ثقافة السرد

قناص .

خيرية فتحي عبد الجليل*

ثمة بناء يربض على أطراف المدينة الحزينة ، يطل على محيط ساحة كبيرة مكتظة بالبيوت الشعبية الكئيبة ، البراح أمامه مفروشاً بالحصى والأعشاب ، زوايا جدرانه تتخللها بعض الطحالب الخضراء ، البناء يرمق الأفق البعيد بنوافذه الكثيرة يبحث عن قمر خجول أو غيمة ماطرة أو سحابة عاشقة تتجول في كبد السماء كأنه يستجدي جيوب السماء طامعاً في جر السحاب المتناثر إليه ، تحته تناثرت الأشجار بشكل عشوائي و تفرقت أعمدة للنور تحمل مظلاتها ، نافذة من نوافذ طابقه الأول تطلق زفرات طويلة متقطعة أناء الليل وأطراف النهار تقيم عرساً لأغاني الزمن الجميل الشريط يدور والأغنية لا تنتهي ، نافذة الطابق الثاني المطلة على الشارع الخلفي نصف مكسورة موضوع على شرفتها أصيص به زهور ذابلة ، من نافذة أحد المطابخ ترن ضحكة مكتومة تملأ بعذوبتها المكان ، ستائر نافذته التي تتصدر الطابق الأخير يصعب التنبؤ بلونها الأصلي بعد أن لوحتها الشمس وتآكلت أطرافها ، على شرفتها قفص خال من العصافير وإبريق ماء ، أحدى النوافذ تمد أغصان نباتاتها فوق صدر المساء ولا تغلق حدوداً للحلم أثناء الليل ، نصف نوافذ بقية الطوابق مفتوحة ، عينان تلمعان من خلف الزجاج تنعمان بسماع نبضة وهاتف عاشق يرن على الصامت واللهفة ترد على المكالمة الليلية ، في الأخرى قامة تصلي الفجر وبسملة خاشعة ، في أحداها طفل رضيع نائم في سلام وكف موشومة تهدهده ، في أحدى النوافذ بكاء ورسالة حب ممزقة على الطاولة ، في أحدى النوافذ الخلفية ضوء نافذ من ستارة حمراء ومرايا تملأ الجدار تباغت الأشياء تتسلى بأسر المشاهد ، كرسي مكسور وسرير ، في أحدى شقق الطابق الثالث كتب كثيرة و قلم تعلو سنه الصدأ ومحبرة جافة والورقة البيضاء التي يعلو جبينها اصفرار تآكلت أطرافها من فرط الانتظار ، في الطابق الأرضي غرفة فارغة وغبار ، مدخل البناء يفضي إلى باحة كبيرة ودرب مرصوف بالحصى و بالقطران ، في الخارج ضباب ومطر خفيف ووابلاً من الرصاص مع الريح تائهاً ، فوق سطحه المكتظ بالعفن وبالرطوبة يختبئ قناص .
ذات ليلة تثاءبت فيها شقق بناء المدينة طويلاً ، ارتعشت أطرافها إثر عاصفة شديدة هبت برعونة ، أطلقت أحد نوافذه صرخة عالية وأنغلق أحد أبوابه الكثيرة بشدة محدثاً دوياً هائلاً مخيفاً ، تحولت كل طوابقه إلى عيون هلعة تراقب زحف الآلة الحربية المدرعة المتقدمة إليه ، تريد التهامه بشراهة ، جعجع صدر المكان بضجيج المدرعة ، علت ضحكة كانت مكتومة من طابقٍ ما ، كل طوابقه كانت تستغيث بصوت فاجع ، اهتزتْ الأرض تحته بشدة ، تشقق سقفه وزال طلاء جدرانه وزواياه ، شحب لون العشب الأخضر المفروش أمامه ، تقافزت الحصى الصغيرة وتناثرت ، اختنقت الأنفاس بغصة ، اختلطت أحاسيس الغضب وامتزجت بأحاسيس القهر وقلة الحيلة .
في الصباح كان البناء الرابض على أطراف المدينة الحزينة ساجداً كأنقاضٍ ممسوحة خلطت بتراب الأرض المفروشة بأشلاء القتلى المتناثرة وبالذكريات ، ساعتها كانت رياح الخريف العاصفة تعبث بكل شيء .

كاتبة أديبة من ليبيا*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق