الموقع

من وحي القرآن: التحريف والتبديل في صناعة بني إسرائيل

إبراهيم الباش

لعل المستقرئ لتاريخ الأمم والشعوب لا يكاد يجد مفهوم التحريف والتبديل ملتصقاً بأمة كالتصاقه ببني إسرائيل، فقد بلغوا من التفريط إلى حد التجرؤ على كلام الله والأنبياء، وتحريفه وتبديله عن مقاصده ناسين أو متناسين حظاً مما ذكروا به، ولعل إلحاح القرآن الكريم وتأكيده على أن الكتب السابقة أصابها من التحريف والتبديل ما أصابها ما هو إلا دليل قاطع على إعجاز القرآن، فهو الكتاب الأوحد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المحفوظ بحفظ الله له (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وهو خاتم الكتب مثلما النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فمحال يقيناً أن يعتريه ما اعترى الكتب السابقة من التحريف والتبديل والاجتراء.

Ø بين التحريف والتبديل

إن مفهوم التحريف ورد في عدة سياقات قرآنية ، منها تنبيه القرآن على ذلك من خلال سياق قرآني يسلي الله عز وجل فيه نبيه في آلا يحزن على من يُظهر الإيمان ثم يرجع إلى الكفر، فهؤلاء ليسوا في العير ولا في النفير، إن حضروا لم ينفعوا وإن غابوا لم يفقدوا (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) “المائدة:41”.

إن التأمل في سياق الآية يعطينا أبعاداً نفسية للشخصية المنحرفة، فإذا وقفنا على هذه الأبعاد والسمات فلن نفاجأ بتاتاً بأن هذه الشخصية تلجأ للتحريف فهم مسارعون في الكفر، وآمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم من كانوا معدودين من المؤمنين ظاهراً وباطناً، وهؤلاء ليسوا منهم، ثم خص الله عز وجل طائفة من هؤلاء الكفرة هم اليهود ففضلاً عن الصفات المذكورة آنفاً فإن هذه الطائفة سماعون للكذب، وقال (سمّاعون) ولم يقل (سامعون) فصيغة (سمّاعون) في صيغة تفيد المبالغة والإكثار من الفعل والإيغال في صناعة الكذب الذي هو أهم الركائز بل هو الركن الركين في صناعة الشخصية اليهودية، وهم (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) ونكّر لفظ (قوم) ليفيد ذلك العموم والإشارة إلى عظم فسادهم، فهم مستجيبون مقلدون لرؤسائهم المبني أمرهم على الكذب والضلال وهؤلاء الرؤساء المتبعون (لم يأتوك) بل أعرضوا عنك وفرحوا بما عندهم من الباطل، وفوق ذلك (يحرفون الكلم من بعد مواضعه)، والملاحظ أن صفة التحريف هنا جاءت بعد سرد صفات متعددة ليكون ذلك طبيعياً بدهياً، فإذا علم أنهم مسارعون في الكفر، وآمنوا بأفواههم فقط، وأنهم سماعون للكذب  وسماعون لقوم آخرين أعرضوا عن النبي، فلا يستغرب بعد ذلك كله أن يحرفوا الكلم، فمن كانت هذه صفاته هان عليه ذلك فهم (يحرفون الكلم من بعد مواضع) حيث يجلبون معاني للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها لإضلال الخلف ودفع الحق. والتحريف هنا كما في الآية من بعد المواضع (من بعد مواضعه) أما في سورة النساء فورد التحريف عن المواضع (عن مواضعه) الظاهر أن قوله (من بعد مواضعه) يوحي بأن التحريف ههنا هو تحريف وتغيير أقرب إلى التغيير الزماني، فبعد أن مضى أمد على بقاء التوراة على ما أوجبها الله وشرعها عمد اليهود إلى التحريف من بعد تثبيت المواضع واستقرارها كتشريع ومنهج حياة. وأما قوله عز وجل (عن مواضعه) فإنه تحريف يتجاوز ما وضع وشرع من قبل الله عز وجل، فحرف الجر (عن) يفيد التجاوز، أي متجاوزين مواضعه تجاوزاً أقرب إلى تغيير المكاني لمواضع الكلم من تقديم وتأخير وحذف ووضع وما إلى ذلك وليس بعيداً أن يكون تجاوزهم لهذه المواضع هو تجاوز معنوي تبدّى ببعدهم عما جاء في التوراة وتجافيهم عنه. وهكذا اجتمع لهم التحريف المكاني والزماني لمواضع الكلم ليتم لهم ما يريدون من الخروج على أحكام الشريعة والتزامها. هذا وقد ورد التحريف أيضاً في قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعملون) “البقرة: 75”.

إن الآية تشتمل على قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، فكيف يطمع في إيمانهم وأخلاقهم لا تقتضي الطمع فيهم، فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما علقوه وعلموه، فيضعون له معاني ما أرادها الله ليوهموا الناس أنها من عند الله وما هي من عند الله، فإذا كان هذا حالهم في كتابهم الذين يرونه شرفهم ودينهم، فكيف يرجى منهم أيمان لكم؟ هذا لا ريب من أبعد الأشياء وأقصاها عن نفسهم. وإذا كان شأن التحريف عند اليهود فإن التبديل قرين للتحريف إن كانا لا يتفقان في المعنى الحرفي للكلمة، حيث إن التحريف يوحي بتغيير جزئي قد يمس شيئاً من العبادات أو الأحكام المفروضة، أما التبديل فإنه يوحي بالتغيير الشامل الكامل واستبدال الأدنى بالذي هو خير، فالتبديل أعم وأشمل من التحريف الذي هو نوع من التبديل، وهذا ما تقرره الآيتان في بيان التبديل: (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فإنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون) “البقرة: 59”.

وقوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون) “الأعراف: 162”. إن لفظ التبديل في الآيتين تدل على كمال التغيير والإيغال في الاستبدال وإن تبديل اليهود للقول مع خفته سيؤدي إلى تبديلهم الفعل  من باب أولى فكان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم فقال: (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون).

Ø نماذج من التحريف والتبديل

إن أمثلة التحريف والتبديل أكثر من أن تحصى، فيكفيهم أنهم حرفوا التوراة التي فيها هديهم وتشريعهم، ومن ذلك ما ورد في سبب نزول آية سورة المائدة في قوله تعالى: (ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فقد روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: “ما تجدون في التوراة على من زنى؟” قال” فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين” قال: فجاءوا بها فقرؤوها حتى إذا مرّ بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام، وهو مع رسول الله: مره  فليرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، وفي رواية البخاري: قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا” ا.هـــ.

وثمة شاهد آخر يدل على عمق التحريف والتبديل مما يؤيده القرآن والسنة، تحريف وتبديل يكون موئلاً لهم تفلتاً من الأمر الإلهي، فإنهم أمروا بقول الله عز وجل: (وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولا حظة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) “البقرة: 58”. ولكنهم بدلوا أمر الله  لهم ن الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجداً، فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا حطّة أي احطط عنّا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزؤوا وقالوا: حنطة في شعيرة، وهذا غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة والتبديل (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون). وكم ذكّروا بالتوراة وبما أنزل على موسى عليه السلام فنسوا حظاً منه، وهذا شامل لنسيان علمه وشامل لنسيان العمل الذي هو الترك، فقد سمى الله عز وجل ما نسوه حظاً (ونسوا حظاً ما ذكروا به) لأنه من أعظم الحظوظ فهو الحظ الشرعي فإن نسوه وخالفوه، فلا خير فيما بعد فيما يقيمونه من حظوظ دنيوية لا طائل من ورائها..

Ø التحريف والتبديل طبيعة يهودية أم سلوك مكتسب؟

إن نظرة متأنية في السياقة القرآني للآيتين اللتين دلتا على التبديل، ترينا كيف أن التبديل اقترن بصفة الظلم (فبدّل الذين ظلموا)، فكل مبدّل هو ظالم، والظلم هنا هو ظلم عقيدي شرعي،  حيث إنهم ظلموا أنفسهم بهذا التبديل، وهذا الظلم العقيدي سيؤدي إلى ظلم اجتماعي يتأتى عن الحكم بغير ما أنزل الله بعد تبديل الأحكام. لقد مازج التحريف والتبديل نفوسهم وخالطها وصار طبعاً من طبائعها، إنه كتمان للحق وتنصل  من الأوامر الإلهية، وإن إتيان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن العظيم الذي بين ما كانوا يتكاتمونه بينهم  وهو أمي لا يعرف ما في كتبهم من أدل الدلائل على القطع برسالته صلى الله عليه وسلم، وأن كتابه هو الكتاب الذي لا يناله التحريف والتبديل والنقص، وهو الحاكم المهيمن على من سبقه من الكتب والكاشف المبيّن مكر أولئك اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم (ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق