ثقافة المقال

هل نحن شعب لا يضحك؟

أحميدة عياشي

عندما نقترب من الثقافة العارفة أو العالمة، لا نجد أثرا للضحك·· لا نجد أثرا لروح الدعابة والفكاهة وبالتالي يختزل التاريخ في الألم والتجهم وفي نوع ما من التراجيديا المشوهة وغير الخلاقة، يختفي المجتمع العميق وتختفي معه كل الحياة النابضة، الحياة الخلاقة للحياة ذاتها·· وهنا يبدو الشرخ بيّنا ومهولا بين حياتين، الحياة اليومية التي يمارسها المغمورون والأبطال غير المعترف بهم من قبل السلط المهيمنة، سواء كانت هذه السلط سياسية أو ثقافية أو إعلامية أو اجتماعية.. والحياة الاصطناعية المتدثرة والمقولبة والمحنطة في أطر الخطب الرسمية·· ويكشف مثل هذا التناقض، عمق الهوة التي تفصل بين حياة الحكام والمحكومين·· وعندما نتحدث عن الضحك، نتحدث أيضا عن كل ما ينتمي إلى منظومة الضحك من سخرية وهجاء ودعابة وفكاهة·· إننا لو تأملنا سلوك الحكام، لوجدناهم الأعداء الألداد لثقافة الضحك، وهذا السلوك ما جعل السياسي دائما يبدو جادا، ومتجهما وفاقدا لروح النكتة، وهذه الجدية والتجهم والفقدان لروح النكتة ظلت تشكل جوهر السياسات الفاشلة والتي بدورها انعكست على الثقافة الحاكمة من قصة ورواية ومحاولات فكرية بحيث تبدو خارج الدائرة الحية للمجتمع·· بل وانعكست على اللغة بحيث تبدو اللغة الرسمية فاقدة للحياة، وهذا لا يعني بالضرورة أنها لغة حزينة وكئيبة، لكن لغة تفتقد إلى الحياة، تفتقد إلى المرح والفرح·· لغة منفصلة عن روح التاريخ وروح الشعب الذي طالما وصفنا إحدى صفاته بالعبقرية·· إذن هل يمكن مقاربة الضحك، أو بمعنى آخر اختفاء الضحك من حياتنا الثقافية والسياسية؟! هذا ما تطلعنا إليه في هذا الملف الذي نقترحه لقراء الأثر، ولقد ساهم فيه جامعيون من مشارب شتى، حاولنا الاقتراب من الضحك فلسفيا وسوسيولوجيا حتى نعيده إلى ساحة التأمل ومحاولة الامتلاك المعرفي من جهة، ومن جهة ثانية لإعادة الحياة المفقودة للثقافة الحاكمة والانفتاح أكثر على كل ما هو طريد من مجال التأمل والتفكير··

ــ 2 ــ

توفي كاتب ياسين في نهاية أكتوبر من العام ,.1989 لكن برغم شهرة روايته ”نجمة” ظل هذا الروائي والشاعر مصدرا للسجال الايديولوجي أكثر منه سجال آخر·· الصديق الباحث سعيد بوطاجين أثار إشكالية مهمة، وهي عدم قراءة ياسين من قبل الكثيرين·· وإن كان قد قى، فعن طريق الأذن والضغينة وهذا ما يجعل صورته تتراوح ما بين الشيطنة والتقديس وفي كلتا الحالتين نكون بعيدين عن الكاتب الحقيقي· إذن كيف يمكن استعادة الكاتب الحقيقي، إلى الدائرة الحقيقية وهي دائرة التفكير؟! حاولنا في هذا العدد الأثر أن نقترب من بعض الوجوه الخفية لكاتب ياسين، والتي تتمثل في كاتب ياسين الشاعر، وكاتب ياسين الصحفي المحقق، وكاتب ياسين صاحب المواقف الإنسانية والشجاعة من خلال نص غير معروف كتبه عن الفيلسوف اللبناني حسن حمدان المدعو مهدي عامل، والذي تعرّف عليه في السبعينيات في بيروت بفضل الدعوة التي وجهها له صديقه الشاعر أدونيس···

ــ 3 ــ

وبين الضحك واستحضار كاتب ياسين في ذكرى رحيله تبقى الحاجة إلى ابتكار قراءات جديدة أكثر من ضرورة حتى تستعيد الثقافة النقدية روحها وألقها في ظل هذا السيل من الصور الجاهزة والجارفة التي تحول إلى سلطة خفية قاهرة ومعطلة للحس النقدي والذي بدونه يبقى الحديث عن الثقافة الجديدة مجرد وهم وأكذوبة كبيرين··

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق