ثقافة النثر والقصيد

رسالة من ابن الإنسان إلى ابن الإنسان

خلف الله سمير*

تخبرني الأقمار والنجوم
بأن لها ولدا ها هنا في الأرض يجول
فوق التلال وفوق النجود
تخبرني الأقمار والنجوم
بأنه من وادي الكوثر
غسل الجفونَ والعيون
فكان حواريا لنا زار من جنات الخلود
خبروه وخبروه
بأن لا يرحل عنا أو يعود
ففي الأرض من بعده الظلماء تسود

خبروه وخبروه
بأن العطور منه تفوح
لذا تغار منه الزنابقُ والورود
خبروه ، وخبروه
بأن حورا جزوع وبكرا لعوب 01
تكابد الأشواقَ شوقا ، وحبا هو توأم للجنون
خبروه وخبروه
بأن ماء الغيوم ما كان منه النزول
إلا ليعانق تلك الفصوص
خبروه وخبروه
ماذا يمكن أن يقال عنه أو أن أقول
خبروه وخبروه
بأن البراعم والغصون
لن تثمر في شجر الكروم
كل تخاف من مقاربة أقداح الخمور

خبروه وخبروه
بأن الأرض ما كانت تدور
إلا لتبعده عن شعاع الشمس الغـَيُـور
خبروه وخبروه
بأن العطور منه تفوح
أمَا اغتسلا بوادي الكوثر ومن تلك البحور
ألا خبئوه وخبئوه وعن عيون الشمس أبعدوه
تغار أنوارها من وجهه الشروق
متى بدأ له طيف في الظهور

ألا خبروه وخبروه عن سحر تلك الخدود
فلا ظمأ من بعدها لربات الخُـدُور
ولا طلب للماء الشؔـَـرُوب
خبروه وخبروه
عن الخطو بعد الخطو للطفل الجسور
يطوي السنين والدهور
وما استضاف شيبا أو مسه رسم الشيوخ
خبروه وخبروه عن
تلك الصفوف من بنات الملوك
وكل له وصل تروم
تـسـألني عنه الثريا وحوريات البحور
ومن قبلهن مية أخت طروب
تحنو على أثر له كما لو كانت أمؔا رءوم

لكل هذا وذاك
تغار منك عقودُ اللآلئ فوق النهود
تغار منك صَـوَانُ البخور
متى بـِنـْـتَ أو اكـْـتـَحَـلتْ بك العيون
تغار منك الأهلة والأقمار والبدور
كل لها كَـسْـف إلا أنت تدوم
وفيك روح الله تسرى وما فيها روح الله تجول
تغار منك البلابل والعنادل والوعول
متى رأت من حولك سرب اليمام يحوم
تغار منك الثريات تزدان بها القصور
هي صِـيغَــتْ من صعيد اليُــمُــوم
وصاغك الرب من مسك ومن أعواد الطيوب
تغار منك النيران والشموع
ففيها روح الحُـتـُوف
وما منك روح لها تفوح

تغار منك بحور الشعر تعانق الفصيح والملحون
تغار منك القصائد والأزجال والقـُـدُود
تغنى بها ربَاب وعُـود
تغار منك البُـرُوج والصُـرُوح
يسكنها البوم وأنت على رأسك تاج الخلود

يغار منك الكناري والحَـسؔـُون
وكل فخور بصوته الطروب
وصوتك أنت يطاول مزامير داوود
يغار منك البلسم الشافي لكل داء سقوم
فلمس لكم يشفي حتى من المُـنـُـون
يغار منك الشهد
تغار منك ألبان القـَـلـُـوص
ففوق لساني أنت العسل المُصَفى حوته القدور
وفوق لساني هي الحنظل والزقوم
تغار منك ديانا وربات الفنون
فهن ربات على المعابد والرُؔمُـوس
وأنت رب على القلوب
زليخة احتارت أتعشق يوسف الصَؔـدُوق
أم أيمن الذي لن يسكن قبرا أو لـُـحود
يغار منك فتيان الحي هم شمعدان على الدروب
ومن كانوا دوحة المشموم في البوادي وفي الحقول
أمَا أنت يحي الغزال ورميو الوَلـُـوع
أمَا أنت قيس ليلي الودود
أمَا أنت من تسكن فيك روح العاشق الحَـنـُـون

تغار منك الإفاضة والصلاة والزكاة
ومن قبلها القـُـدَؔاسُ في هياكل عَـشْـتار واللات
تغار منك النجمة والصليب والهلال
يزورها هذا الذي إلى الرب قد أناب
ومن كان يرتاد درب الرشاد
وأنت يأتيك من كل فج معتمر وحاج
يؤمن بالله كان أو يكفرْ بيوم المَـعَـاد
وأخت له ترتدي الخمار مع النقاب
تزاحمها تلك التي باتت بملهى البُـغـَاة
تعانق القيثار والكمان

لكل هذا وذاك
يغار منك القدس والبيت المَعْـمُـور
تغار منك البحار والسواقي والعيون
متى قـَـدَم لكم وطأت شُـطـُوط
تغار منك المنايا والمُـنـُون
فمن كأسها لا محالة هي سوف تذوق
يغار منك الخال يضاجع الجـُـيُـود
فكل خال ما سواك هو توأم للبثور
تغار منك الأساور والقلائد والعقود
يغار منك الماس يـُعـَـشـِؔـقُ البُـرُود

تغار منك الحدائق تفاخر بالياسمين والزهور
تغار منك مجالس الأنس والزهد والفجور
تغار منك الزوايا والتكايا والقبور 02
تـَمَسؔـَحَ بها كل خـَطـؔـَاء وكل عَـقـُور
يغار منك الموتى كما الحضور
فكل إلى تراب يعود
إلا أنت فكل الأيام لكم شُـهُـود

خبروه ، وخبروه
بأنه لو كان بين قوم صالح وهود
لما كانت اللعنة أو مسهم من الرب سوء
خبروني ، بأنك لو كنت في فردوسنا المفقود 03
لكانت قد انجلت تلك الغيوم
وما كنا أجبرنا على الرحيل , على العبور
تلك العيون وتلك العيون
ماذا تريد وماذا تروم ؟ ؟ ؟
فأخبار الهوى والشُؔجُون
أنا ما عندي بها علوم
فكم من والد أتي يشكو هذا الفتى الأنـُوف 04
ألا نقبوه ونقبوه وعن عيون بناتي أبعدوه
فكل واحدة تقول
وجه له كما الآذان في البيت الحرام
فهذا حي على الصلاة وهذا حي على الغرام
لسان لها يقول
أشهد أن الإله ربي وأشهد أنك أنت الرسول
ألا كيف لا وكحيل العيون يردي بغير خيول

خبروني وخبروني بأنك
متى تكون من أبناء السبيل
خلال الأصيل وأيان المغيب
تتزاحم أسراب العذارى عن اليسار وعن اليمين
عيون لها تشكو أسى الفؤاد العميد
عيون لها تلتهم ذلك الوجه الوسيم
وتشتهي ريقك والعبير
وتشتهي مداعبة الكف العفيف
عيون لها تغني
طلع البدر علينا ونخشى أن يحث المسير
تتعالى من الشرفات رقصة الزهر في الأصيص
وكل تروم الوصل وتقبيلَ ذلك الجبين
لأجل هذا وذاك

أحبك حب حواري لمن مات على الصليب
أحبك حب صَـحْـبٍ لطه الأمين
أما في الفؤاد هواك ركن عقيدة ودين
وأحلى من الضفائر تـَغـْوي كما يَغْوي الرحيق
وأحلى من سبائك الذهب واللجين
ومن مقال الشاعر والحكيم
ومن كل ما خطت يداه من عقد فريد 05
مني إليك السلام في كل لحظ وحين
أمَا كل بضعي لبضعكم أخ شقيق ؟
أمَا كل الناس للناس إخوان طين ودين ؟
أمَا أنت المَـسَـرَؔة في العالمين ؟
أمَا أنت من ربنا سلام على الأديم ؟
لذا بارك الحق في وجهك الحسيب
كما بارك في غصن زيتون وتين

خبروني بأنك متى ترعى الخراف في المروج
تغدو سمانا كما ناقة مرضعة الرسول
مبارك أنت أينما كان الحُـلُـول 06
فو الــله متى تراك القلوب يعانقها الحُـبُـور
كمن نال صك غفران الذنوب
وذاك الذي كان يوم التقاضي من أصحاب النَـعُـوم
ودوما بك العم نشوانُ كمن جاءه أول مولود
أمَا أنت في النفوس راحة الصلاة يتبعها القنوط
خبروني بأنه ومن أجل تلك العيون
كل الكواعب ترتدي الخوذة والتروس
وتحمل الرماح مع النبال والسيوف
وتعلنها ضروسا كحرب البسوس
وفي الناس يَــرفعنَ صوتا جهور
هي أرواحنا نقدمها إليك مهور

خبروني بأن شهرزاد
ومنذ أن رأت وجهك ذو الجلال
سكتت عن الكلام المباح
وأن صفحة الكون والشهاب
منذ أن رآك كان بينهما الطلاق
خبروني بأن رب العباد
ومنذ أن وُلِـدتُـم نَـسَي الإنس والجان والملاك
خبروني بما كان بينك وبين صقر وباز
فكل طيور السلوى أتت راحتيك بغير كفاح

لأجل هذا وذاك
يغار منك الكحل فوق الجفون
يغار منك الوشم في زند العجوز
يغار منك رسم الحناء في كف العروس
يغار منك فستانها الذي خيط من حرير
تغار منك كؤوس الشاي والبن والنبيذ
يغار منك الفنجان في شفاه كل غـَيْـداء وريم
يغار منك الحاخام والرهبان والإمام القويم
ومن كانوا زهادا وعُـبؔـَادا بدير
يمجدون الرب يَـهْـوى والمسيح 07
تغار منك المرايا تــَـدَؔخـِـرُ في صفحها الفخيم
صور الصبايا في الثوب الأنيق
منها الظنون بأنك مثلها ومن وراء أيْـكِ الغدير
تـَتـَلـَصَصُ على كل ذات نهد وجـِيْـد

تغار منك جهنم والجحيم
متى نزلتها تاب كل من كان فيها مقيم
وعادت عليه سلاما وبردا كنار إبراهيم
تغار منك الفردوس وجنات النعيم
متى حللتها وجود لكم يعيد
أبكارها ، ديارها ، أثمارها ، أنوارها
ظلالا لوجهك الكريم
تغار منك البساتين
وكل ما يزرع الفلاح في كل أوان وحين
يغار منك الزمان مع المكان وما يحتويه
أما أنت أيقونة نتوسل بها الرحمان الرحيم
غفران كل ذنب وزيغ

شرح بعض مفردات القصيدة 01 الجزع : عدم القدرة على الصبر 02 تَكايا جمع تَكيّة وهي رباط الصُّوفية 03 الفردوس المفقود هي الأندلس 04 الأنـُوف : هو العزيز النفس 05 هنا إحالة إلى كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه 06 الحُـلُـول هذا المصطلح مقتبس من الصوفية 07 يهوى : اسم الرب في التوراة..

 

*شاعر جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “رسالة من ابن الإنسان إلى ابن الإنسان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق