الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | الروائية الجزائرية كريمة عساس: أنا أكتب بطريقة القفز والتغيير بين الزمان والمكان

الروائية الجزائرية كريمة عساس: أنا أكتب بطريقة القفز والتغيير بين الزمان والمكان

حاورها عبد الله المتقي

كريمة عساس روائية جزائرية ، خريجة جامعة قسنطينة كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية ، متورطة في كتابة الرواية لأن نفسها الطويل يغريها ويمنحها مجالا أوسع للتعبير والحفر ، من إصداراتها الروائية ” سرداب العار ” ثم “أمشاج ” التي صدرت أخيرا ، وبالمناسبة ، كان لنا معها هذا الحضور:

كريمة إنسانة وساردة.. أية مقارنة؟
أن تكون إنسانا لهو أمر صعب ، وأن تكون إنسانا كاتبا هنا يكمن الألم، الكاتب مرآة لمجتمعه، وهو يكتب عن أوجاع القبيلة الكبرى، يجد نفسه فيها وتجد نفسها بين أوراقه، لهذا فالكاتب أمام مسؤولية كبرى ويواجه تحديات صعبة لتحليل المجتمع وظواهره.. لطرح أفكار والحفر فيها بعمق وبلورة الأزمات الاجتماعية وقولبتها في شكل سردي جميل.
مخطئ من يظن أن الكتابة مجرد سرد فقط أو مجرد زخرفة كلمات.. الكتابة أسمى حقوق الإنسان للتعبير عن رأيه ونظرته بحرية، الكتابة بركان القريحة وفيض أوجاع النفس..

من أي مشتل جئتِ إلى عالم الرواية؟ ولماذا تكتبين؟
المشاتل في عالم الأدب تتعدد، وأنا لا أرى لنفسي مشتلا واحدا ولا منبعا واحدا أو قدوة واضحة، فمن بدايتي في الكتابة منذ الصغر كنت أقرأ للكثيرين، طبعا مع الالتزام ذلك الوقت بمكتبة المدرسة ثم مكتبة الثانوية، بعدها تعددت مشاربي الفكرية والفلسفية ، فأنا لا أقصي أحدا في القراءة ولا أؤمن بفكرة أن لا أقرأ لكتّاب جيلي، بل أقرأ للجميع دون استثناء، ولكن غادة السمان هي الكاتبة التي اعتبر نفسي قرأت تقريبا كل أعمالها غير الكاملة. بالإضافة لأحلام مستغانمي أيضا قرأت كل أعمالها من رواية وشعر ومجموعة مقالات.
و … أكتب لأنني أؤمن أن الكتابة نبوءة ستتحقق كما يراها حمت مينة حين قال أن” الرواية ستكون ديوان العرب مستقبلا بدل الشعر.”
نعم ، أكتب لأنه في مجتمعي تكثر المصائب، لو أحرّك في شخص واحد ملكة التفكير وأجعله يبحث في أمور كان يحسبها مسلمات، سأكون حينها حققت أسمى أهدافي من الكتابة.

أجاثا كريستي تأتيها أفضل الأفكار في الحمام، ولا تستطيع وضع تصاميم إلا في الرياح الماطرة، فماذا عن كريمة عساس؟
ليست لديّ أية طقوس للكتابة، أنا أكتب عندما يحلو لي فقط. لا أجبر نفسي على الكتابة ولهذا أستغرق وقتا طويلا في المخطوط، لأنني أدع الأفكار تتخمّر ولا أستعجلها مطلقا، قد تأتيني فكرة وأنا آكل أو أحاول النوم أو أضحك مع الصديقات، أدوّن الفكرة ثم أنحتها وأحفر فيها لاحقا عندما يحلو لي.

أيّ سرداب وأيّ عار؟ في تجربتك الروائية الأولى التي أخذت منك ما يقارب الأربع سنوات.؟
سرداب العار هي ابنتي الأولى التي أحبها جدا رغم عيوبها، سرداب العار هي رسوماتي المتعرجة للحياة هي وصف للمجتمع كما لا يجب أن يكون..
السرداب هو غرفة مظلمة تحت الأرض، والعار بمفهومه العام هو كل فعل مخل بالحياء ومناف للأخلاق، ولكن العار في مجتمعات العالم الثالث ارتبط ارتباطا وثيقا بالأنثى، رغم أن الجهل عار والسرقة عار والكذب عار والقتل عار والدكتاتورية عار والنفاق عار والظلم عار.. العار ليس أنثى مذنبة ولا امرأة بالغة الذل.. العار إعاقة مزمنة بالفكر لا تطالها الأعين ولا المحاكمات..
أمازالت الكتابة فسحتك الصغيرة للنواح والبكاء؟ أم أن هناك متغيرات ومساحات جديدة للبوح؟
الكتابة دوما تعتبر متنفسا للكاتب مهما كانت مكانته، فهو يشعر بلذة أنه يكتب وشهوة أنه يفرغ مكنوناته على الورق، كل كاتب يبدأ رحلة حياته الأدبية باحثا عن فسحة صغيرة للتنفس والبوح ولكن وبعد الغوص أكثر في الكتابة يجد نفسه غارقا في مشاكل المجتمع وفي مظاهره وعيوبه ومرغما على تحليلها وربما طرح حلول لها، لأن من واجب المثقف أن يدعم مجتمعه ويحمل على عاتقه مسؤولية التغيير أو على الأقل التحسين.

“أمشاج” رواية بمرايا متعددة، كما تتعدد أزمنتها وأمكنتها.. ما تعليقك؟
أنا أكتب بطريقة القفز والتغيير بين الزمان والمكان وهذا واضح من سرداب العار، وأعتبر أنه أسلوبي الذي أجد راحتي فيه وأعتبره مميزا لكتاباتي.

القفز بين مرحلتين زمنيتين أو بين مكانين مختلفين هو محاولة للمقارنة اللاحقة أو لقول أمر ما عادة ما يكون متعلقا بالسرد، وبالتالي اختلفت الأمكنة في أمشاج بين قسنطينة في التسعينيات وقسنطينة حاليا ومكة في السعودية سنة 2015، ثم إلى حلب بسوريا.
وكما لو أنها رواية بوجهين.. ؟

فعلا أمشاج مرآه مزدوجة، ترويها شخصيتان بارزتان هما مريم ورؤوف، لكل منهما أوجاعه ومصائبه التي يطرحانها بمعالجة فلسفية للحياة والموت، في الرواية تظهر الشخصيات على مستوى عالي من اليأس والانتزاع من الحياة ولكنها تبقى على وعي بمصيبتها وتحاول أن تفهمها وتحللها حتى لا تبقى بين مطرقة المصيبة وزندان اللافهم واللاوعي. رغم أنها شخصيات تدرك أن الوعي إنما هو مصيبتها الكبرى.

وماذا عن ظروف إنجازها ؟
أمشاج هي الرواية التي بكيت أثناء كتابتها بحرقة، الموضوع لامس وترا حساسا في نفسي.. الأطفال ضحايا النزاعات المتطرفة..
أهديتها للطفل الفلسطيني الذبيح في حلب ” عبد الله عيسى” فجاء الإهداء يساريا كالتالي:
إلى عبد الله عيسى..
الذبيح الذي غنى بصوت خائب وهو يتعفن..
إخواني لا تنساو شهداكم..
إلى روحه أينما كانت وكيفما كانت..
إلى ملايين الأطفال المجهولين..
الذين ليسوا من المشاهير..
وماتوا كأي فرخ على حافة عش..

“أمشاج” والذبح.. الدم.. القتل.. التطرف.. ما الحكاية؟
كتبت في الصفحة الأولى وقبل الإهداء تحذيرا: هذه الرواية تحتوي على مشاهد حادة قد لا تلائم بعض القراء..
العنف والدم والذبح والتطرف أمر واقع، والكاتب مرآة لمجتمعه، فالعالم رواية نحن أقلامها.. كل ما فعلته أنني سلطت الضوء على حالات معينة وحقيقية، فقصة الذبيح الأول رؤوف إنما هي قصة حقيقية حدثت في الجزائر سنوات التسعينيات والإرهاب، وقصة الذبيح الثاني عبد الله عيسى أيضا قصة حقيقية حدثت في حلب سنة 2016.
وبالتالي أنا مرآة سترون فيّ ما يدور حولي، ولا يمكنني أن أخرج من جلدي باعتباري دارسة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية ومتابعة بألم لما يحيط بنا من مصائب

“سرداب العار” و”أمشاج” والنقد.. أية علاقة؟
“سرداب العار” إصدار نوفمبر 2015، كبداية وكرواية أولى أنا جدا راضية عنها وعن الدراسات التي طالتها من دراسة الأستاذ الدكتور محفوظ خليف ودراسة الأستاذ عباس برحايل وبعض مذكرات تخرج طلبة الماستر التي عالجت موضوع رواية سرداب العار بالنقد ووضعتها تحت المجهر. وقد لاقت الرواية رواجا بين البنات أكثر لأن خيباتهن أكبر.
ستكون ” سرداب العار” حاضرة في معرض الكتاب الدولي بالجزائر العاصمة عن دار بهاء الدين.
أمشاج هي مولود حديث جدا لا يتعدى الأسبوع، ولهذه الساعة تمت دراستها من عدة دكاترة جامعات جزائرية مثل الدكتورة سناء بوختاش، وقد أشادت الروائية أحلام مستغانمي بها كثيرا وقالت أن قلمي مليء بالوجع ليكتب مثلها. وبالمناسبة ستكون الرواية حاضرة في معرض الكتاب الدولي بالحزائر العاصمة عن دار المثقف.

هل من حديث مقتضب عن الرواية الجزائرية بصيغة المؤنث؟
في الحقيقة أن أزمة النشر والناشرين تطال كل الأسماء لأن غربال النشر اتسعت مساماته وبالتالي كثرت الأعمال وتنوعت بين بين، ولكن إنتقاد كتابات المرأة هي منتشرة بكثرة في كل الدول التي تكتب بالعربية وليست فقط متعلقة بالجزائر، لأن الجميع عندو فكرة وحدة حول الكتابة النسوية التي تتركز حول اضطهاد الأنثى في المجتمعات الذكورية، ولكن هذه الفكرة خاطئة والتعميم غير منصف.
فعلا موضوع اضطهاد المرأة هو موضوع متجدّد ولن يندثر مالم تتغيّر حالة النساء، ولكن المرأة تخطت هذا الموضوع وأصبحت تكتب للإنسان.

كلمة أخيرة..
فقط القراءة ثم القراءة، عدم إقصاء الآخر، والتحلّي بنوع فاخر من الترفع عن الصغائر فالأرض تكفي للجميع..

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعرة الجزائرية سليمة مليزي

ما تبقى من اشتعال الذات في خريف عربي أتى على الأخضر واليابس سليمة مليزي : …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *