الموقع

من وحي المناسبة المعنوية في القرآن الكريم

إبراهيم الباش

كثيراً ما يطرح المستشرقون وغيرهم شبهات تتعلق بالنص القرآني، ولا سيما في تناسب آياته وسوره جاهلين أو متجاهلين ما أودعه الله من وجوه المناسبة بين السورة والسورة من جهة وبين الآية والآية من جهة أخرى وبخاصة الآيات التي يتوهم أن لا صلة معنوية بينها وبين سابقها ولاحقها، وما ذاك التوهم إلا لقلة بضاعة هؤلاء  وتجنيهم الراجع إلى جهلهم باللغة وبلاغتها، مع تحامل الكثيرين منهم على الإسلام وكتابه الخالد.. مع علمهم يقيناً أنه كتاب يفوق في تحديه البياني والعلمي أي كتاب آخر، فهل القرآن متفرق المعاني في سوره المكية كما يقول (لامانس) وهل هذه الآيات المكية متقطعة الأنفاس مما يؤدي إلى النقص في معنى الجملة الواحدة كما زعم؟ وهل الوحدة المعنوية بين السورة مع سابقها ولاحقها متلاشية وأن القرآن يعيبة التكرار كما يقول نولدكة، ولماذا لا تتناول كل سورة موضوعاً واحداً تساق آياته في معالجة قضية واحدة؟ إلى غير ذلك من الشبه والاعتراضات التي يطرحها هؤلاء مع ما فيها من افتراءات أوهي من بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.

إن المتأمل في الوقع الذي أحدثه القرآن في مسامع العرب وإذعانهم له في عهد النبوة يدرك أن وراء هذا الإذعان ما وراءه، ففضلاً عن احتواء القرآن الكريم على الغذاء الروحي الذي تاق إليه العرب المشركون، فإن القرآن استطاع أن يتحداهم في جنس ما عرفوا فيه من اللسان والبيان، ولعلهم أدركوا بفطرتهم اللغوية تلك المناسبة البينة بين آيات هذا الكتاب وسوره، وإلا لما دانوا له مستسلمين لبيانه، وهذه المناسبة بين سور القرآن بعضها مع بعض وتناسب آياته موضوع مهم جداً في تأصيل جانب من التحدي القرآني، ولم يعتن بتوضيح هذه المناسبة إلا عدد قليل من المفسرين وأشار الزركشي صاحب كتاب (البرهان في علوم القرآن) إلى قلة المشتغلين بهذا العلم المهم فهذا العلم يريك القرآن توقيفي على الراجح وهذا لا شك يدعم تسلسل المقاصد من السور وتآخي الأغراض فيها.

نماذج من المناسبة بين السور بعضها مع بعض:

ـ إذا تبصرنا في نهاية كل سورة مع بداية السورة التي تليها وجدنا الصلة المعنوية بين ما ختمت به السورة مع ما يليها من السورة التالية ومن ذلك افتتاح سورة الحديد بالتسبيح (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) “الحديد: 1”.

فهذا مناسب لختام الواقعة بالأمر به (فسبح باسم ربك العظيم) “الواقعة: 96”.

ـ ومن ذلك افتتاح سورة البقرة بقوله(ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه) “البقرة: 1 ـ 2” فهذا مناسب للصراط في قوله في سورة الفاتحة (اهدنا الصراط المستقيم) “الفاتحة: 6” وكأنه قيل لهم: ذلك الصراط  الذي سألتم الهداية إليه هو (الكتاب) مما يؤكد حسن الارتباط وعمق المناسبة بين السورتين.

ـ ومن جميل المناسبات أن سورة الكوثر جاءت كالمقابلة للتي قبلها من سورة الماعون، فالماعون سورة وصف الله بها المنافق بأربعة أمور، البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الزكاة ففي مقابل البخل، ذكر (إنا أعطيناك الكوثر) وفي مقابلة ترك الصلاة (فصلّ) وفي مقابلة الرياء قوله (لربّك) أي لرضاه لا للناس، وفي مقابلة مع الماعون (وانحر).

ـ ومن عظيم المناسبات في فواتح السور افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) “الإسراء: 1”.

وسورة الكهف بالتحميد (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً) “الكهف: 1”.

والتسبيح دائماً مقدّم على التحميد، وفضلاً عن ذلك فإن سورة بني إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدّالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون كذّبوا ذلك، وقالوا: كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس، وعاندوا وتعنّتوا وقالوا : صف لنا بيت المقدس فرفع له حتى وصفه لهم، والسبب في ذلك الإسراء أولاً ليكون ذلك دليلاً دامغا على صحة قوله بصعود السماوات، فافتتحت السورة بالتسبيح تصديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم لأن تكذيبهم له تكذيب عناد فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذي كذبوه.

ـ وأما سورة الكهف فإنه لما احتبس الوحي وأرجف الكفّار بسبب ذلك أنزل الله رداً عليهم أنه لم يقطع نعمته عن نبيّه بل أتّم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة السابغة.

ولو سرنا على هذا المنهج من التتبع لاتسع الحصر عن الإحاطة بوجوه المناسبة بين السور فيما بينها أفيقال بعد هذا إن الروابط المعنوية بين السور تكاد تكون متلاشية كبرت كلمة تخرج من أفواههم.

نماذج من المناسبة بين الآيات بعضها مع بعض:

ـ إن ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ببعض وعد تمامه، وهذا كثير في القرآن وواضح بحيث تأتي الآية التالية إما تأكيداً أو تفسيراً أو اعتراضاً وغير ذلك، وإما ألا يظهر الارتباط بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وأنها بخلاف النوع المبدوء به وهذا النوع هو الذي يحتاج إلى تدبر وتأمل لكشف وجوه المناسبة فيما يتوهم فيه عدم الاتصال المعنوي ومن ذلك قوله تعالى :(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إلى أن قال. (وآتينا موسى الكتاب) فإنه قد يقال: أي رابط بين الإسراء و(آتينا موسى الكتاب) ولو تأملنا السياق القرآني لرأينا أن التقدير: أطلعناه على الغيب عياناً، وأخبرناه بوقائع من سلف بياناً، لتقوم أخباره على معجزته برهاناً، أي سبحان الذي أطلعك على بعض آياته لتقصها ذكرى، وأخبرك بما جرى لبني إسرائيل في الكرّتين كما أنه أسري بمحمد إلى ربه كما أسري بموسى من مصر حين خرج منها خائفاً يترقب.

ـ ومن المناسبة بين الآيات قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) “الغاشية: 17 ـ 18 ـ 19 ـ 20”.

فقد يسأل سائل ما وجه المناسبة بين الإبل والسماء والجبال والأرض في هذه الآيات؟ وجواب ذلك أن الجمع هنا جرى على مجرى العادة بالنسبة لأهل البادية، فأكثر معاشهم من الإبل، وعنايتهم بها شديدة وهذه العناية لا تحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر، وهو سبب تقليب وجوههم في السماء، ولابدّ لهم من مأوى وحصن يتحصنون به، ولا شئ في ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم عن التنقّل من ارض إلى سواها، فإذا نظر البدوي في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور.

ـ ومنه قوله تعالى في سورة الحج (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له) الحج: 73″.

وقوله في الآيات التي تليها (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) “الحج: 75”.

فالملاحظ أن الله عز وجل لما قدّم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوات أفيكون هذا الارتباط المعنوي بين الآيات نفسها منكراً عند أولي الألباب وهو ظاهر لمن تأمل وتدبر.

وبعد: فإن الشواهد القرآنية على إثبات ظاهرة المناسبة بين السور والآيات كثيرة جداً بل إن القرآن كله يكاد يسير وفق هذا المنهج المضيء، وإذا كانت حكمة الله عز وجل قد اقتضت أن تتعدد الموضوعات في السورة الواحدة فإن هذه الموضوعات تتوحد في المقصد العام لأن تنوع الموضوعات ثم اجتماعها في أصول متلازمة متآلفة خير من سوق الحديث في موضوع ضيق، وإن تطبيق أي منهج في تفسير القرآن يجب ألا يكون على حساب انتظام الآيات القرآنية في سوره، لأن لهذا الترتيب سواء في السور أو الآيات دلالته الفنية المعبرة عن الوحدة الموضوعية المعنوية كيف وقد حقق القرآن استجابة المتلقين لنصه بتنوع مشاهده وتوحد مقاصده، فصارت آياته وسوره مؤثرة عند تفرقها بما تصوره من معان متعينة وهي مؤثرة كذلك عند اجتماعها بما تبسطه من ظلال معنوية متصلة بالهداية العامة للقرآن الكريم في العقيدة والشريعة والأخلاق، فالقرآن نور في سوره وتناسبها ونور في آياته وتناسبها، نور في وحدته نور في تجزئته (كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حيكم خبير) “هود: 1”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق