قراءات ودراسات

غيوم (فوق فضاءات الجرح العربي)

حاكم  الحداد

(غيوم) رواية الكاتب العربي(نازك ضمرة) (الاردن) من اصدارات دار الكرمل للنشر والتوزيع (عمان). عِبرَ الحقل المعرفي للرواية، تتوضح البنية الداخلية، بحيث نستطيع  ان نتلمس المضمون العميق الذي  يريده الروائي، فاذا نحن امام تكوين خاص، ذي تتابع عام، يوشحه السرد عبر تداعيات الصور التي تتخذ اشكالاً (شتى) من خلال الوصوفات والفضاءات المتداخلة بين الزمان والمكان  وحركة  الشخوص المؤثرة، والتي ترسم مساراتها  بدقة متناهية،حيث تدور هذه الرواية (غيوم) باحداثها ما بين احدى القرى الفلسطينية وبين مدينة رام الله ايام الاحتلال البريطاني لفلسطين لتقدم عبر شخصياتها المستلبة والمحتدمة تلك الاستطرادات التي تجعلك تطالع تاريخ القضية الفلسطينية بشيء من التفصيل فقد قدم الروائي وعبر الية (الاستعارات والانتسابات تلك المسارات المتداخلة، فاذا هي كتابة استرجاعية مؤلمة وساخرة حد اللعنة  لما مر الانسان العربي  في فلسطين من الام وآمال  ومحن وسط قروح الحياة وهو يعيش في تلك البيوت الصفيحية التي سميت تحضراً بالمخيمات لنكتشف كل ذلك عبر شخصية بطل الرواية (مرزوق) الطفل الذكي الحساس الخجول الامين والذي يترك قريته الى مدينة رام الله لاكمال دراسته، حيث تتفتح هناك ازاهير فتوته، في تلك المدينة الحالمة، مدينة رام الله والتي تعرف بمصيف فلسطين .

وعبر تداعيات الصور، ياخذنا الروائي معه نحو الفضاء المرتحل في سرد شفاف يبتعد عن المألوف، سرد مليء بملهمات الخيال فاذا هناك تواشجاً عميقا بين الهم الذاتي وبين المهم الجماعي بين الخاص والعام وهو تواشج خلاق، استطاع الروائي بفضله ان يصف لنا الحياة الصعبة والقاسية في تلك المخيمات التي يضج اهلها بالشكوى والأنين من الجوع والبطالة والمرض في حين ان ….(معظم الاراضي الواسعة لأهالي القرى التي على الحدود والصالحة جداً للزراعة والرعي ،تحكمت بها إسرائيل وصادرتها مجاناً واستقواءً). ولقد تأكد المسار الاساسي لهذه الرواية منذ صفحاتها الأولى ، ولم تكن تلكم المسارات مجرد صرخة في صحراء، بل كانت استكناه لإيقاع الكتابة التي سطرها الروائي، وهو يقدم عذاباته وعذابات ابناء وطنه بشيء من السخرية المرة، والتي تجعلك لفرط السرد القصصي المتسارع تتعاطف معها بقوة ونقاء. ان البنية النصية لجسد الرواية، امتلأت بتلك الاستبصارات المثيرة ذات المسار المزدوج، الذي استفاد من التراكيب، لأجل تبيان العلاقة الحوارية مابين الشخوص والأحداث. إن السخرية المرة التي طبعت تهجدات الروائي ، لا تجعل من هذه الرواية ، رواية ساخرة ، بل جعلتها رواية ملتزمة بقيم الإنسان ومثله وعطاياه، وقد كانت هذه السخرية ، بمنزلة الروح المرحة التي وظفها الروائي بين سطور روايته، لأجل تأكيد المدلولات بشيء من البهجة التي تثير الضحك المأساوي القاتم والذي يقرب إلينا تلم الإشارات البليغة عبر تداعيات الصور المشحونة بالذاكرة المرة .ان هذه الرواية وبالرغم من بساطة موضوعاتها وشخصياتها ، الا انها تظل رواية كبيرة في نمذجة قياساتها واعتباراتها ، لانها رواية مشحونة بالدلالات والتراكيب وتبيان العلاقة الروحية بين الذات والارض وبين الائنان والوطن، وهي دلالات واقعية ذات ابعاد كبرى، استطاعت المخلية الخصبة والخلاقة للروائي ان توصلها الينا عبر التفرد العميق الذي اجاد صياغة فرادته في بدن العمل بشيء من السحر والدهشة عبر عملية التشاكل والتكافؤ الذي يؤكد المعنى الاتاني العميق الذي يقول على اللسان الجمعي.. (اننا لم نخسر المعركة في فلسطين ، واليهود هم اجبن من ان يستطيعوا مواجهتنا) وتلك هي جمرة النص ، واضاءاته البليغة التي استطاع الروائي ان يوصلها الينا بكثير من الابداع ، ولهذا فأن (غيوم) (نازك ضمرة) كانت غيوماً بيضاء ، تحوم فوق فضاءات الجرح العربي في فلسطين بدون اجنحة، ولكنها كانت ترفرف بصخب لافت للانتباه ، وهي تشير بوضوح تام الى ذلك الجرح الذي لايزال منذ عقود فاغراً فاه.

(الصورة أعلاه للأديب نازك ضمرة)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق