قراءات ودراسات

نماذج من الصناعتين: قراءة في الإبداع الجزائري القديم

د. شميسة غربي*

(خاص بالمجلة الثقافية الجزائرية) حفل التراث الجزائري بصنعة الكتاب و رفع لواءها أدباء خاضوا في إنشاء القريض ، خوضهم في الدباجة النثرية العربية بنسقها الموكول إلى عصرها، من حيث طرائق الصّوغ الفنّي في صناعة الكتابة.
و الحديث عن الأدب الجزائري، لا ينبغي أن ينطلق من أقرب فترة أي من فترة النهضة العربية الحديثة، أو من فترة الحركة الاستعمارية بشكل عام… و إنما يكون من الإنصاف لهذا الأدب، أن نؤرخ له منذ عصوره الغابرة، شأنه شأن التأرخة للأدب في المشرق العربي.
ولا شك أن الباحث في جذور هذا الأدب، سيقف على نتاج متنوع و يجمع بين التركة الأدبية و التركة اللغوية ، في مسيرة متأنية، حسب البيئة التي احتضنت هذا الأدب وحسب الذهنية المنتجة…
لا نبالغ إذا قلنا: إننا لم نكن أقل شأنا من المشارقة في فضاء الأدب، ولا نبالغ إذا حكمنا على موروثنا الأدبي في الجزائر بأنه ذلك الشبح الذي يتوارى كلما حاولنا الاقتراب منه، و نفض الغبار عنه، و العلّة في ذلك تكمن في التهميش من جهة، و في قلة المصادر – إن لم أقل غيابها- من جهة أخرى.
لقد وُجد الأدب العربي في الجزائر منذ القديم، كما وُجدت الذات الجزائرية على هذه الأرض، ورافق ما تمخض عنه التاريخ من إيجابيات و سلبيات، فاختلط الأصيل بالوافد – وهو الإشكال الذي يواجه الباحث في الأدب الجزائري القديم- فكثيرا ما قطن الجزائر أدباء و علماء من بلدان مختلفة، كالمغرب و تونس و الأندلس، واستوطنوها طوال حياتهم، و انصهروا في مناخها، و أثروا و تأثروا بحياتها العلمية والأدبية، فكان النتاج متشابكا متداخلا، يتطلب كثيرا من الدقة للفصل بين الأصيل والوافد…
و إذا كان المعلوم أن “الكمال إنما يتحقق في الماضي” فإن أدبنا برهن- حسب ذهنيات أصحابه – على أنه مرجعية ثقافية مميزة، لا يمكن تجاهلها ، حتى وإن زهد الباحثون في الاهتمام بها … و سأحاول في – عجالة – تتبع محطات هذا الأدب حتى يتسنى الانطلاق من قاعدة صلبة، تجلو هوية الأدب العربي في الجزائر ، ولن يتم ذلك إلا برصد نماذج من أبنية نصية متنوعة.
ظهر أول جيل من الأدباء الجزائريين على عهد الدولة الرستمية الممتد حكمها من (160هـ إلى 299 هـ أي 676م إلى 911م) .وكانت عاصمة الرستميين مدينة ” تيهرت ” المعروفة باسم “عراق المغرب” أو “بلخ المغرب” انتشار المعرفة بها و ازدهارها .

ومن الشخصيات البارزة في هذا الطور:
1- الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن: ترك خطبا و رسائل ذات طابع سياسي ديني، بالإضافة إلى مقتطفات شعرية كقوله مثلا :
العلم أبقى لأهل العـــــلم آثــــــارا *** يريك أشخاصهم روحا وأبكــــــــــارا
حتى و إن مات ذو علم و ذو ورع *** ما مات عبد قضى من ذاك أوطارا
لله عصبة أهل العلـــــم إن لهـــــم *** فضلا على الناس غيابا و حضــارا
2- أبو سهل، وله مصنفات احترقت في الفتن التي أصيبت بها تيهرت في أواخر الحكومة الرستمية.
3- أبو الفضل أحمد بن القاسم البزار .
4- ابن الصغير الذي خلف كتابا، تراكيبه أقرب من العامية منها إلى الفصحة.
5- يهودا بن قريش التاهرتي: وهو واضع أساس النحو التنظيري وقد اهتم بالبحث في اللغات (العربية، العبرانية، البربرية، الأرامية).
6- أحمد بن فتح التاهرتي: انتقل إلى المغرب الأقصى و كان أديبا و شاعرا ومن شعره: (ساكنات البصرة):
ما حاز كل الحسن إلا قينة *** بصرية في حمرة وبياض
7- بكر بن حماد: ولد بتيهرت سنة 200 هـ (816م) كان حافظا للحديث و نابغة في الشعر مما جعله يتلقى و يصاحب أدباء تصدروا الطليعة في ميدان القريض كأبي تمام، ودعبل الخزاعي، وعلي بن الجهم، ومسلم بن الوليد.
خلف الرجل ديوان شعرا بعنوان: الدر الوقاد، وتزعم الحركة الزهدية في الأدب المغاربي، كما كان يتزعمها أبو العتاهية في المشرق، ومن شعره في الزهديات:

لقد جمحت نفسي فصدت وأعرضت *** وقد مرقت نفسي، فطال مروقها
فيا أسفـــــي من جنح ليــــــل يقودها *** وضوء نهار لا يـــــزال يسوقها
إلى مشهـــــد لا بد لي من شهـــــوده *** ومن جزع للموت سوف أذوقها
ستأكلها الديدان في باطــن الثـــــــرى *** ويذهب عنها طيبها وخلوقها

ومن شعره في رثاء ولده:
بكيت على الأحبة إذ تولوا *** ولو أني هلكت، بكوا عليا
فيا نسلي بقاؤك كان ذخرا *** وفقدك قد كوى الأكباد حيا
كفى حزنا بأني منك خـلـو *** وأنك ميت وبقــــيت حيـــا
ولم أك أيسا فيئست لمـــا *** رميت الترب فوقك من يديا

نخلص إلى أن ميلاد الأدب العربي في الجزائر كان مع أمراء بني رستم و أن أول دولة جزائرية مستقلة عن الخلافة العباسية في بغداد – بعد اعتناق الجزائريين الإسلام- كان قادتها مثقفين، متعلمين بل أدباء مبدعين .
​و الجدير بالذكر أن الدولة الرستمية تمثل صدر الإسلام بالجزائر (القرن الثاني هجري – الثامن الميلادي ). مؤسسها : عبد الرحمن بن رستم عاشق المذهب الإباضي الذي كان داعيته سلامة بن سعد.
​و عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى من سلالة الفرس، ولد بالعراق، في البصرة وفيها التقى التلاميذ من بلدان مختلفة (القيرواني، المغربي، العماني، اليمني، الحجازي، وغيرهم …) يدرسون جميعا على يد الشيخ أبي عبيدة مسلم، المعروف بـ: “القفاف” وذلك لتظاهره بصناعة “القفاف” أثناء إلقاء دروسه السرية المحظورة و تظاهر تلاميذه يتعلم الصنعة منه.
​كان عبد الرحمن بن رستم رجل علم، و أحد حملة ذلك العلم من البصرة إلى المغرب العربي المتعطش إلى العلم و المعرفة . وعلى نفس الطريقة ، سار ابنه الإمام أفلح بن عبد الوهاب، المذكور آنفا.
​لقب عبد الرحمن بن رستم بـ :”صقر فارس”مثل عبد الرحمن الداخل الذي لقب بـ :”صقر قريش”.
​بقي أن نشير إلى أن عبد الرحمن بن رستم هرب من بطش العباسيين، فغادر تونس إلى الجزائر و أسس بها أول دولة مستقلة – كما سبق الذكر –
​نختم عهد بني رستم بخاتمة الشاعر “بكر بن حماد”. يحكى أنه “لما أشرف على الموت، حاول النهوض فعجز، فقال متألما:

أحبو إلى الموت كما يحبو الجمل *** قد جاءني ما ليس لي فيه حيل
​توفي بكر بن حماد سنة (296هـ، 907م) شمال مدينة تيهرت.

بعد الفترة الرستمية، ننتقل إلى فترة الأغالبة وهي الفترة الممتدة من (184هـ إلى 296هـ، 800م إلى 909م) واتخذ الأغالبة “طبنة”- الواقعة وسط إقليم الزاب الجزائري- عاصمة لحكمهم وأصبحت “طبنة” قاعدة الجزائر الشرقية في الحركة العلمية و الأدبية (…) و يجدر بالتسجيل أن الفقه طغى على الفنون الأخرى بحيث نجد الفقهاء أكثر عددا من الأدباء و هؤلاء أنفسهم لهم إلمام كبير بالفقه، لأن الحالة الاجتماعية كانت تدعو إلى تعاطي العلوم الدينية أكثر من سواها.
​ومن الأسماء البارزة على عهد الأغالبة: محمد بن حسين الطبني، و أحمد و علي وهم إخوة، كان الأول منهما “أديبا بليغا وشاعرا مُقَدَّما، قصد الديار الأندلسية ودخل قرطبة في عهد الناصر وسكنها” ومما قاله في وصف ربوع خلت من أحبابه:

وأصبحت بعد أشواق ربوعهم *** مثل السطور إذا ما رثت الكتب
فقرا يبابا، كأن لم تغن أهلــــة *** تبكي على حتفها غربانها النعب
كأن باقي مغانيها وأرسمهـــــا *** منابر نصبت والطير تَخْطُب

وظهر إسحاق الملشوني، نسبة إلى “ملشون” وهي قرية من قرى بسكرة و أبو الفضل عطية الطبني، و أبو العباس محمد البريدي المتوفى سنة 276 هـ وهو أحد كتاب الدولة الأغلبية وأحسن ظرفائها ، ومن شعره وهو في السجن:

هبنــي أسأت، فأين العفـو و الكـــــرم *** قد قادني نحوك الإذعــــان و النـــدم
يا خير من مدت الأيدي إليــه أمـــــــا *** ترثي لمن بكاه عندك الإذعان و الندم
بالغت في الصفح، فاصْفَحْ صفح مُقتدرٍ *** إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا

بعد الأغالبة، نشط الفاطميون، فامتد حكمهم من (296هـ إلى 361هـ، 909م إلى 972م) واتخذوا من “المسيلة” عاصمة لهم، فقصدها أرباب الثقافة من كل فوج وصوب والفضل في ذلك يرجع إلى مؤسسها وواليها علي بن حمدون.
​يمثل هذه الفترة خير تمثيل الشاعر الكبير بن هانئ الأندلسي الذي هاجر إلى المغرب وبالذات إلى منطقة الزاب. ومن شعره في الأمير جعفر بن علي:
خليلي، ما الأيام إلا بجعفر *** وما الناس إلا جعفر، دام جعفر !
​وقوله في يحي:

فلا تسألاني عن زماني الذي خلا *** فو العصر، إني قبل يحي لفي خسر !
الفترة الصنهاجية: 405هـ إلى 547هـ (1014م إلى 1153م)
​زعيم الصنهاجيين “بلقين بن زيري بن مناد” كان واليا على الجزائر، واستطاع أن يحقق للمغرب العربي ما لم يستطعه حكام المغرب قبله، وواصل المشوار بعده، ولده المنصور، و بعد المنصور، بويع ابنه “باديس” فكلف عمه “حماد بن بلقين”بإدارة أمور المغرب الأوسط ولم يلبث أن أصبح “حماد” صاحب النفوذ المطلق بالجزائر و غدت الدولة الحمادية أول دولة بربرية بالجزائر الإسلامية، عاصمتها: “القلعة”. و كانت العربية هي اللسان الرسمي للدولة الحمادية مع أن رؤسائها برابرة لكونها لغة القرآن و الدين.
​وقد ازدهر الأدب في فترة الحماديين من حيث الكم، و أما من جهة الكيف فظل يتسم بسمات المدرسة الشرقية، وإن كان قد ضاع نتاج هذه الفترة بسبب الاضطرابات، إلا أن هناك رجال جزائريون عاشوا في تونس وصل إلينا شيء من آثارهم الأدبية و من هؤلاء:
– ابو الحسن علي بن أبي الرجال الشيباني، ومن شعره:

خليلي، إن لم تساعداني فاقصرا *** فليس يداوى بالعتــاب المتيم
تريداني مني النّسك غير حينه *** وغصني ريان و رأسي أسحم

– ابن رشيق القيرواني: لقب بالقيرواني لطول مكوثه بالقيروان، و قد خلف ما يربو على ثلاثين كتابا ، منها الشذوذ في اللغة ، العمدة، وهذا الأخير كتاب نقدي متصل بقضايا الشعر.
و الجدير بالذكر أن ابن رشيق كان أول شاعر جزائري نظم في المجون و الخمريات، و نحى نحو أبي نواس. ولابن رشيق كتاب هام عنوانه: “أنموذج الزمان في شعر القيروان”. ولفظ “الزمان” في هذا الكتاب يعني أن ابن رشيق قد خصص كتابه للشعراء والأدباء المعاصرين لعهده، و الذي كان يعج بالكثير منهم بلاط معز ابن باديس الصنهاجي .
ومن شعره في رثاء القيروان:

أمست وقد لعب الزمان بأهلها *** وتقطعت بهم على الأقـــران
فتفرقوا أيدي سبأ و تشتتــــــوا *** بعد اجتماعهم على الأوطان

– عبد الكريم النهشلي: هذا الناقد الجزائري هو أستاذ الحسن بن رشيق القيرواني، و هو كاتب وشاعر بارع، ولد بالمحمدية التي نسميها اليوم “المسيلة”، ورحل إلى القيروان واشتهر بكتاب في النقد عنوانه: “الممتع” طرح فيه قضايا هامة كمسألة القديم و الجديد، و مسألة اللفظ و المعنى، السرقات الأدبية، الطبع والصنعة…
– ابن قاضي ميلة: شاعر انتهج منهج عمر بن أبي ربيعة في الغزل فاعتمد الحوار القصصي في شعره، يقول في أحد المطالع:
بذيل الهوى دمعي و قلبي معنف …
– ابن الربيب: كتب في النثر و الشعر ورسالته على ابن حزن الأندلسي هي أكبر شاهد على تفوقه في النثر الفني، كما تدل هذه الرسالة على أن الجزائريين كانوا على بينة من أخبار الملوك والأمراء و الكتاب و الوزراء.
– يوسف أبو الفضل بن النحوي: تفنن في شعر التوسلات و الابتهالات واشتهر بقصيدته المعنونة بـ: “المنفرجة”. ومن حلو شعره:

لبست ثوب الرجاء، والناس قد رقدوا *** وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت: يا سيدي، يا منتهـــى أملـــــي *** يا من عليه بكشف الضر أعتمد
أشكـــو إليـــك أمـــورا أنت تعلمهـــا *** مالي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي للضــــر مشتكيــــــا *** إليك يا خير من مدت إليه يــد

– أبو عبد الله بن محرز بن محمد الوهراني: بذكر الوهراني نتذكر بديع الزمان الهمذاني.
لقد شكل الوهراني ظاهرة فريدة في الأدب الجزائري على عهد الموحدين، وانتهج منهجا هزليا في أدبياته. من آثاره: رسائل الوهراني، جليس كل ظريف، المنامات.
​وعلى ذكر “المنامات”، اشتهر الوهراني بـ “منامه الكبير” الذي سلك فيه مسلك أبي العلاء المعري في رسالة الغفران و الكتاب مطبوع في مصر، سنة 1968 بعناية و تحقيق الأستاذين: ابراهيم شعلان، و محمد نغش.
​والذي يطالع آثار الوهراني ، تبدو له براعته في التهكم و التصوير الهزلي، وقد يصنف أدبه ضمن الفن الكاريكاتوري. توفي الوهراني عام 575هـ .
​الفترة الحفصية: (627هـ إلى 943هـ، 1229م إلى 1526م) سار الأدب على عهد الحفصيين. ومن الأسماء البارزة في هذه الفترة.
– محمد بن حسن القلعي: كان شاعرا سخي الدمع، سخي الجيب، ويده و يد الطلبة في كتبه سواء، لا مزي له عليهم، كان جيد الشعر، يسلك فيه مسلك أبي تمام. من شعره في الزهد:

تنافس الناس في الدنيا وقد علمو *** أن المقام بها كاللمــح بالبصـــــــر
أفناهــــم أولاهـــــم وآخرهـــــم *** لم يبق منهم سوى الأسماء و السير
– أحمد بن أبي القاسم الخلوف: شاعر الحفصيين دون منازع. انتقلت أسرته من فاس إلى الجزائر واستوطنت قسنطينة و بها ولد سنة 829هـ / 1465م .
له ديوان شعري خاص بالمديح النبوي. وله كتاب: تحرير الميزان لتصحيح الأوزان في العروض، وكتاب: مواهب البديع في علم البديع. عرف الخلوف ” بذي الصناعتين ” لاشتهاره بجودة الشعر و الكتابة. دام حكم الحفصيين 378 سنة، وقد قال أبو الحسن عندما دارت به الدائرة مع نهاية الحكم:
​​وكنا، اسودا و الرجال تهابنا *** أتانا زمان فيه نخشى الأرانبا!
​مع القرن السابع الهجري، بدأ الأندلسيون في الهجرة إلى الجزائر، وكان حظ تلمسان من المهاجرين الأندلسيين أوفر من غيرها، فكثر النتاج الأدبي، وازدهر فن التوشيح الذي تعود أصوله – في الجزائر- إلى القرن الخامس هجري مع الشاعرين الكبيرين: الأريسي وابن فكون، وأما في القرن السابع، فاشتهر شمس الدين محمد بن عفيف التلمساني المعروف بالشاب الظريف. توفي وعمره سبعة و عشرون سنة.
​له ديوان شعر و مقامات العشاق. ومن موشحاته:

قمر يجلو دجى الغلس *** بهر الأبصار مذ ظهرا

في أواخر القرن السابع هجري، ولد الشاعر الكبير محمد بن غميس بتلمسان سنة (650هـ، 1252م).
​وكان صاحب براعة في التعبير، ومتانة في السبك. ومن آخر أقواله:
لمن المنازل لا تجيب هواها *** مُحيت معالمها و صم صداها
ومن حكمه:

وإن ظلمت فلا تحقد على أحد *** إن الضغائن فاعلم تنشئ الفتنا
يأبى ثراء المال علمي هـــــل *** يجتمع الضدان علم ومـــال؟

توفي الشاعر قتيلا يوم عيد الفطر سنة 1309هـ، و ذلك بعد الانقلاب الحكومي الذي أودى بصديقه الوزير أبي عبد الله بن الحكيم، ورمي الشاعر بباب الفخارين.
​وعرف الأدب الجزائري القديم شعر التصوف (حب الحقيقة و الفناء في طاعة الله). ومن شعراء الصوفية في الجزائر آنذاك: أبو مدين بن شعيب، “ولد بالإشبيلية، و تعلم بفاس، ثم حج، وعند أبوته اتوطن بجاية توفي قرب تلمسان سنة (594هـ) ودفن بقرية العباد في تلمسان وضريحه بها مشهور مزار.
​ومن حلو شعره:

لألطافك الحسنى مددت يد الرجا *** وحالي كما تدري، وأنت المؤمل
قصدتك ملهوفا فؤادي لما طـرا *** وأنت رؤوف محسن متفضل .

من شعراء الصوفية أيضا الشاعر أبو حمو موسى الثاني الذي عرف بشعر المولديات (الاحتفال بليلة المولد النبوي). ومن أشهر مولدياته (سنة 760هـ):
نام الأحباب ولم تنم *** عيني بمصارعة الندم
​ومع انتقال الحكم إلى المرينيين من (647هـ إلى 814هـ)، برزت أسماء جديدة كالملياني وهو أديب شاعر. توفي عام (715هـ ، 1315م). ومن شعره : ذ

العز ما ضربت عليه قبابي *** والفضل ما اشتملت عليه ثيابي

وبرز محمد ابن مرزق الخطيب، و أحمد بن قنفد القسنطيني، صاحب الرحلة المشهورة: “أنس الفقير ، وعز الحقير” طبعت هذه الرحلة بالرباط سنة 1956 م. وله كتاب الوفيات.
فترة الجزائر العثمانية (930هـ إلى 1246هـ، 1514م إلى 1830م):
​كان الأتراك رجال حرب ، وليس رجال أدب، لذلك لم يهتموا برجال الثقافة.
… وسرى الضعف في مفاصل الأدب على عهدهم، فغلب عليهم طابع الجفاف.
… ولم يظهر أدباء حقيقيون إلا في القرن الحادي عشر مع “أحمد المقري” لإلى قرية من قرى الزاب، الواقعة بين بني حماد و شط الحضنة. ولد في تلمسان سنة 986هـ، و خلّف ثروة أدبية منها: أزهار الرياض، نفح الطيب.
ومن جميل شعره :

لكن قدرة مثلي غير خافية *** والنمل يعذر في القدر الذي حملا !
ومن روائعه أيضا:

فقــــل لجديد العيش لابــد من بلى *** وقل لاجتماع الشمل، لابد من شت
هو القدر الجاري على الكره والرضى *** فصبرا و تسليما لما قدر الله

وفي موضع آخر قال:
سبحان من قسم الحظو *** ظ، فلا عتاب ولا ملامة !
– عبد الكريم بن محمد الفكون:
عاصر هذا الأديب الرجل السابق: أحمد المقري، وقد ترجم له هذا الأخير فقال في شأنه: “… عالم المغرب الأوسط (…) كان شاعرا ناثرا، له ديوان في مدح النبي صلى الله عليه وسلم مرتب على حروف المعجم”.
​ومن مؤلفات عبد الكريم، بالإضافة إلى الديوان المذكور، رسالة من نوع الإخوانيات وشرح على أرجوزة “الماكودي” في التصريف وجزء في تحريم الدخان. توفي الفكون سنة 1073هـ / 1663م.
​عصر الديات: لعل أوسع حركة أدبية شهدها عصر الدايات بالجزائر هو عصر الداي التاسع المدعو : محمد بكداش الذي تولى السلطة عام 1707م، أزيح عنها عام 1710م (قتلا). وقد رفع الأدباء إليه قصائدهم مادحين، كان هذا الذي عالما فقيها، مشاركا في عدة فنون، ماهرا في علم اللسان، وفيه ألف محمد بن ميمون الجزائري كتابا بعنوان: “التحفم المرضيبة في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية” احتوى هذا الكتاب على ستة عشر مقامة، تشهد على نبوغ الجزائريين في فن المقامات، وتسجل تأثرهم بالطريقة الأندلسية في التحبير و التدبيج (حسن السبك) وهذا مقتطف من إحدى المقامات في كتاب التحفة:
​”(…) صعد المنبر، ووعظ الناس فيه وحذر ويقذف لسانه لؤلؤة المكنون، ويصرف من بدائعه الأنواع و الفنون، فلا يجاري في مضمار إحسان، ولا يبارى في بلاغة و براعة لسان… ويظهر أن هذا الأديب كان يعاني من حسد العلماء، فنجده في المقدمة يقول: “على أن أبناء العصر ، ابتلوا بالحسد، ويطلقون ألسنتهم بالفحشاء في كل مرصد، و من كانت له ملكة فليصنف و وإلا فلينصف، و لكن كما قال المجنون:

وكل يدعي وصلا بليلى *** و ليلى لا تقر لهم بذلك !
والله ولي التوفيق فيما قصدت، والكافي من الخطل فيما سردت فعليه كان معولي، وبه حسن تأويلي، لا إله إلا هو، وهو حسبي ونعم الوكيل !
​بقي أن أشير إلى أن محقق كتاب التحفة المرضية لابن ميمون الجزائري وهو العالم الجليل الدكتور: محمد بن عبد الكريم الجزائري – حفظه الله-.
​إلى جانب محمد بن ميمون الجزائري، تميزت كوكبة من الشعراء، نذكر منهم الشاعر الكبير: أحمد بن عمار الجزائري وهو من أجلاء علماء القرن 12هـ/18م في الجزائر، كان يستمد من أصوله الأندلسية الأدب و الفن، وحب الطبيعة و الجمال … ومن حلو شعره:

نشدتك الرحمن يا هاجري *** عذب فؤادي بسوى الهجر
كم ليلة قطعتها حســــــرة *** وأنت في تيهك لا تدري !

وله في النثر رحلة بعنوان: نحلة اللبيب
كان أحمد بن عمار صديقا لشاعر آخر، جمع بين وظيفة الفتوى وقول الشعر، ذاك هو أبو عبد الله محمد بن محمد المشهور بابن علي، ومن شعره:

إن أنكروا فضلي لخبث طباعهم *** فالدر ليس في عز أوطانه
وكذلك الياقوت ما بعدوا بـــــــه *** إلا وزاد البعد في أثمانه
كان ابن علي أو سيدي بن علي- كما ينادونه – يعاني بين مكانته الاجتماعية و الدينية، وبين طموحاته الشعرية، كان محتارا من ثروة هواه:

لولا، وحقك وخطــــة قلدتهـــــا *** زهرت بها في الخافقين شموعي
ومنابر فيها رقيت إلــى العلـــى *** وقد استدار بها كثيــف جمــــوع
لنحوت منحى العامري صبابـــة *** ولكن من حرق الجوى مشفوعي

وتشمل هذه الفترة أسماء أخرى كيحي بن أبي راشد، الذي قال مادحا “محمد بكداش” داي الجزائر التاسع، والذي ألف فيه محمد بن ميمون مؤلفه التحفة المرضية، يقول يحي:
ملك تفرد بالكمال ولم يكن *** لكماله في السالفين مثال
ثم الشاعر أبو عبد الله محمد البونصي، مادحا “محمد بكداش” ايضا:

بشارة خير قد أتت عقب المسا *** بفرقد سعد في السعادة قد رسا
ويظل “محمد القوجيلي” أبرز شعراء الجزائر خلال القرن الحادي عشر الهجري (17م)، و له وقفات نقدية كقوله:

أهل الفصاحة غبتم لا فصيح يرى *** يجيد نظم الكلام يذهل الفكـــرا
بكت لهم ولنظم الشعـــر باكيـــــة *** وحق أن يندب الأطلال و الأثرا
مصيبة الجهل أدهى محنة نزلـت *** بالمرء لما غدا قد أشبه البقــرا !

وعرفت الفترة العثمانية بالجزائر فن الموشحات ، و ممن أجادوها: محمد بـن رأس العين الذي اشتهر بالمجون و الهزل، وكان يلقب بالرئيس، و يلقب بالبليغ، ومن مطالع موشحاته:
غزى فؤادي بمقلتيه *** و صاد قلبي بقده
قصارى القول:
إن الأدب في ظلال الجزائر العثمانية قد تأرجح بين السطوع مرة، وبين الانتكاسة مرات … وذلك بسبب عدم التشجيع من الحكام العثمانيين، وبسبب عدم استقرار الأدباء في الجزائر، فأغلبهم إما هاجر، وإما انغمس في التصوف الخرافي الذي شكل أحد مظاهر التدهور الثقافي بالجزائر العثمانية (الدروشة و ما في حقلها….)
يقول أبو القاسم سعد الله بعد حديثه عن آراء” الفكون” في البدع الصوفية:
” حتى أصبح كل شيخ مجدوب يعتبر بركة و صالحا، وكل درويش مغفل يعتبر وليا و صاحب كرامات، وكل مستغل للعامة باسم الدين و متقرب للسلطة باسم الطريقة يعتبر قطبا تأتيه الجبايات ويقدصه الناس… بالقرابين”.
كانت هذه جولة خفيفة لرصد بعض العينات من الموروث الأدبي في الجزائر، وقد حاولت من خلال عرضها تحريك جزء من الذاكرة الجزائرية المنسية، واستدعاء أنماط تفاوتت قدراتها الإبداعية، بتفاوت بناها المكونة وتمحورت رؤاها حول قضايا معينة تسلك مسلك الارتباط بالذات والواقع، وتشتغل على فعاليات السلطة التقليدية في الكتابة، و الامتثال للأبنية النصية السلفية.
و يبقى الجزء الآخر من هذه الذاكرة المنسية مشعا بإعلام وعناوين غنية عن كل تعريف أمثال الغبريني صاحب مؤلف عنوان الدراية، وابن مريم صاحب البستان وابن هطال التلمساني صاحب رحلة محمد الكبير، وابن حمدوش مؤلف لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والحال وغير هؤلاء كثير….

وليس يصح في الأفهام شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل !
آثرت أن أعود في هذه القراءة إلى العهد الموحدي ، مع شخصية “الوهراني” في عجائب أدبياته. ففي التفافة إلى الأدب العربية القديم في الجزائر، تصادف الباحث عينات تستوجب التأمل، وتلقي هوى في النفس فينشد التقرب منها، ويحاول استنطاق مداليلها بصورة أو بأخرى ، يحفزه فضول المعرفة، والتوق إلى إحياء عوالم ماضوية، غائبة برحيل أصحابها ، حاضرة بمناوشة الإبداع في زمانها وفي غير زمانها حافلة بتراكمات البنية الذهنية السائدة في أوانها.
​من هذه العينات: أدبيات ركن الدين محمد بن محمد بن محرز الوهراني (القرن السادس الهجري)، صاحب المنامات الغريبة، و المقامات العجيبة والرسائل اللطيفة.
جمعت هذه الأدبيات في مجلد بعنوان: “منامات الوهراني ومقاماته ورسائله” تحقيق ابراهيم شعلان ومحمد نغش، مع مراجعة عبد العزيز الاهواني.
ومما وقع عليه الاختيار في هذه البسطة، وصفه لبغداد حين نزوله بها واستئناسه بالمقام فيها، يقول الوهراني في البدء: “لما تعذرت مآربي و اضطربت مغاربي، ألقيت حبلي على غاربي و جعلت مذهبات الشعر بضاعتي، ومن أخلاف الأدب رضاعتي، فما مررت بأمير إلا حللت ساحته واستمطرت راحته، ولا وزيرا إلا قرعت بابه، و طلبت ثوابه، ولا بقاض إلا أخذت سيبه، و أفرغت جيبه ، فتقلبت بي الأعصار، و تقاذفت بي الأمصار، حتى قربت من العراق، وسئمت من الفراق، فقصدت مدينة السلام، لأقضي حجة الإسلام. فدخلتها بعد مقاساة الضر و مكابدة العيش المر، فلما قر بها قراري ، و انجلى فيها سراري، طفتها طواف المفتقد، وتأملتها تأمل المنتقد، فرأيت بحرا لا يعبر زاخره، ولا يبصر آخره، وجنة أبدع جنانها، و فاز باللذة سكانها، لا يميل عنها المتقون ، ولا يرتقي إلى صفتها المرتقون، (كمثل الجنة التي وعد المتقون)، فأرحت نفسي من سلوك الغور والفج، وجلست انتظر أيام الحج، وتاقت نفسي إلى محادثة العقلاء، واشتاقت إلى معاشرة الفضلاء، فدلني بعض السادة الموالي إلى دكان الشيخ أبي المعالي…” .
في ملاحظة أولية ، يمكن رصد مقولات الخطاب عند الوهراني على هذا النحو :
​​​​​​علة الارتحال

​​​​وصف المقام ​​​​خوض الكلام
​تتجاذب هذه التوزيعة الثلاثية سلطة الانتقاء لآليات الكتابة السلفية، حيث يلمس القارئ توظيف الناص لأدوات الأداء التقليدي كاعتماد نظام الفواصل، وتقصي محسنات القول، و تعزيز المعنى بالاقتباس القرآني ، مع اصطناع السرد كبنية شمولية تتساوق ضمنها المكونات المؤسسة لهذا الخطاب ، وعلى رأسها الكلمات الآخذة بتلابيب التشكيل الأدبي الذي يهيمن على كتابات محمد بن محرز الوهراني، باعتبار أن “العمل الأدبي تصنعه الكلمات” وذلك حين ينزاح بها منشئها عن مسارها المعجمي، إلى مسار دلالي تأويلي، تستقيم معه كل الرهانات المعنوية الممكنة، وربما المستبعدة، يختار الوهراني سلسلة كلمات مثل:

تعذرت
اضطربت
ألقيت حبلي على
مآربي
مغاربي
غاربي
مقاساة
مكابدة العيش
الضر
المر
​فتتضح تلك المزاوجة بين الحمولة المعنوية، والمقصدية الفنية، و تسير الدلالة نحو الإشعار بنفاذ صبر الكاتب تجاه وضع معين، و الإعلان عن النية الجادة في الانفلات من قبضة جو معتم ، قد تكون العتمة فيه وليدة تشابك علائقي، أساسه القهر الإنساني الذي –غالبا- ما يكون وراء نفاذ الصبر، و بالتالي نشدان الانطلاق إلى فضاءات مغايرة، من شأنها توفير حياة جديدة ، لا أقول مثالية، و لكن حياة أضأل قهرا، و أقل غبنا … وتلك – لعمري- طموحات مشروعة ، يشرئب لها الفرد حتى وإن لم تسلم – في بعض الأحيان – من تسلل تدخلات المجموع وما تنطوي عليه من كدر ونغص.
​وإذا كانت هذه السلسلة من الكلمات التي بني عليها المقتطف، مشحونة بغصة القهر، موسومة بالتدبير العقلاني للمغادرة، فإنها – وفي نفس الوقت – مدعاة إلى الفحص الفني – إن صح القول- غذ لم يغفل صاحبها تلك المسحة الجمالية المطلوبة، بل حرص على تلوينها بنغمة إيقاعية إن على مستوى الحروف أو على مستوى الصيغ، و كلاهما يصب في وعاء التفاعل اللغوي المؤسس على التنضيضية المهيمنة لحرفي: الباء (مآربي، مغاربي، غاربي) ثم الراء (الضر، المر) فمن دلالات حرب الباء: الاتساع و الامتلاء، و من دلالات حرف الراء الفزع و الخوف، فيكون الربط بينهما وبين الحالة النفسية للكتاب واضحا، مناسبا : امتلأت نفسه قهرا، و اتسع عنده الشعور بالاضطراب، فتولد عن ذلك الإحساس بالخوف و الفزع، و راح يضرب في الأرض قاصدا بغداد بعد أن أعياه طرق الأبواب، واستجداء ذوي المناصب، ألم يصرح فيما بعد:
“فما مررت بأمير إلا حللت ساحته أتمطر راحته ، ولا وزيرا إلا قرعت بابه، وطلبت ثوابه، ولا بقاض إلا أخذت سيبه، وأفرغت جيبه…” .
​إنها نفثة صدر مكلوم ، و خاطر مهموم ، يغلقها قناع اليقين بجدارة الذات الحاكية، (ذات الكاتب) وبحتمية الاستجابة لها وتلبية احتياجاتها وفي هذا ما فيه من الإحساس –ربما- بالتعويض عن تلك العلة التي استدعت مغادرة الديار، و الجنوح إلى الأسفار.
​يحط الوهراني الرحال ببغداد، فيجري قلمه في وصفها، و ينقلها عبر الحرف مشهدا رائقا، تهفو إليه القلوب، و تتوق إلى رؤيته الأبصار، كيف لا؟ وبغداد جنة على الأرض بشهادة جامع الشبه بينها و بين الجنة السماوية ..
​إنها الاحتفالية المختزلة بطبيعة بغداد و ساكنيها ، الذين سيختار الوهراني واحدا منهم ويخوض معه الكلام في جلسة ، يثريها الحوار و تتنوع فيها الأخبار.
وسأقتصر على خبر بداية الجلسة:
​يروي الوهراني خبر جلسته مع الشيخ أبي المعالي في الدكان، فيقول: ” … حتى جلست عنده. فحين نظر إلي، و رأى أثر السفر علي، بدأني بالسلام، و بسطني بالكلام، وقال: من أي البلاد خرجت ؟ وعن أيها درجت؟ فقلت من المغرب الأقصى ، و الأمد الذي لا يحصى ، و من البلد الذي لا تصل إليه الشمس حتى تكل أفلاكها، و تضج أملاكها ، و لا القمر حتى يتمزق سرجه، ويتداعى برجه، ولا الرياح حتى يحجم إقدامها ، و تحفى أقدامها، قال: كيف معرفتك بدهرك، و من تركته وراء ظهرك؟ فقلت: أما البلاد فقد دستها وجستها، وأما الملوك فقد لقيت كبارها و حفظت أخبارها ، و قد كتبت في ذلك مجلدا وتركت ذكرهم فيه مخلدا. فأي الدول تجهل ؟ وعن أيها تسأل؟ فقال: أول ما أسألك عن دولة الملثمين وأبناء أمير المسلمين، فقلت هيهات ، يا بُعْدَ من مات خمدت نارهم ، و بادت آثارهم ، و أسود ناديهم، وملكتهم أعاديهم:
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة و هم *** بعد الممات جمال الكتب و السير
أفلت بدورها، فتعطلـــــت صدورهـــــا *** وطلعت نحوسها، فغابت شموسها
أمست خلاء، وأمسى أهلها احتمــــــــوا *** أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ
​يتموقع هذا المقتطف بين بنيتي: الوصف و الإخبار، ويمتطي صاحبه صهوة لغة عصره، فيلحق في أجواء من الكثافة التعبيرية في شكل مساءلة موزعة على محورين:
1- محمور الاستبدال
2- محور التوازنات الصوتية
و المحوران يُطَعِمان النص بتشكيل متميز، لا يمكن تجاهل انتظامه، ولا التغاضي عن مؤهلات أدبيته.
– فمن الاستبدال مثلا، أنتقي عبارة: “ولا الرياح حتى يحجم إقدامها، وتحفى أقدامها” إذ يظهر التشكيل الاستعاري المعتمد في بنية الألفاظ المستعملة و الدالة على طبيعة العلاقة بين المستعار، و المستعار له في قالب تصويري ، يساهم الخيال في بنينته، لقد نسب الكاتب أفعالا إلى الرياح باعتبارها صدارة الشخصنة و التجسيم، فإذا بها وهي العنصر الطبيعي المشاكس- إن صح القول- لا تصل المغرب الأقصي حتى تستكين ، و استكانتها وليدة تقهقر عتوها، وكأنها تفقد بين المحطة و المحطة قوتها بالتدريج، حتى إذا وصلت ، حدث عندها ما يعمق معنى الشخصنة و التجسيم : – يحجم إقدامها / تحفى أقدامها
إن صورة الإحجام عن الإقدام، كصورة أولى ، تنتقل بالدلالة من المعنى العادي إلى المعنى المتخيل، يمنح الرياح خصائص كائن حي ، أنهكته الانطلاقة ، لأنه استثمر فيها كل جهده، و لم يحسن توزيع هذا الجهد على المراحل المتبقية للوصول إلى نقطة الهدف المنشود، فتسلل إليه الضعف، و انقلب حماسه إلى إحجام، و إقباله إلى نكوص… وقد تكون هذه الصورة إنما أنشئت للدلالة المؤكدة على بعد المسافة بين المشرق و المغرب الأقصى و على تحمل الكاتب مشاق التنقل إلى بغداد و كأني به ينقل معاناته، واشتداد الأمر عليه، ويسبغهما على الرياح، و هو ما يسمح بخلق نوع من التوحد يبنه و يبين أحد العناصر الطبيعية المعروفة بقلب الأجواء، وتسليط الاضطراب، وخلخلة الاستقرار، إنه الوجه الجامع بين ما يتولد عن التنقل و بين ما يتولد عن حركة الرياح، وتلك هي الصورة الثانية التي ستأخذ برقاب صورة مكملة حين يقول الكاتب عن الرياح: ” وتحفى أقدامها”، إذ بهذه الصورة، تتعزز دلالة الإنهاك و اشتداد الأمر على طالب الوصول إلى هدف معين حين يشمر عن ساعد الجد، و يخوض غمار الكدح، و تتقاذفه الصعاب، و تدحرجه الهزات إلى أن يصل وقد نفذ ما عنده، وحفيت قدماه، وخارت قواه، بعدما كانت عاتية مجلجلة تمتلك مؤهلات الإقدام قبل بأن تحفى الأقدام.
​أخلص إلى أن الوهراني أجرى نشاطا استعاريا، وظف من خلاله عنصر الاستبدال كطريقة صوغ جمالية تنبئ عن ارتباط العلاقة بفعالية السياق، حيث يبرز نوع من التناسب المنطقي بين فعل تنقل المسافر من مكان إلى مكان بعيد داخل زمن معين، وبين ما ينجر عن ذلك من تذبذبات وانزلاقات، تقلب وضع الاستقرار، وتحيله إلى وضع من الاضطراب و المناوشة – إن صح القول- خاصة إذا كان هذا التنقل خاضعا لشروط تنقلات القرن السادس هجري (استعمال الدابة كوسيلة مواصلات معتمدة) وتلك – لعمري- إحدى مواصفات الاستعارة المقبولة في نقدنا العربي القديم، ألم يقول ابن رشيق: ” وخير الاستعارة ما بعد و علم في أول وهلة أنه مستعار، فلم يدخله لبس”
​فعلا من أين يأتي اللبس إذا جمعنا بين صورة اضطراب المتنقل و بين صورة اضطراب الطبيعة في شكل رياح؟ كلاهما يغادر من محطة إلى أخرى ، كلاهما يجعل (الحركة) ديدنه، كلاهما انطلاقته قوية، وتوقفه دلالة تعب و فقدان لقابلية المضي. إنه السكون الذي يعقب الحركة ، والاستقرار الذي يعقب الاظطراب، و بعبارة مختزلة، إنها تجليات الدورة الحتمية لثنائية البدء و الختم لمختلف المجسمات الكونية.
1- ومن التوازنات الصوتية، الضاربة في أعماق النغمية، أنتقي قول الكاتب في الحديث عن دولة المرابطين (الملثمين): ” خمدت نارهم، و بادت آثارهم، و اسود ناديهم، ملكتهم أعاديهم” ولإبراز النغمية في هذه الفواصل، قد يجدر توضيحها في الترسيمة الآتية :

خدمت
نارهم
اعتماد المد بعد الحرف الأول

بادت
آثارهم
اعتماد المد بعد حرفين
و
أسود
ناديهم
اعتماد المد بعد الحرف الأول
و
ملكتهم
أعاديهم
اعتماد المد بعد حرفين

توازن صوتي

تــــــــــــــوازن كمــــــــــــــي

هذا التوزيع المبنين على التوازنين الصوتي و الكمي، ساهم في تشكيل إيقاعي داخلي منتظم، ينبئ عن نية جمالية مشرئبة إلى عرض موسيقى باعتبار أن ” الموسيقى في العمل الأدبي – شعرا كان أم نثرا- ليست عنصرا ثانويا ، بل هي من عناصره الجوهرية التي لا تكتمل أدبيته من دونها”.
​ولعله يمكن القول و بعد محاولة القراءة لهذا النموذج من كتابات (الوهراني) أن الرجل حافظ على ذوق عصره ، وبنى طقوسه التعبيرية على نسيج لغوي منسجم يجمع بين تصوير المتخيل وعرضه في قالب فني، مؤسس على المعاودة الإيقاعية و التي بمظهرها نظام الفواصل، وتكرار الحروف كالراء (نارهم / آثارهم) وكإبدال (نايهم / أعاديهم) عملا بأن “جبروت الحرف يذهب بعيدا، وبسبب طغيانه (…) فإنه يؤثر في اللغة و يبدلها، وهذا لا يحدث إلا في اللغة الأدبية المتألقة”. والتي تعتمد أسلوبا منمقا مختلفا عن الأسلوب العادي، منفلتا من المعيار إلى فضاء الوظيفة الجمالية الخاضعة لقانون انتهاك المألوف و إسقاط خصائص المحسوس على خصائص المجرد في تلوينات أدائية دالة على دربة و مران عند منشئها.
الوهراني في سطور:
​أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني، زار مصر أيام السلطان صلاح الدين، وتوفي سنة 575هـ بقرية على باب دمشق تدعى (داريا) بعد أن تولى الخطابة بها لمدة غير يسيرة، سلك طريق الهزل في كتاباته خاصة في منامه الكبير.

للدراسة مراجع وإحالات

 

 

*ناقدة وأستاذة بجامعة  بلعباس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق