قراءات ودراسات

الولع بالقراءة: مع آلبرتو مانغويل

سعد محمد رحيم


كان على الإنسان في فجر الخليقة من أجل أن يواصل العيش ويضمن بقاءه في محيط عدائي جد خطير أن يتعلم القراءة باتقان.. أن يقرأ ما حوله.. أن يقرأ ذاته ونظراءه من البشر، أن يقرأ الحيوانات والغابة والجبل والصحراء والنهر والليل والنهار والريح والمطر والحرارة والبرودة والشمس والنجوم والقمر، الخ. يوم كانت أية قراءة خاطئة قد تكلّفه غالياً. وكانت ملكة القراءة هذه تنمو عنده ببطء. ولا أدري كم احتاج، بحكم منطق التطور وضروراته، من ملايين السنين، كي يحيل المقروء إلى رموز، إلى لغة، بهدف الفهم والتواصل؟ وكم احتاج من زمن طويل مضاف كي يثبِّت لغة الكلام في شكل مكتوب؟. وكان الكاتب الأول، كما نفترض هو القارئ الأول للمكتوب. وكان عليه أن يعلِّم آخر ( أو آخرين ) فن قراءة ما كتب ليتسنى لذلك الآخر ( أو الآخرين ) أن يقرأوا وأن يكتبوا كذلك. وليدخل تاريخ التواصل بين البشر عبر الأمكنة والأزمنة، منعطفاً جديداً، هو الأهم في التاريخ كله… يقول آلبرتو مانغويل في كتابه ( تاريخ القراءة: ترجمة سامي شمعون.. دار الساقي ـ بيروت ـ ط1/2001 )؛ “إن العلاقة بين الكاتب والقارئ التي بدأت في بلاد ما بين النهرين في يوم محفوف بالأسرار ستبقى قائمة أبد الدهر. إنها علاقة مثمرة ولكن منطوية على مفارقة زمنية بين خالق بدئي يهب الحياة في لحظة الموت، وبين الخالق بعد مماته، أو بالأحرى بين أجيال من الخالقين بعد مماتهم الذين يمكنون ما جرى خلقه من التكلم، والذين لولاهم لأصبح كل شيء مكتوب ميتاً. القراءة هي إذاً تبجيل الكتاب”. ولا شيء مثل الكتاب يعيد إشعال رغبة الحياة فينا إذا ما اعتراها الشحوب والفتور.. أن نعيش، مرة أخرى، وبقوة، تجربة كائن آخر قد يكون مات منذ زمن بعيد، أو عائشاً في مكان لا سبيل للوصول إليه.
كانت القراءة محاولة إستراتيجية لأنسنة العالم وترويض الطبيعة وتكييفها لمصالح البشر. محاولة لم تكن تخلو في كثير من الأحيان، من النزعة الأنانية. هذا إذا ما نظرنا إليها من زاوية مصالح كائنات الطبيعة جميعاً. وكان على هذا الكائن الذي نعتوه بالإنسان ألاّ يكتفي بما تقدّمه له الطبيعة. كان عليه أن يضيف عليها، وتلك هي الثقافة من وجهة نظر الأنثربولوجيين. وذلك هو رهان تفوق الإنسان في الطبيعة.  والقراءة تمنحنا فرصة الخروج من رتابة وجودنا متوحدين، من عزلتنا ومحدودية خبراتنا. فهي التي تمنحنا ما لا تحصى من الفرص والتجارب والخبرات.. ان نتخاطر مع أولئك الذين تركوا لنا خلاصة تجاربهم بين بطون الكتب منذ آلاف السنين وحتى اليوم. وحب القراءة، بهذا السياق، يصدر عن فضول متأصل في الروح الإنسانية: فضول المعرفة، وعن رغبة عميقة غامضة في السيطرة والامتلاك.
تعد القراءة جزيئة صغيرة في كلية النشاط الإنساني، لكنها جزيئة محورية، مركزية، تغدو كناية عن الثقافة والحضارة والتمدن. وتاريخها يعكس ( أو ينعكس عن ) تاريخ هذه الأقانيم الثلاث الكبرى التي تكاد تشكل نسيجاً واحداً متداخلاً ومتكاملاً.
يمزج كتاب مانغويل ( تاريخ القراءة ) الخاص بالعام، والشخصي بالكوني. وهو من زاوية ما، قراءة، ليست في تاريخ القراءة وحسب، وإنما في تاريخ الإنسان الذي دشن طور الحضارة قبل بضعة آلاف من السنين.. كتاب يتناول التاريخ من منظور جد خاص، وجد حميم، حتى لتظهر العلاقة بين الاثنين ( الإنسان والكتاب ) ذو طابع جسدي. “العين تجمّع الكلمات على الصفحة، والأذن ترجّع صدى الكلمات المقروءة، والأنف يشمّ رائحة الورق والصمغ والحبر والورق المقوّى أو الجلد، والأنامل تتحسس الصفحات الناعمة أو الخشنة، والتجليد الناعم أو القاسي، وحتى حاسة الذوق تشارك في العملية عندما يرفع القارئ إلى فمه الإصبع الموجودة على الصفحة”.
أخذ تأليف كتاب ( تاريخ القراءة ) من مانغويل سبع سنوات، ولكن كان عليه أن يستقطر الخبرات والمعارف التي استحصلها خلال عمر كامل. والمؤلف يوظف معلومات واسعة من تاريخ الفن وتاريخ الأديان وتاريخ التقنية ( ولاسيما صناعة الكتاب ) وتواريخ ظواهر إنسانية أخرى ليكتب لنا تاريخ القراءة، والذي يتخلل التواريخ تلك ويعكسها في مرآته. ذلك التاريخ الذي سيبقى تدوينه عصياً على أي أحد، وأملاً حتى لمانغويل الذي سيتخيل في الفصل الأخير، مثل هذا الكتاب العظيم، المثالي، قابعاً في طرف ما من مكتبته البيتية. “الكتاب مفتوح وموضوع أمامي على الطاولة. إنه مكتوب بصورة شيّقة للغاية ( أحس تماماً بإيقاعاته ). الأسلوب مفهوم ومع هذا رفيع، غزير المعلومات ومع هذا يدفع إلى التأمل”. ويروح يتخيل فصولاً لم يكتبها، ويترك فراغات عن فصول ربما هو أيضاً، لا يدري عنها شيئاً. “إن وجود الكتاب ( أو عدم وجوده بعد ) لا يشكل ما يبرر تجاهله، تماماً كما لا نتجاهل الكتب عن أشياء خيالية”.
المرة الأولى التي تمكن فيها مانغويل من فهم ماذا تعني أسطر وعبارات إعلانات جدارية ما، وقف أمامها باحترام، كما يخبرنا؛ “وما أن تمكنتُ من ربط العلامات السوداء النحيلة بعضها مع بعض وتحويلها إلى حقائق حية، حتى أصبحت إنساناً جباراً. كنت استطيع ان أقرأ”. ومنذئذ صارت القراءة له أشبه ما تكون بعملية التنفس ووظيفة حياتية. مثلما يصفها لنا.
يتحرى مانغويل عن دقائق عملية القراءة بدءاً من الناحية البيولوجية والتشريحية ( للعين والأذن والدماغ ) وحتى تكوّن المعنى وما يحف به. ويقتبس عبارة شهيرة لأبن الهيثم من أن مهمة القارئ تتمثل في إيضاح “ما قد تفصح عنه الكتابة من تلميحات وظلال”. وفي كل مرة ( في كل فصل ) يأتينا بمثال رئيسي ( لوحة فنية، صورة، سلوك شخص، ظاهرة اجتماعية، ممارسة دينية، الخ.. ) تعضّده أمثلة ثانوية تتصل بعملية القراءة وطقوسها. فهناك، في سبيل المثال، أوغسطينس من القرن الرابع الميلادي، يحكي لنا عن تجربة القراءة بصمت، للمرة الأولى، وهو يلاحظ القديس أمبروسيوس أسقف مدينة ميلانو وهو يقرأ: عيناه تغطيان الصفحة، ويستقبل المعاني بقلبه. وكان هذا أمراً غريباً في ذلك الوقت حيث اعتاد القراء حتى وإن كانوا مجتمعين أن يقرأوا بصوت مسموع.
يشبه الشغف بالقراءة شغف المستكشف في الوصول إلى أرض جديدة لم تُعرف، أو ارتياد طرق وممرات لم تطأها قدم إنسان من قبل. وكل كتاب، وقبل ان نقرأه، ينطوي على وعد آسر لنكون ( نحن قراءه ) أحراراً في دخول نهره مراراً، وحيث لن يكون هو النهر نفسه مع كل عملية دخول وسباحة وغوص جديدة.
يعطي الكتاب، لاسيما الجيد منه، كلاً منا انطباعاً مختلفاً ورؤية خاصة.. إن مرجعيتنا وقراءاتنا السابقة وطريقة حياتنا ومزاجنا وعمرنا وسعة ثقافتنا. هذا كله يقودنا إلى بلورة رأي عن الكتاب المقروء يتباين عن آراء المتلقين الآخرين. ويأتي المؤلف بمثال عن رواية ( المسخ ) لفرانز كافكا، وكيف نظر إليها جمهرة من القرّاء؛ “عندما كانت في سن الثالثة عشرة قرأت ابنتي راحيل المسخ لكافكا فوجدت الرواية مسلية، وقرأ غوستاف يانوش الرواية كحكايا دينية وأخلاقية, ورأى برتولت بريشت فيها عمل الكاتب البلشفي الحقيقي الأوحد. وسمّاها عالم الآداب والناقد الهنغاري جورج لوكاش الإنتاج النموذجي للبرجوازي المنحط. وفهمها بورخيس على أنها تتمة لتناقضات زينون الرواقي… وبدت لفلاديمير نابوكوف، جزئياً، كمجاز للخوف أثناء المراهقة”.
ليست قراءة كل قارئ هي التي تمنح انطباعات ومعان مختلفة وحسب. ولكن كل قراءة جديدة لكتاب ما، للقارئ ذاته، تفعل الشيء عينه. إن قدرتنا على فهم أنفسنا والعالم تتطور بمرور الحقب والأزمان. وحين نعيد قراءة كتاب كنا قد قرأناه في السابق سنحوز على فهم مضاف بمساحة وعمق أكبر كما لو أن الكتاب ليس هو الكتاب الذي نعرف. وحتى مع الطباعة وانتشار الكتاب بنسخ كثيرة فإننا معشر القراء نبدو وكأننا نقرأ كتباً مختلفة. وكل كتاب يعكس جزءاً من سيرة كل قارئ. وحكايته مع الكتاب تكون جزءاً من تاريخ الكتاب المقروء. “وكل قارئ جديد يتأثر بالتصورات عمّا كان الكتاب يعنيه لصاحبه السابق أو لأصحابه السابقين” يقول مانغويل ويضيف؛ “إن الكتاب يقص أيضاً حكايته مع القراء” وليخلص، في الختام، إلى نتيجة مؤداها أن “التاريخ الحقيقي للقراءة هو في الواقع تاريخ كل قارئ مع القراءة”.
يتبادل الكاتب والقارئ الأدوار.. يكتب الكاتب كتابه ويقرأه على جمهور من المستمعين، أو يتخيل مثل هذا الجمهور.. يكون هو قارئ كتابه الأول.. إنه موجود في كتابه كقارئ أيضاً. وانا شخصياً، في الغالب، إذا ما قرأت نصاً لكاتب أعرفه فإنني طوال الوقت أسمع كلمات الكاتب ذاك، بنبرته هو، تأتيني من بين السطور، كما لو كان يتحدث إليّ.
في المقابل يتحول القارئ نفسه إلى كاتب ثان للنص.. إن النص ينكتب من جديد في كل مرة يُقرأ فيها.. في ( كتاب الحصار ) يتساءل أدونيس؛ “كيف تمكن القراءة وأنت جالس في الكتاب ذاته الذي تقرؤه، أو تتحرك في كل سطر منه؟ كيف يمكن أن تقرأ وأنت المكتوب ـ المقروء؟”. تغدو الكتب فضاءً للانهائية الممكن، مجالاً لتخيلاتنا وأمنياتنا في أن أن نكتب ونقرأ ما لا يحصى منها. وما ستتيحه لنا قدراتنا الفيزيولوجية والمدى الضيق لأعمارنا، في النهاية، هو النزر اليسير من الكتابات ومن القراءات. فكم بمقدورنا أن نضيف إلى.. وأن نلتهم من مكتبة العالم الكبيرة؟. يجزم مانغويل بأن “سلسلة الكتب التي لم نكتبها مثل سلسلة الكتب التي لم نقرأها، تمتد إلى أقصى زاوية من زوايا المكتبة التي لا نهاية لها. إننا نقف دوماً في البداية، بداية المجلدات الأولى من حرف الألف” .
إننا نقرأ الكتاب ومن خلاله نقرأ الكاتب والعالم.. ويكتب الكاتب ونصب عينه نحن ( قرّاؤه ) حتى وإن تبجح بأنه يكتب لنفسه. وأتصور أن كافكا وهو يوصي صديقه ماكس برود بإحراق كتبه بعد موته، كان على يقين من أن صديقه لن يفعل هذا.. كانت تلك لعبة لإضفاء بعض من هالة خارجية غامضة على كتبه التي لم تعرف الرواج، على الرغم من أهميتها الفنية الكبيرة، في أثناء حياته. وبالفعل أدت خيانة الوصية من قبل برود إلى سرعة انتشار اسم كافكا. فكلاهما كان يدرك مقدار ما سيشعله هذا الأمر من الفضول عند القراء.. كانت تلك مؤامرة مثمرة، بمقاييس محددة، لتمجيد فعل القراءة؛ هذا الفعل الذي يمكن أن نتصوره كبديل رمزي أو صورة مجازية عن مغزى وجود الإنسان في العالم.. يقول مانغويل؛ “إن النظر إلى الكاتب كقارئ، أو إلى القارئ ككاتب، أو إلى الكتاب كإنسان، أو إلى الإنسان ككتاب، أو إلى العالم كنص أو إلى النص كعالم ـ كل هذه الأشياء ليست سوى أوصاف مختلفة لفعل القراءة”.
وحتى المكتوب عنه، إذا ما كان شخصية تاريخية واقعية يعود ليكون قارئ نفسه. فالقارئ يستمد بعضاً “من روح الكتاب، ومن المحيط الذي يقرأ فيه الكتاب” يقول مانغويل، ويردف؛ “وهكذا يبدو لي من المناسب تماماً أن يقرأ الأسكندر الكبير ( الألياذة والأوذيسة ) نظراً لأنه كان جزءاً من أبطال الميثولوجيا كما صوّرهم هوميروس”.
للقراءة طقوسها، ولكل كتاب متطلباته من حيث اختيار مكان وزمان وظروف قراءته. فإذا كانت طبيعة القارئ النفسية توجِّه فعل القراءة فإن شكل ومحتوى الكتاب المقروء يفرضان على القارئ ( أو يوحيان له ) وضع القراءة المناسب. تقول كوليت؛ “أنا الآخر أقرأ في الفراش، ففي الأسرّة العديدة التي أمضيت فيها ليالي طفولتي ـ في غرف غريبة عجيبة في الفنادق، حيث كانت أنوار السيارات العابرة تتراشق بصورة مخيفة على الأسقف، في بيوت كانت روائحها وأصواتها غريبة على مسمعي، في أكواخ العطل التي كانت جافة من جرّاء رياح البحر أو هواء الجبال… كانت المؤالفة بين السرير والكتاب تمنحني ما يشبه المسكن، مسكن كنت أستطيع الرجوع إليه، ليلة بعد ليلة، تحت أي سماء كانت”.
هناك من يفضِّل القراءة في غرفة النوم، أو في المطبخ، أو في العليّة. ويرى الروائي الإنكليزي آلان سيليتو “أن أفضل مناسبة لقراءة قصة مكتوبة بأسلوب رشيق شيّق، هي عندما يكون المرء مسافراً في قطار”. فيما يخبرنا هنري ميللر أن أفضل قراءاته حدثت في دورة المياه.. وكتب شيللي؛ “إن عادتي هي أن أتعرى وأن أجلس على صخرة جرداء لأقرأ هيرودوتس إلى أن يتوقف العرق عن التصبب”.
ثمة قرّاء يكون الكتاب منزلهم الأثير في ملكوت العالم، ملاذهم من الأذى والأسى والخوف، طريقهم إلى الخلاص والنقاء الروحيين، جنتهم في الأرض. وكان خورخة لويس بورخس يتخيل الفردوس، في السماوات البعيدة، مكتبة لا حدود لاتساعها، وأهلها هم أولئك المتولعين بالقراءة. حيث القراءة شوقهم وفرحهم وزادهم اليومي ونعمتهم الأبدية.
“في بعض الأحيان تعترينا فرحة غامرة مفاجئة دون أن نستطيع القول: ما هو السبب؟ ( بحق السماء ما هي هذه العاطفة؟ ) سألت… بعد الانتهاء من قراءة ( الملك لير ). ماذا تتميز به أعمال الفن العظيمة التي تمارس عليّ هذا التأثير الباعث على السعادة؟”. هذا ما يفصح عنه مانغويل، هو الذي يقدّم لنا في ( تاريخ القراءة ) تاريخ ولعه هو بالقراءة وسعادته معها، وكذلك تاريخ الإنسان، من حيث هو قارئ، والذي ما كان باستطاعته من غير القراءة أن يغادر الغابة والمغارة، ويتحضر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق