قراءات ودراسات

كاتب ياسين … ورحلة البحث عن ( نجمة)

عن لوموند الأدبي/ ترجمة: حسن حسن

يمثل كاتب ياسين حالة خاصة في الثقافة الجزائرية, فقد أشعل روح التمرد في اللغة, وانشد الجزائر ذات الجذور البعيدة الغو.. ووضع (نجمة) الكاتب الذي دخل بواطن اللاوعي الشعبي فأحيى الغنائية المتمردة العالية.. وحاور الروح الجزائرية العميقة وخيالها الوسيع, وجسد تطلعات الثورة وأحلام شعبه فمكنه ذلك من ان يكون الشاهد الصلب على هوية عنيدة متمردة, وعلى تطلعات تحررية جعلته واحداً من كتاب الأدب الجزائري المعاصر, ومن ابرز علامات التحول والتغيير فيه.‏

ولد كاتب ياسين في السادس من آب عام 1939 في عائلة عرفت اسباب الادب والثقافة.‏ وكان لأحداث القمع الدامية التي شهدتها بلاده خلال التظاهرات في سطيف عام 1954 وهو في السادسة عشرة ابلغ الاثر في اثارة غضبه واشعال شرارة التمرد في كيانه.‏ حين خرج كاتب ياسين من السجن اثر التظاهرة المأساوية,اكتشف نفسه شاعراً وقد منحه الشعر القدرة على مواجهة المأساة التي ظل يعاني اثرها طوال حياته. وهو يقول في هذا الصدد: (هذه الصدمة الكبرى استحوذت على معاني حياتي كلها فالمأساة الجماعية تحولت الى مأساة خاصة وذاتية. في مجموعته الشعرية الاولى التي حملت عنوان ( حوارات ذاتية) لفتت منذ صدورها القراء الذين يتقنون الفرنسية وبعض المثقفين الفرنسيين , وسرعان ما راج اسم الشاعر الشاب الرومانسي النزعة الغنائي الصوت, المجروح واليائس والباحث عن هموم مختلفة.‏

لكن الواقع الاليم والصاخب بالتناقضات والتحولات جعل الشاعر يطلع من ذاتيته, وينفتح على القضايا الاجتماعية والسياسية المطروحة بالحاح وقد رسخت الكتابة الصحفية والروائية فعل الخروج من الانا الفردية الى الذات الجماعية.‏ يبدأ كاتب ياسين العمل الصحفي المناهض للاحتلال ويضع اللمسات الاولى من روايته (نجمة) التي ستكون فيما بعد احد ابرز المحطات في الادب العربي المكتوب بالفرنسية.‏

(نجمة) ابنة عمه التي أحبها بشغف التي كانت تكبره سنا والمتزوجة (نجمة) الحبيبة المفقودة, نجمة الوطن الجريح ستكون الهاجس الدائم والمركزي في جل اعماله. كاتب ياسين الذي جعله الطرد من الثانوية حرا طليقا سافر عام 1947 الى فرنسا حيث يلقي في إطار نشاطه النضالي, الذي ظل طوال حياته يلازم عمله الإبداعي و بدعوة من ايلوار وآراغون وايلزاتريوليه محاضرة في باريس بعنوان ( الأمير عبد القادر واستقلال الجزائر) فرنسا ستشهد أيضا سنة 1948 الولادة الأولى ل (نجمة) (أو القصيدة او السكين) أي النص التأسيسي لعالم كاتب ياسين الإبداعي الذي قال عنها بعد عشرين سنة بعد صدورها في دار نشر ( لومركوردي فرانس): (أظن بالفعل انني صاحب كتاب واحد. كان في الأصل نصاً شعرياً, تحول إلى رواية ثم إلى مسرحيات) ولدت (نجمة) الأولى, إذا, شعراً.‏

رفض الناشرون (نجمة في البداية) لكن كاتب ياسين لم ييأس وراح يعدل عمله وينقحه ليصدر في النهاية في دار (لوساي) اعرق دار نشر فرنسية. وتستقبل نجمة قمة ما وصل اليه فن كاتب ياسين-بحفاوة بالغة من طرف النقاد .( نجمة) التي ترجمت الى معظم اللغات الحية في العالم , وهي قصة أربعة أصدقاء يجمعهم حب جارف للمرأة نفسها, المرأة الوطن, المرأة الثورة, بنت العم المعشوقة والمفقودة التي سكنت كل عالم كاتب ياسين الإبداعي.‏

في (نجمة) يغني كاتب ياسين الحب, ويحكي قصة الجزائر بعد ان يضم بلاده بين جناحي المرأة التي أحب والتي يجعلها رمزاً شفيفاً لوطن في ذلك السعي الرومانسي ا للين والصلب لاستنهاض ماضيها والتعرف إليه ومسح غبار النسيان عنه في حرارة كتابية ولغة تختزن لهيب الثورات وجنون الحب من جهة, وتكتب الواقع والقمع والتمرد والثورة وتلك الآلام النبيلة, والجراحات التي تنزف من جسد الجزائر من جهة ثانية لتصل إلى كتابة المستقبل في هويته المشرقة والحرة, تأثر كاتب ياسين بمسرح أخيل وكان لرامبو وبريشت حضور عميق لديه. وهو وضع رواياته وقصائده بالفرنسية وأراد في مجمل أدبه إن يعثر على الينابيع الأصيلة للملحمة البربرية والعربية.‏

حين صدرت رواية ( نجمة) أحدثت تحولا في الكتابة الروائية العربية والفرنسية على حد سواء ,كما رسخت العلاقة العميقة التي جمعت كاتب ياسين بالجزائر والشعب الجزائري وفتحت أفقا جديداً ومغايراً للأدب المقاوم والملتزم وقد أكدت نظرة كاتب ياسين في إن الأديب أو الشاعر ( كي يكون في قلب العالم, ينبغي ان يكون أيضا في قلب الشعب, شعبه)وحين لجأ ياسين إلى المسرح والى اللغة المحلية هاجراً لغته الفرنسية فإنما ليقترب أكثر فأكثر من هموم الجماعة وقضاياها التحررية.‏ ويجب ألا ننسى أن كاتب ياسين أمضى ما يقارب ثلاث سنوات (67-70) في فيتنام شاهد خلالها عن قرب إحدى مآسي العصر الأخرى وقد كتب من وحي ما شهد نصا دراميا حمل عنوان ( الرجل ذو النعال المطاطية) أما فلسطين فلم يغفل عن قضيتها وقد خصها بكتاب جميل ( فلسطين حرب الألفي عام)عاش كاتب ياسين بتواضع كلي, والتزم قضية الأرض وقضية الإنسان وكتب من وحي المعاناة اليومية ورسم إحدى أجمل تجليات أدب التحرر الإنساني.‏

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق