قراءات ودراسات

سيرا على الرموش لمناغاة نص((رائحة يديك على رغيفي) للشاعرة ((نوال الغانم))

حميد الحريزي

((الجمال ينقذ العالم)) (1)

)( الشاعر في الحقيقة شيء خفيف كالأثير مجنح ومقدس لا يستطيع أن ينظم ليستحق اسم الشعر دون أن يكون ملهما أو مجنونا أو أذا بقي في رأسه عقلا إطلاقا , فبينما يحتفظ الإنسان في رأسه بأي جزء مما يسمى عقلا لا يستطيع أن يبدع شعرا أو يقدم نبؤات () (2)

خوفا من  ألأحجار المتشظية المسننة مخترقة جسد الأرض الطري ، ومدن مغلقة نوافذها  طاردة للشمس والدفء ، نوافذ يخشى فتحها كي لا تسكن فضائياتها رياح مغبرة خانقة، ارض جرداء  سائرة أشجارها وخضرتها صوب الانقراض مقتدية بإعجاز نخل خاوية، خوفا من حرب وحشية تسللت  لتملأ جيوب الأطفال بالبارود واللوعة وجثث رجال حفرت مناقير الطيور تاريخ موتها فوق جماجمها المتفسخة في ساحات الموت الأسود، البيوت صيرت أفران تلهب الأجساد في صيف ملتهب تشوهت جدران وفقدت الفتها  وارتدت ثوب الغموض.

تحمل روح المحبة عصا الريح والمطر، وتتمثل علبة الألوان المسكونة بالريح والبرق والرعد  علبة الألوان تحتبس عواء الريح وطبول الرعد العملاقة المدوية والبرق الذي يشج هامة الظلام، تساق انعكاسات كل هذه الصور، صور الزمن الميت ،وشظايا الخوف، ولوعة القتلى ،وحرمان الأطفال ….و..ووووو لكي تكون ممثلة في دم اللوحة التي يراد لها ان تولد لتعكس كل تفاصيل الواقع الموجوع المفجوع……….

الخائف المنبوذ ((اللص)) ينام مطمئنا بين ثنايا ثياب المرأة منتهكا حرمتها وقدسيتها وسلامها الروحي، تتفجر أجساد  النساء في انفجارات الموت الأسود، وتتفجر أرواحهن مع كل انفجار بفقد الأبناء والبنات والأزواج والأشقاء والمحبين، إنها  تعاني الموت والتقطيع والحرق مع كل انفجار وان لم يكن جسدها حاضرا في ساحته…. تحتار المرايا كيف لها ان تتمكن من عكس أشلاءها المتناثرة المحترقة النازفة الصارخة المستغيثة  النادبة…….

استعارة قرآنية((أين ما تولوا وجوهكم….)) تدل على لعنة الأقانيم والأصنام والتماثيل والتمثلات وهي تتبع الإنسان  كظله أينما توجه والى أية وجهة ذهب…انه حصار الثوابت والرواسخ والمتحجرات التي لا تمس ولا يغمض لها جفن في محاصرة فضاء اختيارات الإنسان

بعد ان تستحضر المبدعة نظرها ويدها ونبض قلبها على هذه الصور الضاجة بالألم والمرارة والموت والخراب، تأتي  لتغرس قلمها في دم اللوحة لتخلص الى حزمة من الوصايا والإرشادات والتمنيات وتؤشر أبواب الخوف لتدل ضمنا الى أبواب الخلاص…. فتشنق ورقتها التي تبدو ك((سبورة)) الكتابة السوداء تخط عليها حروفها البيضاء حاملة كل ألوان الحياة  بعد ان تمر عبر موشور حسها وفكرها وخيالها المبدع الخلاق كي تشدوه وهي ((تللولي- دلول يا((بغدادي)) دللول ..عدوك هايم وساكن الجول)) للوطن والإنسان ومدينتها التي تخشى عليها حتى من عيونها فرغم المرارة والموت والخراب لازالت بغدادها باذخة الحسن والجمال والرقة  وكأنها تمسك الخشب وهي تنظرها بعيون الأم المبهورة بجمال وغنج ودلال وبهاء ابنتها….. ( وعندما يستكمل المولود الفكري الجديد الفكرة العلمية أو الصورة الشعرية بالطبع مستلزمات وجودها المستقل فانه يرى النور في اللحظة الحاسمة بشكل حتمي لأمراء فيه تماما كما هي الحالة في الجنين ) (3)

وهكذا ولد نص الشاعرة((رائحة يديك على رغيفي)).

تضع رأس الحبيبة في حضنها وتحكي وتنصح وتحذر وتهدهد حبا وشوقا وخوفا

تطالب الكلمة ان تكون نبعا زلالا يسقي غزالة  مطعونة بخنجر العطشى ، وتطالب السماء ان تملأ سلة أمنياتها وأحلامها بالغيوم الواعدة بالمطر والارتواء والحياة من اجل ان تحرر الروح من قيود ((المادة)) وان كانت هذه القيود من ذهب…..

تهدهد تسكن من روع الظلال مبعث الراحة والاسترخاء والأمان ان تسكت  ان تهدئ فالسواد، الظلام، قاتل الظلال – كائن حي نشط ينمو  ويكبر كلما علا صوت صراخ شجرة الحياة رمز العطاء والنماء ومولدة الظلال……

تطالب طيور حملة الوداعة ورسائل الحب والسلام ان لا تحط على شرفات الدار ف ((البيت  مليء بالمخبرين)) …وان لا تحط على ارض تسكنها الأفاعي القاتلة…..

بعد عرض كل هذه الصور أمام  أنظار الحبيبة  تتلو عليها خماسية الخوف المرعب:-

الخوف ان يستيقظ حراس الموت والخراب فيقبضوا عليها …..

تخاف ان يسمعوا غناءها المحبوس في حنجرتها وليس على لسانها ولم تلفظه شفاهها!!!!!

تخشى ان يشموا رائحة يديها على رغيف الخبز …!!!!

تخشى ان يروا ظلال حبيبته على  الستائر!!!

ثم يبلغ بها الخوف والحرص على بغدادها الى حد الخوف عليها حتى من نفسها ومن رموش عينيها…. إنها مسكونة ب((فوبيا)) الخوف التي هيمنت على كل فضاءات بغداد الحبيبة المرعوبة المهددة بالموت والمطوقة بالحراس والمسكونة بالأفاعي.

في المقطع الأول للنص تفجر الشاعرة معنى النص المستعار من النص القرآني ليتحول ((الرطب الجني))  عند هز الشجرة فيتساقط  حجراً  قويا، حجر مسنن يغرز أسنانه بالأديم الذي حولته ((الغانم)) الى جسد حي لأنه مأمن على أجساد ضحايا الحروب والخراب والإرهاب.

مما يؤشر إبداعا وخلقا مبهرا للصورة الشعرية ((قوة الخلق الشعري تكمن في صياغة الشعر للمضمون داخليا دونما استعانة بأشكال خارجية أو بتعاقب من الأنغام وهو بعمله هذا يحول الموضوعية الخارجية إلى موضوعية داخلية يظهرها الروح برسم التمثيل في الشكل عينه الذي تكون عليه هذه الموضوعية ويتحتم أن تكون عليه في الروح )).(4)

او كما يقول د. يمنى العيد((صحيح ان التعبير الفني، كل تعبير فني ، هو في حقيقته وبشكل عام ، تعبير منزاح، مفارق لعالم الواقع المادي، لكنه، في هذا الانزياح ، يمارس فعل الإحالة  على هذا العالم  بوسائله الفنية الخاصة.))(5) .

في المقطع الثاني يتفجر النص بتصادم الوجه بين ((نشيح)) و((نحو)) حصل بين التوجه المشمئز او الإقبال المشيح لان المدن أعدمت نوافذها وأغلقت كل أبواب الحرية وكل إمكانيات تجديد هوائها الفاسد….ولم تتح للأشجار رمز النماء والخضرة والعطاء الا طريق الانقراض  متمثلة شجرة النخيل التي  سبقتها في الانقراض….

في مثل هذا الواقع لابد ان تجد الحرب- المقطع الثالث – ثغرات وأبوابا مشرعة للتسلل لتكمل صور الخراب وتشبع رموز الحياة بنقيع دم الضحايا….. تصف الكاتبة مآسي الحروب بما يفترض ان يكون – هاهي تملأ جيوب الصبي بالحلوى والأراجيح وبالطيور- لكن هذه الطيور تأشر لواقع الحرمان لأنها عقبان تؤرخ  بمناقيرها رأس القتيل…أب الطفل او أخيه او معيله….

البيوت أفران  تصهر الأرواح وتسور بجدران غامضة…..(المقطع الرابع)

تتوالى انزياحات صور الصور ودلالاتها المدهشة حقا مما يدل على مدى قوة وحيوية المنظومة الا شارية الأولى(الحسية) عند الكاتبة لتتألق في وتبرع في رسم  الصور والمشاهد التي تهيمن على القارئ \ الناقد وكما يقول نوري جعفر(( إن ما يميز الفنانين  ( تتطلب عندهم المنظومة الا شاريه الأولى ( أو الحسية ) على المنظومة الا شاريه الثانية ( أو اللغوية ) وتتطلب الأقسام الدماغية الواقعة تحت المخ ( المسئولة عن المشاعر ) على المخ ( عضو التفكير ) ( وكلما ازداد مقدار النشاط المخي الحسي عند هذا الفنان أو ذاك أصبح أكثر براعة وأرقى )).(6)

((الغانم)) تظهر عبقرية في رسم الصور بالفرشاة المصورة وبالقلم الناطق بلغة مبهرة غير مألوفة مما ملكها قدرة استثنائية في انزياح المعاني واغتناء الدلالات وارتواء وامتلاء الكلمة بمضمونها المتجدد الى أعلى مدى تهيمن بقوة سحرية على نظر وفكر ومخيلة القارئ والناقد الذي يكاد ان يفقد حياديته  ويستدعي ويحفز قابليته الشعرية لتوصيف  وتعريف النص وكان الكاتبة تمكنت تصب قارئها وسامعها نيرانا تلهب الفؤاد كما تمنى الشاعر البولوني ادم ميسكيفتي  حيث قال((ليت بوسعي ان اصب في قلوب سامعي النيران التي تلهب فؤادي)).

بما ان الشاعرة فنانة تشكيلية  انعكس على البراعة في رسم الصورة  وهنا تبرز أهمية العمل بالنسبة لمهارات الإنسان وتطور قابليته وتهذيب حركات ونسق عمل أعضاءه المختلفة كما يقول –(( يوري فرولوف))(7 )

إنها تمثل قدرة مخية غير عادية لتأدية وظيفتها في الا ثارة والكف كما يصفها نوري جعفر( إن القشرة المخية التي هي الأداة الجسمية للفكر أو عضو التفكير بجميع مستوياته وبخاصة الأصيل منه تقوم إثناء ممارستها عمله اليومي المعتاد وإثناء الابتكار في مجال العلم أو الفن بعمليتين متكاملتين متلاحمتين ومتميزتين متنافرتين في إن واحد هما عملية الإثارة وعملية الكف ).(8)

((أقول للكلمة :

تداركي بالنبع غزالتك المطعونة بالعطش))، ((أهدهد الظلال، أقول لها: اسكتي، السواد كائن حي ينمو، كلما يتصاعد الصراخ من فم الشجرة)) وأقول للطيور وتستمر الأقوال ومنابع الخوف فتعيد كتابتها دموعي و تكتوي بحسراتي وأنا أعيد وأعيد قراءة النص.

فأي مدى من الإثارة هذا الذي تََمَّنعَ على الكف  فتنهمر دموعي؟؟؟؟؟

والمبدعة الشاعرة بحق تبني وتولد بالحزن والخوف روحا جديدة تنشد الجمال والكمال والأمان والمحبة والسلام كما يقول دستوفيسكي:- ((الا يعد الحزن إشارة او علامة على إيمان جديد، على روحانية جديدة)) (9)

رؤية الشاعرة واضحة وقولها مجلجل بمقت الشر وأدواته ووسائله ،والتغني بالحياة والسلام والمحبة لوطنها ولأبناء وطنها ولبغداد ها الحبيبة التي تحبها بجنون وتخشى عليها الى حد المرض والوسواس النابع طبعا  من هول ما يحيطها من أخطار وأهوال مضت وأهوال حاضرة وأهوال قادمة ، هذا الخوف الذي لا يمكن ان نعالجه الا  بخطاب منبري مهزوز القواعد بان :- اطمئني فبغداد التي قاومت الفرس والمغول والانكليز ..و..و ستبقى تقاوم الشر وستسترد عافيتها ومجدها…..الخ.

لغة النص باذخة الجمال  مبهرة الإزاحة بالغة الدلالة انه جنون الشعر كما يقول أفلاطون، صعب علي الإمساك بها كسمكة منزلقة وسط نهرها الدافق بالعذوبة والنقاء ، وقد استعصى النص على ((شبكتي النقديه)) فاحدث فيها خرق ومزق  ، ستكون لي عذرا ومبررا لقصوري او لإغفالي او عدم إلمامي  بما يخفي وما تخبئ كنوز النص من جواهر ونفائس  لا تثمن ولا تعرف الا من قبل صائغ  ماهر خبير…….

نالت ((نوال)) رضا ومباركة وتقدير ربة الشعر والفنون كما أرى، فألف مبروك للشاعرة المبدعة.

الهوامش:-

1-      دوستويفسكي ص32 –عودة الإنسان ترجمة ثائر زين الدين منشورات دار علاء الدين ط2 2009.

2-      – هيغل ..(فن الشعر) ص6 ،ترجمة جورج طرابيشي.

3-      د. نوري جعفر ..(الأصالة في الفن ) ص21.

4 – كرستوفر كودويل .. نفس المصدر السابق ص 149

5-    د.يمنى العيد((في القول الشعري –الشعرية والمرجعية- الحداثة والقناع)) ص73دار الفارابي ط1 2008.

6-   د. نوري جعفر ص27-28. نفس المصدر السابق.

7-   (العمل والمخ ) ص24.

8-    د. نوري جعفر ص23 الأصالة في شعر أبي الطيب المتنبي – مطبعة الزهراء –بغداد 1976

9-   عودة الانسان دستوفسكي  ص23

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق