الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | مئة عام على ميلاد الآنسة يوكيكو ماكيوكا

مئة عام على ميلاد الآنسة يوكيكو ماكيوكا

​​​​​​​​عاطف سليمان*
​​​​​​​​​​
وُلِدت يوكيكو ماكيوكا في سنة 1907، وهي “سنة الخروف” وفق التقويم الياباني، حسبما ورد في رواية «الشقيقات ماكيوكا» التي أتمَّها الكاتب الياباني العظيم “ﭼـونيشيرو تانيزاكي” (1965 – 1886) في سنة 1948 تقريباً، وأنجز الترجمة العربية في 679 صفحة من القطع الكبير (عن الإنجليزية) الأستاذ محمود عزت موسى (وراجعها د. عبد الغني خلف الله)، وصدرت في مصر عن مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر (بدون تاريخ) قبل حوالي نصف قرن. والطريف أنه وردَ في ثنايا “الشقيقات ماكيوكا” ذِكرُ رواية أخرى هي «ربيكا» للكاتبة الأمريكية “كيت دوجلاس ويجن”، فقام بترجمتها أيضاً محمود عزت موسى، وكأنه كان يتسلم مهمته اللاحقة من لدن مهمته الآنية ويتتبعُ شغفَه وهواه فيما ينكب على ترجمته.
الشقيقات ماكيوكا وكأنهن يذكِّرن بالأخوة كارامازوف هن: الأخت الكبرى “تسيركو”، (36 سنة) متزوجة من “تاتسيو”، وأنجبت العديد من الأبناء. تليها أختها “ساشيكو”، (34 سنة) متزوجة من “تينوسوك”، وأنجبت طفلة واحدة. تليها أختها “يوكيكو”، (30 سنة) ولم تتزوج بعد. وتليها أختها الصغرى “تايكو” التي تُدلَّل باسم “كويسان”، (26 سنة)، وتخوض مغامرةَ حب أو مغامرتين أو ثلاثاً، وتنتظر زواج يوكيكو ليحقَّ لها الزواج بدورها.
رواية ضخمة، مكتوبة في حقبة الأربعينات (في أعقاب الحرب العالمية الثانية)، وموقَّعة بقلم تانيزاكي – الأستاذ الذي تجاوز الستين آنذاك، ولا تنبري الرواية لتناول “قضايا كبرى”، ولا تتراسل مع عراقة الساموراي، ولا تتقصى مسائل وجودية، ولا تبتغي بناءً لأحداث روائية مبهرة أخَّاذة مشوِّقة، ولا يبدو حتى (من خلال ترجمة عن ترجمة) إنها طمحت لأية فنيات أسلوبية. في رواية «الشقيقات ماكيوكا» لم يكن هنالك سوى البساطة التي هي البساطة، وكأن بين غلافيْ الرواية قصيدة هايكو من عشر كلمات لا غير، وكأن قارئ هذه الرواية سيظل يراقب فراشةً عالقةً في دورق زجاجي، والفراشة حقاً لا تأبه بأنها في مأزق، فإنْ تجالدَ القارئُ وتواضعَ واستمرَ على جديته ويقظته في المراقبة حظي بمحصول من جَيد الأدب يرضيه ويمتعه.
يوكيكو عالقة ؛ فعلى الرغم من جمالها الأصيل الهادئ ورقتها وشخصيتها اللطيفة وعُلو منـزلة عائلتها في التراتب الاجتماعي إلا أنها لم تتزوج بعد وقد بلغت الثلاثين. يكمن السر “العادي” في بطء إدراك الأهل أن مكانتهم المالية قد تدهورت نوعاً عن ذي قبل، ورفضهم بالتالي عروض زواج مناسبة كثيرة للآنسة يوكيكو ما استحقت الرفض، وعندما تكاشفوا بالحقيقة كانت السنوات قد مرت وأوصلت يوكيكو إلى الثلاثين وأوصلت تايكو، التي لا يجوز تزويجها قبل يوكيكو، إلى السادسة والعشرين. من هنا تبتدئ الرواية، ويوكيكو فراشة غير مأزومة على الإطلاق إلا بقدر ما يتسبب تأخير زواجها في تعطيلٍ لأختها تايكو أو في إحراجات لأسرتيْ أختيْها ساشيكو وتسيركو.
انشغل تانيزاكي بالبقعة الداكنة التي فوق عين يوكيكو، التي لا تداريها مساحيق التجميل بل إن طبقات البودرة تبرزها، وما هي إلا بقعة صغيرة لا تكاد تُلاحَظ، تظهر وتضمحل وفقاً لدورة التبويض الشهرية وستزول على الأرجح مع علاقة الزواج. إن تلك البقعة المؤقتة التافهة ليست عند تانيزاكي بأقل شأناً من الحرب العالمية الثانية التي كانت اليابان في عشياتها وفي حمأتها في زمن الرواية (1941 – 1937) أو التي كانت اليابان في أعقابها عند إتمام كتابة الرواية (1948)، فالبقعة هذه قد تعرقل زواجَ فتاة مثلما قد تفعل الحربُ تماما.
في 1948 كانت اليابان قد استسلمت وضُربت بالقنابل الذرية ووقع أحفاد الساموراي في خَيَّة رُعاة البقر ؛ حُثالة عصرنا الحديث، المدججين بأبرع منتوجات التدمير، كاملي الطمع والهمجية والحقد على ذوي الأصول والحضارات والثروات. وكان تانيزاكي ابناً كبيراً عارفاً يليق باليابان، وكانت روايتُه هامسةً لأهله الذين يقدِّرون الهمسَ ويعتبرونه. في الرواية لا يتخلى أحدٌ عن متعة الخروج والارتحال لمشاهدة تفتُّح أزهار الكرز في مواسم تفتح أزهار الكرز، ويحرصون على تلبية دعوات الحضور لاصطياد الفراشات المضيئة في مواسم ظهور الفراشات المضيئة، ويخصُّون المناسبات بالثياب اللائقة، ويتواصلون مع كل ما تعطيه الطبيعة لهم، ويقبلون حتى بكوارثها. كان تانيزاكي يعرفهم، ويعرف أنه ما إنْ يبدأ لهم سردَ رواية الشقيقات ماكيوكا فإنهم سيحبون منه أن يجد زوجاً مناسباً للجميلة الدمثة يوكيكو، مولودة برج الخروف، التي تكاد تتورط في العنوسة وهي الإنسانة التي يحبها الأطفال وتحبهم حباً، لا بد أن يجد زوجاً للحلوة اللطيفة التي صارت في الرابعة والثلاثين من عمرها وتتضاءل فرصتُها في أن تصير أماً لطفلٍ من رحمها، لا بد أن يسعى الكاتب الذي اسمه ﭼـونيشيرو تانيزاكي ويجتهد لإسعاد يوكيكو ومن ثم شقيقاتها بأكثر ما يمكنه من مهارة ومثابرة وعزم وإيمان على مدى خمس سنوات في سبعمئة صفحة، ذلك أن تكلُّلَه بالفلاح في مهمته سيقلِّل من خراب القنابل الذرية التي ضربت بلاده منذ ثلاث سنوات لا أكثر، وسيهوِّن آلامَ الذل والفقد. ويختتم تانيزاكي روايته بينما محاولات خطبة الآنسة يوكيكو تقترب من النجاح. إنها تكاد تنجح فحسب.
رواية بسيطة وخالية من الحذلقات مثل سحبة واحدة بطلاء اللَّك الراسخ الصريح الثقيل. رواية يابانية عامرة بفلسفةٍ مبثوثة بهدوء وصبر. رواية على هيأة حال مشاهدة أزهار الكرز ؛ ليست جميلة أو مهمة إلَّا لمنْ يعنيه الأمر.
أمَّا يوكيكو فبلغت الآن مئة سنة.
قرنٌ على مولد يوكيكو ماكيوكا التي كانت تقرأ رواية «ربيكا» ذات يوم، ولعلها دوَّنت على قصاصة تعليقاً مثل: رواية على قدر واف من الجودة والشاعرية والتفهم الإنساني العميق.
عيد ميلاد سعيد.
​​​
*كاتب مصري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ثقافة المقاومة

طارق بوحالة* (خاص): “ثقافة المقاومة” هو عنوان لكتاب من تأليف جماعي أشرف عليه وقدم له …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *