الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | صورة الآخر لدى اسماعيل فهد اسماعيل

صورة الآخر لدى اسماعيل فهد اسماعيل

د. ماجدة حمود

خاص المجلة الثقافية الجزائرية: بدأت الرواية العربية تتناول المسكوت عنه،، وتجسد هموماً، كثيراً ما تجاهلتها، تتصل بالآخر الآسيوي، مع أن هذا الآخر يعيش بيننا، ويتغلغل في نسيج حياتنا اليومية، وباتت كثير من الأسر العربية لا تستطيع أن تعيش مستغنية عن خدماته!
لعل (اسماعيل فهد اسماعيل) من أوائل الروائيين العرب، الذين استطاعوا أن يسلطوا الضوء على صورة الآخر الآسيوي، فأطلعنا في روايته “بعيداً إلى هنا” على أعماق (الخادمة السيرلانكية لدى أسرة كويتية) التي تنتمي إلى عالم مهمّش حياتياً وإبداعياً، رغم ما يمارسه من دور مؤثر، خاصة على الصعيد اجتماعي، إذ تتربى أجيال عربية بين أحضانه.
حضور الآخر في جماليات العنوان “بعيداً إلى هنا”:
يبدو لنا الروائي منذ الرسالة الأولى (العنوان) التي أرسلها متعاطفاً مع الآخر، إذ قدّمه عبر منظور (كوماري) الخادمة، ليجسّد رؤيتها إلى مكانين نقيضين (بعيداً) و(هنا) يختزلان مأساتها، فهي ممزقة بين الوطن (سيريلانكا: المكان البعيد) والمنفى (الكويت: المكان القريب هنا) فنعايش في المكان الأول تألق روحها وأحلامها وذكرياتها في مدينتها (كولومبو) وأفراحها في قريتها (نوريليا) حيث مزرعة جدها للشاي، أما المكان الثاني فنعايش فيه انطفاء الحلم، حيث تحكم قبضة البؤس الخناق حول حياتها، فقد دفعها الفقر وإحساسها بالواجب للسفر من أجل تأمين نفقات علاج والدها.

الآخر والمكان:
يبدو الوطن لدى (كوماري) معادلاً للحرية، التي تضحي بها من أجل قيم عليا، لهذا لا تعرف من الأمكنة في غربتها سوى المغلقة منها (البيت والسجن) فقد أخذت الأسرة جواز سفرها، وباتت أسيرة لديهم! لهذا بدت كلمة (بعيداً) في العنوان بصيغة النكرة، لتوحي بإطلاق البعد إلى أقصى مدى ممكن، وما ترتّب عن هذا البعد من قهر نفسي بسبب اتهامها بالسرقة، مما يدفعها إلى الانتحار، والتخلص من حياة تثقل كاهلها.
وهكذا بدت الغربة موطناً للموت، في حين بدا الوطن مكاناً أصلياً يضم بين جوانبه الحياة وأفراح الطفولة وبدايات الشباب، لهذا يلتحم بروح (كوماري) رغم البعد، فهو حاضر أبداً في ذاكرتها، لهذا لم يحضر المكان الثانوي (المنفى) في ذاكرتها إلا مصاحباً للوطن، فقد وصفت الكويت قائلة: “أرضهم ..امتدادات لمساحات مسطحة، حيث لا أنهار، لا غابات، لا جبال، بل معالم محددة …حين إزماعكِ المجيء هنا، سمعت أن بلدهم على محدوديتها مزروعة آلاف آبار البترول…منذ وصولك لم تري بئرا واحدا، ولا سواقي النفط الخام، كل الذي رأيته …طائرتهم وهي تجنح كي تهبط. .. شعلات متواترة لنيران متوهجة صفراء، هم يحرقون الغاز الفائض لنفطهم.”(1)
يلفت نظرنا جملة (بلدهم على محدوديتها مزروعة آلاف آبار البترول) فقد استبدلت مخيلة (كوماري) زراعة جديدة (آبار النفط) بما تعرفه في بلدها من مزارع الشاي، التي تدرّ المال على أصحابها! وهي لم ترَ، منذ هبوط الطائرة، ما يشكل مصدر الثروة (آبار البترول) لكنها ، رأت ما ينتج عنه من جحيم (نيران متوهجة بسبب الغاز الفائض المحروق) وبذلك تبدو لديها مزارع الشاي معادلاً للجنة، في حين تبدو (آبار النفط) معادلاً للجحيم!! لعل هذا نذير شؤم لما سينتظرها من معاناة!
نعايش لدى (كوماري) عبر تدفق ذكرياتها في ليلة السجن، مكان طفولتها، ومرتع أفراحها وأحزانها في بيت أسرتها، كما نعايش همومها وقهرها في مكان بعيد، نفاها الفقر إليه، ورغم أنها لم تكن تشكو سوء المعاملة فيه، لكنها كانت تفتقد إنسانيتها، لهذا بحثت عن عزاء لها، فلم تجد أمامها سوى طفل الأسرة (خالد) وستعاقب بانتـزاعه منها عنوة، حين تظن سيدتها أنها سرقت عقدها!
إن هذه التهمة التي هوجمت بها على حين غرة، ستمحو أي ذكرى طيبة لها في المنفى! فتصاحبها الآلام في المكان المغلق (السجن) حيث وضعت فيه ظلما، مما أغلق أبواب الدنيا في وجهها! فعادت ذاكرتها تحتمي بفضاء الطفولة حيث يعشّش الجمال والفرح، لعلها تهرب من فضاء الواقع، الذي يحاصرها ببؤس سجنه! فيلمس المتلقي مدى التناقض بين فضاء الماضي (الوطن) والحاضر (المنفى)
حاول المؤلف أن يفتح كوة نور في هذا المكان المظلم، وإن بدت باهتة غير مؤثرة، فقد ألمح فيها إلى دفء العلاقات الإنسانية في السجن وانفتاحها بعيدا عن الانتماءات الطبقية والعرقية، التي تضيّق أفق الحياة، وتقتل إنسانية الإنسان، لهذا وجدنا رفيقة سجنها تحس بأرقها ووحدتها، فتنصحها قائلة: “يجب أن تنامي …ستحتاجين قواك …أنت لا تعرفين ما الذي يجيء به الغد! أبديت عرفانك إزاء اهتمامها بإيماءة موافقة من رأسك”(2)
تنسج المشاعر الإنسانية قرابة بين المعذبين في السجن، ألمح إليها الروائي، ولم يطوّرها، فقد بترت بسبب انتحار (كوماري) فضاعت ملامح التواصل الإنساني بين زميلتي السجن، إذ قدمت المرأة الكويتية لزميلتها السيرلانكية ما تحتاجه من نصائح في محنتها، التي تختزل خبرتها في حياة مظلمة، فتلفت نظرها إلى أهمية النوم والراحة، إذ لا تدري أي بؤس ينتظرها في الغد، فبدت هذه النصائح أشبه بسلاح يتوجب عليها استخدامه في مواجهة الظلم، الذي تعرضت له! كي تستطيع أن تحطم قسوة جدران السجن، وتخفّف من ظلمتها، لكن للأسف، لن تفلح في إنقاذ حياتها! مثلما لم يفلح الروائي في تطوير هذه العلاقة!

صورة الخادمة السيرلانكية:
تقدّم لنا الرواية مسكوتاً عنه، إذ تعرّي عادات سيئة، يمارسها بعض العرب ضد الآخر الآسيوي، فقد بيّن الروائي (اسماعيل فهد اسماعيل) المعاملة غير الإنسانية التي تتلقاها الخادمة، ما إن تطأ قدمها أرض المطار، حيث أتت الأسرة لاستلامها، وقد وصف هذا المشهد بلغة ناقدة، ترفض حيادية الرؤية، فبدا لنا راسماً تلك اللحظة بريشة مبدع، آلمه بؤس الآخر المنفي، إذ شاهد (سعود الذي استقدمها) “قطيع فتيات… يقتربن نحو حشد المنتظرين، خطواتهن المتواترة تشي ترددهن، في حين أفصحت عيونهن عن خوف من مجهول…لفت هزالهن الشديد انتباهه، ولفت انتباهه أكثر وجود ورقة بيضاء بحجم “فولسكاب” مثبتة عند صدر كل منهن، كتب بخط أحمر عريض رديء الرسم اسم إحداهن، داخله إحساس طارئ أن شيئا تجري إهانته…لم يفته أن يقرأ اسمه لحظة ارتفع صوت زوجته ينادي الفتاة القادمة بما يفيد التبعية.”(3)
لو تأملنا هذا المشهد للمسنا فيه لغة متوترة (القطيع، الحشد، التردد في الخطوة، الخوف في العينين، الهزال الشديد) فتبدو هذه اللغة قلقة حائرة بين التعاطف الإنساني والخضوع للمألوف، الذي يحمّد الإحساس بالآخر، لذلك كان الوصف مستفزّاً للمشاعر، يوحي برفض الطريقة، التي تستقبل بها الفتيات الآسيويات، فقد شبّه (سعود) هؤلاء الفتيات الراغبات بالعمل في بلده بـ(القطيع) كما حاول أن يزيد الصورة استفزازاً، خاصة حين أضاف إلى المشهد ورقة (تحمل اسمهن) معلقة على صدورهن، مما يشي بتحولهن إلى سلعة للعرض، لهذا يعرب (سعود) عن اعتراضه على هذا الأسلوب في التعامل، فقد أحس بـ (أن شيئا تجري إهانته) وقد أفصحت كلمة (شيئاً) المتعارضة مع الإهانة، عن قلق في المشاعر، التي انتابت صوت الشخصية، التي تجسد صوت الروائي ووجهة نظره، فكأنه أراد أن ينقل اعتراضه إلى المتلقي، ليشاركه هذه الأزمة الأخلاقية، فيعيش معه التعارض بين (الشيء) الذي يعرف عنه الجمود و(الإهانة) التي يحس بها الإنسان ، كما وجدنا هذه الشخصية تنتقد (الأنا) في تعاملها غير الإنساني مع الآخر، حين تنتقد لغة الزوجة منذ اللحظة الأولى، التي رأت فيها الخادمة! إذ لم تفت (الزوج: البطل الراوي) نبرتها الاستعلائية التي استخدمتها في ندائها “ارتفع صوت زوجته ينادي الفتاة القادمة بما يفيد التبعية.”! وبذلك يلمس المتلقي احتجاج الراوي البطل على المعاملة اللا إنسانية، التي واجهت الفتاة من قبل المجتمع بشكل عام و زوجته بشكل خاص!
إذاً استطاع الروائي أن يجسّد لنا هذا المشهد بلغة حساسة، مما أتاح للمتلقي أن يعايش نبرة الشخصية الراوية، وهي تعلو منتقدة بؤس مشهد، يتكرر في المطارات العربية، وبذلك سلّط الضوء على فئة مهمشة، تتلقى معاملة لا تليق بإنسانيتها! وبذلك يمارس نوعاً من النقد الذاتي حين سلط الضوء على (الأنا) في تعاملها مع الآخر!
تنتقل (عين الكاميرا) من مشهد عام تجتمع فيه مجموعة فتيات (سيريلانكيات) إلى مشهد خاص، يسلط الأضواء فيه على وجه فتاة واحدة منهن، كي يتمعّن المتلقي مع الراوي بؤسها “نظرة قريبة إلى وجه كوماري أوحت له، كما لو أنها جاوزت الثلاثين، زيادة عشر سنوات عما أفاد به جواز سفرها “لعله بروز عظام الوجه.”(4)
نجد وصفا متعاطفاً مع فتاة أجبرتها ظروف القهر والجوع إلى ترك أهلها وبيئتها، فسلبت منها زهرة شبابها، ورسمت خطوط المعاناة على وجهها، لهذا تبدو أكبر من عمرها!
يسجل للروائي أنه أتاح للآخر فرصة التعبير عن ذاته، فنسمع صوته مستقلاً عن هيمنة (الأنا) العربية، فينطق بأحلامه وانكساراته، حتى إنه يتفوق على (الذات العربية) في المسافة الزمنية والمكانية، التي خصصت له، إذ نسمع صوت الخادمة السيرلانكية (كوماري) وهي تبوح ببؤس حياتها في الماضي والحاضر، فقد اضطرت لترك دراستها من أجل أن تعمل، كي تدفع أجرة البيت، قبل أن تطرد مع أبيها السكير إلى الشارع، ثم اضطرت لترك بلدها، لتؤمن علاج أبيها مريض السرطان، وبذلك تكسب هذه الشخصية تعاطف المتلقي، وتصبح مثار إعجابه لإحساسها العالي بالمسؤولية تجاه والدها الذي أضاع وظيفته من أجل الخمر، مثلما أضاع ثمن الأرض التي ورثتها عن جدها، فنجدها تحدث نفسها “لم يعد له سواي” عندئذ يحس المتلقي العربي بمشاركتها له في منظومة القيم العليا التي تحكم حياتها، وتعيش من أجلها، خاصة أن بر الوالدين من القيم العليا، التي يتشارك فيها (الأنا) العربي و(الآخر) الآسيوي.
لم تعانِ (كوماري) في بداية عملها عند عائلة (سعود) لكن بعد سجنها بتهمة السرقة نجدها تخاطب نفسها: “تدرين أن صروف الحياة … تجيء محتشدة، ويؤلمك – في الصميم – أن يصادفك التخلي، من حيث لا تحتسبين، من موئل الخلاص المرتقب والوحيد. حيث ارتكاب الثقة لأيام قادمة… طول وجودك في الكويت (كنت ترددين) “أنا محظوظة” كنتِ تغبطين حالك ..عملك خادمة أو مربية…”(5)
لعل أهم ما يميز هذه الرواية، هنا، تجاوز الآخر دوره الهامشي المرسوم له عادة، فلم يعد منفياً على صعيد اللغة، فقد ظهر صوته عبر خطاب حميمي، وتمّ تجريد الذات لتصبح آخر تحاوره، عندئذ تتحول صيغة المتكلم (الأنا) إلى صيغة (الأنت) لتعود ثانية إلى صيغة المتكلم الصريحة “أنا محظوظة” وبذلك نصغي إلى صوت الآخر، وقد تحول إلى (أنا) فيحصل تبادل للأدوار، لم نألفه في الرواية العربية من قبل، فقد أتاح الروائي اسماعيل الفرصة للهامشي أن يصبح مركزيا، فيحتل موقع (الأنا) العربية، على مستوى لغوي وجمالي، ليكسب تعاطف المتلقي لهذا الآخر الهامشي على حساب الذات، ولن ندرك أهمية ما فعله الروائي إلا حين نعرف أنه تجاوز الصورة المشوهة للآخر (الخادم) التي شاعت في الخليج العربي!(6)
إننا حين نتأمل لغة بوح الخادمة، نلاحظ أن الـ(أنا) لم تكن تعاني توتراً مع الآخر العربي، قبل اتهامها بالسرقة، إذ تجسدت العلاقة بينهما عبر دلالات إيجابية الإيحاء، فبدت الكويت فضاء، يستحق أن يكون (موئل الخلاص المرتقب والوحيد، وارتكاب الثقة) مثلما هي دلالات إيجابية التصريح، إذ تستخدم صيغة المتكلم (أنا محظوظة) تارة، وصيغة الخطاب (تغبطين حالك…) تارة أخرى، وإن كنا قد لحظنا بعض القلق في عبارة (ارتكاب الثقة) مما يوحي بأن الثقة حدث طارئ، تخلخل مشاعر، قد اعتادها الهامشي، لهذا تمّ وصف حضورها بشبه معصية!

ملامح شخصية الآخر:
صحيح أن لغة الرواية تجاوزت، أحيانا، المواضعات المتعارف عليها، التي تتسم بلغة الاستعلاء والإقصاء، التي تحاصر الخادمة بدلالاتها السلبية، لكنها لم تفلح في تجاوز المواضعات الاجتماعية، وتطوير العلاقة بين (الأنا والآخر) باتجاه الثقة التامة، بعيدا عن الإحساس بأن هذه الثقة أمر طارئ، فهي أشبه بارتكاب معصية، وبذلك تنقلب دلالات اللغة، نتيجة تشوه العلاقات الاجتماعية، فمثلاً حين نتأملها في الرواية، نجدها لم تنشأ بين (كوماري) وعائلة (سعود) بصفتهما ندّين بشريين، بل بين سيد ومسود، لهذا بدت شخصية الآخر (الخادمة) مسلوبة الإرادة حتى في أدق الخصوصيات الشخصية، التي تتعلق بالمظهر كقص الشعر أو إطالته، والتي من المفروض ألا يهتم بها أحد سواها، لكننا لاحظنا كيف فرضت عليها سيدة المنـزل (دلال) منذ اللحظة التي باشرت فيها عملها أن تقصّر شعرها بما يغطي أذنيها فقط”(7) لأسباب “صحية”
إن تدخّل هذه السيدة بما يمس الهيئة الخارجية للخادمة، يعني إلغاء لحريتها الشخصية واستلاباً لإرادتها، وقهراً لإنسانيتها، لذلك يفضح هذا العبث بالخصوصية نظرة استعلائية تمارس ضد الآخر، إذ ترسم صورة مسبّقة له، تفترض فيها قذارته، لهذا يأتي (قص شعر الخادمة) بصفته علاجاً، يقي الأسرة من حشرات متخيلة، قد استوطنت رأس الخادمة! وبذلك يتمّ إلغاء الآخر، حين تتصرف الأسرة وفق أوهام رسمتها عنه، دون أن تكلف نفسها عناء السؤال أو التحقق من القذارة أو عدمها!
وخير دليل على هذا الإقصاء للآخر التصريح بأن الأسباب الدافعة لهذا التصرف هي (صحية) فيتمّ، هنا، إلغاء صوته، مثلما يتمّ إلغاء إرادته! وبذلك يتيح الروائي للمتلقي معايشة القهر الذي تعرضت له (كوماري)!
رغم ذلك نجد الخادمة تعيش حياة يومية هادئة، لكنها سرعان ما تكتشف أنها حياة وهمية، حين تفقد السيدة عقدها، فلا تجد أمامها متهماً سوى (كوماري) عندئذ يحاصرها الصراخ والضياع! فتشعر بعبوديتها حين تأمرها سيدتها (دلال) بالذهاب فورا مع زوجها (سعود) دون أن تعرّفها الوجهة التي ستذهب إليها! وبذلك يصل الإقصاء إلى أقصى مدى، إذ لا تعامل بصفتها الإنسانية، بل تنـزع عنها المعاملة القانونية، التي تليق بكينونتها البشرية (المتهم بريء حتى تثبت إدانته) لهذا لن تسمع في البيت (كوماري) اتهاماً، أو شكاً في قيامها بفعل السرقة، ستصفعها هذه التهمة في المخفر! وسينهار أملها حين لا يصغي أحد إلى ظلامتها! فتدخل السجن مباشرة، وزيادة في القهر يؤجل التحقيق ليوم تالٍ! فتسجن مع المنحرفات من النساء!
هنا خضعت الخادمة لاعتبارات مجتمع تقليدي، لهذا لم تكن تتعامل مع سيدها مباشرة، إذ ليس من شأن الرجل التعامل مع فتاة غريبة، مما أطلق العنان لظلم زوجته (دلال) للخادمة، لهذا حين تتبدل هذه الاعتبارات، تحس بأن ثمة خطباً جللاً يحاصرها، خاصة أن السيدة لم تهتم بتبيان أسباب هذا التبدل، كل ما تفعله هو إصدار أمر (الذهاب مع زوجها) وعليها أن تطيع! دون مراعاة لأية قيمة إنسانية!
إن معاناة (كوماري) من التهميش لا تقتصر على المرأة (سيدة البيت) بل من الرجل (سيد البيت) أيضاً، فقد أمرها بركوب السيارة، وكأنها شيء، دون أن يهتم بمعرفتها السبب، لهذا حين يأمرها بالنـزول أمام المخفر، تنصاع له، فهي لا تمتلك خياراً آخر، بعد أن انتـزعت إنسانيتها، أي إرادتها، وتمّ تشيّئها في غربتها، ولم يعد يحق لها أن ترفض الانصياع لأوامر السادة، الذين يملكون مصيرها، كما لا يحق لها أن تركض بعيداً، هاربة من هذا البؤس، فتردد حقيقة أنها تعيش في “بلدهم” وأنها غريبة، يحاصرها الضياع والخوف، لهذا عجزت عن الحركة والنطق بأي سؤال، حتى لو كان يتعلق بمصيرها، وبذلك ظهرت (كوماري) في صورة الأمة، إذ لم تفعل شيئاً سوى الاستسلام المطلق لإرادة الآخرين، فقد سلخت من كينونتها الإنسانية، لتقبع في إطار العبودية، بعد أن فقدت التحكم بمصيرها، وحاصرها الآخرون بسوء ظنهم!

الصورة الإيجابية للآخر:
ثمة رغبة لدى الروائي في عدم تشويه صورة (الأنا) إذ لم تبدُ الأسرة العربية في صورة المستغل المادي لجهد الآخر، فقد زادت مرتب الخادمة، حين أضيفت إلى أعبائها العناية بالطفل (خالد) منذ لحظة ولادته، فأعطته من الحب والرعاية ما لم تستطع أمه أن تعطيه! إذ بدت لاهية عنه بالحفلات ولقاء الصديقات، لهذا نالت (كوماري) مكافأتها المعنوية من الطفل، الذي أحبها، وكان اسمها (كوما) أول اسم ينطق به، فشكل مصدر سعادتها وأمومتها، لهذا كانت صور الطفل هي الشيء الوحيد الذي فكرت بسرقته من بيت الأسرة، فقد وجدتها (دلال) حين كانت تبحث عن عقدها بين أشياء خادمتها، فكأن هذه الصور معادلاً للعقد، حتى باتت أثمن ما تملكه (كوماري) وبذلك عايشنا، عبر هذه التفاصيل الموحية، علاقتها الحميمة بالطفل، حتى بدت صوره كنـزها الوحيد!
وكي يعزّز الروائي صورة الآخر الإيجابية نجده ينسج مشهداً مؤثراً، تبدو فيه السيدة العربية في منتهى القسوة، وهي تنتـزع الطفل من يد الخادمة بحركة عنيفة، دون أن تهتم بعويله، في حين نتابع حركة (كوماري) اللاشعورية ومشاعرها (مدّت يديها لاستعادته، غمرها أذى كبير…) وحين أبعدته سيدتها عنها، وأُخذت إلى المخفر، كان الطفل يصرخ باسمها معولا ، يرفض أن تضمه أمه إلى صدرها، فهي غريبة عنه، لم يألفها بعد، لهذا كان لا يملّ من نداء المربية الأم (كوما)
يطرح هذا المشهد أزمة الأنا (الأم البيولوجية للطفل) والآخر (الأم الحقيقية، التي ربّته) إذ ينشأ صراع بينهما، يكون ضحيته الطفل(يسقط مريضاً) فقد اعتاد على (كوماري) وبات لا يعرف سواها أماً، بعد أن تخلت عن مهمتها التربوية، وأسندتها إلى خادمتها! مما يوحي هذا التنازل عن الأمومة بأزمة تربوية، إذ ينشأ الطفل على لغة (الآخر) وقيمه، لا علاقة له بقيم أسرته ومجتمعه! وتتحمل المرأة العربية، في هذه الرواية، وزر هذه الأزمة، في حين وجدنا (كوماري) في إطار إنساني، تمارس أمومتها، التي حرمت منها، فكانت علاقتها بالطفل عزاء لها، ومما يلفت النظر أننا نعايش ملامح علاقة استثنائية بين الطفل و (كوماري) فقد مرض نتيجة ابتعاده عنها، في حين وجدناها تقلق عليه، مما يضاعف محنتها في السجن، فقد كان موئلاً لأمومتها، وكوة الفرح الوحيدة في غربتها، لهذا بدا انشغالها به لذيذاً، نسمعها في سجنها، تستحضر هذه المشاعر بلغة الترهين: “أنتما معا _هو وأنت_ يناغيك يلتمّ على صدرك خفقان جسده، ومشاعرك باستجابتها السحرية شيء كما توأمة الروح، أصابعه الطرية تتحسس وجهك.”(8)
يلفت نظرنا ضمير (أنتما) التي تخاطب به (كوماري) نفسها، مما يفصح عن مدى التوحد بين الطفل وكوما، تخاطبه كما تخاطب ذاتها، وقد تجلت، هنا، حميمة الخطاب، التي ترقى إلى مستوى مخاطبة أم ابنها، في استخدام هذا الضمير، واستخدام التوكيد (معاً) الذي عزّزته بتشبيه يوحد جسدها بـ(خفقان جسده) الذي التمّ على صدرها وأصبح يخفق كقلبها! كما تعزّزه بتشبيه آخر يوحد روحها بروحه، حين تشبهه بـ(توأمة الروح) ثم تضيف إلى هاتين الصورتين، اللتين تختزلان الإنسان جسداً وروحاً، بصورة حركية تفيض شفافية، فتعزّز روعة العلاقة بينهما، إذ تجسّد حركته المحببة بأصابعه الطرية، وهي تتلمس وجهها! مؤكدة حضوره اللطيف في وجدانها!

الآخر والدين:
تمتاز هذه الرواية بتقديم جانب مسكوت عنه في الرواية العربية، إذ نجدها كثيراً ما تهمل الجانب الروحي للآخر، لتعلي من شأن معتقدات (الأنا) ملغية كل ما يمنح الآخر رقياً أخلاقياً، لكن رواية “بعيداً إلى هنا” نأت بنفسها عن هذا الموقف! فقد أتاحت لنا عن طريق صوت (كوماري) فرصة معايشة الديانة البوذية، وعرّفتنا على قيمها الرفيعة، التي تنير طريقها، وتنسج على هديها علاقاتها مع الآخرين! فنسمعها تقول: “في عطلتكِ تلك توطدت علاقتك بجدك أكثر، ولست تدرين أيا منكما أوحى للآخر انه امتداد له. حرص أن يخصك بفائض وقته كله،علمك أن الديانة البوذية تؤمن بتناسخ الأرواح، وأن الدين سلوك بالدرجة الأولى، ومن يسلك صالحا دون أن يحيد عن جادة الحق، يبعثه الرب – من بعد موته- روحا صالحة تنعم بالطمأنينة والسلام، أما من يسلك مسلك غرائزه الدنيا، يعيث فسادا، فإن الرب كفيل بمسخه- بعد موته- طريداً منبوذاً، لا يعرف فرحا أو سكينة.”(9)
وبذلك يعزّز الروائي الصورة الإيجابية للآخر، لدى المتلقي العربي، فيحس بأخوته له، إذ يشاركه في القيم الأخلاقية نفسها، التي يحضّ عليها الدين، أي يشاركه كل ما يعزّز السلوك الراقي لدى أتباع البوذية والأديان السماوية، إذ يوحد هؤلاء الإيمان بأن الدين معاملة، لهذا يتجلى في الدعوة إلى الخير والعمل الصالح، مثلما يوّحدهم الإحساس بأن ثمة ثواباً وعقاباً ينتظرهم بعد الموت! وبذلك لا يبدو (الآخر) نقيضاً لـ(الأنا) على الصعيد الروحي! ولعل التركيز على مثل هذه المشتركات يسهم في تأسيس علاقة سليمة بيننا وبينه، تقوم على الشعور الندي والمساواة في الإنسانية! فالناس صنفان، كما يقول الإمام علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) “إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق.”(10)
لعل أهم رسالة قدّمتها الرواية للمتلقي هي تعريفه بأعماق الآخر الآسيوي، ليس فقط همومه وأحزانه، بل مكونات وجدانه، فتركّز على المشتركات التي تؤكّد أنه نظير لنا في الإنسانية! لتمحو أية فكرة استعلائية في أعماقنا!
صورة الأنا العربية من منظور الآخر الآسيوي:
مثلما قدّمت الرواية “بعيداً إلى هنا” الآخر الآسيوي في منظور (الأنا) العربية، قدمت (الأنا) من منظور هذا الآخر! فأتاحت له فرصة تبادل الأدوار، أي فرصة التعبير عن ذاته وإسماع صوته، وهو يقدّم رؤيته للذات العربية، فـ(كوماري) حين تنظر للعرب يدهشها تشابه سحناتهم، مثلما يدهشنا تشابه الآسيويين، كما يدهشها أكثر اعتدادهم الواثق… وبذلك تنطق الفتاة الآسيوية بمفردة ذات دلالة إيجابية في وصف الكويتيين (الاعتداد) فهي رغم معاناتها بسبب اتهامهم لها بالسرقة، لم تستخدم مفردة ذات دلالة سلبية مثل (العجرفة أو التكبّر) مما ينسجم ومحنتها في السجن!
هنا نتساءل: هل تدخل الروائي الكويتي في إنطاق الشخصية بهذه اللغة، التي تغاير السياق النفسي الذي يحاصرها في السجن؟ أم أن الشخصية نطقت بها، وهي تتذكر انطباعها في الماضي، وذكرياتها قبل حادثة اتهامها بالسرقة، فقد عاشرت العائلة فترة من الزمن، ولمست بنفسها معاملتها الإنسانية!؟
يلاحظ في الرواية أن الصورة المشوّهة للعرب، احتلّت مخيلة الآخر (الفتاة السيرلانكية) قبل أن تصل إلى الكويت، فنسجت مخيلتها صورة مسبّقة نتيجة روايات سمعتها ممن عمل في البلاد العربية! فقد التقت (كوماري) في الطائرة بزميلة سبقتها للعمل فيها، نصحتها ألا تنخدع بمظاهر الضيافة والاحترام والكرم لدى المضيفات في الطائرة العربية! إذ إن هذا القناع سرعان ما يسقط في بلدهم، ويظهر ما يضمرونه في أعماقهم من عنف واحتقار تجاه الآخر، لهذا تؤكد لزميلتها قائلة: “ستسمعينهم ينادونك بلغتهم “تعالي يا حمارة” ينهرونك وهم يأمرونك “اذهبي يا كلبة!” …استعداد من داخلك لمواجهة الأكثر سوءا “الأجر..المشقة في المقابل ..لم تصادفي يا حمارة..”أنا محظوظة ”
نعايش عير جملة “أنا محظوظة” اعتراف الذات الآسيوية بعدم معاناتها في غربتها من هذه اللغة العنيفة، التي تساوي بينها وبين الحيوان، وأن (الذات العربية) التي أصبحت (آخر) كانت ضحية أوهام مسبّقة، لكن فقدان المرأة (دلال) للعقد، واتهامها (كوماري) بالسرقة! أحيى هذه الأوهام ومنحها مصداقية! وبذلك ترسّخت الصورة السلبية للعرب في ذهن المتلقي، لأن الحقيقة التي تتكشّف للسيدة (حين تتذكر أنها أعارت العقد لصديقتها) لم تصل (كوماري) لتنصف على أساسها! مثلما لم يصلها محاسبة (دلال) لنفسها بسبب إساءتها الظن بخادمتها، وإقصاء إنسانيتها، حين دارت حول فكرة ثابتة هي ( أن أحداً لم يدخل البيت) لهذا تعزّز الرواية سوء التفاهم بين المرأة العربية والسيريلانكية، خاصة بعد أن تكتشف هذه المرأة العربية أنها ظلمتها، إذ نفتقد التواصل بينهما، فلم تصلها العبارة التي نطقتها، وهي تحاسب نفسها، حين جعلت خادمتها “كبش الفدا…” ولم تنتبه إلى “مشاعر الآخر؟” و”مدى استعداده كي يغفر؟” بل تصل المحاسبة إلى أقصى مدى، حين تلوم نفسها في أنها ارتكبت “قسوة لم تعهدها ..”(11) في نفسها!
هنا نتساءل: لـِم َ تنتحر الخادمة قبل أن تسمع هذا الاعتراف والمحاسبة للذات من فم سيدتها!؟ فتطفو على السطح الصورة السلبية لـ(الأنا) العربية من منظور الآخر!
لعل الروائي يريد أن يلفت النظر إلى مدى القهر، الذي يتعرض له الآسيوي، فيحيط به سوء الظن، بسبب جرم لم يرتكبه، مما يضاعف تعاطف المتلقي معه، ونفوره مما يمارس من قهر ضد الآسيوي!

من المسؤول عن سوء التفاهم مع الآخر الرجل والمرأة؟
يلاحظ أن الروائي جعل السيدة (التي أعارت العقد لصديقتها، ونسيت، بسبب إرهاق السهرة) هي موضع إدانة من قبل المتلقي أكثر من الرجل، بسبب تجنّيها على الخادمة (كوماري)! وبذلك فإن الأذى الكبير نال الخادمة على يدها، وإن بدا الرجل مشاركاً فيه، حين انساق مع اتهام زوجته لها دون نقاش، حتى إنه قام بأخذها إلى مخفر الشرطة.
يلاحظ تكرار هذا الأذى، اعلى يد المرأة! في رواية أخرى لاسماعيل فهد اسماعيل بعنوان “مسك” إذ تغيّر الزوجة اسم خادمتها (ميري) فتعرّبه، ليصبح (مريم) بل نجدها تمعن في إقصائها، حين تمنعها من دخول غرفتها إلا إذا أسلمت!!(12)
هنا نتساءل: ترى هل تتوتر العلاقة بين المرأة وخادمتها بسبب احتكاكها اليومي معها داخل البيت، في حين ينأى الرجل عن الاحتكاك، بسبب التقاليد الاجتماعية؟! أم أن ثمة نظرة ذكورية تحكم الروائي، فينـزّه الرجل عن تهمة تشويه الآخر، ليلحقها بالمرأة! وبذلك يجسدها في صورة سلبية، تضطهد الآخر، وتؤسس لسوء التفاهم معه!؟ في حين تبدو صورة الرجل أقرب للتعاطف أو الحياد مع هذا الآخر! وهو حين يؤذي هذا الآخر، يبدو مضطراً، يؤمر من قبل المرأة، فلا يستطيع الرفض!!

الآخر وجماليات الخاتمة:
وكي يكون التعاطف مع الآخر الآسيوي مؤثراً في وجدان المتلقي معه ينهي روايته “بعيدا إلى هنا” بصوت الخادمة في السجن، إذ يوحّد بذلك بين خاتمةة روايته ونهاية حياة (كوماري) التي قطعت شرايين معصمها بسكين صغيرة، فنسمع صوت أعماقها، وهي تطلق أنفاسها الأخيرة، فتردّد صدى ذكرياتها على أرض وطنها، فنجدها تختزله بصورة قريتها (نوريليا) وصورة الحبيب “أطبقتِ جفنيك، حضرتك صورتكما _ سونيل وأنت- تتسكعان أحد شوارع كولومبو…فتحتِ عينيكِ. الضوء الحاد يحزّ ما عداه. “مسافة قرار” تذكرتِ نوريليا. المزرعة. كلمات جدك:
– متوسط عمر شجرة الشاي لا يتجاوز ..أنت لم تبلغي الخامسة والعشرين بعد. “الوقت مسافته” فجأة تنبهت حواسك باتجاه باب معتقلك كانت الأنحاء تتجاوب بنداء آذانهم: “الله أكبر”
أطبقت جفنيك ثانية. رأيتك في نوريليا الجبل المزرعة. غبش الفجر. سحابة بيضاء تتدافع بين شجيرات الشاي تتخللها.
كان نداء آذانهم يتواصل مترددا في خلفية ذاكرتك، وكنت تواصلين تركضين كي تدركي سحابتك البيضاء.”(13)
نلاحظ تماهياً بين السكين التي (تحزّ) بها شرايين معصمها والزمن الذي يحزّ عمرها مع (ضوء الفجر) وبذلك (يحزّ) الكون! فيقطع صلتها بالحياة! مثلما يقطع المسافة التي تفصلها عن وطنها، حيث الأمان والحب، لتعيش غربتها حيث ينتظرها الموت! لهذا كان المشهد الأخير الذي تجلى لوعيها هو فضاء قريتها الجبلية، حيث مزارع الشاي، فكان آخر صوت، يتردد في وجدانها، هو صوت جدها يحدّثها عن شجرة الشاي (التي تعيش خمساً وعشرين سنة) لذلك تتوحّد بها في لحظاتها الأخيرة، حتى إنها تحس أنها تشاركها مصيرها، فتموت مثلها في سن مبكر! لهذا تنطلق روحها (سحابة بيضاء) بين شجيرات الشاي!
اختار الروائي إطاراً زمنياً يناقض أفق توقع المتلقي، فقد دفع الخادمة إلى إنهاء حياتها مع بزوغ يوم جديد! أي مخالفة المألوف من إيحاء (الفجر) أي ببداية الحياة وتجدد الأمل! ليوحي بمأساوية اللحظة والحدث، فقد بدت لحظة النهاية هي البداية (الموت) لدى (كوماري)! حيث تتخلص من قهرها! مما يفاقم شعور المتلقي بمأساوية المصير!
إن تكرار (آذانهم) مرتين لديها أشبه بإعلان عن غربتها ليس عن الوطن فقط، بل عن القيم الدينية، كي لا يستهجن المتلقي العربي المتدين انتحارها! إذ رغم أن الأنحاء تتجاوب مع هذا الآذان، لكن المعاملة القاسية، جعلتها بعيدة عن التأثر بهذا النداء! لهذا كان بعيداً، يختبئ في خلفية ذاكرتها! فقد انشغلت بحلم تطير فيه روحها كسحابة نحو قريتها، التي اختارتها موطنا لروحها الراحلة!
وقد وجدنا النهاية نفسها تنتظر شخصية (فيليب الهندي) في رواية اسماعيل فهد اسماعيل “يحدث أمس” بل يمكننا أن نعدّها امتداداً لـ(كوماري) في ملامحها الإيجابية خاصة في الإخلاص للعمل، والتفكير بإسعاد الآخرين… فهو شاب هندي يعمل موظفاً في البصرة، أثناء الاحتلال البريطاني للعراق، تحوطه الصفات الإيجابية “نشط، خفيف الحركة، لا تعنيه ساعات الدوام…من وإلى…ولا حجم العمل إن كان كبيراً أم لا، بقدر ما يعنيه أن يؤديه بالشكل الأمثل، يجيد الإنكليزية بطلاقة…إضافة إلى كونه يحفظ كلمات عربية محددة تكفيه تداوله اليومي …تطوع لتعليم صديقه العربي الإنكليزية، كما يشارك (كوماري) في إحساسها بالغربة والرغبة في العودة إلى الوطن، وقد فشل مثلها في تحقيق هذه الرغبة! لهذا يشكل الحزن ملامح وجهه فهو لم ير أهله منذ زمن طويل، قضى حياته في العمل، وبذلك شاركها مصيرها المأساوي (الموت في الغربة) لهذا نسمع الراوي يبيّن أن فقد حياته في الغربة دون دفء الأسرة، ولكن “من يعوّض من؟”(14) وبذلك يموت الآسيوي دون أن يجد تعويضا عن سني عمره التي قضاها في الغربة، التي أجهضت أحلامه، وقتلت أفراحه مثل (كوماري) في رواية “بعيداً …إلى هنا”.
لقد سلّط الروائي اسماعيل فهد اسماعيل الضوء على معاناة الآخر الآسيوي، عبر لغة حساسة، تشع بالتعاطف الإنساني، مما يؤكد أن المبدع الحقيقي يقف إلى جانب الإنسان الهامشي الضعيف، سواء أكان من أبناء وطنه أم لم يكن! وبذلك يتجاوز الروائي الأفكار والأوهام المسبّقة! التي تشوه صورة الآخر، مثلما تشوه (الأنا) فيفضح أولئك الذين يستعلّون على الآخر ويقصونه، وبذلك مارس عبر إبداعه الروائي نوعا من النقد الذاتي، لنبذ الكراهية وبناء جسور التفاهم والمحبة بين البشر!
وقد ساعدته على هذه المهمة لغة حساسة “ليست موازية لعدسة الكاميرا تكتفي بنقل صورة ما أو وصفها، وإنما هي منحى لأن تصبح حاملا دراميا تشتبك من داخله بعلاقات جدلية نامية، فتمثل عالما حيا يحتوي الشخوص والأزمنة والأمكنة والأحداث بحضور كثيف.”(15)
من هنا نستطيع أن نقول بأنه قدّم صورة الآخر الهامشي عبر لغة تتغلغل أعماقه، لتفصح عن صراعاته النفسية، في سياق اجتماعي يقهر أحلامه، ويلغي وجوده! وبذلك يفضح (الأنا) في تجاوزاتها واستعلائها على الآخر! ويكسب احترام المتلقي لإبداعه الذي لا ينفصل فيه الجمال عن القيم النبيلة!

الحواشي:
1. اسماعيل فهد اسماعيل “بعيدا إلى هنا” دار المدى، دمشق، ط1، 2001، ص112
2. المصدر السابق، ص116-117
3. المصدر السابق نفسه، ص18
4. نفسه، ص19
5. نفسه، ” ص27
6. انظر “كراهيات منفلتة” د. نادر كاظم، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2010، ص117
7. “بعيداً إلى هنا” ص20
8. المصدر السابق، ص40
9. المصدر السابق نفسه، ص118
10. “نهج البلاغة” ج3، شرح الأستاذ محمد عبده، دار المعرفة، بيروت، دون تاريخ، ص84
11. “بعيداً إلى هنا” ص101
12. راجع “مسك” اسماعيل فهد اسماعيل، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2009.
13. “بعيداً إلى هنا” ص130
14. اسماعيل فهد اسماعيل “يحدث أمس” اسماعيل فهد اسماعيل، دار المدى، ط1، 1997، ص90
15. شهادة اسماعيل فهد اسماعيل “الرواية العربية “ممكنات السرد” أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر 11 – 13 ديسمبر 2004، ص245

*ناقدة أكاديمية سورية. 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب “البعد السياسي للإستشراق في فكر إدوارد سعيد”**

أسعد العزوني* قال د.محمد هاشم البطاط من العراق ،أن النبي محمد “صلى اله عليه وسلم”هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *