ثقافة السرد

فصل من رواية شتاء اخضر دافئ

احمد الشريف*

حظ أفضل إلى الجحيم

ونحن على وشك الانتهاء من العمل، سمعنا صوت يان تورا عاليًا، وصوت امرأة ترد عليه بصوت عالٍ أيضًا.
يان تورا: كان يجب أن تنتبهي جيدًا.
المرأة: من كان يجب أن ينتبه هو أنت وليس أنا.
المرأة تتجه إلينا وتبدأ في الشكوي.
– لقد هشم الجزء الخلفي من سيارتي وكاد أن يقتلني. تبدو علي وشك البكاء. يان تورا يصرخ في المرأة : أنتم أيها المهاجرون لا تعرفون قواعد المرورـ
المرأة مصدومة بما سمعت تنظر إلينا في صمت. ترتدي مثل أي فتاة أو امرأة نرويجية لكن بشرتها ووجهها يشيران إلى أصول باكستانية. ثوانٍ تمالكت المرأة نفسها وبدأت ترد علي هجوم يان تورا: أنا نرويجية مثلك ، أدفع الضرائب وأعرف قواعد المرور، أما إذا كنت تشير إلي أصلي الباكستاني ، فهذا ليس شأنك ولا يليق أن تتحدث هكذا.
حاولنا تهدئتها ،إلا أنها أصبحت غاضبة ومنفعلة بعد إشارة يان تورا إلي أصلها الباكستاني .
ــ تذكر أيها السيد إننا شاركنا في بناء هذا البلد أيضًا.
المدير ينزل مسرعًا يستفسر عما يحدث، سمع ما قالته المرأة ثم طلب منها أن تصعد إلى مكتبه فى الطابق الثاني وقال لها: يمكنك أن تعطيني بعض المعلومات وبعد ذلك سنجد حلاً.
أنقسم الزملاء إلي فريقين فريق ضد المرأة ، فريق ثانٍ يحاول تهدئة الوضع أما يان تورا ، الذي تسبب في المشكلة فقد جلس بعيدًا في أحد أركان المخزن وبدأ يتكلم في الموبايل . تريا من المهاجمين للمرأة: أنا أعرف هؤلاء الباكستانيين جيدًا إنهم يتصرفون كما لو أن النرويج بلدهم . مورتن بصوته الخفيض يحاول تهدئة تريا، : ليسوا جميعًا هكذا ياتريا.
تريا يعلو صوته غاضبًا: لا ، كلهم هكذا ، كما أنهم لا يكتفون بأنفسهم هنا، بل يأتون بسائر عائلاتهم أيضًا ، وكل هذا بسبب من يجلسون في المكاتب ويعطونهم تأشيرات. يشعل سيجارة و ينفخ الدخان بتوتر : أتذكر الآن ، إنني عانيت كثيرًا ، لأشتري شقة، أما هم فقد أعطتهم الدولة أو الكمونا، بيوتًا وشققًا يسكنون فيها بلا مقابل . الكل صامت الآن. تروند يجلس هادئًا. فيدار هو الآخر هادئاً، لم يعلق كعادته. تريا ينظر إلىّ ويستأنف كلامه : عفوًا عندما أتكلم هكذا ، لكن هؤلاء الباكس – كلمة للتحقير – يعيشون، يعملون ، يكسبون كثيرًا، وكثير منهم لا يدفع الضرائب ، كما إنهم يقولون عنا، إننا كلاب.
انقطع كلام تريا، بعد أن رأينا المرأة تقف مع المدير أمام باب مكتبه: شكرًا لك. قالتْ ذلك ونزلتْ مسرعة ثم خرجتْ من المخزن.
المدير ينزل درجات السلم، يتطلع إلينا مثل من يبحث عن شخص بعينه.
– أين يان تورا؟
يقف فيدار، يضع يديه حول فمه ويصيح : يان تورا يان تور ااا
يخرج يان تورا من أحد الأركان. فيدار، يقترب منه قائلًا: المدير يريدك، حظ أفضل. يان تورا يلوح بيده بشكل لا مبالي وهو يتجه إلى المكتب: حظ أفضل إلى الجحيم.

في مساء الجمعة، تلقيت مكالمة من منصور يحثني فيها علي الخروج قليلًا خاصة أن غدًا السبت ولا عمل. كعادته لم يعطني فرصة للرفض : معي سيارة ، فد دقائق.
انتظرته أمام البيت. أتي بسيارة صغيرة بيضاء موديل قديم مكتوب عليها للبيع . ركبت في صمت بعد أن أجتزنا عدة أماكن أدركت أننا لسنا في الطريق إلى مركز المدينة.
ـــ على فين يامخّبل؟
أسأله مازحًا. رد بشكل عادي: هنشتري دخان . لم أعلق. أعرف من المرات السابقات إنه يشتري السجائر والخمور المهربة، نظرًا لرخص أسعارها. هذه المرة يسوق بهدوء ربما لارتفاع المكان عن الأماكن الأخرى المنبسطة . ربما أيضًا للثلج الذى بدأ يتساقط في بطء. وقف أمام مبني مكون من طابق واحد. فتح باب السيارة وخرج : هسه وراجع . انتابني إحساس بالارتياح والسلام وأنا جالس داخل السيارة في مكان مرتفع والثلج يتساقط بهدوء في الخارج.
المطر يتزايد، قطرات تنزل من علي أوراق الأشجار إلى الأرض، أفتح زجاج السيارة قليلًا، أستنشق الهواء بعمق، أغمض عيناي وأذهب بعيدًا في خيالاتي. لم أنتبه عندما جاء منصور، فتح باب السيارة وبيده كيس ممتلئ بالسجائر وأشياء أخرى. أنطلق بالسيارة إلى مركز المدينة. سألته عن حسين، قبل أن يجيبني ، عبث بيده في الكيس، أخرج علبة سجائر، مد يده بها لأساعده في فتحها.
ــ حسين سافر مع صديقته للسويد، وراجع . لم أحب أن أسال كثيرًا لكنني شعرت أن الأمور تسير بشكل طبيعي مع حسين، على الأقل هو لا يستسلم لليأس أو الحزن . وصلنا إلى بداية شارع كارل يوهان من ناحية يان بان تورجا. توقف منصور، ركن السيارة في أحد الأماكن، سرنا في الشارع، فجأة توقف أمام محل يبيع ويعرض كل ما له صلة بالجنس.
ــ لازم أشتري شيئًا.
لم أعترض دخلت معه وأنا أتساءل، ما الذي سوف يشتريه هذا المجنون ؟ يعمل بالمحل ثلاث فتيات ، زبائن من النساء يتجولن في المكان، على الأرفف كتب عن الإيروتكا والجنس ، والعديد من قارورات العطور والزيوت ، المساحيق ، وأنواع وأحجام مختلفة من الواقي الذكري ، نماذج لأعضاء الذكورة والأنوثة ، في أحد الأركان ملابس داخلية نسائية، سي دي هات، وقرود أعضاؤها منتصبة، أقلام وقداحات وعلب سجائر فارغة عليها رسومات لحيوانات منوية ، شموع بألوان متعددة على هيئة العضو الذكرى . ثلاث سيدات يشرن إلي عدد من الأعضاء الذكورية ويبتسمن ، إحداهن التقطت نموذجًا مطاطيًا لعضو ذكري كبير قربته من وجه صديقتيها مبتسمة ثم دفعت به إلي عاملة المحل لتضعه لها مع اشياء أخرى أشترتها . جواري شاب وفتاة ، الفتاة مدت يدها والتقطت عددًا من الواقي الذكري : أعتقد أن هذا يناسبك. ابتسما معًا. امرأة أخرى تداعب صديقها، وتضربه ضربات خفيفة بسوط صغير كان معلقًا في أحد الأركان.
نخرج من المحل .
نسير في شارع كارل يوهان الممتلئ بالناس وأصوات الموسيقى والأضواء.
لماذا الكل يضاجع الكل؟
“كما تعلم أنا في الأصل نجار، ولا توجد صلة بين عملي كنجار و عملي في هذا المكان أو أن أدخن الحشيش ،نعم نعم أنا أحب الطعام المتبل، حتى الآن لا أفهم ، كيف يفكر الناس عندما يتعلق الأمر بالطعام والاستمتاع ؟ نعم لقد أخبرتك سابقاً أنني أحب كرة القدم وأشجع المنتخب الكولومبي أنت بالطبع تعرف ما تفعله المافيا هناك . الآن يمكنني أن أفهم كيف يفكر الناس عندما يتعلق الأمر بالحشيش وكرة القدم . هل قلت إنك سوف تعمل مع اللاجئين؟ نعم نعم أعرف أن النرويج تستقبل عددًا كبيرًا من اللاجئين وتساعد في الأزمات والحفاظ على البيئة والغابات، لكن ألا يتحمل دافعو الضرائب كل هذا ؟ نعم، إذن نحن نتفق إنه سوف تكون مشاكل في المستقبل ليس مصادفة إننا أصدقاء، لا لا ليست عندي حلول بل عندي سؤال ، سؤال واحد أفكر فيه طوال الوقت منذ أن ولدت ، لماذا الكل يضاجع الكل في هذا العالم، وداعًا”
صوت يان تورا وهو يتكلم في التليفون أو يكلم نفسه من يعرف ؟ يان تورا يجلس معزولاً في أحد الأركان أمامه عدد كبير من الكراتين والبضائع التي تحجب رؤيته، استمررنا في العمل حتي موعد الراحة والغداء.
ــــ يان تورا ، ألن تتناول الغداء معنا؟
يسأل فيدار بصوت عالٍ. يان تورا، يخرج من خلف الكراتين والبضائع، يمشي ببطء نحو قاعة الطعام، يجلس في أحد أركان القاعة هادئًا، يحتسى من كوب قهوة، نظر إلينا وإلي المدير الذي جلس معنا، ثم حدق عبر النافذة للشارع . بعد انقضاء وقت الغداء طلب المدير أن نجلس قليلًا لنسمع بعض المعلومات الجديدة فيما يخص البضائع وتوزيعها، وأيضًا للحديث عن دعوة العاملين للاحتفال معًا في أحد الأماكن برأس السنة الجديدة، ومعرفة من سياتي ومن سيغيب.
ثبت المدير خريطة علي أحد الحوامل الخشبية أرانا أماكن التوزيع الجديدة، وكتب أسماء المحلات والمطاعم التي طالبت بزيادة البضائع بسبب أعياد رأس السنة، : من الأسبوع القادم سوف يكون هناك عمل أيام السبت. من يرد أن يعمل يبلغني. ابتسم فيدار، وغمز بعينه لنا: هل ستدفعون أم أن الخدمة مجانية؟
ضحك المدير ثم أجاب : ساعة العمل يوم السبت ستكون بزيادة في الدفع عن الأيام العادية.
ــــ رائع، جيد، إذن سوف أعمل، أنا أيضًا، وأنا .
توالت التعليقات والصيحات المرحة. فيدار علق بطريقته: سوف أرسل الآن رسالة إلى زوجتي أقول فيها إنه لا يزال هناك أمل في أن اشتري لها هدية رأس السنة.
ــــ أفعل هذا، علق المدير والزملاء وهم يضحكون.
وضع المدير ورقتين على المائدة لتسجيل الأسماء، ورقة للعمل يوم السبت والثانية لاحتفالات رأس السنة ، فيما يخص رأس السنة اعتذر بعض الزملاء لأنهم مدعوون في مكان آخر، ثلاثة أنا واحد منهم أخبرنا المدير إننا سنحتفل مع الأسرة . لم يتبق في القاعة سوي يان تورا الذي لم يعلق أو يسجل اسمه سواء للعمل يوم السبت أو المشاركة في الاحتفال . المدير ينظر إلى يان تورا الجالس منكس الرأس وبيده كوب القهوة . بعد تردد قال المدير: يان تورا لم نسمع صوتك ولم نعرف ما إذا كنت سوف تعمل يوم السبت أو ستأتي للمائدة ؟ يان تورا، يرفع رأسه ببطء ينظر للمدير ولنا ولم يعلق. ثوانٍ من الصمت ثم يرفع رأسه ثانية ويقول : أشعر إنني غبي.
ــ لا لا ، لست غبيًا يا رفيق يان تورا، تتعالي أصوات الزملاء معلقين، لكنه لم يلتفت إلى تعليقات الزملاء.
ـــ نعم أنا غبى، الدليل على ذلك أنني أعمل معكم وفي هذا المكان!

 

*روائي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق