قراءات ودراسات

النجف في النص والرواية(1)

فاطمة آل شبير الخاقاني

قوله سبحانه وتعالى : ((ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا)) بالمعنى الارض كلها طهر ومدفن للعالمين احياء او اموات.. ولكن هناك ارض مستحب الدفن بها في جوار مقامات ومقابر أهل البيت عليه السلام، وبالخصوص النجف الاشرف كما ور. ورد مصطلح الثوية في كتب اللغة والتاريخ والجغرافية والأدب، وكذلك كتب التفسير عند تصديها لتفسير آيات قرآنية توضح المعنى المتقدم.

ففي اللغة : يرى ابن منظور أن الثوية بمعنى ثوى بمكان أي نزل فيه ، وبه سمي المنزل مثوى والمثوى هو الموضع الذي يقام فيه(1). أما الرازي:(ثوى بالمكان يثوى بالكسر ثواء وثويا أيضا بوزن مضى أي أقام به(2). والثوية ، مؤنث الثوى، وجمعها أثوايا ، والثوى هو المقيم المستقر(3). وثواء بالمد أقام، وثاو، والمثوى أي المنزل(4). وارتبطت منطقة الثوية بتاريخ مملكة الحيرة العربية قبل الإسلام، أي العراق الحالي، ارتباطا مباشرا وعلى طوال تاريخها ، وقد ذكرت بعض المصادر أن الثوية كانت سجنا للنعمان بن المنذر (5). الذي غدر به كسرى وقتله طمعا بابنته هند فحدثت معركة التوحيد ما بين الموحدين المسيحيين كون العراق كان مسيحيا موحدا وما بين المشركين المجوس عبدة النار حيث كانت فارس مجوسية ومحرم ان تتزوج بنت مؤمنة من مشرك، وجاء قول النيي(ص) تأكيدا لهذا الايمان والتوحيد بالله سبحانه وتعالى بين الجبهتين: ( وروي إن يوم ذي قار كان بعد يوم بدر بشهرين وإنهم رفعوا لرسول الله بذي قار فكان يراهم فروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام إنه قال لم يلبثوا إلى يسيرا حتى خرج رسول الله على أصحابه و قال: ادعوا الله لإخوانكم من ربيعة فقد أحاطت بهم أبناء فارس مع الهامرز ثم لم يلبث إلى يسيرا حتى خرج فقال ص: احدوا الله على ما نصر به العرب من يومكم هذا فاليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا)(1/118/ المناقب المزيزية في اخبارالنلوك الاسدية/أبو البقاء الحلي/ وايضا تأريخ اليعقوبي وغيره). انها نبؤة لهذه الارض المقدسة بالانتصار والرفعة انشاء الله

ويقال أن اتخاذ النعمان ابن المنذر سجنا له في هذه المنطقة لمعلومته لقدسيتها التي غابت عن كسرى وقد غدر به وكان غافلا عن مثل هذه المعلومات لدى الموحدين .

وقد أشارت بعض المصادر إلى أن منطقة بانقيا كانت مقبرة لليهود، ويرجع تاريخ هذه المقبرة إلى عهد إبراهيم (عليه السلام)، على أثر نزوله وشرائه لها وقال إنه يحشر من ولده من ذلك الموضع سبعون ألف شهيدا ، فاليهود تنقل موتاها إلى هذا المكان لهذا السبب)(6).

فضلا عن ذلك إلى أن منطقة الثوية كانت تضم مقبرة للنصارى الذي كانوا ينتشرون في هذه البقعة الجغرافية من منطقة النجف الاشرف المعاصرة، ويشكلون عددا غير قليل من السكان المحليين لمدينة الحيرة، وكما نعرف ان العراق وملوكه انذاك كانوا مسيحيين. من خلال ما تقدم نلحظ أن الثوية أي ما حوالي الكوفة والنجف الحالية، مقبرة قديمة يعود تاريخها إلى عصر ما قبل الإسلام وقد شكلت رقعة جغرافية واسعة في منطقة الظهر، وقد كانت مقبرة لسكان الحيرة الذين يشكلون طوائف وديانات مختلفة، حيث كانت هذه المنطقة مقدسة في نظر اليهود والمسيحيين كلا حسب منظوره واعتقاده، وقد أصبحت فيما بعد مقبرة إسلامية واسعة النطاق .

وعليه يمكن القول إن تاريخ منطقة النجف يمتد على عصور قديمة سبقت ظهور الإسلام قد لا يمكننا الجزم بفاصل البعد التاريخي لهذه المنطقة ، وذلك يعود لافتقارنا إلى كثير من المعلومات عنها لأنها لم تزل بكرا إذ لم تصل إليها بعد التنقيبات بالشكل الذي يستطاع من خلاله كشف اللثام عن الكثير من الحقائق التاريخية التي لم تزل موضع حدس وتخمين مثل خبر وادي سيناء وتكلم الله عزوجل مع موسى من هذا الموضع حسب مادل الاثر والموضع. هذا الأمر قد شكل عائقا على أمام الباحثين في إجراء دراسات كافية عن هذه المنطقة لسد الثغرات الموجودة في صفحات تاريخها، وحتى الحفريات التي جرت فقد كانت محدودة إحداها قام بها رايس سنة1932م، والاخرى قام بها المتحف العراقي سنة 1950م(7).

وكان آخرها ما قامت به البعثة الآثارية اليابانية سنة 1972م في عين شيا وكهوف الدكاكين الواقعين على بعد 14 كم غرب مدينة النجف الأشرف وعلى امتداد المرتفع الصخري(18). وقد استظهر اليابانيون عددا من الابنية الدينية بدلالة الرسوم والصلبان على الكسائر الجصي اضافة الى عدد من القلاسيات الرهبان المتعبدين(9).

وكلها تعود إلى عصور سبقت ظهور الإسلام، وقد خرجت هذه البعثة بمعلومات قيمة ومهمة وأكدت على وجود عدد من المواقع الأثرية في هذه المنطقة ، أضف إلى ذلك أنها كشفت النقاب على أن هذه المنطقة كانت مقاما لقدوم مجاميع بشرية عاشت فيها أثناء طريقهم من الغرب إلى الشرق وبالعكس في الفترة المحصورة بين القرن الثالث والسابع بعد الميلاد(10). ولو استمر عمل هذه البعثة لكشفت لنا عن معلومات وحقائق تاريخية مهمة.وهذا ما نأمله في العهد الجديد من المسؤلين والمنظمات المختصة ومؤسسات الاثار .

تعود عادة الدفن في مدينة النجف الأشرف إلى العصر الراشدي (11-40هـ)، وقبيل أن تتشرف أرض الغري بجسد أمير المؤمنين عليه السلام. فقد أعتاد الكوفيون الدفن في منطقة الثوية، كما أعتاد الحيريون من قبل الدفن في بانقيا ، وقد احتضنت أرض النجف أجساد الأنبياء والصالحين والصحابة والتابعين، فقد كانت منطقة ظهر الكوفة مدفنا لهؤلاء، ومن ثم انحصر الدفن في جوار أمير المؤمنين عليه السلا، وتحولت الأرض إلى مدفن واسع دعي بوادي السلام، وقد أشارت المصادر إلى مدفن اليماني في النجف في عهد خلافة أمير المؤمنين في الكوفة( (36-4هـ، ومدفن الصحابي الجليل خباب بن الارت رحمه الله ، وقد صلى على جنازته أمير المؤمنين عليه السلام، ووقف على قبره وقال : (رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا ، وابتلى في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا(11).

ووقف الشعبي المتوفى عام 104هـ ، بظاهر الكوفة ، فالتفت إلى مقبرة وقال :(وهذه كفات الأموات)(12). وقد أراد قوله سبحانه و تعالى : ((ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا))(13).

وبعد استشهاد الإمام على عليه السلام عام 40هـ ، أخذ الناس يزورون قبره الشريف خفية ويدفنون موتاهم حوله ، ومن ثم أخذت مقبرة وادي السلام في البروز، وأخذت مقبرة الثوية أو الجبانة بالاختفاء ، وبعد سقوط الدولة الأموية عام 132هـ ، أخذت العمارة تتوالى على القبر الشريف لأاهمية ما ورد من نصوص في الروايات ونصوص القرآن عنها وعن أهمية العراق عموما ، فأصبحت عند ذلك النجف الاشرف دار سكن ومأوى ، ودار دفن وجوار ، وقد أحب الناس هذه المجاورة أحياء وأمواتا ، وأخذت الجنائز تنقل إلى أرض النجف الأشرف من أرجاء المعمورة ، حتى أصبح نقل الموتى تقليدا شائعا(14). فضلا عن توافد الاعلام والعلماء اليها لاهميتها الدينية والروائية وما قيل بحقها. وقد كان للناس رغبة في الحصول على شفاعة الإمام علي عليه السلام، عند الله تبارك وتعالى لتخفيف ذنوبهم(15).

و حاول الوالي الحجاج بن يوسف الثقفي تنفيذ فكرة منع دفن المسلمين فيها والتشكيم بوجود قبر الامام علي عليه السلام، فأقدم على نبش ثلاثة آلاف قبر في النجف طلبا لجسد أمير المؤمنين عليه السلام(16). ومن المحتمل أنه نبش قبور الثوية الواقعة في ظهر الكوفة والتي كانت تضم قبور الصحابة والتابعين وأهالي المدينة ، لأن النجف وهي لا تبعد عن الثوية بأكثر من كيلو متر واحد لم تكن مبنية في هذه الفترة ، ولم يكن قبر الإمام علي عليه السلام بارزا إلى الوجود ، وإنما ظل القبر سرا مكتوما لا يعلم به إلا أولاد الإمام عليه السلام، والخواص من الصحابة والتابعين ، وبقي على هذا الحال منذ سنة 40هـ ، حتى أنقضى عهد الدولة الأموية ، وجاءت الدولة العباسية عام 132هـ فظهر السر المكتوم ، وذهب ما كان يحذر منه ومن أعدائهم فدلوا عليه وجعلوا يترددون إليه ويتعاهدونه ليلا ونهارا زرافات ووحدانا ، ولم يكن حينذاك إلا أكمة ماثلة أو ربوة قائمة(17).

حتى بناه هارون الرشيد كاول بناء لافت للنظر .

وبدأ الدفن حولها، وما زالت مقابر السلاطين والقادة والأمراء قريبة من المرقد الشريف، وتضم أواوين الصحن وسراديبه مقابر كثيرة وسراديب مملوءة بعظام الموتى، وقد حدد المستشرق الألماني آدم متز، القرن الرابع الهجري بأنه بداية الدفن العلني في النجف بقوله : ظهرت.. عادة لا تزال باقية إلى اليوم وهي حمل موتاهم إلى النجف وكربلاء(18).

ولكن الدلائل والنصوص تشير إلى أن الدفن في النجف يعود إلى أسبق من هذه الفترة، ولدينا نص عن الإمام الصادق عليه السلام  المتوفى عام 148هـ ، يؤكد فيه على فضيلة الدفن في أرض النجف ، فقد سأل مروان بن مسلم ، الإمام الصادق عليه السلام : (أن أخي ببغداد وأخاف أن يموت فيها ، فقال: ما تبالي ما مات أما أنه لا يبقى أحد في شرق الأرض ولا في غربها إلا حشر الله روحه في وادي السلام قال: قلت جعلت فداك، وأين وادي السلام ؟ قال ظهر الكوفة، أما أني كأني بهم حلق قعود يتحدثون(19).

وقد أكدت الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام،على فضيلة أرض النجف والدفن في تربتها وأنها وادي السلام الذي تحشر فيه الأرواح. وقد وقف الإمام علي عليه السلام، ذات يوم في ظهر الكوفة ، وقد خاطب حبة العرني: (لو كشفت لك لرايتهم حلقا حلقا مختبئين يتحادثون.. فقال حبة العرني : أجسام أم أرواح ، فأجابه الإمام عليه السلام : أرواح وما مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه ألحقي بوادي السلام ، وأنها بقعة من جنة عدن.. فقيل له : وأين وداي السلام؟ قال : ظهر الكوفة ، وقال عليه السلام، للأصبغ بن نباته : لو كشف لكم لألفيتم أرواح المؤمنين في هذه حلقا حلقا يتزاورون ويتحدثون في هذا الظهر)(20).

وفي حديث للإمام علي عليه السلام ، وهو يخاطب أرض الكوفة بقوله: (ما أحسن منظرك ، وأطيب قعرك، اللهم أجعله قبري). ومن خواص تربته إسقاط عذاب القبر وترك محاسبة منكر ونكير هناك ، وكان عليه أفضل الصلاة والسلام إذا أتى أرض النجف يقول : (وادي السلام مجتمع أرواح المؤمنين ، ونعم المضجع للمؤمن من هذا المكان.. وأشار إلى موضع قبره الشريف بقوله : اللهم قبري بها)(21).

وورد لفظ براثا كناية عن الأرض السهلة ودلالة على القس براثا الذي كان يملك الكنيسة في بغداد والاة هي مسجد ببغداد الكاظمية ، والمقصود بالحديث بغداد استكمالا لاهمية العراق في النصوص والروايات ، يقول الإمام الصادق عليه السلام : (أن إلى جانبكم مقبرة يقال لها براثا يحشر فيها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر)(22).

وإن الكثير من أبناء الامة بمختلف المدارس وكما في العراق وخارجه يوصون بدفنهم في مدينة النجف الأشرف لما ورد فيها من أحاديث عن آل البيت عليهم السلام، سواء في المبيت فيها أو الدراسة أو في الدفن بأرضها ، كقول الإمام الصادق عليه السلام: (أن الغري قطعة من طور سيناء ، وأنها بقعة من جنة عدن وإن ميمنة الكوفة روضة من رياض الجنة ، وإن النوم عند علي عبادة)(23). والمفصود بالمبيت السكن والحياة عموما ولو يوم ولو ليلة . وقد شجعت مثل هذه الأحاديث على المجاورة والدفن ، وأصبحت النجف مدينة عامرة كبيرة ، ةقد بارك الله بها ماء وغذاء وخيرا في اشد الضروف الحالكة ، في الوقت الذي وأصبحت مقبرتها أعظم مقبرة في العالم كله (24). وقيل: (أنها تأتي بعد مقبرة الفاتيكان من حيث المساحة(25). وقد قدرها وليم بيوز عام 1745م بأنها أكبر من مساحة المدينة نفسها(26). وإذا أخذت المقبرة طابع الهندسة والتنسيق والتنظيم ، لامتدت إلى مسافة طويلة ولشغلت مساحة أضعاف المساحة الحالية ، وقد اكتسبت المقبرة مكانة دينية عند الناس ففيها مقابر الأولياء والصالحين والعباد والناسكين ومقامات الأئمة سلام الله عليهم ، ويقول المستشرق الفرنسي ماسنيون : أصبحت مقبرة وادي السلام مقدسة في نظر الناس(27).

ويقول الأستاذ إسحاق نقاش: (وأصبحت مقابر النجف تعتبر أكثر قدسية عند المؤمنين ..الأتقياء)(28). ويقول أدور ينابلييه : (وإن أمنية.. هي أن تدفن جثته بعد موته في الأرض المقدسة بجوار مراقد الأئمة عليهم السلام، في مشهد أو الأفضل في النجف أو كربلاء بالعراق وتوجد قوافل مختصة بنقل جثث الموتى إلى تلك النواحي(29). وكتب القنصل البريطاني في كرمنشاه عام 1904م يقول : يدفع عن الجنائز التي تصل من الخارج رسوم قدرها 50 بيزة. وإن الجنائز العثمانية فلا يدفع عنها المكتب الصحي سوى  بيزة ،كما أن السلطات المحلية في كربلاء والنجف والكاظمية تتقاضى من ناحيتها حق الدفن الذي تتراوح قيمته حسب درجة قدسية المكان الذي يتم اختياره خمسة آلاف بيزة للجثة التي تدفن في الحرم المقدس في كربلاء والنجف(30). ولكن لم نعثر على رقم محدد لعدد الجنائز التي تدفن في النجف على مدى اليوم أو الشهر أو السنة ، فقد أشارت إحصائيات إدارة الصحة التركية العامة لسنة 1912-1913م إلى عدد المدفونين في النجف ،ومن خارجها (7558 جثة) ، وفي عام 1914م إلى حصل أحد اليهود البغداديين على امتياز من دائرة الأوقاف بعد دفعه رسما مقداره 13 ألف ليرة عثمانية ذهبية ليقوم بنقل الموتى إلى مدينة النجف الأشرف ولمدة ثلاث سنوات(31). وقد أشارت الكاتبة البريطانية (المس بيل) إلى أنه في شتاء عام 1919م-1920م سمح بنقل الجثث الطرية من بغداد لتدفن في النجف(32). ويحتضن وادي السلام في مدينة النجف الأشرف مساحة كبيرة من الأرض تشمل المنطقة الشمالية الشرقية منها ، فتبرز مدينة النجف وكأنها مطلة على مخيم فيه القباب والمصاطب والحفائر والدكاك ، تلك هي الجبانة التي ترفرف في سمائها أجيال وأجيال من أرواح البشر(33). وقد وصف الرحالة المصري محمد ثابت هذا المشهد بقوله : (المقابر تمتد إلى الآفاق من قباب فاخرة إلى أضرحة بسيطة لإيواء آلاف الجثث التي كنت أراها تنقل على السيارات أو على الأكتاف من الآفاق الإسلامية وبخاصة العراق وفارس) (34). ويقول الدكتور زكي مبارك : (ثم عبرت إلى النجف وادي السلام ، وهو مقابر طوال عراض عرفت ملايين الناس من سائر الأجناس)(35).

وقامت مجلة المصورالمصرية، باستطلاع عام 1958م لمدينة النجف الأشرف وأشارت إلى مقبرة وادي السلام بقولها :(وعندما تدخل النجف قادما من بغداد تطالعك آلاف المقابر بصورة تذكرك على الفور بقول أبي أبي العلاء المعري المشهور:صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فـأيـن القبور مـن عـهـد عــاد ، ولما تستوضح السر تعلم أن كثيرا من أهل العراق ، ومن أهالي العالم الإسلامي يوصون بدفن موتاهم في النجف(36).

وقد استشهد الأستاذ محمد مهدي الجواهري بأبي العلاء المعري أيضا عند ذكره لمقبرة النجف فيقول :وفي أديم النجف اختلطت أجداث آلاف ، ولربما ملايين الناس من عصور عديدة ، وليس في غيرها مما في العالم كله ، تتمثل حكمة المعري العظيم(37). رب لحد صار لحدا مرارا ضاحكا من تزاحم الأضداد وقد تمنى الكثير من المسلمين الحصول على كمية من تراب النجف في حالة عدم تمكنهم بالوصول إليها ، فيذكر الأستاذ جعفر الخياط : ( إذا تعذر نقل الميت الى النجف لبعد المسافة يؤتى كمية من تراب النجف لوضع في قبر الميت ، فقط طلبت باهوبكم ، زوجة شجاع الدولة بجلب قليل من تراب النجف وكربلاء ليفرش في قبرها حينما تدفن فيه)(38).

أن وادي السلام يحتضن طرفي المشراق والعمارة ، ويأخذ خطا موازيا لطريق النجف الكوفة ، وطريق النجف كربلاء ، وهذا الوادي على سعته هو جزء من المقبرة التي كانت تجاور الصحن الشريف ، لأن الناس كانوا يدفنون موتاهم بأقرب منطقة من الصحن والمرقد الشريف ، وكلما تأخذ مدينة النجف بالتوسع عبر أسوارها ، تكتسح المقابر وتشيد مكانها البيوت والأسواق والمؤسسات الأخرى وعند بناء السور الأخير لمدينة النجف الأشرف في القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي استقر وضع وادي السلام في موقعه الحالي ومن ثم بناء المقبرة الجديدة، التي أخذت إمتدادا طوليا موازيا لخط النجف كربلاء ، وكانت الخارطة التي وضعها نيبور عام 1765 م ، وقد شملت السور ما قبل الأخير لمدينة النجف ، وهو السور الرابع وحدوده باب السيف، من جهة السوق الكبير ، وقد وقفنا مؤخرا على عدد كبير من المقابر في هذه المنطقة بعد حدود السور ، هذا يعني ان المنطقة الممتدة من باب السيف، الى الميدان كانت مملوءة بالمقابر في الوقت الذي وصل نيبور، الى مدينة النجف الاشرف ، وقد اكتسحت عند بناء السور الأخير الذي بقاياه اليوم في شارع السدير ، وخلف خان الشيلان ، ولا شك ان توسع المدينة يستدعي إزالة قسم من المقابر ، وإلا تكون مانعا من الإمتداد والسكن(39). وفي عام 1940 بوشر بوضع السور لمقبرة وادي السلام ليعزلها عن المدينة لكي لا تزحف المؤسسات السكنية والخدمية والتجارية ونحوها (40). وفي عام 1942م، وجه متصرف لواء كربلاء عناية لإكمال تسوير المقبرة وتشجيرها (41). ومنذ هذا التأريخ أصبح الجانب الشرقي من مدينة النجف الأشرف مسلكا واضحا للدخول إلى المدينة ، وبخاصة بعد إزالة السور الأخير الذي كان يحتضنها ، وأصبح الشارع الرئيس وهو شارع الإمام علي عليه السلام ، المؤدي إلى مدينة الكوفة من جهته اليسرى حدود  وادي السلام ، ومن جهته اليمنى قد خصصت للسكن والمؤسسات التجارية والحكومية ، وأخذ وادي السلام يطوق النجف من الجهة الشمالية وبخاصة من طرفي المشراق والعمارة وعلى إمتداد هذي الطرفين أخذت المقبرة بالتوسع حتى تخطيط المقبرة الجديدة التي تتميز بإنعزالها عن مناطق السكن والأحياء الجديدة ، وبنيت هناك مكاتب للدفن ومغتسل النجف الخيري، وفي عام 1991 خصصت الحكومة بقعة جديدة للدفن ، تبعد عن مدينة النجف بأكثر من عشرين كيلومترا ، وهي تقابل الخط المؤدي إلى مدينة الكفل ، والمتفرع من خط النجف كربلاء، وقد جاء هذا التخطيط بعد الحوادث التي وقعت ضد السلطة في النجف وإستخدام الثوار ( وادي السلام ) مواضع لحركتهم ، مما جعل الحكومة تصدر أمرا بمنع الدفن في الوادي، فأضطر الناس على دفن الموتى في مقبرة كميل بن زياد النخعي، أو حول مقبرة السيد حمزة في الجريوية، او حول مرقد ميثم التمار، أو قرب مسجد السهلة وقد توقف الدفن في هذه الأماكن عند سماح الحكومة بالدفن في المقبرة التي تقابل مفرق الكفل والمتفرع من خط النجف كربلاء، ولكن بعد استتباب الوضع وعودة الأحوال إلى وضعها الطبيعي، عاد الدفن في وادي السلام ونقلت الكثير من الجنائز التي دفنت في مواضع أخرى إلى الوادي لتستقر فيه إلى الأبد، ولشهداء الخرب العراقية الايرانية مفبرة المتوسطة في وادي السلام .

الغريب الملفت للنظر ان هذا التوسع بالمقبرة شكل شعورا اعجازيا من انها لن تشكل عائقا وتوسعا غير مرغوب به للمتطقة وكأنه لم يتوسع حجما ، وهو شعور المؤمنين ليغتبرونه نوعا من الاعجاز الرباني لهذه المدينة المباركة ، ومصداقا لما ورد عنها في الروايات والنصوص.


1لسان العرب، 14/125.

2مختار الصحاح، ص90.

3مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط، 1/103.

4الفيومي، المصباح المنير، ص47.

5الحموي ، معجم البلدان ، 2/87.

6البكري، معجم ما استعجم، 1/223.

7العلي معالم العراق العمرانية، ص10.

8فوجي، تقرير الموسم الأول لعمل البعثة اليابانية ص33.

9كسار ، أكرم عبد، منطقة الحيرة في ضوء التنقيبات الأثرية، بحث القي في المؤتمر الأول لجامعة الكوفة 1992، ص2.

10فوجي ، تقرير الموسم الأول لعمل البعثة اليابانية، ص34.

11الخوانساري: روضات الجنات 4/184.

12ابن الأثير : النهاية 4/184.

13المرسلات : الآية 25,26.

14محيي الدين : أدب المرتضى ص77.

15فياض : تاريخ التربية عند الأمامية ص70.

16سعاد ماهر : مشهد الإمام علي في النجف ص121، يقلا عن منتخب التواريخ ص291.

17سعاد ماهر : مشهد الإمام علي في النجف ص121.

18آدم متز : الحضارة الإسلامية 2/229.

19الطوسي : التهذيب 1/466.

20المجلسي : البحار 100/233، المزار ص80.

21الديلمي : أرشاد القلوب 1/255، 2/439، بحر العلوم : تحفة العالم : 1/255، آل ياسين: (فضل الكوفة وفضل أهلها) مجلة البلاغ، العدد الثالث ص40، السنة الثالثة 1399هـ/1979م.

22ابن قولويه : كامل الزيارات ص330، المجلسي : المزار ص330.

23الطريحي : مجمع البحرين 6/88، محبوبة ماضي النجف وحاضرها 1/12،16.

24 الوردي : دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص251، لمحات اجتماعية 1/20.

25الشريفي : (شيء من النجف) مجلة العرفان ، الجزء الثامن ، المجلد (35) ص115، لسنة 1367هـ/1948م.

26علي هادي المسعودي : خطط مدينة النجف (بحث غير منشور) ص8.

27ماسنيون : خطط الكوفة ص33.

28إسحاق نقاش : شيعة العراق ص261.

29أدور ينابلييه: إيران مستودع البارود ص41.

30رباب الحسيني : (مدينة النجف في كتابات المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين) من كتاب (النجف الأشرف اسهامات في الحضارة الإنسانية) 1/274.

31النفيسي: دور الشيعة ص77-ص78.

32المس بيل : فصول من تاريخ العراق القريب ص3433الشرقي : الأحلام ص39.

34محمد ثابت: جولة في ربوع الشرق الأدنى ص105.

35زكي مبارك : ليلى المريضة 2/26.

36مجلة المصور : كتاب (جمهرية العراق) ص80.

37الجواهري : ذكرياتي 1/35.

38 الخياط ( النجف في المراجع ) موسوعة العتبات المقدسة / قسم النجف 1 / 215 .

39 الأشعب : ( مفهوم انطقة الحواف ) ، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية ص 96

40 المظفر : مدينة النجف الكبرى ص 71 .

41 مجلة الغري ، العد ( 93 ) ، السنة الثامنة 1361 هـ / 1942 م .

……………………………………………..


*(على هامش النجغ الاشرف عاصمة الثقافة الاسلامية)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق