الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | المهاجر معكوسا: قراءة في رواية خرافة الرجل القوي للجزائري بلكبير بومدين​

المهاجر معكوسا: قراءة في رواية خرافة الرجل القوي للجزائري بلكبير بومدين​

بقلم: طارق بوحالة*

خاص المجلة الثقافية الجزائرية: يعرف المشهد الروائي الجزائري منذ بداية الألفية الثالثة قائمة لكتابات روائية تنسحب تحتها أسماء أدبية معروفة ومخضرمة وأخرى شابة تخط طريقها الروائي عبر نصوص سردية ذات موضوعات مختلفة، إذ كثيرا ما نهلت هذه النصوص من مخزون مكون من مصادر متنوعة موزعة بين الواقعي والتاريخي والمتخيل، وذلك من أجل تشكيل تصورها ومناقشة وجهة نظرها إزاء قضايا راهنية.
ولتجاوز مشكلات التعميم والاستقراء الناقص في ذكر هذه الأسماء الروائية، فإننا سننتقل مباشرة إلى محاورة تجربة روائية للجزائري “بلكبير بومدين”* عبر نصه “خرافة الرجل القوي” الذي نشر عام 2016. إذ سيتم الاهتمام بسبر أغوارها محاولين الكشف عن أهم المواطن التي تضمر أنساق تحيل على تمثيلات الغيرية.
بطل رواية خرافة الرجل القوي شاب جزائري مولود بفرنسا لأب هاجر منذ فترة طويلة تاركا وراءه لكل شيء له علاقة بالوطن والوطنية جراء حادثة وقعت أيام الثورة، عندما شهد على حادثة اغتصاب راحت ضحيتها والدته من قبل أحد -من يعتقدون أنفسهم- مدافعين عن استقلال الجزائر.
يقع “جواد زهري” بطل الرواية تحت محك سؤال ملح يرتبط بهوية الشاب المدعو: سليم زهري الذي قتل في شارلورا ، ما دفع جواد للبحث عنه في الجزائر عبر مدينتي قسنطينة وعنابة.
يكتشف البطل في نهاية الأمر أن الشاب المقتول هو شقيقه لأبيه، يقطن في مدينة شطايبي بولاية عنابة،
تبدأ الرواية بحيرة البطل “” إزاء الأوضاع التي يعيشها المهاجرون في مدينة شارلوراو البلجيكية، وهم الذين يمارسون نشاطات مشبوهة، على الرغم أن “شرطة المدينة من فترة لأخرى تكثف حملاتها ضد شبكات ترويج المخدرات، لكنها سرعان ما تتوقف عن ملاحقة هؤلاء الشباب الذين تستخدمهم تلك العصابات” (رواية خرافة الرجل القوي، ص 9.)
يثير كلام أحد زملاء جواد في العمل غضبه، حين يجلس بجانبه مستفز إياه بكلام جارح مفاده:”ماذا يأتينا من العرب غير العنف والإجرام؟ فهؤلاء المهاجرون نمنحهم الحرية والحقوق التي يحلمون بها في بلدانهم البائسة، ثم يكافئوننا بالتفجيرات الإرهابية أو بالانحراف والإجرام.” (ص 26)
يفتح هذا الاتهام هوة سحيقة في وجه جواد زهري، تدفع به بعد تشجيع زوجته “نور” إلى العودة بحثا عن هوية وأهل القتيل ، وفي الحقيقة هي عودة للبحث عن هويته هو التي عرفت عطب وجروح خلفها قرار والده أن يتخلى نهائيا عن وطن كان السبب في فضيحة مدوية حصلت لأمه أيام الثورة التحريرية من قبل بني جلدتها الذين كان الأجدر بهم الدفاع عنها وليس انتهاك عرضها.
ومنه فإن الهجرة التي قام بها والده من قبل، ستعرف هجرة معكوسة من قبل الابن، هذه الهجرة التي تبيّن أننا لا يمكن أن نشفى من حمى الوطن، وحتى وإن حاولنا تركه ونسيانه نهائيا، فنحن لا نختار وطننا بل هو الذي يختارنا، تماما مثل الوالدين.
يقول جواد زهري: “عاش أبي في برد الغربة محروما من دفء وطنه، ورافقه هذا الشعور إلى حفرة قبره الرطبة، دفع أبي ثمن خيار لم يكن له يد فيه، دفع ثمنا باهظا كلفه الابتعاد عن الأرض التي لم يحب أرضا غيرها. كلما كان أبي يسرد على مسامعي تلك القصة البشعة، كان خيالي يذهب بي بعيدا إلى إعادة تشكيل المشاهد والصور المفزعة.” (ص 16)
يكتشف جواد زهري في نهاية الرواية وبعد رحلة بين قسنطينة وعنابة أن سليم زهري هو أخوه من أبيه، ما يبين أن والده لم يقاوم غربته بل اختار أن يعود إلى الوطن ويتزوج وينجب دون علم أحد.
تتموقع رواية خرافة الرجل القوي ضمن النصوص السردية التي تمزج بين الواقعي والتاريخي والمتخيل عبر تشكيل خطابي يضمر جملة من التمثيلات الثقافية التي تحيل على الأنا المتشظية في مواجهة تحديات متمثلة في قداسة التاريخ، وزيف حوار الحضارات وبؤس الواقع.
يمارس فضاء مدينتي “قسنطينة وعنابة” سلطته على البطل، الذي كان بصدد اكتشاف أول لهما، حيث اكتشف ملامحهما، ليتعرف عبرهما على ملامح وطن كان لسنوات حاضرا في مخيلته فقط، وذلك حين شحنها بما رسمه من صور عديدة ومتزاحمة جراء ما كان يروى له خاصة من قبل والده.

*أستاذ النقد الثقافي بجامعة عبد الحفيظ بوالصوف، ميلة الجزائر

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الجواهري يرثي أمه

عدنان الظاهر*  الجواهري ( 1900 – 1998 ) قفص العظام تتكون قصيدة الجواهري من ثلاثة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *