ثقافة المقال

كاتب ياسين روائياً!

الحبيب السائح

”أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسيين إني لست فرنسيا”  كاتب ياسين•• تلك هي الصفة التي لم تلازم اسمه في تاريخ الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية• ولا تم التعامل بها معه• أو قدم بها نفسه هو شخصيا؛ تحديدا للجنس الأدبي الذي اشتهر به•

ذلك، بالرغم من أنه كتب رواية واحدة ـ ظلت أيقونة في مدونة المتن السردي الجزائري المكتوب بالفرنسية المضاد للمدرسة الكولونيالية، وكبست روايته الثانية والأخيرة (المضلع النجمي) التي صدرت في 1966؛ عشرة أعوام من بعدُ فأضحت تكاد لا تعرف• قدُر لكاتب ياسين أن لا يُعرف في الجزائر إلا بالطابع الشفهي لمسرحه – إن صح أن يكون له مسرح- نظرا إلى موروث الحكاية الشعبية (على هامش المسرح الكولونيالي وبالتضاد معه) وتأثيرها باحتفاليتها (في الأسواق والساحات) وبخطابها المبلَّغ بلغة الأم خاصة• كما إلى نقْل ذلك الطابع إلى الخشبة، في قطيعة مع المعيارية الكلاسيكية (مأساة وملهاة وميلودراما) ولكن في اقتراب من المدرسة الواقعية (البريخيتة خاصة)، مثلما هو الشأن عند كاكي وعلولة وغيرهما؛ ممن أنجزوا نصوصهم على الركح ولم ينقلوها إلى الورق• وإن كان بعض الأعمال نقل فإنه لم يخضع لمعايير الكتابة المسرحية المهيأة للنشر والقراءة•

يكاد الجزائريون، في الجزائر، لا يذكرون، إلا قليلاً منهم، أنهم قرأوا أعمال كاتب المسرحية المنشورة (في فرنسا لدى لوساي خصوصا) بقدر ما شاهدوها في المسارح وفي القاعات الجامعية والفضاءات التي كانت تهيأ في المعامل والمصانع• ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يقرأون موليير وبريخت وبيكيت وميلر وونوس والشرقاويئ••• فقد حدث في حياة كاتب ياسين ما يشبه القدرية التي سكنته فظهرت دلائلها منذ أن كتب أول مقال مطول له عن الأمير عبد القادر، إثر مجازر (8 ماي 1945) التي عجلت بانخراطه في صفوف الحركة الوطنية الراديكالية – حزب الشعب – وهو في سن السابعة عشرة، وقدمه كمحاضرة في عاصمة فرنسا ذاتها• وكان لتلك القدرية أن ترسختْ عبر مقالاته الصحفية الأخرى وفي تحقيقاته الكبرى وفي كراسات يومية لسفرياته• قدرية ستسله نهائيا كشعرة من عجين السرد لترميه في نضالية غير مسبوقة، في الجزائر، سيخوضها تزامنا:

بالفعل المسرحي الملتزم بمقولة ”الجماعية”، التي سيعمل في مسرح سيدي بلعباس على تجسيدها في أعماله؛ اقتناعا منه بمرجعيات ”التسيير الذاتي والجماعي للمؤسسة”، كما هي في التجربتين اليوغوسلافية (تيتو) والصينية (ماو)•

وبالمقالات التي سيحفر به خندقه في مواجهة السلطة القائمة منذ الاستقلال إلى وفاته (1989)•

وبالتصريحات الحادة تجاه مسألة اللغة في الجزائر والتمظهرات الدينية الطارئة على المجتمع•

وبانتصاريته لمساواة المرأة للرجل•

وهو الأمر الذي سيؤلب عليه الرأي العام المحافظ وشريحة واسعة جدا من النخبة المعربة ذات التوجه القومي والإسلاميين الذين كانوا في أوج صعودهم المتشدد• قدرية حقاً؛ لأن كاتب ياسين سيروح ضحية استثمار سياسي وأيديولوجي رهنته إليه أطياف من دعاة العودة إلى الأصول التاريخية واللغوية لتجذير الخصوصية الجزائرية من زاوية ضيقة، بعد الذي استتب للجزائر من كُلّية حضارية وتاريخية وثقافية صهرتها في النهاية حرب التحرير• وغذت أطرافٌ ومؤسسات، كانت فاعلة في احتلال الجزائر، ذلك الاستثمارَ بما يبقي على مصالحها الثقافية واللغوية قائمة في ”مستعمرتها القديمة”• بل وحاولت أن تنصب كل جهد إبداعي في لغتها متراساً دون أي تقارب مع لغة التعبير والكتابة الأخرى ـ غير الدارجة• وهو ما حرم كاتب ياسين، ابن الجزائر وعاشقها الذي عاد إلى ترابها ليرقد على صدرها، أن يحظى ـ ككاتب كبير ـ بالإجماع على قيمته الفنية ومساره النضالي ومواقفه الثابتة تجاه مبادئ المساواة وحرية الرأي والتعبير• وأن ينال مجده في بلده ومن أبناء وطنه كلهم•

وإن كان كاتب ياسين حملته بالطفرة روايةٌ واحدة إلى درجة شهرة عالية، عكس صمويل بيكيت الذي كتب رواية واحدة لاقت الفشل الذريع فحصر جهده في مسرحه العدمي الذي حاز به الشهرة العالمية، فإن شيئا ما مثل العطب في سيرورته جعله في بداية طريقه ـ ككاتب روائي ـ ينحرف إلى مَأْسَوِيَةٍ مزقته بين ذاك الروائي الذي يكون أدرك في لحظة ما من وعيه أنه لن يكونَهُ فاستسلم عنه، وبين الصحفي المحقق المستكشف، الذي لم يتعايش له مع الروائي، كما تعايش غالبا عند كثير من الكتاب الروائيين في العالم، وبين المسرحي الذي تكون تلك المعاينات الصحفية والسفريات والقناعات اليسارية الجذرية ”المتطرفة” هي بذرة الثورة التي ستسكن ضميره ليحولها على الركح إلى آراء سيناضل من أجلها تجاه الفلاحين والعمال والطلبة•

متى ستعيد الجامعة الجزائرية، معاهد اللغة العربية وآدابها خاصة، قراءة هذا الكاتب لتنتشله من شفهية قاتلة جنت عليه كإنسان وعلى عطاءاته كشاعر وروائي ومسرحي وكاتب صحفي كبير؟

*كاتب روائي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق