الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | حين تنقصك المعاناة جد امرأة مناسبة أيها الكاتب!

حين تنقصك المعاناة جد امرأة مناسبة أيها الكاتب!

أسماء جزائري

يُشير فرويد إلى أن كلّ معركة أوديبية يخسرُها المرء في البيت، يُحاول حسمها خارج أبوابه.

يحضُر كافكا متربّعاً هنا، منسجماً مع ابتكاره لتلك السّلطة الأنثويّة البارزة في علاقاته مع الفتيات، كافكا كان يُريد حسم أمر تلك الأبوّة القاسية التّي جعلته دائمًا يتيماً للعاطفة، وبنظرته المُضطربة للحبّ، هو الذّي خاطب ذات يوم ميلينا قائلاً : “الحب معناه أن تكوني بالنسبة لي سكّينا أقلّب به ذاتي”. “إن كان رسّاما جيّدا يريد أن يكون مبدعاً وينجز لوحات رائعة، عليه أوّلا أن يتزوّج زوجتي” يقول دالي.

ويعبّر الروائي ماريو بارغاس يوسا في “الفردوس على ناصية أخرى ” قائلا: “الوطن الذّي تُولد فيه هو أمر عابر أمّا الوطن الحقيقي فيختاره المرء بجسده وروحه ”

ثمّة أشياء نتخذها، وأخرى تتخذنا، هذا ما يحدث في العلاقات تماما، فالعلاقة الزمنيّة والتّي هي تزاوجا، يحدث في نقاط عدّة لا يتعدّى صيتها لقب العلاقات الاجتماعية، هي خلية تعيشُ في الزّمن وتختفي من سير العالم فور موتها، وجودها يُختصر بين دفتيّ مجلد قديم في البلديات، أو محصوراً في ذاكرة اثنين التقيا وافترقا دون موضع أثر، أمَّا العلاقات التّاريخية فهي ذلك التّزاوج الذّي دفع بكلّ إخفاقاته ونجاحاته إلى الأمام،هي العلاقة التّي ظلّت سائرة في الزّمن والوحيدة التي هزمت ما يسمى بالموت والفناء، وأركعت صلة النسيان فور الاختفاء عن أنظار الأشخاص وظهرت نساء كثيرات عظيمات في الحياة كالعصا السّحريّة، نساء قلّبن الطرائف إلى مواقف، وحوّلن حياة عاديّة إلى مشهد تاريخيّ تدخله الأجيال المتلاحقة، لا لتتذكر بل لتعُالج ما تفقده إن أكدنا أن هذه الأجيال بالموروث والمادة، تقبل ولو مجازاً الاعتراف بذنوبها المتعلقة في اندفاع الذاّت الذي هو المسؤول الأوّل عن اختيار الشّركاء، دون أن تكبحهم بداع الأطُر المجتمعيّة ومن بعدها تتقزّم الطّموحات إلى العادي حتى الحياتيّ منها.

هل يخطئ عنفواننا الأوّل، أم نخطئ حين نفكّر في أنّه مجرد عنفوان؟

يغتالُ المنطق الهاجس الأوّل في العلاقة، إنّه يتحوّل من ذكاء المشاعِر إلى ذكاء البرامج في طرح المزيد من لو، وإن، وفرضاً، وماذا، هو يخلق حواجزه الآن ويبني خسارته، فالعنفوان الأوّل هو الأصدق وإن كذّبته الظّروف اللاحقة، الإنسان يستطيع أن يقول أي شيء ويتحكم فيما يقوله، لكن الأمر يختلف حينما يجد ذاته مندفعة باتجاه لا يحمل الإشارات المرئية التيّ شيّد عليها تطلعاته، وهذه الإرادة الخفيّة وحدها قادرة على تدوير التّفاصيل المدمّرة فيك أشياءً خالدة، ونجد دالي عبقريّ السوريالية يأخذ من امرأة مستحيلة رفيقة حياته، لقد ترك حقيقة الاندفاع تسري وتتبنّى هي أطرها وتتخذه في اتجاهها لا العكس، في الوقت الذّي دخلت فيه غالا رفقة زوجها الشّاعر بول إيلوار إلى غرفته “كل شيء ابتدأ من الباب، في أحد الأيام دخلت الغرفة وكان الباب مفتوحًا ورأيتها، تفجّر الحب في داخلي، ومنذ تلك اللحظة قررت أن تكون لي”.

المرأة التي أطّرت الجنون وحوّلت الهذيان إلى فن “لقد أغلقت بذراعيها باب جنوني” يقُول دالي، ثم برعت في تسويقه وإظهاره إلى العالم، المرأة التّي بدّلت احتمال المصحّة بخيار الخُلود، ودفعت بمجنون إلى حياة معتبرةٍ، غالا التي دخلت حياة دالي لا لتحبّه فحسب، بل لتنقذه من أذيّته لذاته، فيصرخ معتنقاً حبها شفاء “أحبّ غالا أكثر من أبي، أكثر من بيكاسو، حتى أكثر من المال، وغالا وحدها استطاعت أن تشفيني من قلقي ومن أحزاني، كما أنّها وحدها تغلّبت على ضياعي الذّي تجسّد من قبلها في أسفار مبهمة، في ربوع الكلاسيكية، فجعلتني أفهم ما أريده من الكلاسيكية ومن هذياني معا، منذ السادسة من عمري أردت أن أكون طبّاخاً، وفي السابعة أردت أن أكون نابليون، ولكن شيئا فشيئا فهمت أنني أريد أن أكون دالي”. المرأة التّي تكبره بإحدى عشرة سنة، أسقطت عنه تجارب كان سيخوضها وأعادت ترتيب الأمور مرتكزة على الحبّ والإيمان.

وليست الوحيدة، فميلفا التّي أضافت كلّ عبقريتها لعبقرية إينشتاين الزّوج، مزجت كيانها كأنّها تخلقُ للعالم كائناً جديدا منهما تحت مسمّى عالِم، المرأة التّي كانت أوّل من اكتشفته، وغدّته بالحبّ والخبرة، لتُحافظ عليه، كانت وهي تقدّمه للعالم كعالِم إنّما تقدّمه لنفسها كزوج، فحصُوله على وظيفة هي شرط حتى يجتمعا للأبد، فكتب لها معترفاً بتلك الطّاقة التّي اخترقت حياته، ولم يعد الآن في مستطاعه تجنبّها “حينما قرأت لهملهولتز (علم فيزيائي ألماني)لأوّل مرّة، كان صعباً وغريباً لأّنك لم تكوني بجواري، ولم يتحسّن الأمر إلى الآن، وما نفعله سوياً يكون رائعاً وسهلاً”. وفي نفس السّنة من عام 1899 راسلها ثانية من ميلان “الجوّ هنا لا يروقني إطلاقاً، وبينما أشتاق كثيراً للعمل، تأتيني الكثير من الأفكار السّوداء أو بمعنى آخرأشتاق لقربك مني ورعايتك لي وإبعادك التشتت عن فكري”، ميلفا التي قال لها بمنتهى الإقرار : كم سأكون فخوراً وسعيداً حينما يصير عملنا عن الحركة النسبية استنتاجا ظافراً”، إنها وهي تضع تعبها بالحب فيه، كانت تهبه الخلود، المرأة التّي حين سألها كونراد هابيكت عن اختيارها عدم ذكر اسمها على الاختراع المشترك بينهم “فولتمبتر فائق الحساسية”، ردّت بالجملة الألمانية الشّهيرة “لماذا؟ فنحن كصخرة واحدة، أو بكلمات أخرى نحن كيان واحد”. لكنها ستتحوّل فيما بعد إلى عقدته الأبدية، فيكتب في يوليو سنة 1974 للدكتور كارل غوريتشي، المحامي الذّي تولى أمر طلاقه من ميلفا “أستطيع الموت في سلام حينما تُغادر ميلفا الحياة بلا رجعة”. معلنا سقفاً عالياً من الخوف، لا على الآخر من أذّية الحاضر والمستقبل من دونه، بل ذلك الخوف الذّي سيجعل اسما عالمياً لا يخصّ المرء لوحده، وأنه ثمّة شراكة عظيمة أديرت لصناعة هذا الوزن.

ومثلها مرسيدس التّي كانت على استعداد تام لرهن خواتِم زواجهما بعد أن عزمَا على إرسال النّصف الثاني من مخطوطة رواية “مئة عام من العزلة” للنّاشر، بعد أن أقدمت على رهن المدفأة الكهربائية، ومجفف الشعّر، إنها تلك الجملة التي توقفت لأجلها بعد خروجهما من المكتب ثم التفتت إلى زوجها قائلة “غابو لا ينقصنا الآن سوى أن يكون الكتاب سيّئاً “.

وكذلك زوجة ساراماغو، بيلار التّي دفعت به إلينا وإلى العالمية، حين ترجمت كلّ أعماله من البرتغالية إلى الإسبانية، المرأة العنيدة الشّجاعة التي تفرض وجودها أينما حلّت، والتي أمسكت بيده كأمّ وقادته إلى الاجتماعات الصحفية، وحفلات توقيع الكتب، واحتفالات الجوائز، ولقاءات لا تنتهي دون أن يرفض لها أي طلب، كان يدرك أنّها تقُوده نحو القمّة حتى وإن تمثلت في الهاوية ذاتها، المرأة التّي عبّر بها عن إعجابه بالفيلم الوثائقي بيلار وجوزي pilar et josé الذي قام مانديس بتوثيق حياته قائلاً: “هذا الفيلم هو إعلانٌ عن حبّي لكِ”، ليس هذا هو الأمر بل في ردّها عليه: “نعم ولكن حياتي هي إعلانٌ عن حبّي لكَ” التّي قال عنها الكاتب الإسباني جون تيبا juan teba ” قطعاً أؤمن أنّ هُنالك اثنين: جوزيه ساراماغو قبل أن يُقابل بيلار، وجوزيه ساراماغو بعد أن قابل بيلار، وهذا كل ما لابد لي أن أقُوله”.

ولا عن زوجَة طه حسين سوزان التّي وجّهت للعالم صرخة حبّ في عملها “معك”، صرخة تضمَّنت عبارة من أرقّ عبارات الأنوُثة “أكتُب لأتقدّم نحوكَ”، المرأة التّي كان يركُض إليها في كلّ مرّة يُصدر كتاباً خائفًا متردداً كطفل يأوي إلى صدر أمّه محتمياً بردائها من عُيون العالم لو أنّه يفشل، بل في ردّها له قائِلة “أكنتَ تعرفُ أنتَ ما كنتُ أعانيه عندما كُنت تحمل لي واحداً من كتبك صدر أخيراً؟ آه ،لم يكن ما أعانيه زهواً ولا -أسألك العفو- كان مسرّة مشروعة، إذ إن ما يقلقني- ولا يزال يقلقني أكثر كلّما تذكرت ذلك- هو الحركة التّي كنت تمدّ لي بها يدك بالكتاب، كانت حركَة مُرتبكة تقريبًا كما لو أنّك تعتذر، وكما لو أنّك كنت تقدّم لي شيئاً ضئيلاً، في حين كنت تمنحني أفضل ما لديكَ، وتمنحني ما كان الآخرون ينتظرونه بفارغ الصبر، ما أكثر تواضعك وما أشدّ هذا التّواضع، ما أكثر ما أحببتك وأحبك بسبب هذا، ولم أعرف كيف أعبر لك عن هذا الحب”

إنّ حياة دون شخص يلتهم العاديّ، هي حياة تلتهمك، إنّك تكرار لمضغ لقمة معتادة في فم الزّمن، يمكنك أن تدخل ذلك الفَم كأيّ شيء يُلتهم، ولكن وحدهم أصحاب المذاق الكريه أو الجميل، يتركون بصماتهم على جدار الرّيق كلّما صادف وأن عبر الذّكرى النّسيان، تقدّم لنا الحياة الآخرين كشركاء أو أعداء، فتأتي النّساء من أضعف نُقطة في الكَون “القلب” لتؤويه وتعرّيه في ذات الوقت، ولتجعل منصّة الانجاز تعلو إلى أرفع سقفٍ في تكوينها، تأتي لتدعم الجمال من باب كسر المألُوف، ولتلد الجنّة كما لا يمكن لأيّ منهما تصوّرها، للنساء مقدرة عجيبة مثل الألم تماماً، في استخراج أعماقكم وتحويلها في العلن إلى مكانة خالدة يتمناها الآخرون لاحقاً.

ولأنّهن يُضفن الصّورة الدقّيقة لمفهوم الحياة، تتبدّل المفاهيم من جديد وتأخذ شكلها الأوضح، فدخول امرأة فّنانة حياتياً في حياة أبسط إنسان سيجعل منه فريداً،لا في وقُوعه في التّجربة الفريدة فكلّ تجربة مهما تشابهت الأطراف كجنس هي مُختلفة الوقعِ، لكن في ذلك الوُصول بالتّجربة إلى أقصى تمكّنك من الاختبار، ناهيك عن دخُولها في قلب أديب أو رسام أو موسيقي أو نحات، المعرفة الوحيدة التّي تتيح لكَ افتتاح مجالات التعمّق أهمها من يحيط بكَ، وهؤلاء الذّين يشكّلون محيطكَ منهم من يحاول إحباطك، وآخر يُحاول دفعك قُدما، وإن كانت يد امرأة هي من تفعل ذلك، ففي كلتا الحالتين ستتحوّل إلى ارث جماليّ تقدّمه المعاناة أو العزيمة لمسارح البشر المُتلهفين لقراءة التّجارب، أكثر من الدّخول في تجربة تحميهم من تفاهة تجريبهم الحياة من جانب التخوّف.

فهل يا ترى لهذا هم قلّة من تبعوا عنفوانهم؟ وهل تراه نزار حين ألصق صفة الجبن بمن تزوّجهم أمهاتهم، كان يلمّح لانقراض الخالدين الذين تنقصهم امرأة نادرة لحياته ربما ستكون بسيطة في حياة غيره؟

*كاتبة جزائرية

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ثقافة المقاومة

طارق بوحالة* (خاص): “ثقافة المقاومة” هو عنوان لكتاب من تأليف جماعي أشرف عليه وقدم له …

3 تعليقات

  1. عبد العزيز السماعيل

    شكرا لكم ،، مجلة متميزة

  2. سعيدة. ل

    المرأة لا تسد ثغرة المعاناة قد تكون هي نفسها المعاناة وقد تكون هي السعادة بعينها ، حسب أدبية الأديب الفنان ( الأديب الحقيقي )

  3. محمد بونيل

    إمتطيت على متن قطار مقالك، ومضيت قدما بالسير في رواقه وبين جنباته، باحثا بين كلماته، وعباراته، فواصله ونقاطه، إشاراته وعلاماته على مكان متميز، فإذا بي إستوقفتني محطة من محطاته الأدبية، الإبداعية والفنية، إليكم بما يلي:

    [ولا عن زوجَة طه حسين سوزان التّي وجّهت للعالم صرخة حبّ في عملها “معك”، صرخة تضمَّنت عبارة من أرقّ عبارات الأنوُثة “أكتُب لأتقدّم نحوكَ”، المرأة التّي كان يركُض إليها في كلّ مرّة يُصدر كتاباً خائفًا متردداً كطفل يأوي إلى صدر أمّه محتمياً بردائها من عُيون العالم لو أنّه يفشل، بل في ردّها له قائِلة “أكنتَ تعرفُ أنتَ ما كنتُ أعانيه عندما كُنت تحمل لي واحداً من كتبك صدر أخيراً؟ آه ،لم يكن ما أعانيه زهواً ولا -أسألك العفو- كان مسرّة مشروعة، إذ إن ما يقلقني- ولا يزال يقلقني أكثر كلّما تذكرت ذلك- هو الحركة التّي كنت تمدّ لي بها يدك بالكتاب، كانت حركَة مُرتبكة تقريبًا كما لو أنّك تعتذر، وكما لو أنّك كنت تقدّم لي شيئاً ضئيلاً، في حين كنت تمنحني أفضل ما لديكَ، وتمنحني ما كان الآخرون ينتظرونه بفارغ الصبر، ما أكثر تواضعك وما أشدّ هذا التّواضع، ما أكثر ما أحببتك وأحبك بسبب هذا، ولم أعرف كيف أعبر لك عن هذا الحب”]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *