الموقع

نحو منهجية إسلامية في النقد الأدبي

بقلم: رمضان عمر

أدب أي أمةٍ جزءُ من هويتها، التي لا تنسلخ عنها،والمعارك الأدبية الحاسمة لا تقل شأنا عن معارك السيف والسنان، والانزلاقات في عالم الفكر والثقافة من أخطر الانزلاقات التي تصيب الأمم، وتذهب بريحها،وإذا كان الموروث الأدبي يشكل كنزا لا يستغنى عنه في حال من الأحوال ، فإن الواقع الأدبي يعكس طبيعة التشكل الحضاري لدى أمة من الأمم. وقد حدث شيء من هذا في التاريخ الإسلامي القديم ، عندما قلب الإسلام المفاهيم، وصبغ العرب بصبغته الإسلامية، غير أن واقع التجربة الأدبية قد تأثر -بعد ذلك- بجملة من المتغيرات ، جعلت مشاربه غير واحدة ، ومنطلقاته متعددة، وارتمى كثير من أدباء العربية، في أحضان الغرب متأثرين لا مؤثرين ، وعادوا بغث لا سمنة فيه، فكانت غربة القول، وغربة التفكير. وما لدى الغرب كثير، ولا نزعم أن كل بضاعتهم فاسدة، غير أننا نحكمها بملاحظتين: أنها ولدت في بيئة غير بيئتنا ، واستندت على أسس غير أسسنا. ومن هناـ فإن الأخذ من الغرب لا بد أن يستند إلى مبدأ الموازنة، والأخذ والرد.

ذلك أن جل المناهج النقدية قد صدرت عن أيديولوجيات وفلسفات لها جذورها في الفكر الغربي، وقد لا أجانب الصواب إن قلت: إن هذه المذاهب الحديثة هي تلك التصورات القديمة التي نادى بها (أرسطو) ومن تبعه من قدماء اليونان. ولو أننا تناولنا المدارس النقدية الحديثة لوجدناها قسمين في هذا الشأن : قسم عني بالمضمون وجعله غاية تتلاقى أمامها الألفاظ، فقد يعنى بصاحب النص أو زمنه أو فضاءاته؛ من حيث المكان والزمان وما سواهما ، مع إغفال واضح لقيمة النص الفنية . وقسم لا يرى في غير النص قيمة يعتد بها، فيعلن موت المؤلف، ويجعل للنص قداسة تنتفي معها كل القداسات؛ فالشعر عنده كالقران، ما دامت القيمة الفنية هي المطلوبة لا غير. والإسلام في منهجه يقف بين هذا وذاك؛ فلا يغفل الكل، ولا ينكر حق صاحبه ، بل يتجاوز هذا وذاك إلى بناء تصور غائي تتلاحم فيه الكلمة السامية، مع الغاية السامية. وليس كل هذا ما نريده من منهج إسلامي نقدي؛ فالنقد الإسلامي بالمفهوم الفكري والفني يعاني من جملة تفصيلات، تحتاج إلى جهد حقيقي لإنتاج منهجية قوية، تشكل رؤية نقدية متكاملة في هذا السياق ، ولا ننكر جهود العاملين في هذا المجال بدءا بالرافعي وقطب والندوي وباكثير، وليس انتهاء بعماد الدين خليل والقصاب وغيرهم . غير أن هذه الجهود وإن كانت طيبة، إلا أنها محدودة، وتفتقر في كثير منها إلى العمق والوضوح ، فما زال النقد الإسلامي يعاني من مشكلة الإقناع الفني، ويُتَصوَّرُ في كثير من تنظيراته أنه أدب وعظ أو عقيدة ، بل يشكك الكثيرون – ممن يرفضون فكرة الأدب الإسلامي- بقدرة هذه المدرسة على الخروج من عالم الوعظ إلى عالم الإبداع؛ لذا فإن الجهد يجب أن ينصب على تشكيل رؤية إبداعية فنية ضمن الضوابط التي يفرضها المنطق الإسلامي في التعامل مع قضايا الإنسان ومتعلقاته. ولن نبدأ من الصفر في هذه القضية، فموروثنا النقدي حافل بتفصيلات كثيرة منذ ابن سلام وابن قتيبة والجاحظ، مرورا بالامدي والحاتمي وابن رشيق وقدامة والجرجاني وابن عساكر، ولهؤلاء جهد وافر في إرساء أسس النقد، ولعل في ذلك الأساس ما يعين على تشكيل رؤية إبداعية نقدية، تنطلق من القديم ثم لا تقف جامدة عليه، بل تواكب الحديث في غير انزلاق ، وتجدد في غير هدم ، وتتعصرن في غير تغريب، غير أنها تحافظ على الثوابت التي لا بد منها، في الفكر والسلوك والاعتقاد والأسس الفنية أيضا ..

من الطبيعي ان ينحاز الفكر الجمالي اللغوي في العصر الحديث إلى القديم التليد ، لان ارتباط الإسلام مع اللغة من خلال القران الكريم ،يجعل المنطق الإبداعي ينحى نحو ترسيخ فلسفة الجزالة التي أرسى قواعدها البيان القرآني الفريد ، وبسط أبجدياتها النقد السلفي الذي تحدثنا عنه آنفا.. وليس غريبا أن يقع هذا الموقف من الإسلاميين؛ ذلك ان محاولات التمرد اللغوي او التجديد على حد تعبير بعض النقاد كانت تأتينا من غير العرب، بله من غير المخلصين للدين كالزنادقة والفرس في معارك الشعوبية قديما واليساريين والعلمانيين في معارك الحداثة حديثا. ومن هنا فان المعركة الأدبية حول طبيعة اللغة الشعرية قد تحمل في ثناياها بعض البذور الأيديولوجية، التي تسمح للغيورين من أمثال ابن قتيبة والجاحظ والجرجاني ان ينفروا من دعاوى التجديد ويصنفوها تصنيفات سياسية تصل إلى حد محاولات الهدم. بيد أن القضية وان احتملت شيئا من هذا في الماضي فهي تحتاج إلى عميق تدقيق في الحاضر، واعمل فكر نقدي إبداعي ونظرة واعية تحط من قدر الظلام، وتنحي العصبية، دون أن تقع في جرف الانهيار المفترض. ويأتي ذلك في تحديد مفهوم الشعر والشعرية، والفروق الجوهرية بين ما يجوز ولا يجوز، وهل القصيدة العربية شكلا أم مضمونا؟ بمعنى هل لنا أن نقبل الغزل والهجاء لأنه جاهلي فصيح جاء منسجما مع عمود الشعر، ونرفض أشعار درويش والسياب التي في الوطن والحياة والأخلاق لأنها لم توافق عمود الشعر ن ومنطق القدماء في بناء القصيدة ؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق