ثقافة المقال

الكتاب العربي بين الفكر المنتج المتجدد والفكر المستهلك المتجمد

* بقلم حميد لفته الحريزي

إن طلب الإنسان لأي شيء سواء أكان ماديا أم روحيا ً أنما ينبع عن حاجة تختلف درجة أهميتها بدرجة قدرتها وكفاءتها لسد هذه الحاجة أو إشباع ذلك الطلب. فلا يطلب الإنسان الماء إلا عندما يكون عطِشا ً ولا يطلب الأكل إلا حينما يكون جائعا. ومن هذه الحاجات هي حاجة الإنسان للكتاب والذي هو بطبيعة الحال مضمون لمجهود فكري خالص أو لمنهج تحليلي متسائل أو أسلوب استعراضي متوازن وعلى مختلف الاختصاصات والفروع العلمية وإلأنسانية. وبذلك سوف تتنوع الرغبة لطلبه حسب حاجة صاحب الرغبة أو الطلب مضافا ً إليه قدرته الشرائية ووسيلة حصوله على مبتغاه .
ولو رجعنا إلى تجارب الشعوب لوجدنا إضاءة كثيرة تيسر لنا الطريق في حل إشكاليتنا المطروحة حول الكتاب العربي . ومن هذه التجارب تجربة الحضارة العربية إلأسلامية . وبالذات خلال العصر العباسي حيث الأزدهار الاقتصادي والاجتماعي وخصوصا ً في عاصمة الدولة العباسية بغداد ” , وكيف يوفر لنا التأريخ الكثير من الشواهد حول سعة انتشار حرفة الوراقين و والخطاطين بالإضافة إلى انتعاش حركة الترجمة في مختلف فروع العلم والمعرفة الإنسانية ومنها الفلسفة والطب والرياضيات وقد وصل كل ذلك برعاية من الخلفاء العباسيين وخصوصا ً في عهد هارون الرشيد والمأمون وخلفائهما مثل (دار الحكمة) والمدرسة المستنصرية . وقد ازدهرت حركة التأليف وظهرت إلى النور الكثير من المؤلفات العلمية والفكرية والفلسفية وعلم اللغة والكلام في هذه الفترة وعلى أيدي علماء عرب ومسلمين من مختلف ولايات العالم الإسلامي آنذاك.
ولا زلنا لحد الآن نسترشد لا بل نصاب بالانبهار والدهشة حول عمق وجرأة تلك البحوث والدراسات والكتب في مختلف العلوم .
ولا شك أن كتب الرازي والفارابي وأبن رشد والخوارزمي وابن جني وابن خلدون ….. الخ من العلماء والفلاسفة والمتكلمين العرب والمسلمين ناهيك عن مؤلفات الشعر والأدب والفنون على اختلافها.
حتى أن العديد من المفكرين والمجددين في العلم والفلسفة والفقه دفعوا حياتهم ثمنا ً من أجل سلوك طريق الحرية والإبداع والتجديد والتحرر من قيد التقليد والركود إلى عالم العقل المتسائل والتفكير والتشكيك سعيا ً للغور في عمق الظواهر والأشياء وسبر أغوارها وكنهها وتفسيرها تفسرا ً علمياً ومنطقيا ً ونزع ثوب التسليم بما هو واقع ومتداول .
ولا نظن إننا بحاجة إلى تعداد أسماء ضحايا هذا النهج والمنهج ممن استطاعت أيدي ومحارق قوى الظلام والتخلف والسكون وتأييد الوضع القائم أن تنال منهم سجنا وتشريدا ً وحرقا ً وقتلاً .
ولاشك إن هذا الحال هو حال بداية عصر التنوير والنهضة في العالم المتحضر في العالم الغربي منذ القرن الخامس عشر الميلادي فصاعدا والذي أستطاع أن يضع أسسا قوية للتقدم والحضارة والسير بها قدما ولحين التاريخ , بينما تراجعت وماتت هذه الحركة في البلدان العربية والإسلامية لأسباب موضوعية وذاتية . وهنا نحن نحاول أن نلقي الضوء على بعضها حسب ما يسمح حيز مجال المقال .
فلكل حركة تغيير لا بد من وجود حامل اجتماعي محدد له دور واسع ضمن الحراك الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المعني بالتغيير.
أن رسوخ أسس الخلافة العباسية وهي في أوج فتراتها أثناء خلافة الرشيد وولديه وتعاظم موارد الدولة بالإضافة إلى تلاقح مختلف الحضارات والثقافات التي امتدت أليها يد المسلمين وبسطت سيطرتها عليها . قد اوجب حاجات عديدة منها :
ضرورة استكمال وإحكام دواوين الدولة من حيث التوثيق ومسك سجلات الغنائم والجبايات ونفقات الولاة والعساكر وغير ذلك كثير , ووجوب حصول تطور في نوعية وكمية ووسائل متابعة ومراجعة مثل هذه الأمور .
إزدياد الحاجة إلى أنواع جديدة من الأكل والملبس والدواء ووسائل الترفيه بالإضافة إلى أنواع جديدة ومتطورة من الأسلحة والأعتدة والقصور والأبنية وأدوات ووسائل الزينة واللهو والرفاهية تتناسب مع التطور الحاصل في موارد الدولة وتوسعها .
طرح إشكاليات غير مسبوقة في عالم الفكر والفقه والفلسفة والتشريع والعلم تستوجب الحل وإبداء الرأي والمثابرة تتجاوز التقليد وثقافة الترديد والتلقين المسابقة والمرافقة لحالة المجتمع الرعوي أو الإقطاعي وشبه الإقطاعي الراكد والذي تتعارض ثقافته وأسلوب حياته ومثله وإجاباته ووسائله عما تتطلبه إرهاصات الطبقات الاجتماعية الجديدة الناهضة المنتجة .
في مجال العلم والعمل والفلسفة وهي بدايات لنشوء طبقة برجوازية وعمالية منتجة بالإضافة إلى طبقة تجارية عابرة للحدود القطرية وحدود الولايات عابرة للبحار وهذا كله يتطلب حدوث تغير جذري في أسلوب حياة وتفكير وإرادة التغيير من حيث اختزال وانحسار رقعة الموروثات والممنوعات والمحظورات وسعة ساحة حرية التفكير والتنظير والتساؤل .
مما قاد إلى حدوث حالة من الغليان الداخلي في عقول وأذهان العلماء والمفكرين والفلاسفة وحتى الحكام العرب والمسلمين لخلق وإبداع واستقدام الجديد , فنشطت حركة كبيرة من الترجمة والتأليف واقتحام المجهول والمحظور بشكل تجاوز طموح السلاطين والحكام فأحسوا باهتزاز تيجان عروشهم لعجزهم الموضوعي والذاتي وعجز ركائزهم الطبقية عن مجاراة هذه الفورة والثورة المتسارعة صوب الانطلاق والتجديد والحرية ومن ضمنها حركة المعتزلة وأخوان الصفا وغيرهم مما استوجب قمع وإيقاف هذه الحركات وعدم السماح بتجاوزها للخطوط الحمراء المسموح بها
فقد جرى قمع هذه الحركات وبأكثر الأساليب وحشية تحت حجج وتبريرات واهية بين الشعوبية والزندقة أو الردة فكان ما كان بشأن أبن المقفع والحلاجوغيرهم الكثير اللذين تمت تصفيتهم وبأبشع الصور وقد أحرقت وأتلفت كتبهم ومؤلفاتهم ما تعرضت له كتب ومؤلفات ابن رشد دليل وشاهد على هذا القمع الفكري في عهود الانحطاط ولم تكن القوى الناهضة والثائرة قادرة على المقاومة فلم تكن واعية تماما لما تريد ولازالت قاصرة من حيث النظر والوسيلة والتجربة كقوى منتجة في دولة ربيعية ساكنة كابحة للتطور الصناعي والزراعي الواسع .وهذا مما أبقى هذه الحركات الفكرية الثورية تراوح مكانها وتتبنى نفس أساليب ونهج وفكر الطبقات المستغلة في نهجها الفكري ونهجها العملي لا يكاد يتجاوز حالة الثار والانتقام وعجزها الموضوعي لفهم وتحليل أسباب الفقر والتمايز الطبقي.
مما جعل حالة السكون والرتابة تهيمن من جديد على ساحة الفكر والتأليف والترجمة في البلاد العربية والإسلامية . حيث غرقت في بحر الخرافة والسحر والشعوذة والتفنن في إدامة عروش السلاطين ( الرعاة ) وتأبيد هيمنتهم وسيطرتهم على رقاب أفراد الرعية وكل ذلك يجري تحت مظلة المقدس عبر التحريف والتزييف ونحل وصناعة الأحاديث والتفاسير بما يخدم السلطان.
ولا غرابة أن نلمس واقع وحال كُتابنا في العصر الراهن والذي غالبا ما يتجه نحو التوصيف وليس تعريف الظواهر والأحداث ومجريات الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية في البلدان العربية في واقع ألأمية والبطالة ونزعة الاستهلاك في ظل اقتصاد ريعي معتمدا في هياكله الرئيسية على الصادرات البترولية أو الصناعة الحرفية الغير متطورة , طبقات سياسية تقليدية وديكتاتورية مستبدة مهيمنة على سدة الحكم قابعة تحت عباءة التقليد والتحديد للفكر والعمل ومصادرة لحرية الأفراد والجماعات ,مكرسة منهج تعليمي وتدريسي تلقيني ينتهك الروح والجسد والذهن في أساليب الحفظ والاستنساخ وحضر التساؤل والتجديد ومن ذلك مثلا ً خلو مناهجنا الدراسية وعلى مختلف المراحل من مادة ودروس الفلسفة وعلم الاجتماع وهو العلم المشكك المتسائل الناقد والمجدد ويعارض السكون والتقليد والرتابة ويصبو للحرية والتجديد.
من يراجع ويتابع اغلب رسائل الماجستير والدكتوراه في مختلف جامعاتنا في الاختصاصات العلمية البحتة والعلوم الإنسانية سوف يصاب بالدهشة أن يمنح الطالب الباحث الشهادات العليا دون أن يأتي بجيد يؤيد أو يفند ما هو عليه في مجال اختصاص وإما ديمومة من حالة الاجترار والتكرار والنقل وإعادة الترتيب والتبويب دون المسائلة والتعقيب، فالكاتب العربي بالخصوص ينقل ويفصل القول ولكنه لا يقول يحرر ويؤشر ويفسر ولكنه قلما يخلق وينتج ويفكر ويتفكر وبذلك فإننا لا تتجاوز منحى ومسلك ومنهج الكتاتيب ودور الدراسات الدينية المتوارثة وهي تعيد وتصقل وترمم حروف وصفحات الكتب الصفراء وليست تجديد مضامينها ومسائلتها ومن ثم تجاوزها استجابة لمتطلبات الحداثة العلمية والفلسفية المعاصرة بالضد مما حدث في الغرب الأوربي حيث شهدت الكثير من الأديرة وقام العديد من القسس ورجال الدين بانجاز بحوث علمية باهرة في مختلف العلوم مثل النظرية الدار ونية وقوانين مندل في الوراثة وغيرها الكثير من شواهد عصر النهضة والتنوير في أوربا.
وحسب ما نرى حرصت الطبقات المهيمنة على السلطة السياسية على تأبيد الواقع المتخلف لتأبيد سلطتها الوراثية والاستبدادية حديثة المظهر متخلفة المضمون والجوهر وقد استماتت هذه السلطات على إبقاء الحراك الاجتماعي راكدا وتابعا لعجلة الحضارة الرأسمالية لينغمس ويضيع وسط لجة ثقافة الاستهلاك والخدر الفكري والعملي والعلمي بينما سعة لتنمية طبقة طفيلية من توابع السلطة وحواشيها لتتخادم وتتناغم مع إرادة الرأسمال العالمي المهيمن وفقدان روح الاستقلال والإبداع .
عملت الأنظمة على تدجين أو تخوين المثقف العربي الذي إما أن يضع قلمه وفكره في خدمة السلطان والدوران داخل حظائره ودهاليز قصوره وضياعه أو أن يوضع ويضيع في زنازين السجون والمعتقلات والحرمان والتكفير والتسفير والتشهير مسلطة عليه سيوف أجهزة القمع السلطوية بالإضافة إلى سيوف الموروث المتخفي خلف ستار المقدس والذي غالبا ما يكون اشد فتكا من فتك الأجهزة الرسمية تحت ضغط وفعل فتاوى التكفير والتحقير فما على المفكر والكاتب إلا إن يهرب بريشه إن كانت له أجنحة قادرة على حمله إلى دول المهجر وإلا سيتعرض للموت والتصفية الجسدية ولنا في ما تعرض له الكاتب والمفكر المصري نصر حامد أبو زيد والسيد ألقمني والشهيد مهدي عامل والشهيد حسين مروه والدكتورة نوال السعداوي والكثير غيرهم اللذين لم تتاح لهم فرصة التفكير والتنظير والإبداع إلا في الجامعات والمعاهد الغربية ولنا في مثال سمير أمين وفالح عبد الجبار ومحمد أركون وغيرهم في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة.
نخلص إلى إن حضور الكتاب يستدعي حضور الكاتب وحضور الكاتب يستدعي الحاجة للفكر المنتج الذي يستدعي مجتمع منتج والمجتمع المنتج يستدعي حضور مناخ الحرية والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية وحسب ما نرى إن هذا الأمر من الصعوبة تحقيقه في البلدان العربية لأسباب كثيرة المحنا إلى بعضها في عرضنا بينما يتعذر علينا الخوض في تفاصيلها
ومن الملاحظ إن هناك المئات من المجلات والمجلدات والكتب التي توزع إما مجانا أو بأبخس الأسعار في الوطن العربي نرى ويرى غيرنا بأنها ستكون أكثر فائدة لو وزعت على شكل ورق ابيض.

* رئيس تحرير مجلة الحرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق