ثقافة السرد

الثمن الغالي

بقلم: الأخضر بن هدوقه

جميلة تلك الفتاة الطيبة، والأجمل فيها تلك الأخلاق المثالية الفاضلة، فتاة في أوج شبابها ذات حاجبين مقوسين سوداوين، وشعرها الأشقر يتدلى على كتفيها بدون مانع، لم نفكر مرة أنها مقصرة في واجبها، بل بالعكس إنَها محور أعمالنا، في كل صباح لا تراها متجهة إلى المزرعة إلا وفي يدها صرة بها كسرة وقليل من البصل والزيتون وعلى كتفها قربة الماء، وما إن تصل حتى ترتب كل شيء تحت شجرة البلوط، وتمضي كالنحلة المجتهدة تراقب ما انجزناه طيلة الصبيحة، تتنقل بين أحواض المزرعة تتفقد مياهها بكبرياء كل صغيرة وكبيرة، تارة تقلع الأشواك الضارة بين المغروسات، وطورًا تتفقد مياه البحيرة المتدفقة في الساقية، وإن لاحظت شيئا على غير طبيعته صاحت في تذمر: ليس العمل هكذا يا جماعة، ما هذا؟ ثم تمضي وتغيب بين همسة الطيور والفراشات تذر وراءها أثرا لن يزول .
واحدة من بين الأسماء الفذة، فقيرة الحال تعيل أسرة كثيرة العدد، جلهم مسنون منهم الأب الذي أتعبته خدمة الأرض، ومنهم الأم والخالة و العمة و الجدان، وبعض الأيتام رمى بهم الزمن المغفل إلى كوخ حقير لذا فهي مجبرة لأن تشتغل، وتعطي مردودا أكثر و إلا سقط الكل بين أنياب الجوع، وحتى لا تسخر منها جارتها الموجودة ما وراء البحر ضاعفت جهدها، لكن لم يكن هذا فقط يقلقها، بل كانت منشغلة بفكرة الزواج، إنها مقلمة ، معظم جاراتها الأخريات متزوجات، لقد تزوجت من قبل فعاشت أياما سعيدة، ولكن الدنيا كلحت في وجهها في الأخير، بعد أن قفص بعلها، هي ليست أرملة إنها قالصة عمرها بدون شك سيكون طويلا ، قد تكون هي آخر من تبقى في هذا الكون ، لذا يجب أن تدفع عن نفسها هذا الشر ، لابد من رجل آخر يتعهدها و يسهر على راحتها.. الأب انتهى دوره لم يعد قادرا على إسعادها أكثر، الجد في آخر رحلته المكوكية يعد سويعاته الأخيرة في هذا العالم المضطرب ، لكن من يتقدم لخطبتها ؟ كل من تقدم لطلب يدها إلا و اعترضه حاجزا يجعله يقوم بتدبير إعالة عائلتها و يتحمل شتى أنواع المصاريف ، عندها يغيب فارس أحلامها و تصطدم بخط مشؤوم ، و يعود الواقع هو الواقع ، مواصلة العمل هو أهم شيء لمدها بنفس جديد ، أما الشيء الآخر فسيجيب عنه المستقبل .
توالت الأيام و الشهور تتلفق و في تلفقها تزداد مطالب العائلة المسنة أكثر ، و مشاكل أكثر تغرق الفتاةسعيدة إلى أذنيها ، الحمل صار أثقل ، لم تستطع أن تواجه تكالب الأمواج و شدة الإعصار المدمر ، الكوخ يجب أن يأخذ قسطه من النظافة و الترميم ، الأفراد يجب أن يشبعوا بطونهم لقد تغير العصر ، الأمور تطورت ، لذا يجب على كل شيء أن يساير الموضة الجديدة اضطربت المسكينة و مضت دون أن تلتفت وراءها لتستفسر قرص الشمس المازن المشغول بنفسه : كم تشير الساعة ؟ كم تشير الساعة ؟ الوقت قاطعها حبط الشيء الكثير منها ، لا يمكن أن تذره إلى الغد جابهت الأشباح و مضت تبحث عن وسيلة لتستعين بها كي تكمل عملا ما ، لكن العين بصيرة و اليد قصيرة اختلطت عليها المشاكل و الهموم ، ماذا يمكنها أن تفعل ؟ لم يبق لها شيء ، نفسها العزيزة أهملتها ، حتى أناقتها بدت في شكل فوضوي ، و جهها القمري الساحر أصبح كجريدة النخلة المسنة صمتت و رست قطرات دموعها في قلبها ، لمن تشتكي ؟ لمن تقرأ عذابها ؟ الناس في هذا العصر مجرد أشكال خياليين بدون روح ، و بدون دم ، القضية قضية قفص أو حياة ، الدموع لا تنفع ، أسرعت على الطريق المعتم بشظايا الزجاج و الكابة تحملها بين أحضانها في الحقل و بينما هي منهمكة في عملها الدؤوب ، سألني أحد الرفاق المخلصين قائلا :
– حال الفتاة هذه الأيام يريبني
– فعلا
– ألا يحق لنا أن نستفسرها ؟
– بلى …. هذا جميل
طبعا كان كل واحد يشعر بألمها ، إنها أختنا ، إنها أمنا ، إنها زميلتنا ، لا نعرف غيرها ، حنونة طيبة ، لذلك سرقت قلوبنا دون أن نشعر ، هذا طبيعي فالذي تأكل (( ملحه )) يجب أن تخلص له لأجل ذلك يجب أن نراها دوما محور يحمل همومنا و أتعابنا و أفراحنا تقدمت منها خطوات خفيفة دون أن أزعجها و سرقتها بسؤال رقيق : ما بك يا أختاه ؟
صمتت لحظة ، و نبرت رأسها ، تتأملنا بعينيها البريئتين ، الجواب على مثل هذا السؤال صعب ، لذلك فهي لا تريد أن تزيد في إحراجنا إثرها قالت :
– ماذا عساني أن أقول ؟ و إذا قلت لكم الحقيقة ، فلا تستطيعوا أن تفعلوا شيئا .
مرت المركبة الشراعية ، الهموم تضاعفت يوما بعد يوم ، و بينما هي في الحقل كعادتها مع حركاتها الظريفة فجأة قرعت أذنيها كلمات هادئة متخت رأسها تكاتع همسات هذا الصوت الملكوت ، التفتت خلفها لتقبض عليه ، عندها اصطدمت نظراتها بشاب منتصب أمامها ، قامته الشامخة تحجز مساحة كبيرة من الفضاء ، و عيناه الواسعتين ينبعث منهما شرر متوهج ، إنها لا تعرفه من أتى به ؟ المهم بادرته قائلة : من أنت ؟
– سعيد بن عبد القادر
– أين تسكن ؟
– أنا جاركم
– ماذا تريد ؟
– جئتك في أمر هام
– ما هو؟
طلب صعب ، ، و لكن ، ،
– تكلم ، ، أنا أسمع
– بسيط تقولها دون حرج !
– أنا لم أقل عيبا
– أسكت بالله عليك ، أرأيت امرأة تزوج نفسها بنفسها ؟ ما هذا الكلام يا أخي ؟
– ولكن !
– أرجوك أن تصمت
– يعني أنك رافضة
لا .. لا .. الكلمة الأخيرة لأبي
انتابتها حيرة جارفة ، رحلت مع نفسها إلى عالم مشحون بالمتناقضات ، ماذا ؟!.. ماذا حدث ؟! هل أنا في حلم ، أم في
حقيقة ؟؟ !.. ليس هذا و هما ، و لكن لماذا قصدني أنا بالذات ؟ هناك بنات كثيرات في حينا ، و مع ذلك كيف عرف
اسمي ؟! .. بدون شك إنه يعرفني ، و رغم ذلك ما يهمني أكثر هو : هل أتزوجه ، أم أرفضه ؟ و إذا تزوجته هل تحل مشاكلي ؟ ماذا أفعل ؟ اجبني أيها الرأس الخشن ،
فقدت جميع المفاتيح ، الفرصة تأتي مرة واحدة في العمر ، هكذا يقولون ، الطريق نهايته مجهولة ، و القدر لا تعرف بماذا سيجيبها ، و تبقى فكرة الزواج هي العقدة ، العقدة التي تلازمها في كل مكان .
انطلقت في رحلتها المعقدة هائمة بدون هوية ، تكابد القلق و الأسى ، الرفاق القليلون لم يتأخروا مرة عنها ، و لكن ماذا بوسعهم أن يفعلوا ؟ ليس بإمكانهم أن يوقفوا عجلة الكون الهارب المقمطر ، القضية قضية الجميع ، فسعيدة لا تهمها حياتها بقدر ما تهمها سعادة الآخرين ، و رغم ذلك فهم لا يعيرونها أي اهتمام .
أصبحت جرداء عارية ، تتذكر أيام عزتها ، كيف كانت تختال بين أنامل الحاصدين ، فتبكي ، و تبكي ، و تئن تحت أثقال
و طأه الحياة ، أين الرجال يا دنيا ؟! أين رحلوا لا .. لا يحدث هذا واستفاقت و عادت إلى واقعها ، كان الوقت مساء ، دخلت إلى الكوخ ، و في مخيلاتها بقايا من الصور الفارة تقدمت ، الأب ممدد على الحصير ، جلست بجانبه ، و سافرت في حنانه تداعب لحيته البيضاء كالثلج فشعر بتيار دافئ يجري في جسده إثرها اعتد0ل في جلسته ثم خاطبها :
– ماذا حدث لك يا بنتي ؟!
– لا شيء .. لا تشغل بالك بي
– أنا هنا .. لا تخافي
– أعرفك أب شهم
ثم مد يديه ووضع رأسها في حضنه و مضى في كلامه قائلا :
– كنت أريد التحدث معك في أمر هام ..
– ما هو ؟
لقد كبرت .. لذا يجب عليك أن تفكري في مستقبلك
– آه ،، نعم ،، لقد فهمت
– هل اتصل بك ؟
– بالطبع
– ما رأيك ؟
– حسن ، يعني أنك موافقة
طأطأت رأسها ، و لزمت الصمت ، لم تستطع أن تخالف الأب ، حتى لو خالفته ، فلن تجد حلا لمشكلتها ، ما دام الواقع هو الواقع ، لذا فهي مسيرة لا حرية لها ذلك أن هذا الزوج لا تعرف عنه شيئا ، و مع هذا تقدمت إلى المغامرة ، يمكن أن تنجح و تحل عقدتها ، و قد تفشل أثرها فيكون الثمن غاليا و بينما هي مستعدة للذهاب إلى فراشها ، بادرها الأب قائلا :
لقد اتفقنا ،، قراءة الفاتحة ، و العرس في ليلة واحدة
– فليكن كذلك يا ابنتي
استعدت الفتاة سعيدة لعرسها ، جمعت كل ما يليق بالعروسة ليلة زفافها ، قطع الحرير خيطتها فساتين عند أمهر الخياطات ، تسلفت بعض الأساور و الخلاخل من صديقاتها ، يجب أن تظهر أنيقة جميلة أكثر ، أمها قبل قليل ذهبت تستدعي المدعوات ، من أخوال ، و أعمام ، و بعض الصديقات في مثل سنها ، المساء أوشك أن يتلفق بها و أمور كثيرة مازالت لم تكتمل بعد ، بدون شك موكب العريس في طريقه إلى البيت المتواضع .
نظفت غرف البيت ، وجاءت بالقدر و الأواني من عند
الجارات ، و الأب رغم كبره هو في حركة دائبة لا يهدأ ، الحصر مفرشة ، المخدات جاهزة الزرابي مصففة ، برميل الماء مزحمرة ، الكل غارق في مهمته ، البيت كله حركة مستمرة .
فجأة هتع المساء ، نزل موكب العريس ، و الكبش يتقدمهم برفقة رب الأسرة ، انزلوا كيس السميد من فوق ظهر الحمار ادخل صندوق جهاز العروسة ، أمسى البيت مزدحما عن آخره بالمدعوين و المدعوات ، و فرسان
(( الدشرة )) ببنادقهم و برانسهم التقليدية ، العروسة تصدرت حلقة المدعوات تبكي بكاء الفرحة غابت عن الواقع ، فلم تصدق في رؤية هذه المشاهد الرائعة فعلا ليلة كهذه تعتبر في نظرها من أجمل الليالي و الأيام إنها بداية لبناء منزل جديد ، دخل أبو العروسة إلى بحبوحة البيت ببرنوسه الأبيض صائحا : زغردن يا بنات ، زغردن يا بنات ، أطلقوا البارود يافرسان (( الدشرة )) الأهازيج ، رقصت العروسة تحت أنغام الحناجر الريفية ، صفقت الأيدي و مضت الليلة المظلمة تأكل نفسها .
دخلت العالم الجديد معه ،، يد في يد ،، رتوة مع رتوة ،و مضيا معا في صبيحة مشرقة ،، يسيران على ضفاف جزيرة الهوى ، يتعانقان ، يتناجيان ، يتبادلان القبلات ، يقتلان أشباح الماضي الدفين ، فجأة دق قلبها ارتعش خاف أن تضيع منه الوريقة الرابحة ، سأل نفسه ، لم لا تكن هذه المعاكسات كاذبة ؟ ثم هدأ من جديد يحفان أمام الساقية الراقصة ، يترشفان حبات مطر ، ثم أرسلا بصرهما معا إلى الطبيعة الخلابة ، الفراشات تطوف حول رأسيهما ، و الورود تعاكس أشعة الشمس الدافئة ،،
و الطيور ماضية في زقزقتها ، الذكر يغني ، و الأنثى ترقص ، فجأة انقلب الهيام و السرور إلى شراسة و همجية ، انقض الذكر على أنثاه ، فسقطت صريعة قتيلة جزاء عطائها و إخلاصها بالطبع توقف الدم في جسد الفتاة سعيدة ، نزلت الدموع المحرقة من عينيها ، فجأة استيقظت من حلمها مذعورة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،،ماذا حدث لي يا ربي ؟ !ماذا حدث؟! لم كل هذا الحقد ؟! لم كل هذا الظلم ؟! و بقيت ذاكرتها تسبح في هذا المشهد الرهيب تبحث عن ترجمة لوقائعه ، و لكن دون جدوى ، كل الطرق موصدة ، ما العمل ؟ لا شك أن هذا يقضي على حياتها ، إنها مشلولة الذاكرة ، ما العمل ؟ و بعد قليل من التفكير صاحت فجأة : آه ،، هي ،، لا يفسر الحلم إلا شريفة ، نعم شريفة ، إنها عجوز محترفة في هذا الميدان ،، أغلب نساء (( الدشرة )) يذهبن إليها .
أخذت عباءتها بسرعة ، هي جارتها لذا فالمسافة قصيرة دخلت عليها ، كانت منهمكة في نسج حصير الحلفاء فأطلعتها على القصة المرعبة ، فاندهشت العجوز شريفة ،، الحلم في رأيها حدث حقيقي ، و إن الفتاة سعيدة ستشهد في الأيام القليلة القادمة لحظات مرة ، لذا أمسكت أعصابها أضمرت الحقيقة ، ثم أرسلت بسمة مصطنعة ، و قالت للفتاة : أهذه هي القصة ؟
– نعم ،، نعم يا جدتي
– لا ، مجرد أوهام ،، أقراي الفاتحة يا بنيتي ،، لا تخافي
اطمأنت سعيدة بكلام العجوز ، بعد أن كادت تغرق في الجحيم المدمر ، فظنت أنها نجت من هذا الإخطبوط .
دارت عجلة الزمن بسرعة فائقة ، و ما من يوم يمر إلا و يشهد فيه البيت تغييرا مخيفا ، تغييرا يحمل في كينونته مآثر الأسى و الحزن سعيدة ترفض لأن تبقى مطبقة اليدين ، و هو يرفض خدمتها ، ماذا بوسعها أن تفعل ؟ ،، فالزوج أصبح لا يطيق حضورها صار ينفر من شكلها ، حقق أهدافه استولى على ثروتها أشبع غريزته الحيوانية قضى على شبابها الفتان ، و مع هذا فهي صابرة للقدر لا ترد على صراخه خشية أن تفقده و يسخر منها الأعداء فإن جاء المساء ، حملت له قنع الكسرة و قليلا من الزيت في الصحن ثم خاطبته : كل يا حبيبي .
– حبيبك يا خبيثة ! ،، و ماذا أتيت لحبيبك ؟ ،، أكسرة شعيرة و زيت ؟ .. هه .. هه
– ما الذي تريده أكثر ؟،، أسهر على خدمتي ستجد الجيد
– طماعة .. طماعة ، أنا أعرف كيف اكسب قوتي .. هيا ارم هذا الأكل إلى الكلب
– شعرت بمخاض في بطنها ، ثم تنهدت الصعداء ، وردت عليه في أسف قائلة : أنا الغالطة ، أنا الغالطة ،، يحق لي أن أقتل نفسي .
في هذه اللحظة اكتشفت غلطتها ، لماذا لم تسأل عن سنه ؟ إنها تكبره بعدة سنوات ، و مع هذا فهو شاب طائش لا يملك تجربة في خدمة الأرض و اكرها ، تعود أن يعيش على كاهل الغير ، فكثير ما يعود خائب الحظ من المدينة ، لماذا ؟ المصانع لم تشغله لأنه لا يملك شهادة تخرج ، أو أية تجربة ، إلا أنه كان يكسب مبلغا محترما عن متاجرة بعض الممنوعات ، كبيع الملابس الأمريكية ، و تبديل العملة (( الدوفيز )) و يدفع كل ذلك في شراء أحسن الكاسات ، ثم يعود إلى البيت و هو في حالة يرثى لها .
دخل كالمجنون ، هو يتمايل تحت تأثير المخدر استلقى على فراشه ، فتح المسجلة أكثر وو ضع رأسه في داخل الوسادة حتى لا يسمع صوتها ،و لا يبصر حركاتها ، و سعدية لا حول و لا قوة لها ، كل الحيل فشلت ، فلا الابتسامة في وجهه ، و لا الكلمة الطيبة استطاعتا أن تلطفا من حالته حتى الحبوب التي جنتها بعرقها من الحقل نفذت ، و مع ذلك تسلفت من جارتها دقيقا و خضرا ..أهلها نستهم من أجل إرضائه و سعادته ، حتى لا تطلق .
و مضت تتعثر لا تلتفت وراءها و رمت بجسدها على جزيرة الحزن ،، تبكي و تبكي إلى أن رحلت في عالم الأحلام و الأشباح المرعبة
في الصباح الباكر ، و بينما كانت تعد قهوة الصباح فاجأها طرق بالباب ، فاجمرت ، فتحت الباب.. فجأة اصطدم بصرها برجل منتصب أمام الباب ، طويل القامة ، عريض المنكبين ، يرتدي بدله بنية ، فبادرها قائلا : صباح الخير ..أرجو المعذرة … هل هذا بيت سعيدة ؟
– من أنت ؟
– واحد من أعوان المحكمة .. خذي هذا الاستدعاء
– من أين؟
– من المحكمة
– لماذا ؟
– لا أدري
– اقرأه لي من فضلك فأنا لا أحسن القراءة
– الاستدعاء يقول : الحضور غدا على الساعة التاسعة بمقر المحكمة
مضى الرجل أوصدت الباب ، لم تصدق هذا ، لقد فعلها الخبيث ابن الكلب ، أيظن أنه سيفلت من يدي ؟
لا .. لا أبدا ، و مضت تتهيأ للمعركة الحاسمة ، و ضاعت منها كل الأوراق الرابحة . في المحكمة سألها القاضي قائلا :
– ماذا طلبت من زوجتك ؟
– ماذا تقصد ؟
– مثلا .. هل هددك بالطلاق ؟
– لا ، مستحيل مع أني لست سعيدة معه
التفت القاضي إليه و سأله : ما هي الأسباب التي دفعتك لهذا القرار ؟
– حاول سعيد أن يبحث عن بعض الأسباب ، و لكنه فشل فصمت دون أن يرد على سؤال القاضي .
اندفعت سعيدة واقفة غاضبة لتصب جام غضبها قائلة : ما رأيك ياسيدي في الإنسان الذي يضيع حقوق زوجته ؟
– بالطبع..العقاب
في هذه اللحظة شعر سعيد بخنجر قد مزق جسده فقام مندهشا قائلا : العقاب ! العقاب !
– نعم العقاب .. أنت تطلب الطلاق ، فهل بنات الناس لعبة في يديك :
– إنها لا تحبني
– عجيب أمرك أيها المجرم .. هذا الحنان .. هذه الروح البريئة .. هذه التربة الطاهرة .. ألا تحبك ؟
– نعم
اخرس أيها الكلب ، و لكني أحذرك ، فان كنت كما تظن إنها ستدفع الثمن غاليا ، فأنت الذي ستدفعه
– و أنت ما رأيك ؟
– ماذا أقول لك بعد أن ضيعني ،، أفضل الطلاق على هذه الحياة المرة التعيسة تطلقت سعيدة ، تركته يمضي لحال سبيله ، رغم أن الثمن كان غاليا ، لكن الذنب ليس ذنبه ، إنما الذنب دنبها ، تزوجته دون أن تفكر في إنسانيته ، في وطنيته ، في إخلاصه ، و مع ذلك سيعود إليها في يوم ما عندما يشعر بالجوع ، بالبرد ، بالحرارة ، بالحرمان .
– الرموز الفنية الواردة في القصة :
– الاب …رمز للتاريخ
– الجارة : رمزللاستعمار الفرنسي
– الزوج سعيد : رمز للشباب المتسكع المضرب عن العمل
– الزوجة سعيدة : رمز للارض والوطن

*منشورة في ديوان الكاتب .. الصراع…

* تحصلت على احدى الجوائز الاولى في الملتقى الوطني للرواية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق