الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | الأديبة السورية لبنى ياسين للمجلة الثقافية الجزائرية: الثقافة تجمعنا عندما تكون عقولنا منفتحة على الآخر

الأديبة السورية لبنى ياسين للمجلة الثقافية الجزائرية: الثقافة تجمعنا عندما تكون عقولنا منفتحة على الآخر

واحدة من الأديبات السوريات المغردات للحب وللسلام. سنونوة الكتابة، وصفها الروائي المصري الراحل أنور عكاشة بالمدهشة وهي التي تعترف أنها تبحث عما يثير الدهشة في نصوصها وفي لوحاتها. لبنى ياسين القاصة هي نفسها الشاعرة وهي نفسها الروائية وهي نفسها الفنانة التشكيلية التي تصنع لنا فضاء عالم يتماهى معنا، يعكس خيباتنا وأفراحنا الصغيرة وأحزاننا الكبيرة في عالم نشترك فيه جميعنا ولا نحافظ عليه كما يجب. هكذا تقول لبنى تحت السطور في هذا الحوار الذي جمعنا بها، ومن خلاله تسللنا إلى قلبها وإلى روحها.

المجلة الثقافية الجزائرية: سأسألك السؤال الذي نسأله لكل ضيوفنا: كيف تقدم لبنى ياسين نفسها للقارئ؟

لبنى ياسين: امرأة عربية مسلمة تحمل القلم في يدها والوطن في قلبها، وتسعى لأن تترك أثراً جميلاً، وأن تتسبب بدهشة جميلة لمن يقرؤها حرفاً ولوناً، وتحاول أن تحدث تغييراً إيجابياً، ولو طفيفاً من خلال الأدوات التي منحها لها الله.

المجلة الثقافية الجزائرية: تكتبين القصة والشعر والرواية وترسمين أيضا، أين تجد لبنى ذاتها ضمن هذه السرود والفنون؟

لبنى ياسين: في الحقيقة أجد نفسي في القصة والرواية أكثر من أي مكان آخر، لكن من جهة أخرى أستطيع أن أخبرك بأمر آخر وهو حقيقة أيضاً، عندما تأتي الفكرة تأتي محملة بأداتها، الفكرة ديكتاتور سادي، لا يسمح لي بانتقاء الأداة التي أريد، سواء كانت كلمة، أم لوناً، قصة، أم مقطوعة شعرية، أم ساخرة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تسلل الفن التشكيلي إلى عالمك وبات ينافس الكتابة؟

لبنى ياسين: لم يتسلل يا صديقتي، كان هناك دائماً، ظهرت موهبتي منذ الصغر في حصص الرسم المدرسية، ودرست في معهد أدهم اسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق، فني التصوير “الرسم”، والنحت، إلى جانب دراستي الجامعية في الكيمياء الحيوية.
وقتها شاركت بعدة معارض محلية، ثم شغلت كلياً بالصحافة، والكتابة، والعائلة، إلا أنني كنت أرسم بشكل متقطع، لكن حلم أن أقيم معرضاً شخصياً لم يفارقني مطلقاً، وفعلاً.. تغيرت ظروفي، فأصبح لدي متسعاً أكبر للرسم، وشاركت في معارض عالمية، في كوريا، والصين، وهولندا، وفلسطين، وساندني زوجي الفنان التشكيلي فائق العبودي، حيث علمني تقنيات حديثة، لم أكن قد درستها من قبل في معهد أدهم اسماعيل، مما جعلني متأثرة بخطه الفني، وبعد أن حققت حلم المعرض الشخصي الأول الذي لاقى إقبالاً، ونجاحاً أثلج قلبي، لم يعد في وسعي إلا أن أستمر، صرت أريد أن أبرز اسمي أكثر في مجال الفن، خاصة وأن إقامتي في أوروبا، والخيبة التي تركتها دور النشر العربية لدي، جعلت الكتابة غير مجدية على اعتبار أنني أكتب بالعربية، ولم يعد أمامي طريقة لإيصال ما أريد ايصاله، وترك أثر جميل هنا في المهجر إلا بواسطة الفن التشكيلي، وهكذا أقمت حتى الآن ثلاثة معارض شخصية، وشاركت في بينالي الصين لعدة مرات، وفي معارض عالمية في عدة دول، وعدة متاحف حول العالم.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما يثير انتباهي في لوحاتك التشكيلية التي تسنى لي تأملها هو تركيزك على الوجوه. ما الذي يمثله الوجه فنياً بالنسبة إليك. (لاحظي أنني ذكرت الوجه ولم أذكر العين مثلا) كما تركزين على اللونين الأحمر والأسود بشكل خاص. هل هي رسالة فنية أم أدبية؟

لبنى ياسين: الوجه هو الهوية الحقيقية للإنسان، عليه تقرئين تاريخه، طبيعته، مزاجه، وحتى انتمائه. ككاتبة وليس كفنانة فقط تجذبني الوجوه، العينان أكثر من بقية الملامح إن أردت أن أكون أكثر دقة، العينان تقولان كل ما لا يقوله الإنسان. أما الألوان، فأنا أحب الأحمر، لكنني لا أحب الأسود كثيراً، وإن سألتِ عن لوني المفضل فهو الأبيض الناصع، لكن كما أخبرتك في سؤال سابق، تأتي الفكرة محملة بأدواتها وتفاصيلها، ولا تنتظر مني اختياراً، أو حتى موافقة. أما عن الرسالة التي تكمن في رسمي لعين واحدة فقط، أريد أن أقول أنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، وكل منا يرى الحقائق من زاويته الضيقة.

سأعود إلى الكتابة:
المجلة الثقافية الجزائرية: منذ مجموعتك الأولى “ضد، التيار”، بدت لبنى ياسين غير تقليدية، ترفض الرتابة في الكتابة، مبدعة، وهو ما قاله الراحل أنور عكاشة لوصف تجربتك الأولى، دعيني أسألك بعد 13 سنة كيف تنظرين إلى نفسك؟

لبنى ياسين: ما زلت أبحث عما يثير الدهشة، أبحث عن مفاجأة القارئ بما لا يتوقعه، أو ينتظره، ما زلت أبحث عن تفاصيل تشد القارئ، ما زلت في طور المحاولة، والتجريب، والبحث.

المجلة الثقافية الجزائرية: يخيل إلي أنك تحاكين تلك الوحشة في نفوسنا، وخيباتنا، وأوجاع لا نجرؤ على كشفها، هل تشعرين أن لديك رسالة تريدين إيصالها؟

لبنى ياسين: أعتقد أن أحزان الإنسان العميقة، ودوافعه الداخلية، وعوالمه المخفية تجتذبني كثيراً، أغلب قصصي يطغى عليها الاهتمام بالعوالم النفسية والداخلية للشخوص. لا أدري إن كانت رسالة أريد إيصالها إلى القراء، أم إلى نفسي، لكنني أحب أن أفهم الآخرين، دوافعهم، مشاعرهم، أحب أن أضع نفسي في مكانهم لأعرف لماذا وكيف؟ والدوافع البعيدة غير المرئية لهذا السلوك أو ذاك، وأجد الإجابات الكافية التي تبرر تلك السلوكيات، لو لم أكن كاتبة، أغلب الظن أنه كان سيناسبني أن أصبح محامية أو طبيبة نفسية بسبب ذلك.

المجلة الثقافية الجزائرية: في حوار مع مجلة لوبوان الفرنسية قال الأديب البرتغالي خوزيه ساراماغو أن الكتابة في أحيان كثيرة تصبح نقمة، هل توافقين هذا الرأي؟

لبنى ياسين: أحياناً، عندما تترك الفكرة لي الباب موارباً، فلا تأتي، ولا ترحل، وتبقى ما بين بين، كأنها تعاقبني على إثم لم أرتكبه، فأدرك أن هناك شيء ما يختلج في داخلي، لكنني لا أستطيع الإمساك به، حيث تبقى الفكرة محتجبة، ويصبح مخاض الكتابة صعباً، ذلك الأرق الذي تسببه حالة كهذه، أرق موجع، يشبه إلى حد كبير تأنيب الضمير، تلك هي النقمة إن صح التعبير.

المجلة الثقافية الجزائرية: تبدين مهتمة بالسياسة، إلى أي مدى تسرقك السياسة بتناقضاتها من هدنة الكتابة والرسم إن صح وأسميناهما هدنة؟

لبنى ياسين: السياسة تعيش في بيوتنا، تأكل وتشرب معنا على نفس المنضدة، هل تستطيعين أن تنتزعي نفسك من المشهد الذي يحيط بك في الوطن، الفساد، البطالة، المحسوبية، الظلم، والآن في خضم الحرب الطاحنة في سوريا، هل يمكنني أن أتناسي أنني جزء من هذا المشهد الدامي، حتى إن تناسيت سيذكرني العالم كله بهويتي، وهمي، وحربي التي تدور وأقتل فيها في اليوم ألف مرة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تقرأين ما سمي بالثورات العربية، وتحديدا ما يجري في سورية باعتبارك أديبة سورية؟

لبنى ياسين: في ظل الفساد، والمحسوبيات، وكون ” البعض” وهم فئة معروفة وغير قليلة فوق القانون، كان لا بد من ثورة لتصحيح مسار الوطن والمواطن. وعندما بدأت كانت الأنظار والقلوب موجهة إليها باعتبارها ثورة سلمية تسير بسوريا نحو واقع أفضل . لكن ما حدث أن الثورة أصبحت موجة، نجح الكثيرون في ركوبها، وتداخلت الأجندات الخارجية بشكل لم يعد واحدنا يستطيع تفسير ما يحصل، وأريقت الدماء، وتشردت الأسر، ونهبت الآثار، وخطف الكثيرون لصالح السوق السوداء لمجرمي تجارة الأعضاء، والرقيق الأبيض، وغرق من غرق، وقتل من قتل، وأصبح هناك مجموعة من الشرفاء منبوذة من النظام والمعارضة، يرزحون بين نظام فاسد، ومعارضة أفسد منه، والخسارة الحقيقية في كل هذا السيرك المهلهل هو الوطن.

المجلة الثقافية الجزائرية: شهدت في الفترة الماضية ما عرف بمهزلة العرب في انتخابات اليونسكو، دعيني أسألك عن رأيك كمثقفة في الصراع الذي حدث؟

لبنى ياسين: سأعترف لك بأنني فقدت الإيمان بالعروبة، بعد أن رأيت العرب عصابات لا تجتمع على كلمة، بعضهم يأخذ الأوامر من إيران، والآخر من تركيا، وثالث من قطر أو من السعودية. ولا أحد بينهم جميعاً يلتفت إلى مصلحة الوطن والمواطن، كلها مصالح شخصية تتراوح بين المال، والسلطة، والانتقام، أي خير يرجى فيمن وضع مصلحته الشخصية مهما كانت قبل الوطن، وتقبل إلغاء سيادة وطنه لصالحه الشخصي؟! هنا يا صديقتي أقف عند مفهوم الإنتماء، طرحت سويسرا في استفتاء شعبي مشروع قرار تمنح فيها مواطنيها جميعا راتب شهري، سواء كانوا يعملون أم لا، وذلك لكي يعملوا في الوظائف التي يحبونها وليس اضطراراً لأجل المال، سيدهشك معرفة أن الغالبية رفضت القرار خوفاً على اقتصاد الوطن، أين تجدين انتماء كهذا في بلداننا، نحن متعصبون تعصباً أعمى إلى مفاهيمنا، وقبائلنا، ومذاهبنا، وأدياننا، وأقاليمنا. متعصبون بمفهوم القبلية، لكننا فعلياً لا نعرف المعنى الحقيقي للانتماء، والوطن يحتاج إلى مواطن يشعر بالانتماء، فلا يقطع شجرة، ولا يقتل طائراً، ولايخرب ملكية عامة، ولا يرم أوساخه في الطريق، ولا يتقاتل مع أخوانه حفاظاً على أرض الوطن. لو فكر المتناحرون قليلاً في الصالح العام، في عروبتهم المزعومة، في أوطانهم المكلومة، في قضايانا المعلقة التي تحتاج إلى موقف عام يدعمها، لفازت قطر برئاسة اليونسكو رغم كل الخلافات، لكنهم آثروا فوز المرشحة الفرنسية وهي حسب ما قرأت يهودية، وبالتالي هناك احتمال كبير في كونها ستدعم اسرائيل، وليذهب العرب _الذين جعلوها تفوز _ وقضاياهم إلى الجحيم.

المجلة الثقافية الجزائرية: ألا يفترض أن الثقافة تجمع ولا تفرق؟

لبنى ياسين: الثقافة تجمعنا عندما تكون عقولنا وقلوبنا منفتحة لتقبل الرأي الآخر مهما كان مختلفاً، يتطلب ذلك فكراً حراً، يفهم حريته كما يفهم حرية الآخر، وحرية الفكر لا تأني فقط من الثقافة، بل من النزاهة أيضاً، فقلم مدفوع لصاحبه لا يمكن أن ينتج فكراً حراً، أو محايداً، أو صادقاً، وحرية الفكر تأتي أيضاً من التخلي عن التعصب، يتطلب ذلك أن نناقش ثوابتنا بتجرد، ودون تعصب أو انحياز. نحن العرب يا صديقتي على اختلاف مشاربنا وانتماءاتنا الفكرية أو العقيدية نتصف بتعصب مخيف، اسألي من حولك هل ناقشوا أنفسهم في ثوابتهم بشكل حيادي ، ولو ساعة واحدة في حياتهم قبل أن يحكموا على الآخرين، أويحاكموهم؟

المجلة الثقافية الجزائرية: سأعود إليك، هل تشعرين أنك أخذت حقك اعلاميا ونقديا؟

لبنى ياسين: في بلادنا من النادر أن تجدي كاتباً أو فناناً أخذ حقه، العرب ليسوا بقراء للأسف، وهذا يفقد الكتابة والنقد أهميتها في المشهد الثقافي. كما أن هناك عوامل أخرى كالشللية، والاختلاف في الرأي، والذي يصبح خلافاً شخصياً في خطوة لاحقة، وسبباً في حصار الكاتب، وإبعاده ونصوصه عن الساحة الأدبية. الأمر ليس منوطاً بي وحدي بل بأغلب المبدعين إن لم يكن كلهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثيني عن قراءتك لزملائك الأدباء في الوطن العربي، من يعجبك منهم؟
لبنى ياسين: يسقطني هذا السؤال في فخ الذاكرة، فأنا أعاني من تذكر الاسماء، لكنني أستطيع أن أقول أنني ترعرعت مع كتب الأديبة السورية غادة السمان، الأديبة كوليت الخوري، والأديب حنا مينا، والأديب نجيب محفوظ، والشاعر نزار قباني، والشاعر محمود درويش، وغيرهم الكثير، تعجبني الأديبة غادة السمان بلغتها الشاعرية، الشاعر نزار قباني بلغته السهلة القريبة من القلب، الشاعر محمود درويش بتعابيره المختلفة والصامدة.
وقرأت أيضاً لأجيال أصغر ممن ذكرت، لكن تجربتهم الإبداعية تستحق الوقوف عندها، أذكر منهم الشاعر مؤيد الشيباني، والشاعر ناجي علي حرابه، والأديب حسن علوان، الأديبة ابتسام تريسي، الأديبة ابتسام شاكوش، الشاعرة الشابة لينا عطفة، والشاعر الشاب رامي العاشق.، وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة، وربما المساحة لذكرهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

لبنى ياسين: في الحقيقة كوني أعيش في أوروبا، يجعل حصولي على الكتب العربية صعباً للغاية، وما أقرؤه هو ما أستطيع تحميله من الانترنت، قرأت بالطبع الطاهر وطار، والأديبة آسيا الجبار، الأديب المبدع واسني الأعرج، الأديبة أحلام مستغانمي، والأديبة فضيلة فاروق، صديقتي العزيزة زكية علال، وصديقتي أيضاً ياسمينة صالح، قرأت لأسماء أخرى ليست أقل إبداعاً إلا أن الذاكرة تخونني في إيرادها، ويلفتني في الأدب الجزائري جمالية اللغة التي أرجعها ربما لإتقان أغلب أخوتنا الجزائريين للغة الفرنسية المعروفة أدبياً بالجمال.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأين الآن؟
لبنى ياسين: أقرأ :من يمتلك العالم؟ لنعومي تشاومسكي، ولوعة الغياب لعبد الرحمن منيف

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتبين؟
لبنى ياسين: بدأت بكتابة رواية لم أكملها، لكن لدي مجموعة قصصية، ومجموعة شعرية، ومجموعة مقالات ساخرة بانتظار دار نشر يرضيني التعامل معها لكي أطبعها.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة أولى، فلا أقول كلمة أخيرة.

لبنى ياسين: في البدء كانت الكلمة، قدرها أن تكون في البدء، وتبقى هناك دائماً.
محبتي وتقديري لمحاورتي ..

 

بعض لوحات الأديبة والفنانة التشكيلية لبنى ياسين

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الكاتب والأكاديمي والناشط السعودي دحام العنزي للمجلة الثقافية الجزائرية: المثقف موقف، والاستحقاقات الأخيرة انتصار للإنسان السعودي وللمرأة بشكل خاص.

يعد الكاتب الأكاديمي السعودي واحد من أكثر الكتاب اقتناعاً بأحقية المجتمع في التغيير، ظل لسنوات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *