الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | قوسُ قزح منتصف ليل

قوسُ قزح منتصف ليل

عاطف سـليمان*

في قاربٍ يتمايل على الشاطئ يعيش جلالُ الدين متوارياً إلاَّ عن بحرٍ وشمسٍ وقمرٍ وأنجمٍ وصيادِين.
يتزوج زينةَ وهو في الخمسين ويُصْعِدُها إلى قاربه. هي المليحة التي في الثلاثين، والتي ارتاعت يوم صحبت زوجَها وابنَها وأباها في طَلعة صيدٍ وعادت بدونهم منكفئةً في قاع القارب الكبير وملطَّخةً بمخاط الأسماك. يلتقيها جلالُ الدين منكوبةً في البلاء فتتخضلُ جفونُه وينشرخُ حلقُه وهو شاردٌ ينبشُ في رمل الشاطئ.
عزَّاها بكاؤه وطيَّبها، وما إنْ أقام عينيه لعينيها المتورمتيْن حتى فاجأته بعشم:
– تطلبني من أمي؟
​قال لها، كالمتملِّص، بحلقِه المشروخ:
– إني، تعلمين، غريب وعجوز.
فقالت بجدٍّ:
– الليلة.
وابتسمت، بالتماعةِ عينيها لا غير، ابتسامةً صُغرى. فهمسَ:
– فليكن، إنما حسب الأصول.
غرق أبوها أولاً وما لبث أن غرق زوجُها في عركةٍ مع الموج عند غروب الشمس، وكاد ابنُها ينجو. ولقد نجا فعلاً، وقطعت زينة معه نصف طريق العودة ساهمةً بفقيديْن إلى لحظةٍ ربضَ فيها الصبي على حافة القارب وارتكزَ ليتقيَّأ فداخَ، ووقعَ وغرقَ. تقول لجلال الدين إنها رأته يُجذَبُ، وإنها – مشلولةً – دامت تراه في ظلمة الغروب غائصاً في المياه الفائرة، إلى أن هُيِّئَ لها أنها تراه وهو يتخبَّط في قعر المحيط. ما أشطرني! كان الموج يلُمُّ الجميعَ عداي، وأنا أتفرجُ كأني واقفة على أرضٍ يباس. يسمعُها توبِّخ وعيناها طارفتان.

وقتما تنادت زينةُ مع الأب والابن والزوج وأبحروا بقاربهم للصيد ظهيرة ذلك اليوم كان جلال الدين هنالك يسمعهم ويراهم وقد ألمَّ به خاطرٌ لا يدري مبدأه؛ المرأة ذات الصُحبة هذه، سوف تبيتُ وحيدة. جفلَ مما خطرَ له، وساءلته نفسُه: أَأنت ترى فحسب أم إنك ترجو أم إنك تدبِّر وتتداخل وتؤلِّب؟ ولـمَّا رأى عودتَها ثقُلَ قلبُه في ضلوعه، وزفرَ: أَكنتُ أعرفُ أم كنتُ أسفحُ؟
عدَّ الأيامَ، وانطلقَ بعدها في دروبٍ وفي مسالكٍ إلى أن وصل إلى أم زينة التي اسمها عالية ليطلبَ منها زينة. جمعتْ له رجالاً وأجلسته معهم في حوشٍ تحت النخيل بمجلسٍ ما تجادلوا فيه عن عرسٍ وعروس. كانوا ثمانية أو عشرة رجال معظمهم أصغر عمراً منه ولكن شعوره بأنه الأصغر بينهم وافاه وغلبَه وأضجره فسكت عن سماجتهم وهم يستجوبونه. وفي حلقةٍ من الليل نادت عاليةُ جلالَ الدين بنداءٍ لم يأتلفه لنفسه وإنْ درى أنه المقصود:
– يا أبا سرور!
طلعَ إليها من مجلس الرجال، فقالت له – مثل حانقةٍ عليه – وهي تُسْمِعُهم:
– تريدُ المنحوسةَ، ألا زلتَ؟
– زينة؟
– وما هي زينة، الله يعلم. خذْها لشأنك، والله يعين.
لَثمَ جلالُ الدين كتفيْ امرأةٍ حسمتْ ونصرتهُ وما قصدت من المخاشنة غيرَ إكرامه بلماحية وغيرَ التهوين، كذلك، على رجالها الكارهين. وعاد ليدخل إلى مجلس رجالٍ باغضوه بغير تحشُّمٍ وغيَّروا في غيبتِه ترتيبَ جلوسهم. رشفَ قهوته بغلاظةٍ وهبَّ من فورِهِ مُبدياً تأهُّبه للانصراف وصافحهم بتشامُخٍ وانصرف، ولحقت به زينةُ مهرولةً فيما عالية على البعد تُعلي حِسَّها بالتبريكات.
مشيا على مسالك ودروب في حلكة الفجر قاصديْن الشاطئ، وكان أنْ تآنسا فاضطجعا ودخل بها وهزَّها، وآوتهُ، وكلَّلَها، واستويا، ثم استأنفا السيْر.

تلقائياً؛ غدت زينةُ لا تستسيغ أكْلَ الأسماك وسائرَ ما يُحتمَل أن يكون قد طَعُمَ على لحوم أهلِها، معتبرةً نفسَها في عداوة مع الزعانف، وبالرغم من هذا داومت على أخْذ القارب الكبير والتجاسُّر (قليلاً) في البحر لأجل الصيد ولأجل المضيِّ، خلسةً في كل مرة، والحومان بقاربها حول بقعة جُذِب ابنُها عندها ليغرق فيها. من جهته؛ امتنع جلالُ الدين عن مآكل البحر إكراماً لِزينة وإنْ أباحها لنفسه بين حين وآخر، خلسةً في كل مرة، أثناء غياباتها.
في عرض البحر تقفُ زينةُ وتشبُّ في القارب، حيث لا يسمعها إنسيٌّ أبداً، وتبتهل:
– يونس! يا يونس! مدد.
إنها، بحق، لا تستكثر حلول معجزة وتأمل أن يتوسَّط يونسُ النبي فيرجِّع الحوتُ ابنَها إليها ويفرغه من جوفه حياً إلى قبضة يدها أو حتى إلى جوفها.
استمدَدَتْ زينةُ بإخلاص وإيمان، وأسمعتْ النبيَّ الموقَّر مَظلمةً، مُوقنةً أنَّ ابنها أُخذ وأنْ ليس بمُكنتِها نفْض يدها. وذات يوم؛ وفي محلها المحدد في عمق البحر، وقفت زينةُ مشرئبةً وهتفت «مدد يا يونس، يا نبي مدد»، زعقت ودَعت حتى التبست عليها المرئياتُ وتعرَّقَ جسدُها وانهمدت في قاربها مبلولةً، ولربما أُغشي عليها. لكنها، وحيثما هي مُلقاة على ظهرها في قاع القارب، شعرتْ بالركلة، بل بالركلات الخفيفات الـمُشبِعات على أدنى بطنها، اللائي أرعشنها، واللائي آتينها كأنما بكعب قدم مخلوقٍ صغير.
وفي ليلةٍ مقمرة قعدا ساهريْن، مغتبطيْن بالألق، يتسامران، ثم لزما الصمتَ ولم تبق بالبال فكرة ولا كلمة. أسكتهما بدرٌ بات يزدهر ويجلب شذرات الأرض القديمة ويدفُقها دفعةً، ويشعُّها. في صمتها؛ سامحت زينةُ – في خاطرها – زعانفَ التهمتْ ذكورَها، وهشَّت – في خاطرها – لمعتدين أبرياء. في صمته، استخزى جلالُ الدين من حالٍ يعرقل فيه نفسَه فلا يستوي ولا يسبرُ حوادثَه في أزمانها، ويستريبُ حتى في صِفَةِ بكائه إذْ بكى في قُربِ زينة على رمال الشاطئ، ويتملَّى، أَتُراني حزنتُ معها أم غضبتُ لها من نفسي! فالغاضبُ إنْ يبكي – فمراءاةً يبكي. استفاق على نهنهات زينة وهي تنشج، فحوَّطها في حضنه يُساكِنُ ويُهدْهدُ ويَهمسُ لها بتفهُّم ومُماراة: «ولماذا تقبلين إذاً بموت الاثنيْن الآخريْن؟» وهي تعلل له بيسرٍ (وبفرحٍ): «هذان أماتهما الله.» وتهدأ، وتلكزه في خاصرته برفق المتواطئين لكأنما انفضحت بسؤاله أو تغاضبت.
نعسا في القارب، كشأنهما، ترجُّهما موجاتُ الشاطئ رجَّاتٍ تواظبت مع أعمال قلبيْهما، فناما قريريْن. غاب القمر، وأشرقت الشمس، وزعقت النوارس، وتصحو زينةُ عارمةً بشهيةٍ نهِمةٍ لملء فمها بمذاق سمكٍ مملحٍ مما يخـزِّنه كاهنٌ مسنٌ عارفٌ بأصول ترصيصه وتخليله. في ذلك الصباح، انغدقت حلاوةُ وجهها وفتنةُ سُمْرتِه بالرغم من شحوبه وتنفُّخِه وهي تتبسَّمُ آمنةً وقد سامحت – في ليلتها – الآثمين الأبرياء، وترقُّ وتنسلُّ لتتدلل في بدن زوجها، تحضُّه وتهمسُ، تحُفُّه وتتخضبُ، مقرونةً به، مقروناً بها. وكان أنْ هبطا الشاطئَ وتمرَّغا على حصى ونجمات بحر وجحور كابوريا وأصداف إلى أن تمطَّتْ مثل قطةٍ وحجلتْ ومشتْ لتجلب الفطور.
أكلتْ زينةُ سرديناً قديماً لم يقْرُب لحومَ غرقاها على أية حال، ولاحت شاحبة الوجنتيْن، متورِّمةً، بلا مراء. وسَبَرَ جلالُ الدين في لمحةٍ منها خبراً عنها، فهي ستلدُ في البحر ذكرا. إن زينةَ حبلى إذاً، ومتوجَّب حجْبَها عن نزول البحر، فيرتجل:
– نمشي قبل أن ترتفع الشمس ونزورُ عاليةَ، ونتعشى هناك، ونبيتُ.
زينةُ، وقد دهمها إنهاكٌ ودوارٌ ورغبةٌ في الرقاد أرضاً والنعاس، تخفض له حاجبيْها مذعِنةً في رضا، وتتمتم:
– ليتك تروح وتحضر لي أمي؛ فإني أعوزها.
رقد بجوارها يخبِّئُها ويطمئنها ويدعكُ يدَه في جبينها لكأنما ينقل عافيةً إلى عندها، ثم نهض ومضى في الدروب والمسالك.
تعالت الشمسُ، واحترَّتْ زينة بالصهد والضياء وهمَّت بالقيام لتنام في القارب ولتغطي وجهها بقماشة. لم تقو على القيام فتدحرجت على الرمال حتى دنت من القارب، وفي أثناء تقلُّبها لمحت نسراً يشقُّ زُرقةَ السماء وهي التي، منذ صغرها، تميِّز النسور في الأعالي وتنقبض رُهاباً منها. خطت بقدمها في القارب وسوَّت فراشَها وغطت عينيها وترنَّمت بصوتٍ جزعٍ (مدد يا نبي يونس) ونامت. ولِوقتِهِ، كان المرسول يصل ويروي عطشه ويلهث ويُنادَى بكُنيته ويَسمعُ عاليةَ تفاكِهُهُ بنوادر مخلوطة الفُحش بالحصافة، وتبتدره بتخمينها «المنحوسة ستلدُ؛ أَليس كذلك؟» ويجاوبها كمنْ يتخوَّف من نفسه «عِلمُ الله!» تعجَّلت عاليةُ وتجهَّزتْ، ودسَّت في خُرْج البغل خِرقاً وأمتعةً وأطعمةً وماءً، وأدنت البغلَ من مصطبة اتكأت عليها وامتطته ووالت ترديدَ اعتذارات لذلك الرجل الذي سيمشي مرةً أخرى والذي يوافي كلَّ اعتذار بردٍّ قيِّم.

كان النسر لا يني يحلِّق في دوائرٍ على مسافات تصير أقرب فأقرب، فلعل فضلات السمك المملح المتفسِّخة تحت الصهد اجتذبته.
رأت زينةُ، في رقدتها، الكاهنَ منحنياً يكنس الفضلات، ويصرُّها في منديله ويعود بها متمهلاً إلى جهة داره، وفي اللحظة نفسها تقلَّص بطنُها وأوجع، وتعيَّن عليها أن تفِزَّ وتهرع إلى خلائها المخصوص الذي تأتنس فيه وتتوارى حتى من لا أحد، وتقرفص هنالك حصةً من الوقت فتتخلَّصُ وترتاحُ. تخطت زينةُ القاربَ مترنحةً وسارت وسـارت صوب بقعتها حيث لن يتعدى الأمرُ المجهودَ نفسه المبذول منها في كل مرة إلاَّ بوجعٍ لازم. طرأ رأسُ طفل وبانَ وانحشرَ وانولدَ فسندته بكفيْها، ثم انولد منها شيئاً فشيئاً طفلٌ يصرخ. مكثت زينةُ لاهثةً تدفعُ حتى انفلتت منها كتلةُ الكيس الرخوة الحارَّة فمَزَقَتْ حبلَها بأسنانها وعَقدتْه وخلَّصت الولد، ومن فمها بصقت تفلاً مُرَّا. ما رأيتُ بطني حُبلى. وإذْ انخدعتْ في دواعي وجعها؛ انزلقَ من الرحم ابنٌ مفاجئٌ حملته على ذراعيها مضموماً إلى صدرها ملفوفاً في ثوبها الذي شلحته عن قميصها الساتان. كانت تسير كعروسٍ جليلة في خلاءٍ آمنٍ متبخترةً بلفافتها وقميصها اللامع حين لمحت على البعد رجلاً يقف حدَّ القارب، اتضح لها أنه الكاهن الذي لم يرجع إلى داره وإنما انتظرها بصبر. إنه وجلٌ، وإنه لا يغض بصرَه، لكنه ينظر بتوقيرٍ إلى ناحيتها كما إلى ناحية سواها. وإذْ تحاذيه يبادرها بنبرةٍ مُبهِجة: ذكرٌ على ما أظن؟ فتومئ له برموشها مبتسمةً أنْ نعم، خجلةً من عُريها في القميص إلاَّ أنها تحسُّ بالكرامة توافيها من نبرة الاعتزاز في صوته المتكلِّم بها إليها: سيكونُ له شأنٌ، دعيني أرى وجهَه. وبجزالةٍ تكشف له عن المحيا الصغير فيهشُّ له الكاهن ويتطلَّع ويهمس في صدقٍ وبورعٍ: له نور.
– هل أخافكِ النسر؟
– قليلاً!
ويمسح بأنامله المخضَّبة بالحناء على الزغب الأسود في رأس الوليد ويقول لأمه: عندي اسمه؛ اسمه البعيد «كذا» (وعيَّن اسماً)، واسمه القريب «كذا» (وعيَّن اسماً)، ولعله الآن يسمع اسمَيْه يُنطَقان.
– النسر بشارة لميلاد الولد.
– ويلي، صرتُ أخشى من هذا الولد.
تحدِّق هي في بؤبؤيْ الكاهن مُسائلةً عن معنيْي الاسميْن الغريبيْن، ويضحك هو وينصح: إنْ لم تفهمي فاحفظي؛ معناهما ابن النهار. وفي لحظةٍ شردتْ ريثما تستجمع اسميْن يتوجَّب عليها أن تحفظهما إلى الأبد، فانسحبَ الكاهنُ من طريقها، كما لو كان من بلاط ملكةٍ انسحبَ، ومضى بهدوء حاملاً منديله، خفيفاً كأنه ريشةُ طائر.
لم يكن جلال الدين وعالية قد وصلا حين اضطجعت زينة في القارب تحاول إرضاع الولد بعدما مسحته ودثَّرته بأنظف أثوابها وأسمته يونس. كانت تهدهده وتُسْمِعه صوتَ الأمواج وتدلِّله: إيشي! يا صغيري يونس، إيشي مدد.
* * *
سار جلالُ الدين بمحاذاة بغل أم زوجته متسلِّياً، واغتمَّ إذْ لمحَ موكبَ رجالٍ جالسوه لـمَّا جاء لأخْذ زينة، وباغضوه تحت السقيفة وكأنه مجمل أعدائهم. في ليلة السقيفة تلك، لاحوا له، في خياله، مُلثمين يتربصون به، وها هو – في لحظته – محصور بينهم وهم مُلثمين بهيآتهم كما لاحوا. وجاءه الخبرُ مسموعاً؛ ولدتْه ذكراً على يابسة.
هزلوا بمناداته: يا أبا سرور!، وأنزلوا قريبتَهم عن بغلها ورجعَ بها أحدُهم إلى ناحية دارها، أمَّا جلال الدين فصُدِم رأسُه بحجر وقُيِّد معصماه في كاحليْه، ورُبطت عنقه بمزعة عُقدت في ساق البغل، وتُرِكَ.
هل نامت زينة؟ إن صغيرَها يصرخ ولا تسمعه. هو جائعٌ ونافرٌ من لبنها وهي مُضعضَعةٌ بأثر نزْف دمٍ لم تأبه به. ما بالها لا تطلب عون النساء الأخريات! يمكنها أن تمشي ثلاث مئة خطوة لتصل إلى امرأة محددة منهن اسمها عايدة، فما أنعم ما بينهما من خبايا وثرثرات وتواد، ولكن لا ميل لزينة في عون عايدة الآن. الآن، فحسب. إنها ترومُ طعاماً وماءً بارداً، ويلزمُها كذلك منْ يحكُمُ دمَاً يقْطُر ودمَاً ينشفُ على بشرة فخذيْها حتى تجويف ركبتيْها. وتحتاج، بالأخص، ألاَّ يُنظَر إليها بفضولٍ وتفحُّصٍ ومُساءَلةٍ عمَّا غيَّبَ عنها الأمَ والزوجَ، وإنْ كان لا بد من التسوُّل فليس لجيرانها ستمدُّ كفَها (تُرى فيمنْ كانت تفكر؟) آهٍ لو يجيء زوجُها فيحمل عنها الولدَ وتأتي أمُها فتتدبَّر مكارهَ الدم. ما عادت زينة تشعر بالحنق والجوع وإنما بالحيرة والذبول، وفاتها أن تلحظ قمراً علا عن يمينها في السماوات وجَزْراً سحبَ القاربَ المفكوك من مربطه منذ عاشقت جلال الدين قبل الفطور. كيف مرَّ هذا الوقت الطويل؟ ستستنكر، وتتذكر ليلة الأمس وتتسلى وتبتسم، بمسالمةٍ، لنفسها وتشعر أنها بخير وأن قليلاً من الماء العاذب والطعام والغسول البارد سيحيل الكدرَ هناء. ويصحو يونس صارخاً يبكي.
أوشكت الشمس على الشروق، ولم يعد زوجُها بأمها بعد، فاضطجعت تُلاهي الابنَ المحروم وهي تنوح. ولكنها أيضاً جائعة وجافة من فرط العطش. همهمتْ بالابتهال إلى النبي يونس، ولكن يونس المتولِّي بالشأن المختلف سبقَ أنْ أمددها، فهمستْ بفتورٍ كأنه اللومُ أو لكأنه، على أية حال، إغواءٌ لأجل الاستمالة: يا يونس، ساعِدْ.
طاف بخيالها النسرُ الذي يحوِّم (أم أنها رأته؟) فحملت الولدَ وتخطت القاربَ وخاضت في رمال مبلولة خلَّفَها الجزْرُ، وسلكت إلى دار الكاهن.
تقف زينة قرب باب الدار، وتتلفَّت، متدثِّرةً بالثوب الكاسي، وعلى ذراعها الأيسر مولود نائم أو دائخ، له اسمان أو ثلاثة وتمرَّس في الجوع بأسمائه قاطبةً. تدفعُ زينةُ البابَ وتمرُّ، فهي وقد جاءت إلى هنا من قبل، وجاءت في الصباح الماضي، تعلمُ أن دار الكاهن لا تنغلق. تصطنعُ سعلةً إشعاراً بأن على الباب منْ يبتغي الإذنَ بالمضيِّ قُدماً إلى الداخل. وجاءها، من غرفةٍ يصدر منها ضوءٌ خافت، صوتُ الكاهن، كما لو كان موفوراً بعزةٍ توفيها الأمكنة المعمورة؛ رخيماً يقظاً متحكِّماً صافياً، وقد ميَّزَ أن السعلةَ سعلةُ امرأة: تفضلي. بابُ الغرفة الموروب نظيف وعلى أخشابه استضاءة من ضوء شمعة بالداخل. اجتازت البابَ إليه كأنها مسحوبةٌ بكلمة صوته، ورأته جالساً على الأرض بأُلفةٍ مثل فلاح، متخففاً من عمامته، حليق الرأس، على كتفيْه رداء كتاني متقاطع على صدره ومنهدل على فخذيه، يطالع أو يكتب في صحائف موضوعة على ركبتيْه، وفي يده قلم أو ما شابه، ووراءه شمعة دهنية مصبوبة على مثلِ البرتقالة. قام وأشعل شمعةً أخرى وضعها في راحة يده، وأومأ: اتبعيني. لعل زينة كانت قد تخدَّرت بالرائحة المنبعثة من الاحتراق البطيء لدهن الشمعة، لأنه نبَّهها ثانيةً: تعالي، فمضت وراءه إلى حيث أدخلها غرفةً ضيقة نظيفة مستوية عديمة الرائحة ومرصوفة بزلط وحصباء، بها مرحاض ومَغسل يُمكن التحمُّم فيه. حطَّ الشمعة في تجويف من حجر، وقارَبَ الأمَ ليعاونها في مسْح الولد بالماء قبل أن يرفعه عنها، ومازحَها قبل أن يدعها تنفرد بنفسها: ما اسمه!
– يونس.
كانت كلمةُ ردِّها (الخاطئة) كما نطقتها له تحمل ما لا يُطاق من الحياء والحنان والإرهاق. ابتعد الكاهنُ بالولد إلى الغرفة، وربط حبلَ سرته بخيط استلَّه من منشفة، وفك العقدة التي عقدتها أمُه، وجزَّ ما زاد من حبلٍ سُريٍ بات قيْد التعفُّن، ثم ختمَ على الجرح بقطرة ساخنة من الشمعة.
شطفَتْ زينة طبقةَ دمٍ ناشفة عن فخذيْها وهي تتعجب عمَّا أدراه باحتياجها العاجل للاغتسال ليقودها على الفور إلى هذا المغسل، وتتملى في صوته الذي قال خمس كلمات وفي هيأته وملابسه التي لا تعدو ملاءة بيضاء منسدلة على ظهره ومتقاطعة على صدره ومفرودة على رجليه. فحصتْ زينةُ جسدَها، حسبما قدَرت، لتتقصى ما إذا كان نزفها مستمراً ولـمَّا صَعُبَ عليها التأكُّد مزَقَتْ مزقةً من القميص الساتان وبَرَمَتْها وحشراً حَشَرَتها في حشاها وهي تكزُّ أسنانَها، ثم غسلت يديها وفمها ودعكت وجهَها ورطَّبت عنقَها وشعرَها وإبطيْها، وخرجت خافقةً بالانتعاش، حاملةً الشمعة في راحة يدها مثلما حملها ربُّ البيت، تترنَّم لنفسها لاهيةً بصوت لا يُسمَع: إيشي يا ربّ، بينما صراخ وليدها يحتدُّ وينِمُّ لها عن عافيته. التقطَ الكاهنُ قنينةَ عسل وخبز وفخارة ماء، وببشاشةٍ نظرَ إلى المرأة الـمُغتسلة واقترح عليها أن تأكل وتشرب وتغمس إصبعَها في العسل وتطعم يونسَ الفقير. واقع الأمر أنه ما كان اقتراحاً ولا طلباً ولا إشارةً ولا لطفاً ولا كرماً وإنما إيعازٌ بديهي مثل إيعاز أبٍ لطفلته. مصَّ الولدُ إصبعَ أمه واحتجزَ العسلَ وبدا أنه يستسيغ. ولـمَّا رأى الكاهنُ جوعَ المرأة ووليدها أحضر المزيدَ ومدَّ يدَه يأكل معهما. إنها تلاحظه وهو يأكل، فما الذي تراه وما الذي تسمعه؟ تخلبها مواصفاتٌ يضفيها هذا الرجل على أفعاله ولا تفقه ما علَّتها، وتقارنه بزوجها الأول كما بجلال الدين، وتشعر بالذنب، وتسقُطُ قطرةُ عسل من إصبعها المتوجِّهة إلى فم يونس على ظهر يد الكاهن، وترتبك، فتمسحُها بسرعة. اِطلبني من أمي، تودُّ أن تقول له ذلك وتكاد تنطق. اِطلبني، تحسِّن ما تودُّ أن تقول له وتتريث. أبقني، ترتضي ما تودُّ أن تقول له وتتردد. تمسح زينةُ القطرةَ عن يده بإصبع منها نظيفة، لم تقْرُب المأدبةَ بعد، بإصبعها، تلك الصغيرة اليمنى المثنية، وبهيامٍ تشتهي لو أنها تلعق القطرةَ، وتريد لعقَها، إلا أنها تتحاصفُ وتكبتُ ما تود وما تريد، لأن الرجلَ، حاملَ الكتان على كتفيه هذا، يجب أن يحبَّ استبقاءَها، فلا موجب لمكرٍ أو استغواءٍ إذاً معه.
– سامحتُ بهائمَ البحر حتى من قبل أن يعوضني اللهُ وألدَ الولد.
تظنُ أنه سيفهم فيروقُه ما رقيتْ إليه. ولعله فهمَ لأنه ضحكَ مثل منْ فهم، وانبسط لوجهها، وقال لها:
– هي بهائم تجوعُ وتسعى ولا تتعمد الإضرار.
سأبقى، تجد ما تودُّ أن تقول له وتزدجر. فهذا الرجل الذي يؤاكلها لن يطردها، وأبداً لن يطرد أحداً يترجى هامساً «سأبقى»، ولكنه سيكون مضطراً للقبول ومضطراً للمداراة على اضطراره للقبول. إنها لا ترغب في الانتباه. وعلى أية حال، فلقد نطقَ لسانُها – كشأنها – بعيداً عن خواطرها:
– ودي أن أجيء مع جلال الدين ونعيش في بركات الجوار.
– ألا يعلم زوجُكِ بولادتك؟
حكَتْ له.
– ربما عادَ ولم يجدكِ هناك.
ردَّت:
– آه، ممكن.
هل راغَ الكاهنُ من تفاحةٍ متناهية الصغر مبثوثةٍ في منطوق رجائها للعيش في بركات الجوار؟ لعله لم يلحظ سوى المجاملة فيه. تنشغل هي بجلال الدين غير مدركةٍ أنها انتظرته وتنتظره بقلقٍ مُمَوَّهٍ أنكى مما هو بادٍ عليها. «انتظريني على باب الغرفة»، وانزوى ليلبس الملبوسات البيضاوات والعمامة، ولـمَّا انتهى استدعاها إلى داخل غرفته حيث الصحائف، «تفضلوا»، فتدخل بوليدها وتطالع في وَضحِ الصبح ملكوتاً لم تلحظه في ضوء الشمعة؛ نقشاً مدهوناً بألوانٍ ذهبية وفيروزية لملكةٍ فَتيةٍ عاريةٍ حانيةٍ موصولةٍ مثل قوسٍ على الحائط والسقف والحائط المقابل، ترفعها أصابعُ قدميها المشبوبة التي تمسُّ الأرضَ مسَّاً على الحائط الشرقي وتسندها في الجهة الأخرى أصابعُ يديها المفرودة التي تمسُّ الأرضَ مسَّاً على الحائط الغربي، وتنتثر نجومٌ من بطنها على قاطن الغرفة. «هذه هي سيدتي، ولا قوْل عنها»، أبانَ لها! ورفع صحفةً بالقرب من عينيْها مُبيِّناً لها أن ابنَها موصوفٌ في كلماتها. ارتبكت المرأةُ التي تحمل وليداً على ذراعها اليسرى وتلعق إصبعاً صغيرةً لزجةً وهي تلقي نظرةَ تحَامُلٍ على الصحفة وتلقي على وجه الكاهن نظرةَ تسليم متباطئة، شاملة ربما، تعني على الأقل أنه أحقُّ بأنْ تهبَهُ الولدَ. وبخشوعٍ تديمُ تطلُّعَها إلى هذه المرسومةِ فوقها وعن يمينها وشمالها وقد استفاقت على حنانٍ يتفشى ويتنزَّل عليها من كنفها لَكأن البدرَ عاد يسطعُ – الآن، من القُّبة هذه، ومن السُّمَيَّة الفيروزية الذهبية هذه، عليها وعلى غائبها جلال الدين – سطوعَه ليلةَ كانا في القارب معاً «ولماذا تقبلين إذاً بموت الاثنيْن الآخريْن؟» «هذان أماتهما الله»، ومبهورةً تقرصُ كتفَ الكاهن؛ «أحسُّ أني أعيش في أمسي الأول!» «فلنمض إلى الشاطئ ونعرف أخبار منْ ننتظرهم»، ويخرجان معاً، متزامليْن، وهي تشهَدُه حالَ مغادرته داره، غير مُغلِق بابها بمفاتيح، وكأن بمقدور أي امرئٍ أن يدفعَ ويفتحَ ويدخلَ لولا أن الكهنوت الراصد المقتدر على إيقاع الأذى بالـمُجترئين الهاترين جديرٌ بأن يُخشَى.
في ذلك الصباح الحار لم يجداه هنالك، أمَّا القارب فكان يتأرجح بعيداً في المياه العميقة، وإنْ لم يضع بعد. وبمجرد أن اقتربا من حافة الشاطئ انتتر جسمٌ من القارب البعيد، رفرفَ بجناحين كبيرين كجناحيْ نسر، وطار. «ما الذي كُتب عن ابني في دفترك؟» «كُتب أنه سيُولد في هذا الأوان، ولأبٍ من غير صنف الناس.» بُهتت زينة لأن الربتاتَ، اللائي آتينها مثل وهمٍ في أدنى بطنها حتى أرعشنها وهي تناجي النبي وحيدةً في خلاء البحر، موصوفاتٌ إذاً في إصحاحاتٍ، ومقروءاتٌ إذاً على الملأ، ولسن مصوناتٍ بالكتمان كما يُحتَسب! «وماذا أيضاً؟» «ولن يشهد أباه إلا بعد عَدِّ السنين، ويصرعه بالخطأ»، «وماذا!» «قد يقتله.» «وكيف درى الناسُ الذين كتبوا كتبكَ الغيبَ؟» «ليس الغيبُ مقفولاً تماماً على ناسٍ من الناسِ» «ولكن كيف ينعرف أمرٌ لم يحدث بعد؟» «إنه ليس بالضبط لم يحدث بعد» «لكنه كان، حتى الأمس، لم يحدث بعد» «كان لم يحدث بعد، وكان حدث: إنه الاثنان معاً» «طيب، وما دمتَ تعلم أن الولدَ لن يرى أباه إلا بعد سنين طوال فلماذا قلتَ: فلنذهب لنرى إن كان رجع؟» «الخطأ خطئي؛ سَاءَ فهمي والتبستْ عليَّ الألفاظُ: منْ يشهدُ منْ؟ / الأب يشهدُ أم الابن يشهدُ؟ ولَزَمَني التبيُّنَ.» «وماذا عني؟» «مطلوبة.» «خير؟» «خير.» «منْ يطلبني!» «قديس».
حلَّتْ زينةُ القاربَ الثاني؛ قارب الصيد الكبير، بحِمية امرأةٍ مُثبَتٌ عنها ومُشارٌ إليها في أحاجي الكهنة ومعقودٌ لها مع قديس، وخطت بداخله حاضنةً ابنها ومتمنِّعةً عن إبقائه مع الكاهن. وواقع الأمر أن الكاهن هو الذي لم يُطلْ مجادلتها حين شاءَ استبقاءَ الطفل معه حتى تبحر هي وتستنقذ القارب الآخر، متحاشياً أي إلماحٍ إلى فاجعة ذكورها الغارقين، ولكنها كانت قد طاولت ذلك الشعور بالرضا والعزم بل بالحذق كذلك حتى إنها حاججت الكاهن:
– إذا قُلنا إنه سيعيش حتى يبلغ الحلمَ ويقتتل فلن يغرق اليوم أبدا. إنه حرزُ سلامتي.
* * *
اسمه عنبر.
عنبرُ هو الكاهن الذي لم تنطق زينةُ اسمَه، إعلاءً. في ذلك الضحى أحصى عنبرُ الكاهنُ قارباً واحداً يعود. القاربُ الـمُستنقَذ العائد، في ضبابٍ بقوام اللبن، حاملاً يونس الصغير ليس إلاَّ قارب جلال الدين الذي تأرجحَ قبل ساعتين على خط الأفق وقد اندفع منه نسرُ. وزينة العليلة التي عوَّل الكاهنُ على حظِّها لم تعد بقارب الصيد، والأرجح أنها غرقت أو علِقت. ولقد ربط الكاهنُ القاربَ في وتده والتقطَ الطفلَ، واستدارَ نحو جهة امرأةٍ في ثديها حليب اسمها عايدة، من دون مشقة إلقاء ألف تحديقةٍ أخرى عبر غبش الأمواج.

صحا جلالُ الدين من نكبته؛ رأسه جريح وعنقه موثقة بحثالةٍ نهايتها مُلقاةٌ على الأرض، ولا أثر لعالية ولا أثر للبغل. وضعَ إصبعاً وجسَّ تورُّماً على رأسه بحجم البلحة، وتلمَّسَ جلطةً غير مندملة تلمُّساً محاذراً لئلا يقلقلها. تجنبوا قتلي وهم يروِّعونني ببرودٍ فحسب ثم سيعاودون ترويعي. لو أن شاهداً تحرَّى لأفادَ بأنه أثناء الهُنيهة نفسها كانت هنالك دماءٌ عديدة تسيح وتُضبَط، زينةُ تحبسُ نزفَها بمزقةٍ في مرحاض كاهن، وعنبرُ يستأصلُ زوائد عن سرة مولود ويزمُّها بفتيل منشفة، وجلالُ الدين يتولى أمرَ دمِهِ بكظْمِ.
إن الذي أفاق من صَرعة ضاربيه، خائراً، لمحَ صقراً أو نسراً يحلِّقُ في العليين فزرَّ عينيه مستتبعاً أثرَه، فلعل النسورُ تتوقعه جيفةً قبل موته وتتربَّصُ. نهضَ وشهقَ وزفرَ لكأنما يردُّ تربُّصَ النسر، وشمَّ من الأجواء رائحةً أو ذكرى رائحةٍ أو ظن أنه شمَّها فخَطَرَ له ما اعتبره رسالةً انفرضتْ عليه؛ سيرحلُ عن معزلِه، ولو إلى حينٍ، ويرجع إلى بلاده فيرى أمَه ويرى حسيبة، مخطوبته السرمدية. أسترافقُني زينةُ؟ وكأنه تذكَّر زينةَ؛ هرولَ إلى البحر ليصطحبَها، ولدته ذكراً على يابسة. إذاً فسيرافقهما فرخُ المرأة المليحة الذي انولدَ له من صُلبه. اقترب من الشاطئ، ووصل إلى حيث لا أحد. وبنظرةٍ إلى قاربه انقهرَ قلبُه فصعد إليه ونبَشَه سدى. غادر قارباً مربوطاً وخرِباً اللهم إلا من ريشة طائر مُدماة وكأنها نزعاً نُزعت. تعاطاها بين أصابعه وقصدَ إلى دار الكاهن الذي عانقه وغسلَ جرحَ الرأس وضمَّده ومدَّ صحنَ طعام وتكلم عن حوادث زينة وعن يونس الـمُودَع بتوصيته في لدن عايدة، وأنبأه جلالُ الدين عن ثلة شانئيه وعن انتوائه زيارة أمه وأهله، وناولَه الريشةَ؛ «يا للدم القاتم على سِنِّها»، أمسكها الكاهنُ مترفقاً ونظرَ ولم يقل كلمة. إن الطائرَ عجوزٌ جداً، ذلك الذي يحلِّقُ ويبلغُ المدى، ولقد اقتُلِعت الريشةُ الكبرى من جناحه، وسالَ دمُه هو أيضاً، في الوقت، وتخثَّرَ.
سارَ، هذا الذي ما عاد يتذكر خطوةً من خريطة رجوعه إلى موطنٍ فرَّ منه إبان صباه، عازماً على تجنُّب الاسترشاد بأيٍ كان، وعلى إغفال الذكاء والتذكُّر، ومستصوباً الاستهداء بالحدس وبما يكون قد كَمُنَ في لُبِّهِ من حِسِّ الطيْر. داسَ جلالُ الدين ومضى، وبعد أربعين يوماً ضحكَ وانتشى وابتهجَ لـمَّا ثبُتتْ له مقدماتُ فشله لإيغاله بأماكن وطرقات خاطئة، ولكنه واصَلَ مثل منْ يوقن بأنها المقدمات الكاذبة الـمُضلِّلة ليس إلاَّ. وفي ليلةٍ تاليةٍ من ليالي الطرقات الخاطئة الـمُبهِجة رقدَ جلالُ الدين على جانب حقل ونعسَ. تساقط المطرُ رذاذاً مثل ندى وكانت السماوات مظلمةً حين تراءى له قوس قزح ينتشر عالياً وسط الأنجم ويتضوأ مثل شريطٍ زاه. صحا الذي نعسَ، ورأى ذلك القوس ذا اللونين الذهبي والفيروزي، «زينة!» «إي أنا.» «ما بالكِ؟» «طلبني وأخذني.» «منْ؟» «إيشي، حبيبي.» «ومنْ هذا؟» «عريسي الذي مني، مركبته نسر، ومُحياه مُحياكَ.» «حيةٌ أم ميتة؟» «أنا مَعروفتُكَ زينة»، وضحكت فسمعَ ضحكتَها الممتازة، ودنتْ فشمَّ رائحتَها المزيدةَ برائحة البحور، وعيناه تراوحان على قوسِ قزحٍ ليليٍّ حافل، «أتبقين؟» «أتراني تركتكَ!» «أشعرُ أن عنبرَ يموت الآن نائماً»، «أطبقَ ومات في قاربكَ يوم فراقكَ»، «في قلبي شجن وبه بهجة»، «فلتأوِ إلى دارِه لئلا تُـخرَب»، «سمائي تحتي تقرُّ»، «وأرضي فوقي تعتلي»، «ولماذا تقبلين إذاً بموت الاثنيْن الآخريْن؟» ومثل منْ تتخارج من حكايةٍ تضاحكت زينةُ وزقزقت، ولـمْساً لمسَها جلالُ الدين وضمَّها فتصايحت، وتملَّصت، وأفلتت، فانتبَهَ وأصابعُه، في ظلمةٍ زاهرةٍ، تعثُرُ في ريشةٍ مُدماةٍ ثوتْ، بشعراتها، على نُدبةٍ في رأسه.

*أديب مصري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

الإهداء: إلى كل من لم يدخل سوق الإستسلام ولم يفرط بالحقوق (أسعد).  – أريد أن أفهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *