الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | الفتاة والبحر

الفتاة والبحر

أسعد العزوني

لم تكن دلال المغربي كغيرها من الفتيات أبداً فهي لم تنعم يوماً بالدنانير التي تمكنها من النزول لبيروت عند العصر مرتدية بنطلون الجينز وشعرها منسدل على كتفيها العاريين تمشي بغنج ودلع زائد تتسمع لكلمات الغزل التي يقولها الشباب المتسكع في شوارع بيروت ولم تزل إلى تلك المدينة يوماً تنتظر دعوة أحد الشبان لحضور حفلة راقصة أو لرؤية فيلم سينمائي لأنها لم تكن تملك متسعاً من الوقت لذلك كونها تؤمن بأن تلك المشية لن تكون في بيروت بل في شوارع القدس واللد وحيفا ونابلس حيث لا مانع لديها من ان يمشي الناس جميعاً هناك فرحين مبتهجين… بالنصر الذي حققوه بأيديهم وهي لم تعد كذلك تمضي يومها على أمام المرآة تسرح شعرها أو تسمع صوت المسجل وترقص على أنغام الموسيقى بل كانت تذهب في أوقات فراغها إلـى القاعدة لتطرب على أصوات الكلاشنكوف وتؤدي التمارين الرياضية وتتعلم السباحة تمهيداً ليومها المعهود. لقد نشأت دلال كغيرها من فتيات المخيمات بائسة محرومة فلا فستان عيد ولا رصيد في البنك ولا أحلام بسيارة أمريكية أبداً فقد كانت ترفض حتى أن تسمح لنفسها بالتفكير في ذلك لأنها تعرف أن يومها أصبح قريباً ولا يوجد أمامها مجال لتضييع الوقت بأحلام برجوازية لا تليق بها كفتيات تنتمي لشعب يريد إيجاد نفسه على أرض الحقيقة الشرعية.
كانت تذهب إلى المدرسة صباح كل يوم والابتسامة على وجهها المشرق وكأنها عروس رائعة وكانت تقبل على دروسها وكتبها تتعلم منها حل رموز المعادلات الرياضية الهندسية وجدول المسافات لتعرف كم أصبحت المسافة بينها وبين فلسطين وتجدها تقترب منها يوماً بعد يوم.
كانت تلك الفتاة قائدة منذ طفولتها البائسة في المخيم وفي المدرسة وحتى في القاعدة فقد كانت بمثابة القائـد الذي يصدر الأوامر لنفسه أولاً ويطالب الآخرين أن يتبعوه. وكانت تتمتع بمواهب خارقة وثقافة ثورية عالية لا تؤمن بثورة الكتب فقط بل بثورة النفس وثورة النفس على النفس هي الأصح دائماً حيث السبيل الوحيد إلى النجاح والغاية المرجوة، وكانت جريئة لا تخاف أحداً ما دام الحق بيمينها وصدف في يوم أن جاء أوروبي إلى مدرستها في إحدى الزيارات المتكررة التي كان يقوم بها الأوربيون للتفرج على المخيمات الفلسطينية وأخذ يصور

بها. طلبت منها مدرستها أن تلقي كلمة المدرسة نيابة عنهن لكونها ابنة المخيم القريب من المدرسة وتملك إلى جانب ذلك فصاحة زائدة.
وقفت دلال آنذاك كأنها زعيم أمة أراد مخاطبة جماهيره أو قاضياً أراد أن يحاكم المجرمين لقد كانت دلال المغربي في وقفتها تلك هذا وذاك. فقد كانت زعيم أمة في مهمتها الموجه إلى الشعب العربي حين قالت (إن الأرض لنا وسوف لن نبقى في هذه المخيمات) وكانت قاضية حينما قالت للوفد الأجنبي الذي جاء إلى المنطقة ليصور المخيمات ويذهب بصورها إلى بلاده لينقل حالة هؤلاء اللاجئين المشردين حيث خاطبتهم (بأنهم هم الذين أوجدوا الكيان الصهيوني وهـم الذين شردونا من أرضنا) حيث أذهلـت بكلماتها القليلة ذلك الوفد بأكمله حينما سألوها إن كانت مولودة في فلسطين أم لا عندما أخبرتهم أنها لا تعرف فلسطين وليست مولودة فيها لكن فلسطين محفورة في قلبها كخنجر ذهبي ما دامت مغتصبة من قبل من يدعمونها وأنها سوف لن ترتاح أبداً ما دامت فلسطين مغتصبة وما دام أصحابها الشرعيين مشردين في تلك المخيمات البائسة التي فتحتها وكالة الغوث لهم مع كمية من الصدقات التي توزع عليها أول كل شهر. كانـت رائعة حين قالت بلهجة حادة (خذوا تلك الصدقات والخيم إننا لا نريدها ولسنا بحاجة إليها لعل عندكم فقراء في أوروبا وأمريكا إننا أصبحنا أغنياء بثورتنا حيث أصبحت تكفينا وقواعد الثورة
تؤوينا) هكذا وبعد ذلك الموقف الذي لم يتوقعه أحد غير ذلك الوفد نظرته وبدل أن يذهب إلى المخيمات ليصورها ويرجع بها إلى بلاده أخذ معه صورة دلال المغربي وكلماتها مؤكداً أن هذا الشعب الذي بلد مثل تلك الفتاة سوف لن يمـوت مهما طالت فترة بقائه خارج بلده ومهما قتل منه على أيدي الصهاينة والمرجعيين لابد من يوم يرجعون فيه والويل للعالم الظالم عندما يرجع الفلسطينيون إلى ديارهم التي أبعدوا عنها بموجب مؤامرة عالمية وصمت عربي رسمي. هكذا كانت دلال رسولة رائعة بوجهها المشرق تمكنت من تغيير معالم المخيم التي كانت تقيم فيه تجعل من كل شبر فيه جنة تزخر بالورد والزهور ومن كل عضو فيه نحلة نشطة وأصبح المخيم نظيفاً كأنه ساحة من ساحات دور فلسطين وكأنه على علم مؤكد بدنو رحلتها إلى فلسطين وقدوم الصحفيين كعادتهم بالسؤال عن تلك الفتاة الفلسطينية التي عرفت فلسطين بحراً وقارباً وقنبلة وبندقية. كبرت دلال وروح الثورة تكبر فيها يوماً بعد يوم حتى رأت كل شيء أمامها فلسطين وكل ما كانت تنطق به هو فلسطين أيضاً فهي لم تنسى ما كان يقول بها أبوها عن صباه الغر في فلسطين وعن الأرض الطيبة والبرتقال حين يزهر وبعد أن يثمر وعن النسيم العليل الذي كان الناس يستشفونه أثناء سهرهم وتعليلهم تحت دوالي العنب ليالي الصيف المقمرة وعلى البيادر التي كانت تزخر بالقمح ذلك الذهب الأصفر الذي يجمعه الناس على أصوات النساء وأزهار بجهد التي تتوافق مع حركات المناجل في أيدي
الرجال بينما هي تراه الآن فمن عز إلى شقاء ومن غنى إلى فقر ومن بحبوحة إلى حرمان حيث حياة المخيمات أمامها وهي تعيشها يومياً وتحس بها كذلك أثناء رؤيتها لكل طفل أو طفلة فلسطينية قبيل اقتراب موعد وكالة الغوث التي كانت تعطيهم الذل والشقاء مع كل ذرة من الطحين أو الأرز أو السكر حقاً لقد كانت خير معلم بلا جامعة أو شهادة ولكنها كانت تملك شهادة الثورة التي جعلت منها فتاة عظيمة كعملها في حياتها كما هي الآن بعد استشهادها حيث جسدت ما آمنت به ونفذته على أرض الواقع لتضيف لمبادئ الثورة رقماً جديداً. كانت رصاصتها عند بزوغ الفجر على شواطئ تل أبيب في عقر دار العدو المؤقتة وفي ذلك الوقت بالذات إيماناً كمقولة الثورة حيث نحن الذين نحدد المكان والزمان. وقع عليها الاختيار لتنفيذ عملية بطولية نوعية تجسد فيها مبادئها وأهدافها بصورة عملية أثبتت أن الممارسة والتطبيق هما أساس العمل لها الطنطنة التي تغني بها العواصم العربية في مناسباتها العديدة وهكذا فقد كان أسلوبها منطقياً وواضحاً لا لبس فيه في تحديد العمل الناجـح. وقد كلفت بقيادة العمليـات لما كانت تتمتع به من صفات قيادية منذ نعومة أظافرها وليكون كذلك وقع العملية علـى العدو أشد تأثيراً لكونها فتاة لم تبلغ عشرين ربيعاً ولم تولد في فلسطين أو تراها إلا حزناً وبؤساً على وجه أطفال المخيمات وبنادق وقنابل في أيدي الثوار حقاً فقد كان ملفتاً للنظر أن تقود فتاة بمثل سنها عملية نوعية كتلك التـي كلفت بها لكونها ستكون مواجهة مباشرة مع
قوات الاغتصاب الصهيوني ولكن دلال ليست كغيرها من الفتيات فهتي لم ترتد الجينز وشعرها متدل على كتفيها العاريين لم تضع أحمر الشفاه أو تتحدث بغنج أو دلع ولكنها ارتدت بدلة القتال وربطت شعرهـا جدايل كي لا يعيقها عند عملها أثناء الفك والتركيب والزحف على الرمل أو التحضير لقنبلة يدوية. لم تكن دلال كغيرها من الفتيـات أبداً ولهذا كان اختيارها قائدة لتلك العملية البطولية التي أهلتها لدخول التاريخ من أوسع أبوابه أبواب العزة والكرامة أبواب النضال والنصر ولم تجادل دلال في ذلك ولـم تقل أنها فتاة وذلك حرام ولكنها كمن كان ينتظر ذلك العمل حيث تهلل وجهها فرحاً ونشوة بالشهادة على بينة من الطريق والهدف وأنها سوف تنفذ العملية بحذافيرها كي تحرز النصر بكاملة غير منقوص منه شيئاً ويكفي أنها ستثبت للعدو أننا نحن الذين نحدد مكان وزمان اللقاء وليس هم واختارت رفاقها الشجعان ولم يتخاذلوا هم بدورهم وكان قائدهم فتاة وأن ذلك لا يجوز في عرف الرجال أن تقودهم امرأة، لأن كل الفلسطينيين عليهم أن يقوموا بدور الرجال لا فرق بين الجنسين والكل رجال ذو عزيمة وإصرار. ابتدأ التدريب القاس لكون العملية المرتقبة عمليـة نوعية ونتائجها سوف تكون كبيرة. لذا فهي تتطلب ذلك التدريب القاسي وهكـذا فقد استغل العدو تلك العمليـة واكتسح الجنوب اللبناني قواته الضخمة ومعداته التقنية الحديثة لكن منى بهزيمة فظيعة كتلك التـي منى بها يوم الكرامة الخالدة قبل عشر سنوات من
إبحار دلال المقدس وقد جوبه (بالقرود الفلسطينيين) كماقال حاييم وايزمان لقيادته أثناء المعركة مقترحاً عليه وقف إطلاق النار حيث قال (إننا نقاتل قروداً وليس بشراً إنهم يطلعون علينا من هنا وهناك).
استمر التدريب القاسي في القاعدة وكان التعاون مشهوداً له بين أفراد المجموعة وقائدتهم حيث كانوا يتمتعون بروح ثورية عالية أظهروها عن طيب خاطر ووعي ثوري خالص.
كانـت دلال تبدو آنذاك وكأنهـا القائد الفعلي للقاعدة بأكملـها حيث كانت تراقـب الكل أثناء تكليفه بعملية حيث كان ذلك يشجعها على الإسراع لركوب البحر.
كانت عيونها متفتحة على الأشبال الفلسطينيين الذيـن أنهوا علاقاتهم وللابد مع وكالة الغوث ومسح الأحذية والتحقوا بالثورة الطريق الوحيد الذي يوصلهم إلى فلسطين وكانت تراقب تحركاتهم بحذافيرها وتعابير وجوههم أثناء حملهم للبنادق والسير طابوراً واحداً ليقفوا تحت العلم الفلسطينـي الذي بدل لونه الأسود مكان لونه الأخضر حتى يتم تحرير فلسطين وكانت دموعها تنزل فرحاً عندما تسمعهم وهم يحيـون العلم الذي يرفرف عالياً في ظل بنادق الثورة وهم ينشدون:
عاشت فلسطين حرة عربية
عاشت فلسطين حرة عربية
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
ثورة حتى النصر
ثم يكملون بعدها:
بلادي بلادي بلادي
فتح ثورة على الأعادي
كـان ذلك الموقف حقاً مؤثراً فكيف استطاعت الثورة تخليص شعبها من الذل والحرمان ووضعه في وضع العزة و الكرامة والهتاف بحماس تحت علم بلادهم التي أجبروا على النزوح منها قبيل ثلاثين عاماً إنه النصر آت لا محال.
وكانت دلال تنزل إلى البحر مع رفاقها وتزحف معهم على الرمال الساخنة وبيدها البندقيـة والقنابل وتتعب مثلهم وينزل عرقها كعرقهم ولا فرق طالما أنهم سيسيرون معاً في طريق واحد ضمن طريق واحد لهدف واحد. اقترب موعد العملية وأطلعت المجموعة وقائدتها المناضلة على الخطة والهدف ومكان الانطلاق وموقع الهجوم وكانت الفرحة قد تجلت روعتها على الوجه أنهم سيرون فلسطين وسيموتون على أرضها الطاهرة التي ستستقبل دمهم الزكي في أعظم وأجل طقس من طقوس العبادة.
إن فلسطين الآن أصبحت قريبة منهم وليست بعيدة عنهم إنهم يشعرون أنهم فيها ليسوا زائرين بتصريح زيارة تنتهي مدته بعد وقت محدد أو سواحاً أجانب جاءوا بدولاراتهم يصرفونها فيها. إنهم أصحاب حق ضاع منهم ضمن مؤامرة دولية وتقصير عربي رسمي.
يا إلهي كـيف ستبدو فلسطين أمامهم؟ إنهم لم يولدوا فيها ولم يتربوا عليها أو يلعبوا ببياراتها أو يتذوقوا طعم برتقالها ونسيم بحرها فكيف حنوا إليها وجاءوا ليقدموا أرواحهم رخيصة؟ إنه الوفاء، الكرامة، والعزة أن يقدم الشباب على الموت في سبيل فلسطين دون أن يتربوا فيها ليبطلوا بذلك نظريات الصهاينة وهي أن جيل ما بعد النكبة سوف ينسى أن هناك بلداً على الخارطة اسمها فلسطين وسيندمجون بمجتمعاتهم وها هم الآن يأتون إليها رغم غولد مائير وبيغن ليستردوا حقهم السليب ويثبتوا جدارتهم في كيفية المطالبة بهذا الحق وهكذا كانت لهم طريقتهم الخاصة بحراً وقارباً وبندقية وعزيمة صادقة ثورية
وعند المغيب حيث شمس الأصيل كانت تبدو حزينة تغوص في البحر تستحم فيها وتخرج إلينا بهمة جديدة ونور جديد حيث الطيور التي كانت ترفرف على البحر يلاصق بعضها الماء في طيرانها كمن يغطس بالماء ليتطهر من ذنوبه أو شيء نجس علق فيه يودع الشمس الأصيـل وأصوات أجنحتها التي كانت توحي بشيء ما. وكانت أضواء فلسطين تبدو قريبة جداً والرمل الذهبي يفقد بريقه أثر ذهاب الشمس وكان يبدو كفتاة شرقية فقدت عذريتها بطريقة سوقية.
تجمعت هذه الصور الفظيعة أمام ناظري دلال وقاستها على نفسها واستعرضت الثلاثين سنة بالتمـام والكمال الحافلة بالذل والحرمان يوم أن خرج أبوها ومعهما مفاتيح البيت ليرجعوا إليه بعد أسبوعين كما أخبرتهم قيادة جيش الإنقاذ ولكن ها هم الآن قد قضوا ثلاثين سنة ولم يتم تحرير فلسطين بل سقطت جميعها رغم أن تلك الجيوش أصبحت اثنان وعشرين جيشاً في ظل الهزيمة والانكسار، ها هي دلال تحمل معها مفتاح بيتها ولكن أي مفتاح لأي بيت؟ وهل بقي في فلسطين بيت على حاله حتـى الآن؟ كلا بطبيعة الحال…؟! إنها تحمـل مفتاح القضية كلها قارب وبحر وبندقية.
أخذت تودع القادة وتعدهم بالنصر ووضعت كوفيتها المزركشة وهي ترسم شارة النصر بعد أن حددوا كلمة السر وهي (بيت العرين والنسر العائد) وأبحر المجموعة في رحلة العودة المرتقبة وفي مخيلاتها فلسطين كاملة منذ الخليفة. سار القارب في الماء مسرعاً كرصاصة خرجت من مسدس كاتم الصوت لتستقر في صميم الهدف أمامها. واستـدارت دلال إلى مجموعتها لـتجدهم لا يقلون عنها حماساً بل يشع بالإصرار والعزيمة. فسبحان الله فهل هذا وجه آدمي حقاً؟ هل صحيح أن البشر يحبون الحياة ويكرهون الموت؟ وهل الروح عزيزة كما يقولون؟ وهل ما يمارسه الأغنياء عند تعرضهم لمكروه أنهم يفدون أرواحهم بكل ما يملكون كي ينجو بجلودهم سالمين؟ عجيب ذلك إن كان ذلك صحيحاً! ولكـن لماذا يذهب هؤلاء
الفلسطينيون إلى الموت بنفس راضية أبية؟ أي تضحية تلك وأي قربان ذلك ولأي إله يقدم؟ إن الحقيقة واضحة كنور الشمس فالقربان نحن المشردون جميعاً فالحياة الحرة الكريمة تتطلب منا أن نضحي لفلسطين فهي عروس مهرها الدماء وهي غالية ثمنها غالي إنه أرضنا ودماؤنا.
لقد كان المصريون يرمون أجمل فتاة للنيل كي يفيض عليهم ويسقي مزروعاتهم ويطرح بركته على أرضهم بعد أن ساد الجفاف بلادهم، هذا حسب علم المنطق والعقل لا يتم إلا عن إيمانهم بالخرافات تساق إليه في مهرجان جماهيري عامر حيث تموت فيه ويضيع جمالها دون أن تستمتع به مع أن النهر جامد لا يشعر بجمال تلك الفتاة التي جاءت إليه مكرهة لكونها وقعت عليها القرعة وهي لا تملك من أمرها شيئاً إلا الدموع المنهمرة على خدها؟ حقاً لقد كانت خسارة للفتاة أن تموت بدون أن تشعر بلذة الحياة ولكن ماذا تعمل وهذا اعتقاد شعبها بأكمله؟ وهو أن النيل لن يفيض عليهم إلا بموتها فيه لقد كان ذلك بعكس الفلسطينيين الذين يبعثون فتيانهم وسيداتهم بنفس راضية، مطمئنة فهذه دلال وإن كانت دموعها قد نزلت على صباها فإنها كانت دموع الفرح لأنها سوف تموت على أرض بلدها ويجبل دمها بترابها الزكي حيث تكون بذلك قد حققت منالها ووهبت روحها لفلسطين وما أغلى الروح في سبيل الوطن رخيصة بل ورخيصة جداً.
استمر حوار العيون بين أفراد المجموعة وأي عيون تلك التي يشع
منهـا الأمل في الوقت الذي يتوقعون فيه أن يكشفهم العدو ويقوم بقلتهم عندما يعرف أنهم ماضون في رحلة العودة يلبون نداء وطنهم المغتصب ويسيرون باقربهم على أنغام فيروز وكانوا يتخيلون أنفسهم وسط الأضواء الكاشفة الصهيونية في عرض البحر والنيران تصليهم.
وتخيلهم دماءاً ولحماً غداءاً جاهزاً لأسماك القرش وتحرمهم من تقبيل أرض فلسطين الطاهرة.
ولكن ذلك لم يزدهم إلا إصراراً فوق إصرارهم وعزيمة فوق عزيمتهم وإن ما يضاف إلى حماسهم الزائد وخلال وجودهم وأقسموا مرة أخرى وعاهدوا أنفسهم على أن يكونوا خير رسل تبشر الأرض بمجيء الزحف المقدس الذي سيطهرهم من الرجس الصهيوني بينما هم كذلك في عرض البحر جاءتهم رسالة من القيادة تستفسر عن أحوالهم وأوضاعهم في القارب.
آلو! آلو! آلو!
من عرين الأسد إلى النسر العائد.
طمئنونا عليكم!
وبدت على وجوههم الفرحة.
وردت دلال .
آلو! آلو! آلو!
من النسر العائد إلى عرين الأسد.
نحن بخير الله معنا.
استمروا يسيرون في عرض البحر تحرسهم الملائكة وهم يدعون الله سبحـانه وتعالى أن يحميهم وأن لا يكشفهم الصهاينة قبل أن يصلوا الشاطئ ويبلغوا الأمانة التي جاءوا من اجلها وكانت الطيور ترفرف من حولهم بأجنحتها وكأنها ملائكة السماء تمثلت بطيور تطرد عنهم الشر والحسد وكانت الأسماك تبدو من تحتهم وكأنها جنيات سخرها الله لحمايتهم في عرض البحر. لقد تذكروا مخيماتهم التعيسة البائسة وأوضاعهم المزرية في الوقت الذي يغتصب فيه فلسطين أناس دخلاء ينعمون بخيراتها ويسكنون جناتها بينما أهلها الشرعيون ملقون خارج الحـدود وتقطبت وجوههم ولكنهم سرعان ما طردوا تلك الفكرة من رؤوسهم فهم في وضع لا يسمح لهم بالعبوس غنهم ماضون في رحلة العودة إلى فلسطين ويجب أن تكون وجوههم بشوشة وتذكروا أغنية الثورة التي كانت بمثابة البلاغ رقم واحد لهم حيث دعتهم لإحراق خيامهم وتمزيق بطاقات التموين تلك الشهادات التي تدل على هويتهم لاجئون مشردون ولكن أنغام الأغنية وكلماتها هي الشهادة الحقيقية لهم.
ثائرون ثائرون وأخذوا يرددون الأغنية بهمس والنشوة ترداد على وجوههم:
ولعوا النار بها لخيام وأرموا كروت التموين.
لا صلح ولا استسلام بدنا احنا نحرر فلسطين.
وهكذا كانوا يترنمون بصلاتهم الصامتة تلك حيث اقتربت الساعة ولـم ينشق القمر بل انقلق البحر عن هؤلاء الفرسان العائدين إلى بلادهم بقارب وقنبلة وبندقية وصادف انشقاق البحر انقلاب السماء لترسل أشعة النور مبشرة بالفجر فجر الحرية والكرامة وترسل دلال عندها إلى مقر قيادتهم كتبتهم فيها بالوصول إلى الشاطئ حسب ما هو مرسوم في الخطة.
آلو! آلو! آلو!
من النسر العائد إلى عرين الأسد
اقتربت السعة وانفلق البحر
وردت عليـها غرفة العمليات في الجانب الآخر بعد أن قرّبت جهاز الإرسال من جهاز المسجل يبث أغنية توعز لهم ببدء العملية:
يا فدائي خلي رصاصك صايب
صايب صايب
يا فدائي جمع شمل الحبايب
الحبايب
يا فدائي فجر فجرها بركان
يا فدائي أشعلها أشعلها في كل مكان…

آلو! آلو! آلو!
من عرين الأسد إلى النسر العائد
كلمات الأغنية واضحة هل تسمعني أجب؟
وتقترب ساعة الصفر على أنغام الأغنية وترد عليهم دلال ويدها على الزناد وجهاز الإرسال في رقبتها وتقول:

آلو! آلو! آلو!
من النسر العائد إلى عرين الأسد.
الله أكبر وثورة حتى النصر.
وينطلق الرصاص على أفراد العدو محدثاً فوضى وجلبة غير متوقعة حيث ز زال المستعمرون الصهاينة كعادتهم يتململون في نومهم ولم يتوقعوا هؤلاء الضيوف الذين تعودوا أن لا يقرعوا الأبواب فأي أبواب تلك التي سيقرعها أصحابها الشرعيون؟ وهل إذا خرجوا منها لمدة قسراً أصبحت غريبة عنهم؟ إن هذا في عرف المنطق لا يجوز فالبيوت لهؤلاء الناس القادمين من بعيد حاملين أرواحهم على أكفهم يهتفون بعزة الله والمجد للثورة.
حقاً لقد كان المشهد رائعاً فالرصاص لم يتوقف ولن يتوقف طالما
أن اللون الأسود في علم فلسطين بقي محل اللون الأخضر فلم ولن يهدأ الرصاص ولن تكف الحناجر عن الهتاف للثورة.
تفرقت المجموعة وكل أخذ مكانه بعد أن أبحت الغلبة لهم لأن الغلبة للضربة الأولى والضربة الأولى كانت لهم وكانت رحلتهم وكأنها مطابقة لرحلة الشمس حيث كان بزوغها مواتياً لرصاصهم.
اتسعت رقعة القتال،انقطع الاتصال (بين النسر العائد وعرين الأسد لاشتداد المعركة فالعدو قد رمى كل ثقله في المعركة دون أن يعرف عن المهاجمين شيئاً سوى كالعادة (مخربين) فقط!
أمـا طبيعتهم، قائدهـم، عددهم فحتى ذلك الوقـت لم يتوصل لشيء لأن هم القيادة كان طلب المزيد من النجدة والمزيد من الطائرات والجنود والمجنزرات وكان النسر العائد يصليهم مزيد من الطلقات حيث قطع الإمدادات عنهم ونسف خطوطها واستمر الثوار يضرب المنطقة المحاصرة وكان العنف وأي عنف حيث لم يتوفر عامل تكافئ الفرص فلا النسر العائد يمتلك الأسلحة التي كان يمتلكها العدو ولا العدو يمتلك الإرادة التي يمتلكها النسر العائد وكانت المأساة على العدو حيث أخذ جنوده يهربون إلى السيارات القريبة من الساحل ريثما جاءت الإمدادات جواً.
ونفذت الذخيرة وبدأ القتال بالسلاح الأبيض كعادة الثوار أن لا يستسلموا ما دام في عروقهم دم.
وبدأت المعركة من جديد ولكن الغلبة الظاهرية كانت للعدو حيث تمكنت الطائرات من قصف المنطقة التي كان النسر العائد متواجداً فيها وتم اغتيال المجموعة الفدائية وعلى رأسهم دلال وتقدم الجنود من الذين ذاقوا الويل على أيديهم ونكلوا بهم عند بزوغ الفجر وكان الذهول وأي ذهول أصابهم عندما وجدوا أن قائد العملية فتاة صغيرة حيث صاح قائد الفرقة دون وعي منه.
إنها امرأة قائدة المخربين امرأة!
إنها صغيرة “يا إلهي! وبدا يهذو.
جن جنون القيادة آنـذاك بعد أن سمعت تلك الـكلمات وأمرت قائد الفرقة أن لا يحرك ساكناً بل عليه مراقبة المنطقة خوفاً من قدوم عائدين جدد ليثأروا لمجموعتهم!
خيم الذهول على المنطقة لأن أخبار تلك المعملية قد سرت إلى كافة أجزائها المأهولة بالسكان: إنها بنت! بنت كيف يكون ذلك؟
واجتمع المستعمرون في ملاجئهم والغثيان يصيبهم: إنها ليست أرضنا بحق السماء إنها لهم! إننا أغبياء! لماذا قدمنا من بلادنا؟ أين اللبن والعسل أين السلام؟ إنه سم زعاف! إرهاب! حرب!
قتل! دم!
أيـن موسى وإسرائيل يقاتلان عنا؟ أيـها الرب احمنا! إنهـا بنت
جاءت من هناك لتموت هنا!
ماذا يعني ذلك يا إسرائيل! أغثنا بالله عليك!
إن قادتنـا مجانين! لم ينسى الأطفال بلادهم! إنها بنت صغيرة! اللعنة علينا جميعاً!
واستمر الهذيان بين الناس على هذا المنوال حيث قرر قسم كبير منهم حزم حقائبهم للرجوع إلى بلادهم التي جاءوا منها مضللين فتباً لأرض الميعاد وللبنها وعسلها! حيث الطمأنينة والهدوء والوعود الصادقة!
ما هي إلا ساعات قليلة حتى وصل وزير الحربية الصهيوني ليقف على الأمر بنفسه ويتقدم بحذر من الجثث الملقاة على الرمال وهي تنزف دماً ساخناً زكياً طاهراً وجثا بحذر شديد على جثة القائد ونزع بهمجية واضحة السلسلة الذهبية المعلقة برقبتها وقرأ ما عليها:
دلال المغربي!
من مواليد مخيم تل الزعتر!
العمر 18 سنة!
الأمنية العودة إلى فلسطين!
الهوية: الرسم بالبنادق!
الانتماء: فلسطين ثورة حتى النصر!

وما أن انتهت تلك الكلمات المحفورة على تلك السلسلة الذهبية المعلقة برقبة الشهيدة القائدة حتى انهار على الأرض وأخذ يهذوا بكلمات ليست مفهومة إلا لمن جاوره.
(يا إلهي! بنت! وعمرها 18 سنة من مخيم تل الزعتر لقد دمرناه قبل آلاف السنين)!
لقد عادوا اليوم إنهم شياطين!
يا آل إسرائيل لقد جئنا للترفيه لا للموت!
بناتهم يأتين هنا للموت!
ويصرخ بأعلى صوته وكأن به مساً من جنون ويخاطب أركان قيادته الذين تجمعوا حوله والحقد الأسود يقطر من وجوههم حيث أمرهم بالتوجه إلى لبنان فوراً.
(يا قادة بني إسرائيل لقد صبرنا عليهم ثلاثين عاماً، عليهم أن ينسوا اسم فلسطين ولم يفعلوا)!
وإن مقاتليهم اليوم فتيان أعمارهم أقل من عشرين عاماً، إن المخيمات التي زودناها بكل ما تحتاجه لم تقدر هذا الجميل أين السكر والأرز والطحين وأين الخيم التي كانت تأويهم من أمريكا وأوروبا؟
إننا سوف لن نخرج من هذه الأرض وهم لن يفرطوا فيها وقد جـاءنا اليوم أطفالهم! إنها مأساة لبني إسرائيل! مأساة لموسى! سنقضي عليهم لا ترحموا منهم أحداً، لا تنسوا مخيم تل الزعتر.
أحرقوه مرة أخرى! لينصرنا الرب وليقف معنا إسرائيل وموسى.
وأما على الجانب الآخر حيث عرين الأسد قد بث أسوده وأشباله في كل مكان بعد أن فقد اتصاله مع النسر العائد فصدرت الأوامر بالاستعدادات القصوى للدفاع عن الثورة وجنوبها الصامد ومخيماتها المعطارة.
انتشـر الخبر وسمع الناس بالعملية وأجل سكان المخيمات الاحتفال إلى ما بعد هبوب العاصفة تلك العاصفة التي ستكون هوجاء ولكن ستحرق نفسها بنفسها وتكون النتائج وخيمة على أفرادها فعزيمة الثوار من حديد.
بدا الجنوب ساكناً لا حراك فيه وأنذرت حيواناته البرية وطيوره بقدوم العاصفة وذهبت إلى مخادعها ورقدت الطيور في أعشاشها وأخذوا الثوار كل مكان ليكونوا هم ملوك الساحة وكانوا.
كانت تلك العملية الذريعة القوية للعدو كي يغزو جنوب لبنان الصامد ويذوق على أيدي (القرود الفلسطينيين) الويل كل الويل كما قال وايزمن! أثناء الحرب:
(إننـا نقاتل قروداً ولـيس بشراً! إنهم يطلعون إلينا من هنا ومن وهناك).
اجتـاحت جيوشهم الجنوب بكل ما يملكون من أسلحة ودمار وكلهم ثقة بالنيل من كرامة الجنوب الصامد وكانت الحرب وعادت الكرامة من دديد حيث (رحبي الكرامة) لا زال موجوداً متمثلاً برفاقه الجدد يتفجر بينهم من جديد ويقتل منهم الكثير ويدمر دباباتهم ويربك جنودهم لهول ما يحدث فيهم وأصبحت أرض الجنوب ناراً تحرقهم وشجره أصبح أشواكاً بعيونهم يعمي أبصارهم ولأول مرة يطلبون من الثورة أن توقف من جانبها إطلاق النار لينسحبوا بسلام بعد أن ذاقوا هذه المرة صنوف العذاب وكانت إهانة لهم لا يمحوها الزمن لقادة الكيان الصهيوني مجتمعين حيث فتاة قادت العملية البطولية بالأمس وها هم اليوم يطلبون وقف إطلاق النار لينسحبوا بعد أن فشلوا في تحقيق مآربهم وينالوا من أرض الجنوب الطاهرة شبراً واحداً.
لقد أصبح نهر الليطاني سماً عليهم وأصبحت مياه المقدسة تحرق كل من يمسها ومادت الأرض من تحت أقدامهم معلنة استنفارها وانسحبوا وهم أذلة يلعنون أنفسهم لأنهم فشلوا في تحقيق غايتهم رغم عددهم وعدتهم بينما دلال نجحت في رحلتها وأذاقتهم المر الذي لا يطاق.
انتهت الغارة الوحشية على أرض الجنوب دون أن تحقق أهدافها فـلا هي نالت من أرض الجنوب ولا اقتربت من المخيمات. وخـرج
الناس بعدها ليحتفلوا بنصرين مؤزرين نصر العملية التي نفذتها دلال والنصر الذي حققته الثورة على العدو وأجبرته على العودة من حيث أتى حاسراً وخاسراً يجر قتلاه وجرحاه ليرسم طريقاً آخر بعيداً ليعود منه ألف ثائر وثائر بعد دلال.
استمرت المعركة أسبوعاً كاملاً والجنوب في عرس لامثيل له رغم حاجته للدعم المادي والمعنوي لكنه سجل النصر والانتصار أصبح من حقه المشاركة بالحفل الرائع وأصبح كل بيت فيه زهرة بكاملها الفرحة على الوجه والشموع في الساحات والنصر يعم الجميع وأهازيج الجنوبيات صداها في كل أنحاء الجنوب والرصاص فوق المخيمات معلنة البدء بالمسيرة الظاهرة وهم يجددون ولائهم للثورة ولفلسطين…!
جرت الظروف العادية أن يودع الناس أمواتهم بالعويل والبكاء والصراخ ويرتدون الأسود ويشربون القهوة المرة ويسمعون آيات القرآن تعبيراً عن حالتهم الحزينة لفقدهم من مات علماً بأنه قد مات عمره مائة سنة أو من جراء مرض عضال أصابه وعجز الأطباء عن مداواتـه. لكن المخيمات لن تفعل ذلك رغم وضعها الذي يفرض عليها الحزن المتأصل فيها! حيث كـانت مسارحاً للحفلات وأي حفلات فلم يتزوج منهم أحد أو يطهر أحدهم ابنه أو يتخرج أحدهم مـن إحدى الجامعات ليقوموا بهذا الفرح الذي زاد عن أي فرح.

لقد كان موت بنـت فقط وعادة موت البنت لا يؤثر في نفوسنا نحن الشرقيين بعكس ولادتها حيث يعم الحزن البيت وتعبس الوجوه الـذي رزقه الله بأنثى رغم كونها مشيئة الله سبحانه وتعالى. ولكن ذلك كان تفكير البشر الذي تغير هذه المرة واحتفل الناس بموتها الجسدي فقط معلناً ولادتها الروحية من جديد وأن روحها قد حلت بأجسادهم جميعاً. أصبحوا يؤمنون بتناسخ الأرواح على طريقتهم الخاصة ولأول مرة تحدث فدلال اليوم أصبحت رمز الحرية والمحبة والوفاء ودلال اليوم رمز فلسطين فلنهنئ فلسطين بدلال ومن احتضن دلال التي أنجزت ما عجز عنه رجال صهيون في الجنوب الصامد!
استمرت الاحتفالات أسبوعاً كاملاً في المخيمات وأصبح الناس يغدون من كل المخيمات والفرحة على وجوههم تبدو للعيان وكانت أم سعد تستقبلهم نيابة عن أم دلال التي لم تستطع أن تقول شيئاً سوى (كلكم أولادي وكلكم بناتي وإن دلال تقول لكم الطريق الطويل فواصلوا المشوار) وركضت بجانب المسجل تسمع منه إحدى أغاني الثورة (شأنا إن سقطت على التراب مسربلاً بك يا جراحي…)
كانت أهازيج أم سعد ودبكاتها تحيي في نفوس الحاضرين أملاً رائعاً فحقاً هذا الشعب لن يموت ما دامت نساءه هكذا فالحرمان يولد الثورة والثورة تجلب النصر والنصر يولد العزة والكرامة.
لـقد آمنت دلال بفلسطيـن وشعبها ولبت نداء ثورتها وضحت بما هو غال وعزيز ألا وهو الروح والجسد وهذا هو قمة التضحية أن يقدم الإنسان نفسه رخيصـة في سبيل وطنه. وقد كانت دلال امتداداً للحاجة فاطمة أبو غزاله التي استشهدت في معارك وادي (عزون) بين الثوار وبين قوات الإنجليز عام1936 عندما كانت تزود الثوار بالغداء وتحثهم على الاستمرار بالثورة حيث سقطت تلك المرأة العجوز بالأمس على أرض فلسطين برصاص الإنجليز وقد سلمت الأمانة لدلال كي تأتي وتثأر لها وتموت على أرض فلسطين كذلك.
كانت دلال المغربي امتداداً للثائرة العربية الجزائرية كذلك (جميلة بو حيدر) التي قارعت المستعمرين الفرنسيين في الجزائر وتصدت لهم بجسـدها وخدعوها غدراً وحيلـة. وهكـذا فقد نالت تلك الفتيـات لقب القديسات بحق وعن جدارة وكانت الأرض بالنسبة لهن بمثابة الذهب الذي حرمن منه في حياتهن وطلقات البنادق كانت هي الرقصات التي يمارسنها كذلك على أنغام الديسكو (الروك أند رول) في حياتهم وحرمانهن اليوم أصبح وساماً على قبورهن التي تضم رفيقاتهن فجميلة بو حيدر رأت في نفسها فداءاً وتضحية لوطنها وشعبها ودلال المغربي رأت نفسها كذلك فداءاً وتضحية لوطنها المغتصب وشعبها الطريد فآمنت بفلسطين أرضاً وشعباً وثورة وتوجهت إليها وعرفتها بحراً وقارباً وقنبلة وبندقية وكان لها النصر كل النصر.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فصل من رواية : المحروسة لا تشبه غرناطة / بلقاسم مغزوشن

كانت السّماء سِنجابيّة في تلّة بوزريعة و لا تسمع سوى خشخشة العشب المستحلس، المستعصي لكنس …

تعليق واحد

  1. سعيدة. ل

    المجد والخلود للشهداء الأبرار
    عاشت فلسطين حرة أبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *