة ساهيها، ويرد إلى الجد – بحسن الاقتباس – لاهيها «””.
اجتمع في هذا المقطع ثلاثة ألفاظ متجانسة، حققت إيقاعا واضحا بحكم –رصفها، وليونة حروفها:
واهيهــا ¬ ساهيــها ¬ لاهيــها
وقد جرت في بنائها على طريقة الجناس الناقص حيث اختلفت الألفاظ ثلاثتها في الحرف الأول فقط من كل لفظ:
وا – سا – لا
فالواو لينة جوفية، والسين مهموس رخو، واللام مجهور متوسط الشدة، واشتركت الحروف الثلاثة في خاصية الامتداد بسبب الألف اللينة الجوفية.

ورغم وجود الجملة الاعتراضية بين الكلمات المتجانسة: (بحسن الاقتباس)، فإن الاعتراض لم يبعد بين الثلاث مفردات ولم يكسر ذلك الحس التناغمي عبر المقطع، بل جرى الكلام على عواهنه، وكأن »البنية الإيقاعية تمارس على النص تأثيرا خاصا بها «.””
وتسهيلا للوقوف على بعض البنى المتجانسة، ارتأيت ضرورة حصرها في الجدول التالي:
الصفحة
اللفظ الثاني
اللفظ الأول
115
نجد
المجد
115
السبعة
نبعة
115
مبين
متين
116
الرجال
المجال
117
المهذب
المذهب
117
الود
المد
117
الأمال
الكمال
118
الأصدار
الأقدار
119
درة
غرة
119
تميمة
عميمة
121
رجومها
نجومها
122
السياسة
الرياسة
122
حاطها
ناطها
123
الكد
الجد
123
خائبا
صائبا
123
الرسم
السهم
124
حصة
قصة
124
الخبر
البصر
126
الطائف
الخائف
126
المجنون
المنون
135
عقارا
وقارا
140
جال
صال
148
السريرة
السيرة
148
الحقيبة
النقيبة
148
شهودا
مشهودا
148
الوسائل
الرسائل
149
ميال
سيال
149
الأحكام
الحكام

218
روحا
مروحا
218
شديدا
جديدا
218
شرقا
مشرقا
219
النصل
النصر
219
الشواغب
الشواغل
219
الرجفان
الأجفان
222
نهجه
وجهه
223
أفذاذها
أفلاذها
224
الرماة
الحماة
225
الروم
الكروم
225
المائلة
الصائلة
226
المحشورة
المحشودة
226
انهالت
انهارت
227
مالت
سالت
227
دورها
سورها
228
ثاغرة
فاغرة
228
المحجل
المعجل
228
يهمل
يعمل
228
البعيد
السعيد
229
الشدة
المدة
229
الأريب
الأديب
229
الحافظ
اللافظ
229
التعلم
التكلم
229
عيونا
ديونا
229
طرفه
عرفه
229
صدر-قدرا
بدر
232
كراديس
فراديس
233
عصره
مصره
235
القول
الهول
235
الممتد
المشتد
236
ترتد
تمتد
236
الترهيب
الترغيب
236
أعداد
أمداد
236
المدامع
المسامع
236
الجامع-الطامع
السامع
237
أنجز
أوجز
238
الأمان
الزمان
238
القوت
الموت
238
ولاه
علاه
239
جناه
سناه
246
الجسام-الوسام
الحسام
246
رعوده
وعوده
246
قعوده
سعوده
246
منالها
مثالها
247
المهالك
المسالك
247
ملك
فلك
248
الزرق
الطرق
248
الهزيمة
العزيمة
248
مغلولا
مغلوبا
248
مطلولا
مسلولا
248
القدود
الخدود
248
الهني
السني
248
سهم
وهم
248
السلك
الملك
248
البحر
النحر
248
جهرا
ظهرا
248
صدفا
هدفا
249
النفور
السفور
262
نافقة
خافقة
262
استبان
استكان
262
تتعطر
تتمطر
262
حاقت
راقت
263
البائدة
البائسة
263
يرتبه
يكتبه

ثانيا: المكونات التركيبية
1- نظام المخالفة:

جاء في تعريف المخالفة: »المخالفة، عكس المماثلة، لأنها تعديل الصوت الموجود في سلسلة الكلام بتأثير صوت مجاور، ولكنه تعديل عكسي يؤدي إلى زيادة مدى الخلاف بين الصوتين«.””
وفي تعريف آخر: » هي عملية تناقض تماما الأحداث التي تتم بواسطة المماثلة، وعندما يحدث التماثل التام في صوتين متجاورين قد تقوم المخالفة بإدخال تعديلات على أحدهما «.””
وقد حاولت تقصي عنصر المخالفة في مقامات التحفة، فاستقام لي منها ما يلي:
»فكانت هذه فتوحات منظومة العقود، معقودة النظام، وآلاء دائمة الاتصال، متصلة الدوام، وسعودا معلومة الوضوح، واضحة الأعلام «.””
لقد تزاحم في هذا المقطع، تجنيس كثيف، مرده الارتكاز على بنى الاشتقاق، وترديد بعض الألفاظ بصبها في صيغ مختلفة، تراوحت بين أسماء المفعول، والمصادر، والجمع، وأسماء الفاعل.
وفي الجدول التالي، حصر لهذه البنى المتجانسة –الاشتقاقية- حسب تركيبها في المقطع:

المصدر
اسم الفاعل
اسم المفعول
الجمع
المصدر
اسم المفعول

الدوام
دائمة
معقودة
العقود
النظام
منظومة

متصلة

الاتصال

الأعلام

معلومة

واضحة

الوضوح

فبتوظيف هذه الأزواج الاشتقاقية من التجنيس، استقام للناص نوع من الترديد، أسهم في خلق بنية إيقاعية تركيبية، ووفر قيمة دلالية منبعها الاحتفالية بحدث الفتوحات على أوسع مدى، »ومن ثم فإن ترديد الألفاظ والجمل ترديدا ملحوظا مهما تباينت في تراكيبها وصيغها فإنها جميعا تركز على خلق دلالة واحدة. «””
هذه الدلالة تضطلع بترسيخ المعنى الخفي وراء ذلك التماثل الصوتي في هيئة النص المقامي، »فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيد «.””
وباستخدام هذه الأزواج الاشتقاقية من التجنيس، نشأت علاقات من الجوار بين المكونات التركيبية، أسهم في تحقيقها تشابه الحروف، والتصرف في ترتيبها، وفق متطلبات البنى التركيبية من جهة، ووفق التناسب الصوتي من جهة ثانية.
وفي مقطع آخر من إحدى مقامات التحفة، وفي السياق نفسه (نظام المخالفة):
»أبقى الله سيرته عدة للكمال، متكلفة للدين ببلوغ الآمال، جليل العلاء، عالي الجلال، منيل المواهب موهب النول، فأشار على المولى بموال… «””
نجد نظام المخالفة، قد قام على بنيتين تركيبيتين، تصدرتهما بنية تجنيس اكتفت برصف لفظتين هما:
الآمال
الكمال
ثم امتدت المكونات التركيبية إلى حدود ستة تشكلات إيقاعية، توزعت بين فواصل قصيرة، مبنية على مجامع اسمية، متشابهة الحروف، مختلفة الصيغ، وكأن الناص يدخل في مباشرة لعبة لغوية، تسمح له بتنويع التركيب، وهندسته وفق نظام خاص، فعندنا مثلا:
1- جليــل العلاء​تجاورها​2- عالي الجلال
3- منيل المواهب​تجاورها​4- موهب النول
5- المولى​​تجاورها​6- الموال
ويمكن –أيضا- تفحص نظام المخالفة على هذا النحو:
المولى
المواهب
منيل
العلاء
جليل
الموال
موهب
النول
عالي
الجلال
وإن نظاما بهذا الشكل، يبين »أن الخطاب الأدبي هو قبل كل شيء لعب بالكلمات (…) فاللعب الاضطراري أو الاختياري إذن هو صميم العملية اللغوية بعامة والأدبية

بخاصة«”” وكيف لا و» العمل الأدبي مصنوع من كلمات «”” غير أن هذا “اللعب اللغوي” –فيما أرى- لا يتأتى لأي كان، وإنما يصدر عن اقتدار على الكلام ودربة على انتقاء الملفوظ وتوظيفه بغية تحقيق بنية جمالية في العملية الإبداعية، خاصة إذا تعلق الأمر بفن كفن المقامات الذي هو » أدبي في نشأته وفي سماته «”” حيث » يستخدم كتاب المقامة في أساليبهم لغة متينة أنيقة أحيانا (…) ولذلك غلبت الصناعة البديعية على سواها في فن المقامات «””.
2-التوازنات الصوتية:
ومن نظام المخالفة، أنتقل إلى مدارسة ملمح آخر من ملامح المكونات التركيبية في مقامات التحفة، إنه ملمح التوازن الصوتي الذي صادفته في نماذج منها:
»إن لله قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، أجراها على يد من هو للكمال أهل «””.
» فأصبح وقد صقل غمام العدل، أزهار الوجوه حتى أذهب طيشها، وسقى أرضها فأروى عطشها. ثم أسست الدولة التي أرجت نفحاتها، وتفتحت أكمام عدلها، وأفصحت حمائم الثناء، ورمقت عيون الأماني وجوه حشمها «””.
في ملاحظة أولية ، يبدو أن الكلام في النموذج رقم (1)، يسير على وتيرة من التوازن، مرجعها قصر الفاصلة من ناحية، وتوحد عدد حروف الكلمات من ناحية أخرى، وإن اختلفت الألفاظ، فإن التشاكل الصوتي قائم بين الجملة الأولى والثانية، ويتبين ذلك من خلال هذا الجدول:
بالعدل
واقعة
قضايا
إن لله
للفضل
جامعة
عطايا

و
جاران ومجروران
اسما فاعل
جمعان

تــــــشــاكـــــل صوتـــي

فمظهر التوازن جاء ثنائيا بين المكونات التركيبية للفاصلتين، إذ يوجد توازن دقيق في الصيغة الصوتية – كما هو مبين في الجدول – وأسهم البناء التقريري (إن لله) في رسم ظلال فنية، نحت بالكلام إلى تحقيق إيقاع داخلي يستجيب له الوجدان العارف بالله، »ولن

تجد أيمن طائرا، وأحسن أولا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ «””.
وترتبط الفاصلتان في هذا المقطع بفاصلة ثالثة:
»أجــراها عـلى يـد مـن هو للكمــال أهــل «.
وإن كانت هذه الفاصلة، أطول من الأولتين بسبب عودتها بواسطة الضمير (ها) على ما قبلها ولاعتمادها على الموصولية ( من)، مما يقلل من درجة تلاحق الإيقاع، وكأن الناصّ يلح في بناء هذه الفاصلة على اكتمال المعنى أولا، ثم الاستنجاد باللفظ المختار ثانيا، على سبيل إحداث إثارة إيقاعية متأخرة، تبين أن »الإيقاع يجاوز وظيفته الجمالية الخالصة إلى وظيفة أخراة أعمق غورا وأبعد مدى، وهي الوظيفة الدلالية التي تجعل الإيقاع مجرد وسيلة«””.
وبنفس الإثارة الإيقاعية – المتأخرة- أو المرجاة – إن صح التعبير – يتشكل النموذج رقم (2) الذي نجده يجلو – من خلال بنائه- بعدا دلاليا يمهد لتغيير مرتقب، ذلك أن » لكل بناء لغوي دلالة ترتبط بهذا البناء، فتزيد بزيادته وقد تنقص أحيانا بنقصان وحدات هذا البناء«””.
والتغيير المرتقب، يظهر جليا في حيوية الأحداث التي تنفث من روحها في حركية الإيقاع، فتنشأ دواعي استعماله وكأنما »تكمن حياة هذا الإيقاع في كيفية استعماله، أي في أدائه على نحو معلوم «””.
هكذا، تبرز في النموذج رقم (2) إثارة إيقاعية، لحمتها البنى المتشابهة من تلاحق جمل فعلية، ومفعولاتها، على درجة كبيرة من التقارب والتناسب لم يخل به سوى فعل:” سقى” الثلاثي المتواجد بين فعلين رباعيين، وكذلك المفردة:”عطشها” التي تختلف حركة حرفها الثاني عن حركة الحرفين في المفردتين المقابلتين لها:
طيشها
أذهب

غمام العدل
أرضها
سقى

عطشها
أروى

ونتدرج مع النموذج نفسه، حيث يستمر الإيقاع معتمدا حرف ” الهاء” في خمس متتاليات، حققت تجانسا موسيقيا في خواتم الجمل أو الفواصل، يتبين ذلك من خلال الجدول الآتي:
فعل + فاعل + ضمير
نفحاتها
ـ
ـ
أرجت
فعل + فاعل + إضافة + ضمير
عدلها
ـ
أكمام
تفتحت
فعل + فاعل + إضافة + الجار والمجرور + إضافة + ضمير
أهلها
على
الثناء
حمائم
أفصحت
فعل + فاعل + إضافة + ضمير
كرمها
ـ
ـ
جداول
تجردت
فعل + فاعل + إضافة + مفعول به + إضافة + ضمير
حشمها
وجوه
الأماني
عيون
رمقت
فما عدا خواتم الفواصل، كما يظهر من الجدول – أعلاه – فقد حدثت انكسارات، ألغت التطابق الصوتي، فبينما اكتفت الفاصلة الأولى بالفعل والفاعل مع الضمير، اتسعت الفاصلة الثانية بإقحام مفردة ” أكمـام”.
وازداد اتساع مكونات الجملة الثالثة بإضافة:
حمـائـم – الثنــاء – عـلــى
ثم تقفز المتتالية الرابعة، في تقنيتها الإيقاعية، لتتحد مع المتتالية الثانية، بينما احتفظت المتتالية الخامسة – والأخيرة- بوتيرة المتتالية الثالثة مع تغيير ملحوظ، تمثل في توظيف حرف الجر: ( على) وتوظيف المفعول به (وجوه).
من خلال هذه العملية التحليلية للنموذجين الأول والثاني، يتجلى النسيج البنائي للمتتاليات الصوتية، حيث وجدنا الإيقاع يتناوب بين الوصف والأحداث، مستندا إلى انتقاء في الألفاظ، وسهولة في التركيب، مرجعها ائتلاف العناصر، التي بنيت عليها المتتاليات الصوتية، واعتدالها في الصياغة، علما أن » أساس التعادل والتناسب هو التلاؤم الذي ينجم عن تناغم إيقاع الألفاظ المتجاورة في النسيج الصوتي للنص «””.
على مثل هذا النمط ، سارت المكونات التركيبية في مقامات كتاب ” التحفة” حيث راح الناص ينهل من حياض تنظيم عام» جعل البناء الصوتي ينهض بأعباء المعنى والإيقاع، وينفذ إلى ما وراء المستويات الواعية للتفكير والشعور، ويعبر من خلال التنوع الجم (…) عن نقط التقاء علاقات متبادلة بين عناصر التعبير «””.
وفي التفاتة إلى عنوان الكتاب الذي حوى المقامات: » التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية « يشغل التوازن الصوتي حيزا معتبرا حيث يسير التنظيم الصوتي على وتيرة صيغة صوتية متوزعة على ثنائية تركيبية على هذا النحو:

البكداشية
في الدولة
المرضية

التحفة
الجزائر
في بلاد
المحمية

مضافان
جاران ومجروران
اسما مفعول

1
2
2
2

تــــــســاوي الــــــكــمــيـة

ومن نماذج التوازنات صوتيا وكميا: » تراكمت من النقع جون السحائب ، وماجت على الأرض فحول الكتائب «””
السحائب
جون
النقع
من
تراكمت
الكتائب
فحول
الأرض
على
ماجت
إضافتان
فاعلان مؤخران
اسمان مجروران
حرفا جر
فعلان ماضيان + تاءان ساكنتان
»والوجوه بادية السفور، والخيل دامية النحور، والسيوق موردة الخدود، والرماح مختصرة القدود «””.
السفور
بادية
الوجوه
النحور
دامية
الخيول
إضافتان
خبران
مبتدآن

الخدود
موردة
السيوف
القدود
مختصرة
الرماح
ضافتان
حبران
مبتدآن
» وأصبحت للغرب بابا، وللقفول ركابا، ولسهام الأمل هدفا، ولدر العلماء صدفا«””.

في عملية توزيع داخلية، أحاول حصر التوازنات على هذا النحو:
بابا

للغرب

وأصبحت
ركابا

للقفول

هدفا
الأمل
لسهام

صدفا
العلماء
لدر

استنادا إلى هذه العينات المنتقاة من كتاب مقامات ابن ميمون، يتضح أن عنصر التوازنات الصوتية. قد شكل أحد المكونات التركيبية الهامة، فوفر ثراء إيقاعيا، جعل الترجيع الصوتي خصيصة ملازمة لكتاب التحفة، وجعل – بالتالي – موسيقى البنية النثرية؛ عنصرا جوهريا على مدار ست عشرة مقامة، حفلت بالبنى المتشابهة إيقاعا، والقائمة على التشاكل الصوتي، علما أن » التشاكل الصوتي يتحقق في الكلمة، ولكنه لا يؤدي وظيفته كاملة إلا إذا تجلى في تركيب «””.
ثالثا: المكونات المعنوية
بالإضافة إلى مكونات الإيقاع السابقة، يبرز نوع إيقاعي آخر يثري شرعية النسق الفني، ويدعم السلطة البديعية المهيمنة، وكأن هذه المكونات تتضافر جميعا لإنشاء شبكة من العلاقات تعتمد نظاما مقررا، » وما الأدب إلا عناصر تتضافر لتخلق الجمال، وما اللغة إلا الظاهرة الشكلية الوحيدة التي تتيح لنا أن نتعرف على الأدب الذي لا يتحقق إلا بها وفيها «””
من هذه الزاوية، تكون النية الجمالية وراء تدفق الإيقاع، ووراء حركيته، فتتنوع عناصره، لتمتد إلى » الجمع بين اللفظ وضده أو المعنى وضده، وهو ما يعرف في البديع العربي بالطباق والمقابلة «””
وقد حاولت تتبع هذا المكون الإيقاعي المعنوي، في مقامات التحفة، فوجدت بعض المقامات توظفه في متتاليات صوتية مجسدة لبنية دلالية تهدف إلى تأكيد المعنى بإبراز ضده، وتهدف إلى تقابل دقيق بين اللفظة وجارتها في نظام من العلاقات يؤكد » أن الكلمة (…) هي وحدة تفرض ذاتها على الفكر، وهي أيضا شيء مركزي في آلية اللغة «””
ففي ملاحظة أولية، يبدو أن “الطباق” توزع على اثنتي عشر مقامة من مجموع ست عشرة مقامة، أجراه الناص لنقل صور متعارضة، ساهمت في تصاعد التشكيل الإيقاعي

القائم على تناسق التعبير مع الحالة المراد تصويرها، ففي أحد المقاطع مثلا: » علمنا أن من صحب الدهر وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامه، من صحة وسقم، وغناء وعدم، وبعاد واقتراب، وانتزاح واغتراب «””
بني الإيقاع المعنوي على تقابل، ينبئ عن تعارض دلالي تجسده الصورة المتغيرة للدهر، وبالتالي انعكاس هذه الصورة المتغيرة على الفرد، وتأثيرها عليه، فها هو التمهيد، منذ الوهلة الأولى، يجلو صورة الاختلاف التي يتميزها بها الدهر فـ “الأحكام، والأقسام” جموع تفيد التنوع والكثرة، ومع التنوع يكون التضاد، أو تكون »الاختلافات المفهومية «”” كما سماها “دي سوسير”.
ثم تتدرج الصورة لتعيين بعض من مجلى الاختلاف، فتستوقفنا صورة الصحة في إطار من البهجة والنشاط والحركة والإقبال على الحياة، في مقابل صورة السقم المنكمشة داخل إطار النكد والخمول، والعجز والتبرم من العيش، وشتان بين الصورتين، بل وبين حياتين! تنبئ أولاهما عن القوة، وتنبئ الثانية منهما عن الموت البطيء. وكان الناص، يأبى إلا أن يتقصى تجليات التقلب والتحول من وضعية إلى أخرى، مناقضة، فمن تقابل (الصحة والسقم) إلى تقابل (غناء وعدم)، وبين الصورتين بون شاسع، لا يدركه إلا من ذاق ذل الحاجة، وداسته نوائب الفقر، فدقت عظمه وألهبت جلده!!.
وفي الصورتين (غناء/عدم) مجال واسع لاستحضار مظاهر الفوارق الطبقية الصارخة بين مجتمع الحرير، ومجتمع الحصير! –إن صح التعبير- ومن تقابل (غناء وعدم) تتدرج صورة التقابل إلى (بعاد/اقتراب) (انتزاح/اغتراب)، فبينما تركز الأولى على المسافة (بعاد/اقتراب)، تركز الثانية على المكانية، ويبقى هذا الزوج من المفردات مرتبطا بعلاقات داخلية هي علاقات التحرك، فالبعد حركه، والاقتراب حركه، النزوح حركه، والاغتراب حركه، وسر الحركة كله يكمن في تلك النقلة المعنوية من حال إلى حال، وفي تشابك الدلالة بين المسافة والمكان.
وغير هذا النموذج كثير في مقامات التحفة، وسأحاول –في جدول مبسط- جرد ما ورد من طباق على مدار اثنتي عشر مقامة من مجموع مقامات التحفة:
الصفحة
الطباق
العبارة
115
سابقة/لاحقة
وله بسيدي أحمد البدوي يد سابقة ولاحقة.
119
حديثة/قديمة
وآثاره في سبيل الله حديثة وقديمة.
123
العالم/الجاهل
استوى في ذلك عنده العالم والجاهل.
123
المقابحة/المجاملة
وأعطاهم المقابحة عوضا من المجاملة.
124
سره/جهره
وأطلعه على سره وجهره.
135
السرور/ويلا
انقلب السرور ويلا.
136
صحة/سقم
علمنا أن من صحب الدهر، وقع في أحكامه من صحة وسقم.
136
غناء/عدم . بعاد/اقتراب
ومن غناء وعدم وبعاد واقتراب.
137
الماضي/المستقبل
فأوقع الماضي موقع المستقبل.
138
أصلي/فرعي
اجثت منه أصلي وفرعي.
138
النهار/الليل
وصاروا يكمنون النهار ويسيرون الليل.
140
عجم/عربها
وليحملن على طاعته عجم الرجال وعربها.
141
بدوه/حضره
وإخراجهم إلى بدو البلاد من حضره.
143
قام/قعد
قام سعده، وقعد ضده.
145
تعب/الراحة
واختار تعب النفس عن تلك الراحة.
204
قربا/بعدا
ولا تقلع عن أذى تفشيه قربا وبعدا جهدها.
204
صغيرهم/كبيرهم
وأتوا ما ينكر مقتديا صغيرهم بكبيرهم.
210
لناشئكم/لكهلكم
وقد أمرته أن يكون لناشئكم أبا ولكهلكم أخا.
210
الطاعة/عصى
بان عن الطاعة وعصى.
212
بكرة/عشية
سوجلوا فيه القتال بكرة وعشية.
216
المسلمون/الكفار
وتحصن بالحصن المسلمون، وانقلب على الكفار الويل والمنون.
222
القليلة/الكثيرة
ويشرح بنصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة صدره.
225
برا/بحرا
تنتهب المواكب برا وبحرا
226
المتقدم/المتأخر
فخفوا إلى حومة الحرب خفوفا، لم يعطف فيه المتقدم على المتأخر
228
القريب/البعيد
واتصل الأمر القريب منها بالبعيد.
هذه بعض عناصر الإيقاع في كتاب التحفة، وقد اكتفيت بمدارسة بعض النماذج إن على مستوى المكونات اللفظية أو على مستوى المكونات التركيبية، وألحقت بها ما استقام لي

من إيقاع معنوي، وعلى رأي القائل: »إن النص نداء، والقراءة أن تلبي النداء ! «”” وبحصول التلبية، قد يحصل الانفعال بالأثر المقروء، حتى وإن كان هذا الأثر المقروء، يخضع للمسة السلطة السلفية، فالمقامة بنت عصرها، ووسائل التعبير فيها، جاءت من باب ذوق العصر، وميولات مبدعيه المتوقفة على المهارات اللغوية الحاملة لدلالات النص، انطلاقا من كون » الدال هو الترجمة الصوتية للمفهوم، والمدلول هو المقابل الذهني للدال «””
بعد هذه الجولة العامة في رحاب مقامات التحفة، والتي خضعت لإجراءات تطبيقية متفرقة على مدار ست عشرة مقامة، ارتأيت اختيار مقامة واحدة، قد تمكنني من تفحص البنية الإيقاعية وتتبع تجلياتها بشكل أكثر عمقا، وهكذا اخترت المقامة الحادية عشر والتي عنوانها:
“في استفتـــاح حصـن الجبــل
وكيف نزعه من أيدي الكفرة عن عجل”
وهـــذا هــو نــص المقامــة””:
1-نص المقامة الحادية عشر:
»لما فتحوا الحصن الأول، صعدوا للذي في شاهق الجبل، وداروا به دوران الفلك وتأهبوا للقتال حتى اضمحلت المظالم، وصار البعض يخد في أساس الصحن، والبعض يعالج تسور الحصن، وكان ابتداء حصنه يوم الخميس، والجند منهم قائم وجليس، إلى يوم السبت فإستفتحوه، ومن الله استمنحوه، وكان استفتاحه في السابع والعشرين من جمادى الأخرى في السنة المذكورة، وعدد من أسر منه مائة وستة رجال وست نسوة، وتحصن بالحصن المسلمون، وانقلب على الكفار الويل والمنون، وصاروا يضربون بمدافعهم في المدينة، ومن ثم أدركتهم الهزيمة.
وكان يوم هذا الفتح يوم زينة، رفعت الأصوات بذكر “لا إله إلا الله” بوقار وسكينة، فلله الحمد والشكر على هذه النعمة الجسيمة، والمنة العميمة، فدخله العسكر المنصور بالله ورايته منشورة وآيات الفتح فوقها مسطورة والمولى أبو الفتوح قد انتظمت في دولته الفتوحات انتظام العقود، واقتضيت بغرماء غرماته ديوان الأيام اقتصاد النقود، وطلعت من ثنايا أرائه السديدة وجوه السعود، وتكلفت نيته الصالحة بنيل المقصود، وإنجاز الوعود، فمتى نشرت الفتوحات ألفيت في لفائف جنوده ودائعه، أودعت لآمال كانت بوجوده طائعة وسامعة، أو استدعيت لأمان انثالت في أيدي سعوده وإن كانت شاسعة، أبقاه الله مكملة مآرب أمره، معملة عوامل نصره، فحقق لأمن الله ما يعجز اللسان عن عمره، ولا زالت عوامله مصروفة في زيد عداه وعمره حتى تذعن الرقاب الغلب لقهره، وتعرف الدهور بمزية دهره، وحيث يسر الله تعالى بفتح هذه القلعة المنيعة، والهضبة الرفيعة، سفرت الفتوحات عن

غررها، ووضعت أنباء النصر على صفحات السيوف وطررها، واستبشرت الأرض بوابل مطرها، وظفرت النفوس بأقصى وطرها، فالحمد لله الذي تمم لساداتنا الصنائع تتميما، وجلى لهم وجه السعادة أغر وسيما، وأثبت لهم في صفحات الفخر ذكرا شهيرا ومجدا عظيما، وجعل حد سيوفهم الماضية يستوعب العبد سبرا وتنسيما، فكلما طلبوا الأيام بديونها لم تماطل غريما، وكلما أضمروا أمرا بعيدا أصبح ببابه مقيما، والدعاء لمقامكم الأسمى بالعز الذي لا يزال لركابه العلي لزيما، والسعد الذي يروق أولياء مقامه الرفيع خصوصا وسائر المسلمين عموما، ولا زال جنابه المؤمل كهفا والثناء عليه رقيما، حتى يصبح روض الكفر بهبوب عزائمه هشيما، ويستنشق الإسلام من إتاحة الكرة على يديه روحا عاطرا ونسيما، وجعل سعده يتضمن أعتاب الدهر كلما عتب، وأقلام رماحه تثبت في خطها النصرة الداخلة على العتب، وخطباء الفتوح تتوقل في منابر العز على الرتب، والاعتداد بمقامه العلي يزيد صرفه وضوحا، والآمال في ملكه التركي يهز منه نسيم هذه الأنباء غصنا مروحا، وخافت الرجاء في هذه الأرجاء ينفخ في عزائمه على جهاد الأعداء روحا، ويتلو عليه من النصر كتابا مشروحا، وأيد الله أمره الرفيع تأييدا، وألهمه شكرا لا يعدم منه مزيدا، وجعل سيفه الماضي –كلما تقلد لأبواب الفتوح- إقليدا، ويستأنف به الإسلام عزا جديدا ويتلع جيدا، ويملأ ببلاد التثليث توحيدا، ويذيق الكافرين بأسا شديدا، ويريهم الفتح المبين قريبا وإن كانوا يرونه بعيدا، أكرم به من أمير أصبح الغرب بنور دعوته مشرقا، وأساغ ريقه وكان به شرقا، واشتمل ملاءة الأمن وكان خائفا فرقا، وغدا به ميزاج السياسة التركية لارتفاع ضدها ميزاجا متفقا، وأنشدها لسان السعد: “فاشرب هنيئا عليك السعد مرتفقا” ولاشك أن هذه الغزوة المستأصلة كانت لمرض الخلاف المزمن بحرانا، وحكما يتبع من حلول النصر بدرجات النصل قرآنا، وفتوى رضى شهاب الحسام اختيارها، وكتب أقلام الرماح في صحف الأيام آثارها، فقلنا: هذا أمر لنا جله أو كله، ومزن لنا طله ووبله، والآن ارتفعت عن الجهاد الشواغل والشواغب، وإن لا يحظى بأمله الراغب، والآن تهللت الوجوه، واستشرف الدين الحنفي لما لم يزل يرجوه، كأننا بالعزائم لأداء حق الله مصروفة، والصوارم على سبيل الجهاد موقوفة، والهمم بأن تكون كلمة الله هي العليا-مشغوفة، ومن عامل الله بنصر هذه الأقطار المسلمة مع اختلاف الكلمة بما جمع بين السيوف والأجفان ومهد القواعد بعد الرجفان، وأمسك حبلها العاصم عند فيض الطوفان، وسدد سهام الجهاد ففتح بها ثغر وهران ومن عامل الله في حربها بنية صالحة ظهر – والله – ربحه، وطلع بالسعادة صبحه، وقد ظهر مجمل ذلك بما يطول شرحه، فإنه لما صدق فيها عزمه، لم يسل سيف العدو إلا نبا عن ضريبه، ولا أعمل عزما إلا بلغ غاية غريبه، ولا سدد سهما إلا أصاب غرضا بعيدا، ولا غرس غرسا إلا أثمر مراما سعيدا، وإننا أخذنا من السرور بتمام نعمة الله عليه، واستقرار فذلكة والفتح لدينا بأقصى ما يأخذه الولي الحميم، ولمحنا من اتصال سعدنا بماسناه من الصنع الكريم، والله يصل سعده، ويحرس لسيدنا مجده «.
2- مجلى الإيقاع في المقامة الحادية عشر:
بما أن نظام الفواصل، هو النظام السائد في المقامات، وبما أن هذه الفواصل قد تختلف أحجامها ما بين الطول والتوسط والقصر، وبما أن »النص مسجل من خلال تجليه الكتابي (…) وهو تلك البنية السطحية الخطية أو ذلك المظهر الكرافي كما هو متجل

على الورق«”” فإني قد حاولت توزيع هذه الفواصل كإجراء أولي، يجلو تفاوت الأحجام، والذي سيظهر جليا من هذه الخطاطة:
خطاطة فواصل المقامة الحادية عشر
الفواصل الطويلة
الفواصل القصيرة
وداروا به دوران الفلك، وتأهبوا للقتال حتى اضمحلت المظالم.
وعدد من أسر منه مائة وستة رجال وست نسوة
رفعت الأصوات بذكر ” لا إله إلا الله” بوقار وسكينة.
فلله الحمد والشكر على هذه النعمة الجسيمة.
والمولى أبو الفتوح، قد انتظمت في دولته الفتوحات انتظام العقود.
واقتضيت بغرماء عزماته ديوان الأيام اقتضاء النقود.
وطلعت من ثنايا آرائه السديدة وجوه السعود.
فمتى نشرت الفتوحات ألفيت في لفائف جنوده ودائعه.
أودعت لآمال كانت بوجوده طائعة وسامعة.
أو استدعيت لأمان انثالت في أيدي سعوده وإن كانت شاسعة.
حتى يصبح روض الكفر بهبوب عزائمه هشيما.
ويستنشق الإسلام من إتاحة الكرة على يديه روحا عاطرا ونسيما.
ولا شك أن هذه الغزوة المستأصلة كانت لمرض الخلاف بحرانا.
ومن عامل الله في هذه الأقطار المسلمة مع اختلاف الكلمة بما جمع بين السيوف والأجفان.
لما فتحوا الحصن الأول،
صعدوا للذي في شاهق الجبل.
إلى يوم السبت فاستفتحوه
ومن الله استمنحوه.
وتحسن بالحصن المسلمون
ومن ثم أدركتهم الهزيمة
والمنة العميمة
وإنجاز الوعود
معملة عوامل نصره
والهضبة الرفيعة.
ويتلع جيدا
ومزن لناطلة ووبله
وأن لا يحظى بأمله الراغب
والآن تهللت الوجوه.
مهد القواعد بعد الرجفان
وطلع بالسعادة صبحه
والله يصل سعده
ويحرس لسيدنا مجده

الفواصل المتوسطة
1. وصار البعض يخد في أساس الصحن.
2. والبعض يعالج تسور الحصن.
3. وكان ابتداء حصنه يوم الخميس.
4. والجند منهم قائم وجليس.
5. وانقلب على الكفار الويل والمنون.
6. وصاروا يضربون بمدافعهم في المدينة.
7. وكان يوم هذا الفتح يوم زينة.
8. فدخله العسكر المنصور بالله ورايته منشورة.
9. وآيات الفتح فوقها مسطورة.
10. وتكلفت نيته الصالحة بنيل المقصود.
11. أبقاه الله مكملة مآرب أمره.
12. حتى تذعن الرقاب الغلب لقهره.
13. وتعترف الدهور بمزية دهره.
14. أيد الله أمره الرفيع تأييدا.
15. وألهمه شكرا لا يعدم منه مزيدا.
16. ويستأنف به الإسلام عزا جديدا.
17. ويملأ ببلاد التثليت توحيدا.
18. ويذيق الكافرين بأسا شديدا.
19. واشتمل ملاءة الأمن وكان خائفا فرقا.
20. وسدد سهام الجهاد ففتح بها ثغر وهران.
21. ولا أعمل عزما إلا بلغ غاية غريبه.

بعد عرض خطاطه الفواصل، الموزعة على المقامة الحادية عشر، سأحاول –فيما يلي- مدارسه بنيتها الإيقاعية: » أبقاه الله مكملة مآرب أمره، معملة عوامل نصره، فحقق لأمن الله ما يعجز اللسان عن حصره، ولا زالت عوامله مصروفة في زيد عداه وعمره، حتى تذعن الرقاب لقهره، وتعترف الدهور بمزية دهره «
خمس فواصل، شكلت انسجاما صوتيا على مستوى الألفاظ، مرده تعاقب الحركة والسكون، وتتالي الهاءات بعد الراءات، كما يتضح من خلال هذا الجدول:

/0/0
أمره
1
/0/0
نصره
2
/0/0
حصره
3
/0/0
عمره
4
/0/0
قهره
5
والتناسب بين حرفي الهاء والراء وارد بحيث يشتركان في ميزة الرخاوة، وإن اختلفا في كون الأول مهموس والثاني مجهور وفي مقطع آخر من المقامة نفسها، نترصد بناء إيقاعيا قائما على تكرار حرف الميم المنونة: » فكلما طلبوا الأيام بديونها لم تماطل غريما، وكلما أضمروا أمرا بعيدا أصبح ببابه مقيما، والدعاء لمقامكم الأسمى بالعز الذي لا يزال لركابه العلي لزيما، (…) ولا زال جنابه المؤمل كهفا والثناء عليه رقيما، حتى يصبح روض الكفر بهبوب عزائمه هشيما، ويستنشق الإسلام (…) روحا عاطرا ونسيما «
ست فواصل، كونت بناء صوتيا موحد النغمة، أسهم في تثبيت الإيقاع على صيغة واحدة.
//0/0
غريما
1
//0/0
مقيما
2
//0/0
لزيما
3
//0/0
رقيما
4
//0/0
هشيما
5
//0/0
نسيما
6
نلاحظ تعاقب حركتين، يتلوهما ساكن، فحركة ثم سكون، وهو تعاقب مبنين على امتداد صوتي يفصح عن هيمنة صيغة “فعيل” على مدار ستة ألفاظ، يتكرر في نهايتها حرف الميم –كما سبق- وهو حرف مجهور متوسط الشدة والرخاوة.
وفي مقطع آخر: »والآمال في ملكه التركي يهز منه نسيم هذه الأنباء غصنا مروحا، وخافت الرجاء في هذه الأرداء ينفخ في عزائمه على جهاد الأعداء روحا، ويتلو عليه من النصر كتابا مشروحا «
نقف على البناء الإيقاعي في ثلاث فواصل:
مـ
مروحا
1

روحا
2
مشـ
مشروحا
3
اللفظ الأول والثالث متقاربان في النسيج الصوتي، بينما اللفظ الثاني يبدو ناقصا، إذ تلغي بدايته المؤسسة على حرف الراء تلغي التماثل المتواجد في (مروحا-مشروحا).
غير أن الإلغاء للحرف في بداية اللفظ، لا يؤثر على نسق الحروف في خواتم الثلاثة ألفاظ حيث يطغى تكرار ثلاثة حروف هي: الراء-الواو-الحاء المنونة، وهذه الحروف مجتمعة تتراوح بين:
مجهور متوسط الشدة والرخاوة (الراء).
لين جوفي الامتداد (الواو).
مهموس رخو (الحاء).
ويظل التماثل الصوتي فيها، خاضعا لنظام الفاصلة، التي انبنت على تكرار الحرف من جهة وعلى تجانس الصيغة الصوتية داخل الفاصلة نفسها من جهة أخرى، وهو ما نصادفه في مقطع آخر من المقامة نفسها: »وألهمه شكرا لا يعد منه مزيدا، وجعل سيفه الماضي –كلما تقلد لأبواب الفتوح- إقليدا، ويستأنف به الإسلام عزا جديدا (…) ويذيق الكافرين بأسا، شديدا، ويريهم الفتح المبين قريبا، وإن كانوا يرونه بعيدا (…) وأساغ ريقه وكان به شرقا، واشتمل ملاءة الأمن وكان خائفا فرقا«
وسأحاول –في جدول مبسط- تفكيك البنية الإيقاعية لفواصل هذا المقطع:

الصيغة الصوتية
الأصوات المشتركة
الفواصل
فعيلا
الياء – الدال مع
المد (التنوين)
مزيدا
جديدا
فعيلا
الياء – الدال مع المد (التنوين)
شديدا
بعيدا
فعلا
الراء – القاف مع المد
شرقا
فرقا
ونختار مقطعا آخر، حيث يسير التنظيم الصوتي على وتيرة متتالية صوتية موزونة:
»كأننا بالعزائم لأداء حق الله مصروفة، والصوارم على سبيل الجهاد موقوفة، والهمم بأن تكون كلمة الله هي العليا مشغوفة «
نلمس تطابقا كليا على مستوى الحركات والسكنات وتطابقا في بداية الألفاظ بله خواتمها:

نهاية الفاصلة
الحرف الثالث
الحرف الثاني
الحرف الأول
اللفظة
الفاء والتاء المربوطة
الراء
الصاد
الميم
مصروفة
الفاء والتاء المربوطة
القاق
الواو
الميم
موقوفة
الفاء والتاء المربوطة
الغين
الشين
الميم
مشغوفة
تكرار
أحرف جهرية ما بين الشدة والرخاوة
تكرار
نوع التطابق

وبما أن التكرار يشكل منبع الإيقاع، حيث ترتكز المعاودة الإيقاعية على الحروف الأخيرة في الفواصل المسجوعة، فقد ارتأيت تتبع حـروف الفواصل فـي هذه المقامة – الحادية عشر- ومحاولة إحصاء حروفها المكرورة علما بأن »جبروت الحرف يذهب بعيدا، وبسبب طغيانه (…) فإنه يؤثر في اللغة ويبدلها، وهذا لا يحدث إلا في اللغة الأدبية المتألقة«””
وفيما يلي جدول التكرارات الحرفية عددا، ونسبة، ورتبة:
عملية توزيع داخلية للفواصل في المقامة الحادية عشر.

رتبة المكرر في الوحدة الإيقاعية
نسبة التكرار
عدد التكرارات
الأصوات المكررة
الرتبة الأولى: الهاء
%3,92
04
اللام
الرتبة الثانية: التاء المربوطة
%9,80
10
النون/ن-نا
الرتبة الثالثة: الدال
%1,96
02
السين
الرتبة الرابعة: الميم
%29,41
30
الهاء/ه-ها
الرتبة الخامسة: النون
%14,70
15
التاء المربوطة
الرتبة السادسة: الباء
%13,72
14
الدال/د-دا
الرتبة السابعة: القاف
%4,90
05
الباء
الرتبة الثامنة: الحاء
%12,74
13
الميم/م-ما
الرتبة التاسعة: اللام
%4,90
05
القاف/قا
الرتبة العاشرة: السين
%3,92
04
الحاء/حا

المجموع= 102

بعد عملية التوزيع الداخلي للفواصل، يمكن القول بأن التشكل الإيقاعي لهذه الفواصل قد قام على تكرار حروف بعينها من جهة، وعلى تفاوت نسب التكرار لدى بعض الحروف دون سواها، وهو ما يدفعنا إلى القول بأنه »إذا كان قانون التكرار المتزن هو منبع الإيقاع الخارجي، فإن التكرار على إطلاقه هو منبع الإيقاع الداخلي «””
ونبقى مع المقامة –الحادية عشر- لتفحص ما ورد فيها من تجليات إيقاعية أخرى، وقد ارتأيت –هذه المرة- أن أركز على مسألة التوازنات الصوتية أو الكمية، فوجدت المقامة، تحتوي على نموذجين بارزين، أحدهما هو: » واستبشرت الأرض بوابل مطرها، وظفرت النفوس بأقصى وطرها «””
والثاني هو: » ولا سدد سهما إلا أصاب غرضا بعيدا، ولا غرس غرسا إلا أثمر مراما سعيدا «””
يمكن توزيع النموذجين على جدولين:
1/
مطرها
بوابل
الأرض
واستبشرت
وطرها
بأقصى
النفوس
وظفرت
توازن صوتي
تــــــــوازن كـــمـــــــــي
2/
بعيدا
غرضا
أصاب
إلا
سهما
سدد
ولا
سعيدا
مراما
أثمر
إلا
غرسا
غرس
ولا

نتوء إيقاعي

يظهر هذا الجدول، تفوق التوازن الكمي على التوازن الصوتي، فالكمية مبنينة على سبعة مكونات في كل فاصلة، بينما نستشعر انحرافا إيقاعيا –إن صح التعبير- أو نتوءا بين المكونين: (غرضا/مراما) بسبب المد الواقع بين الراء والميم، في اللفظة الثانية، وانعدامه في اللفظة الأولى، وتكرار حرف الميم في بداية ونهاية اللفظة الثانية وخلو الكلمة الأولى (غرضا) من تكرار أي حرف.
وبهذا نخلص إلى أن »الإيقاع يعد عنصرا رئيسا في النثر الفني أيضا (…) وأن الموسيقى في العمل الأدبي –شعرا كان أم نثرا- ليست عنصرا ثانويا، بل هي من عناصره الجوهرية التي لا تكتمل أدبيته من دونها «””

خـــاتــمـة
نخلص من هذه الدراسة لمقامات محمد بن ميمون الجزائري إلى استنتاجات فحواها:
أن مقامات التحفة، قامت على أحادية الغرض، حيث نبعت كل المقامات من مركز واحد، والتقت كلها في نقطة واحدة، هي الفتح ومحقق الفتح.
أن تنضيد الأحداث في المقامات، شكل تناسقا موضوعيا في متن الخطاب المقامي، فإذا بمكوناتها البانية الأساسية تتآزر لتخلق نوعا من العلاقات الرابطة بين السرد والوصف من جهة، وبين التعقيب والدعاء من جهة أخرى.
جاء بناء المتن في المقامات خاضعا لتسلسل معنوي بين بقية الأغراض المكونة للمقامات والتي دعمت كلها الغرض الرئيس، وتقدمت به نحو جدية الفعل، بكل أبعاده: السياسية والدينية والإنسانية.
شكلت المقامات عند ابن ميمون تجسيدا للطقوس السياسية المبنينة على تمجيد السلطة وعلى مبايعة الحاكم.
تثبيت الطقوس الدينية المبنينة على الدعاء لهذا الحاكم، والمنطلقة من الرؤية الشرعية للجهاد، وتطهير الأرض من دنس الغزاة.
نمو الرؤية المؤيدة للتحركات البكداشية واتساع دائرة المناهضة الكلية للغزاة من الإسبان، ومن شاكلهم.
إن مقامات التحفة، حققت ذاتها عبر اللغة التي استخدمتها ، حيث كشفت آلية تشكل النص المقامي عن خصائص بنيوية أهمها:
أ/ سلسلة من العلاقات تجلت في الجمل الخبرية كركيزة ولدت وظيفة تقريرية.
ب/ هذه الجمل الخبرية، حققت نسيجا سرديا لسيرة الداي التاسع “محمد بكداش”، وما أحاط بهذه السيرة، وهو ما سيجلو نسبة معتبرة من الشمولية حققتها بنية السلطة الفاتحة لوهران ولأبراجها.
جـ/ الجمع بين الغرض النفعي – التاريخي – وبين الغرض الفني – الجمالي- والذي تراوحت تجلياته بين:
اعتماد الفاصلة كوحدة إيقاعية في المقامة.
اختلاف أحجام الفواصل المعتمدة داخل المقامات ، ما بين قصيرة وطويلة ومتوسطة، مع ارتفاع نسبة هذه الأخيرة خاصة في المقامة الحادية عشر.
تسخير “البديع” بشقيه اللفظي والمعنوي بدرجة مكثفة.
اعتماد الإيقاع كخصيصة شاملة، وتنوعه ما بين إيقاع سريع وهو الذي لمسناه في الفواصل القصيرة، وإيقاع بطيء وهو ما جسدته الفواصل الطويلة، ثم إيقاع متوسط وكشفت عنه الفواصل المتوسطة.

تكرار الصورة الصوتية المكونة من حروف بعينها، أو صيغ بعينها، والتلاعب بالدوال بواسطة نظام القلب.
بناء التراكيب على نظام متنوع، من الأسماء تارة، والأفعال تارة أخرى، أو من الجمل الإسمية التي تفيد الثبوت والاستقرار، أو الجمل الفعلية التي تحمل طابع التجدد والحركة. وخضوع البنى التركيبية لنظام المخالفة في بعض المقاطع.
التقابل الدقيق بين الصور الفنية المتولدة عن الإيقاع المعنوي،والكاشفة عن ثنائيات ضدية.
وخلاصة القول، إن ابن ميمون ومن خلال كتابه – التحفة المرضية – إنما عمل على التأصيل لفن المقامة العربية في الجزائر على عهد الأتراك، معتمدا قيما فنية، مبنية على طراز معماري تُشَكِّلُ بنيته الهندسية هاجس التشكيل الجمالي، المقترن بهاجس الولاء السياسي وما ذلك بغريب إذ »ينبغي فهم العمل دائما بوصفه رسالة، إلى جانب كونه موضوعا جماليا«””.

القرآن الكريم. كتب وضبط على رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي. مطبعة دار الرشيد ـ بيروت ـ لبنان.
ـ أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني.
1. الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. القسم الأول دمشق. الطبعة الثانية. 1981.
ـ أبو القاسم سعد الله.
2. أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر.الشـركة الوطنية للنشـر والتوزيع. الجزائر الطبعة الثانية 1981.
3. أشعار جزائرية: تقديم وتحقيق وتعليق: المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1988.
4. تاريخ الجزائر الثقافي. الجزء الثاني (من القرن 10 إلى القرن 14 هـ) المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر الطبعة الثانية. 1985.
ـ أبو القاسم محمد الحفناوي.
5. تعريف الخلف برجال السلف .ج/1 ، ج/2. موفم للنشر 1991.
ـ أبو هلال العسكري.
6. الفروق اللغوية. تقديم وضبط وتعليق أحمد سليم الحمصي جروس برس. طرابلس – لبنان. الطبعة الأولى 1994.
ـ أحمد حاطوم.
7. اللغة ليست عقلا من خلال اللسان العربي. دار الفكر اللبناني. سنة الطبع غير واردة.
ـ أحمد محمد قدور.
8. مبادئ اللسانيات. دار الفكر .دمشق 1995.
ـ أحمد مختار عمر.
9. دراسة الصوت اللغوي. عالم الكتب القاهرة الطبعة الثالثة. 1985 .
ـ الأزهر الزناد.
10. دروس في البلاغة العربية نحو رؤية جديدة. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء بيروت.الطبعة الأولى 1992 .
ـ الخطيب القزويني.
11. الإيضاح في علوم البلاغة. دار إحياء العلوم . بيروت .الطبعة الأولى 1988.
ـ الزواوي بغورة.

12. المنهج البنيوى. بحث في الأصول و المبادئ و التطبيقات. دار الهدى عين مليلة الجزائر الطبعة الأولى 2001.
ـ الشكلانيين الروس.
13. نظرية المنهج الشكلي . نصوص. ترجمة إبراهيم الخطيب. الشركة المغربية للناشرين المتحدين .مؤسسة الأبحاث العربية. الطبعة الأولى 1982 .
ـ الغائب عبد الفتاح كيليطو.
14. دراسة في المقامة للحريري .دار توبقال للنشرالدار البيضاء سلسلة المعرفة الأدبية .الطبعة الثانية 1997.
ـ المظفر بن الفضل العلوي.
15. نضرة الإغريض في نصرة القريض. تحقيق نهى عارف الحسن .دمشق .مطبعة طربين 1976 .
ـ بوطالب محي الدين.
16. نظم الدر والعقيان في بيان شرف بني زيان ملوك الدولة الزيانية الجزائرية. الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية. الجزائر .دون تاريخ.
ـ بيير جيرو.
17. علم الدلالة. ترجمة د/ منذر عياشي. تقديم مازن الوعر دار طلاس للدراسات الترجمة والنشر / سوريا .الطبعة الأولى 1988.
ـ تامر سلوم.
18. نظرية اللغة والجمال في النقد العربي . دار الحوار –سورية- الطبعة الأولى 1983.
ـ تزفيطان طودوروف.
19. الشعرية. ترجمة شكري المبخوت و رجاء بن سلامة دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى 1987 .
ـ تودوروف-شاف- ستروسن-دوميت-فريجة-بيث- دافدسون.
20. المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث تز رجمة و تعليق. عبد القادر قنيني . إفـريقيا الشرق – المغرب – 2000 وإفريقيا الشرق – بيروت – لبنان .
ـ جار الله محمود بن عمر الزمخشري.
ـ جان بياجيه .
21. البنيوية : ترجمة : عارف منيمنة و بشير أوبري .منشورات عويدات .بيروت /باريس .الطبعة الثانية 1980.
ـ جان كوهن.

22. بنية اللغة الشعرية : ترجمة : محمد الولي و محمد العمري. المعرفة الأدبية .دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى 1986.
ـ جودت فخر الدين.
23. شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري: دار الآداب – بيروت- الطبعة الأولى نوفمبر 1984.
ـ جوليا كريسطيفيا.
24. علم النص : ترجمة فريد الزاهي .مراجعة : عبد الجليل ناظم دار توبقال للنشر الدار البيضاء .الطبعة الثانية 1997 .
ـ جون ليونز.
25. نظرية تشومسكي اللغوية : ترجمة و تعليق :حلمي خليل .دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1995 .
ـ حبيب مونسي.
26. القراءة والحداثة : مطبعة اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000 .
ـ حسام البهنساوي.
27. أهمية الربط بين التفكير اللغوي عند العرب ونظريات البحث اللغوي الحديث. جامعة القاهرة.مكتبة الثقافة الدينية 1994 .
ـ حميدي لحمداني.
28. بنية النص السردي . المركز الثقافي العربي الدار البيضاء.بيروت .سنة الطبع غير واردة .
ـ خلدون الشمعة.
29. الشمس والعنقاء. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1974.
ـ خولة طالب الإبراهيمي.
30. مبادئ في اللسانيات ( كلية) دار القصبة للنشر .سنة 2000.
ـ رجاء عيد.
31. البحث الأسلوبي .معاصرة و تراث. الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية 1993 .
ـ روبرت شولز
32. السيمياء والتأويل. ترجمة سعيد الغانمي المؤسسة العربية للدراسات والنشر .بيروت .الطبعة الأولى 1994 .
ـ روبرت هولب.

33. نظرية التلقي (مقدمة نقدية) ترجمة د/ عز الدين إسماعيل. النادي الأدبي الثقافي بجدة 1994 .
ـ ريمون طحان.
34. الألسنية العربية ج/1 .دار الكتاب اللبناني بيروت. الطبعة الثانية 1981.
35. الألسنية العربية ج/2 .دار الكتاب اللبناني بيروت .الطبعة الثانية 1981 .
ـ سعيد يقطين.
36. انفتاح النص الروائي. بيروت – خلف البنك العربي – ملك المقدسي. الدار البيضاء – الشارع الملكي – الحباس .الطبعة الأولى 1989.
ـ سيد قطب.
37. التصوير الفني في القرآن. دار الشروق.بيروت طبعة 1988.
ـ صلاح عبد الفتاح الخالدي.
38. نظرية التصوير الفني عند سيّد قطب. دار الشهاب باتنة 1988.
ـ صلاح فضل.
39. نظرية البنائية في النقد الأدبي. دار الآفاق الجديدة / بيروت.الطبعة الثالثة .1985 .
ـ عبد الجليل مرتاض.
40. بوادر الحركة اللسانية الأولى عند العرب. مؤسسة الأشرف للطباعة والنشر والتوزيع .بيروت / لبنان . الطبعة الأولى 1988 .
ـ عبد الحميد بوزوينة.
41. بناء الأسلوب في المقالة عند الإبراهيمي. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر 1988.
ـ عبد الرازق بن حمادوش.
42. رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة “لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والحال” تقديم وتحقيق وتعليق أبو القاسم سعد الله. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر 1983.
ـ عبد الرحمن بن محمد الجيلالي.
43. تاريخ الجزائر العام . ج/3 .ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر – دار الثقافة .بيروت .لبنان1982 .
ـ عبد السلام المسدي.
44. الأسلوبية والأسلوب. الدار العربية للكتاب .الطبعة الثانية 1982.

45. النقد والحداثة. منشورات دار أمية دار العهد الجديد الطبعة الثانية 1989.
46. في آليات النقد الأدبي. دار الجنوب للنشر .تونس 1994.
ـ عبد الفتاح كيليطو.
47. الأدب والغرابة. دراسات بنيوية في الأدب العربي. دار الطليعة.بيروت.الطبعة الأولى (مايو)1982.
ـ عبد الفتاح لاشين.
48. التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني. دار المريخ للنشر .السعودية سنة الطبع غير واردة .
ـ عبد القادر هني.
49. نظرية الإبداع في النقد العربي القديم. ديوان المطبوعات الجامعية .بن عكنون .الجزائر 1999 .
ـ عبد القاهر الجرجاني.
50. أسرار البلاغة في علم البيان. تصحيح و تعليق السيد محمد رشيد رضا. منشئ المنار. دار المعرفة .بيروت / لبنان .سنة الطبع غير واردة.
ـ عبد الكريم الناعم .
51. في أقانيم الشعر ( الإيقاع). سلسلة الدراسات الأدبية واللغوية مطابع دار العلم – دمشق – الطبعة الأولى 1991.
ـ عبد الله راجع.
52. القصيدة المغربية المعاصرة .بنية الشهادة و الاستشهاد ج/1منشورات عيون .الدار البيضاء. الطبعة الأولى.1987.
ـ عبد الملك مرتاض.
53. -أ-ي دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة ” أين ليلاي ؟ “.ديوان المطبوعات الجامعية .بن عكنون .الجزائر 1992 .
54. النص الأدبي من أين ؟ وإلى أين ؟ ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر 1983.
55. بنية الخطاب الشعري .دراسة تشريحية ” لقصيدة أشجان يمنية”. ديوان المطبوعات الجامعية .بن عكنون . الجزائر 1991 .
56. تحليل الخطاب السـردي. ديـوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1995 .
57. فـن المقامة في الأدب العربي. الدار التونسية للنشر الطبعة الثانية 1988.
ـ عثماني الميلود.
58. شعرية تودوروف. منشورات عيون الدار البيضاء الطبعة الأولى 1990 .

ـ علي شلق.
59. الفن والجمال . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت /لبنان الطبعة الأولى 1982.
ـ عمر مهيبل.
60. البنيوية في الفكـر الفلسفي المعاصر. ديـوان المطبوعات الجامعية .الطبعة الثانية 1993 .
ـ فايز الداية.
61. علم الدلالة العربية. النظرية والتطبيق . دار الفكر –دمشق – سورية.
ـ فردينان دي سوسير
62. محاضرات في الألسنية العامة. ترجمة يوسف غازي .مجيد نصر. المؤسسة الجزائرية للطباعة 1986 .
ـ كمال أبو ديب.
63. جدلية الخفاء والتجلي. دار العلم للملايين .بيروت الطبعة الثانية .شباط (فبراير) 1984.
64. الرؤى المقنعة. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986.
65. في البنية الإيقاعية للشعر العربي. دار العلم للملايين.بيروت الطبعة الأولى 1974.
ـ لنقاد أجانب.
66. دفاتر فلسفية – اللغة – نصوص مختارة. ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي .دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الثانية 1998 .
ـ لوسيان غولدمان – يون باسكاوي –جاك لينهارت –جاك دوبوا – جان دفينو – ر.
67. هيندلس البنيوية التكوينية و النقد الأدبي.ترجمة محمد سبيلا .مؤسسة الأبحاث العربية شوران/بيروت/لبنان الطبعة الأولى 1984.
ـ محمد الطمار.
68. تاريخ الأدب الجزائري. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع . الجزائر 1981.
ـ محمد بن عبد الكريم الجزائري.
69. التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية. محمد بن ميمون تقديم وتحقيق. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر. الطبعة الأولى 1972 .
ـ محمد بن منظور.
70. لسان العرب ج/12.دار بيروت للطباعة و النشر سنة الطبع غير واردة .

ـ محمد زغلول سلام.
71. الأدب في العصر الأيوبي. دار المعارف.مصر 1968.
ـ محمد عباس عبد الواحد.
72. قراءة النص وجماليات التلقي بين المذاهب الغربية الحديثة وتراثنا النقدي دراسة مقارنة. دار الفكر العربي/القاهرة.الطبعة الأولى 1996.
ـ محمد عبد المطلب.
73. البلاغة والأسلوبية. الهيئة المصرية العامة للكتاب .1984.
ـ محمد غاليم.
74. التوليد الدلالي في البلاغة و المعجم. دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى 1987 .
ـ محمد غنيمي هلال.
75. الموقف الأدبي. دار العودة .بيروت 1977.
76. النقد الأدبي الحديث. دار الثقافة ودار العودة .بيروت/ لبنان الطبعة الثالثة 1973.
ـ محمد مفتاح.
77. في سيمياء الشعر القديم. دار الثقافة للنشر والتوزيع الدار البيضاء.طبعة 1989 .
ـ مختار حبار.
78. الشعر الصوفي القديم في الجزائر. إيقاعه الداخلي ووظيفته. ديوان المطبوعات الجامعية وهران 1997 .
79. الشعر الصوفي في الجزائر في العهد العثماني (رسالة دكتوراه) (مخطوطة) جامعة عين شمس.القاهرة 90/1991م.
ـ مفتاح محمد.
80. تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص ) . الناشر المركز الثقافي العربي .الدار البيضاء .بيروت.الطبعة الثالثة /يوليو 1992.
ـ ممدوح عبد الرحمن.
81. المؤثرات الإيقاعية في لغة الشعر. دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1994 .
ـ ميشال زكريا.
82. الألسنة (علم اللغة الحديث/المبادئ و الأعلام). المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع .الطبعة الثانية 1983 .
ـ ناصف مصطفى.

83. الصورة الأدبية . دار الأندلس بيروت الطبعة الثانية 1981.
ـ نور الديـن السد.
84. الأسـلوبية وتحليل الخـطاب. دار هومه للطباعة والنشـر والتوزيع .الجزائر 1997.
ـ يمنى العيد.
85. في معرفة النص. منشورات دار الآفاق الجديدة .بيروت الطبعة الثالثة بيروت 1985 .
ـ يوسف نور عوض.
86. فن المقامة بين المشرق والمغرب. دار القلم.بيروت /لبنان الطبعة الأولى 1988 .
الدوريات

ـ أحمد المنور.
1. مفهوم الخطاب الشعري عند رومان جاكبسون. اللغة والأدب. مجلة يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها. جامعة الجزائر. العدد الثاني .سنة الطبع غير واردة .
ـ الزواوي بغورة.
2. البنيوية منهج أم محتوى؟. عالم الفكر. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت. العدد الرابع المجلد الثلاثون. أبريل –يونيو 2002 .
ـ بكري عبد الكريم.
3. زمن الفعل في القصة العربية: دراسة دلالية في قصة حديقة الله. تجليات الحداثة. جامعة وهران .العدد الأول السنة 1992.
ـ ثامر الغزي.
4. مفاهيم الشعرية. علامات في النقد النادي.الأدبي الثقافي جدة .المملكة العربية السعودية.المجلد التاسع الجزء 35 .مارس 2000 .
ـ ثامر سلوم.
5. الانزياح الصوتي الشعري. آفاق الثقافة والتراث الإمارات العربية عدد 13 سنة 1996.
ـ جمال عطابه.
6. جماليات الأسلوب في مقامات الحريري. التواصل .جامعة عنابة – الجزائر – عدد 4. جوان 1999 .
ـ حسين الواد.

7. من قراءة “النشأة” إلى قراءة “التقبل”. فصول ( مجلة النقد الأدبي ) (محورالأسلوبية) الهيئة المصرية العامة للكتاب /القاهرة المجلد الخامس .العدد الأول. أكتوبر /نوفمبر/ديسمبر /1984.
ـ رمضان الصباغ.
8. العلاقة بين الجمال والأخلاق في مجال الفن. عالم الفكر.المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت. العدد الأول .المجلد السابع والعشرون .سبتمبر 1998 .
ـ عبد الله العشي.
9. بنية الدعاء: دراسة تأصيلية في جماليات الخطاب النبوي. العلوم الإنسانية : مجلة دورية محكمة تصدر عن كلية الآداب .جامعة البحرين العدد3 .شتاء 2000 .
ـ محمد القاضي.
10. جمالية النص السردي في رسالة الغفران. علامات في النقد النادي الأدبي الثقافي جدة .المملكـة العـربية السعودية.المجلد الثامن .ج/31 فبراير 1999.
ـ محمد بشير بويجرة.
11. المتن الروائي المخيال والمرجعية. القلم/ قسم اللغة العربية وآدابها .جامعة وهران السانية العدد الأول السنة2001.
ـ محمد تحريشي.
12. شعرية النص النثري. حوليات الجامعة للبحوث الإنسانية والعلمية.جامعة وهران .العدد3. 1996 .
ـ مختار حبار.
13. الحضور الصوفي في الجزائر غبى عهد الغثمانيين. التراث العربي: مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب .دمشق .العدد 57 السنة 15. أكتوبر1994 .
14. مدرسة التوشيح الجزائرية في (ق10هـ،18م) أعلامها ومكونات بناها. دراسات جزائرية. معهد اللغة العربية وآدابها .جامعة وهران العدد 1 .1997 .
15. سيميائية الخطاب الشعري عند المتصوفة. تجليات الحداثة يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها جامعة وهران العدد الثاني يونيو 1993.
ـ يان موكاروفسكي.
16. اللغة المعيارية واللغة الشعرية. فصول (مجلة النقد الأدبي) (محور الأسلوبية) الهيئة المصرية العامة للكتاب /القاهرة المجلد الخامس .العدد الأول. أكتوبر /نوفمبر/ديسمبر /1984.

مقدمة…………………………………………………………ج ـ ي

الفصل الأول: البناء المعماري ………………………………………ص1

تمهيد…………………………………………………………….ص2
1-الافتتاحية ……………………………………………………….ص2

2-العـرض ……………………………………………………….ص7

3ـ الخـاتمة ……………………………………………………..ص10

4 ـ مجـلى المحاكاة ………………………………………………ص14

جدول فضاءات المقامات………………………………………….ص16

الفصل الثاني: البناء التدرجي …………………………………….ص18

تمهيد …………………………………………………………….ص19

1 ـ البنية السردية ………………………………………………..ص19

جدول يبين ثنائية التّـأييد / التّعريض …………………………..ص29

جدول يبين بنيـة الطّعان والمنازلة …………………………………ص41

جدول يبين فيه الاهتمام بتوثيـق التواريخ …………………………..ص43

جدول يستعرض مظاهر الاحتفالية …………………………………ص46

2 ـ البنية الوصفية ………………………………………………..ص49

جدول الصياغة المتوازية …………………………………………ص52

3- البنية التعقيـبية ………………………………………………..ص55

4 ـ البنية الدّعائية ……………. …………………………………ص58

الفصل الثالث: البنية الولائية ……………………………………..ص62
تمهيد …………………………………………………………….ص63

بنية الحماس ………………………………………………………ص63

جدول يبين إبراز بنية التعبير ………………………………………ص69

بنية التنـديد ………………………………………………………ص72

بنيـة الخـلاص ………………………………………………….ص76

الفصل الرابع: البنية الأسلوبية …………………………………….ص82

تمهيد ……………………………………………………………ص83

1 ـ التضمين والاقتباس ……………………………………………ص83

جدول للمادة الشعرية………………………………………….ص84ـ88

جدول الآيات المقتبسة ………………………………………..ص90ـ91

2- الاسـتعـارة …………………………………………………ص 92

جدول الاستعارة ………………………………………………..ص101

3 – التـشبـيـه ………………………………………………..ص102

جدول يبين خلق العلاقة بين الأطراف …………………………….ص104

4 – نظام الفواصل ……………………………………………….ص109

جدول الألفاظ المكونة للفواصل المسجوعة ……………………ص109ـ110

الفصل الخامس: البنية الإيقاعية ………………………………..ص113

تمهيد ……………………………………………………………ص114

أولا: المكونات اللفظية …………………………………………….ص118

1 – السجع: ……………………………………………………..ص118

جدول لتكرار الحروف ………………………………………….ص122

جدول بعض البنى المسجوعة ………………………………ص123ـ125

2-القلب …………………………………………………………ص125

جدول يبين ظاهرة “القلب” ……………………………………….ص126

3-الجناس ……………………………………………………….ص127

جدول يظهر بعض البنى المتجانسة ………………………….ص129ـ134

ثانيا: المكونات التركيبية …………………………………………..ص134

1 ـ نظام المخالفة ……………………………………………….ص134

جدول يظهر البنى المتجانسة ……………………………………..ص135

جدول يظهر نظام المخالفة ……………………………………….ص137

2-التوازنات الصوتية …………………………………………….ص137

جدول يبرز التشاكل الصوتي …………………………………….ص138

جدول يبين حركة الحرفين ……………………………………….ص239

جدول يبرز التجانس الموسيقي ……………………………..ص139ـ140

جدول يظهر ثنائية تركيبية ……………………………………….ص141

جدول يتضح فيه نماذج التوازنات …………………………..ص141ـ142

ثالثا: المكونات المعنوية …………………………………………..ص142

جدول يبرز من خلاله جرد ما ورد من طباق …………………ص144ـ146

1-نص المقامة الحادية عشر……………………………………….ص146

2 ـ مجلى الإيقاع في المقامة الحادية عشر…………………………ص148

جدول تظهر خطاطة فواصل المقامة الحادية عشر…………….ص149ـ151

جدول يبين تفكيك البنية الإيقاعية ………………………………….ص153

جدول يظهر التطابق الكلي……………………………………….ص154

جدول التكرارات الحرفية…………………………………………ص155

جدول التوازن الكمي والصوتي …………………………………..ص156

الخاتمة ………………………………………………………….ص158

قائمة المصادر والمراجع ………………………………………….ص161

فهرس الموضوعات……………………………………………….ص173

ـ انتهى ـ

 

*كاتبة وناقدة أكاديمية وأستاذة جامعية جزائرية