الثلاثاء , نوفمبر 21 2017

لقاء النهرين

أسعد الغزوني*

وجد أحمد نفسه مطروداً من بلده بعد أن تآمر عليه أعمامه وأكلوا حقه ورموه خارج الحدود.
كان أحمد شاباً يافعاً طموحاً قوي الشكيمة شجاعاً لا يخاف أحداً، وهذا الذي أثار نقمة أعمامه الجبناء عليه وخافوا ان يحل محلهم ويتسلم مقاليد الأمور في العائلة، أين سيذهب؟ لقد سدت جميع الأبواب في وجهه.
ترى أين سأذهب؟ لابد من مكان أكون فيه نفسي واستعيد شيئاً من قوتي لارجع إليهم اقوى من ذي قبل. آه أيتها الأرض ما أوسعك و ما أضيقك في نفس الوقت إنها لبنان عروس البحر ومقر التجار والجواسيس العالميين، لماذا لا أذهب إلى هناك إلى البلد الوحيد الذي يناسبني وهناك سأعمل المستحيل.
هكذا قرر أحمد أن يبني نفسه من جديد ولكنه لم ينس تعسف أعمامه وجبن ابيه.
وصل إلى بيروت، وأخذ يتجول في شوارعها يتفحص وجوه الناس الشرقيين والغربيين وواجهات المحلات المطرزة بالكلمات الفرنسية، يا إلهي إنها صندوق العجب، قال لنفسه واستطرد: بيروت عروس البحر جئتك مظلوماً فافتحي أبوابك لا ترديني خائباً. وقضى على هذه الحالة من التسكع المقصود ودراسة الوجوه وحفظ مداخل الازقة ومخارجها إلى أن عثر على عمل يقيه في البداية وواظب عليه، وفي الليل كان يقرأ ويحلل ما يقرأه ويخطط كيف سيكسب الأصدقاء في هذا البلد الطيب، وفي إحدى الليالي التقى بفتاة شقراء تبدو فرنسية الملامح، أعجبته يا لها من فتاة مرحة، جميلة قدها مياس، ولم ينتظر حتى لحقها وناداها بصوت مسموع:
– مودموازيل، لحظة لو سمحت.
رجعت الفتاة قليلاً وأدارت وجهها إلى الصوت المنادي خفق قلبها وكأنه أخبرها بشيء ما.
ولم لا؟ فهم يقولون دليل المرء قلبه، وبابتسامة خفيفة ردت عليه.
– أتقصدني يا سيد؟
– نعم.
– وماذا تريد مني يا ترى؟
– أرجو أن تسمعيني جيداً
– تفضل.
– أنا شاب جئت إلى هذا البلد قبل مدة وقد أعجبت به وبناسه ويا حبذا لو تصبحين صديقة لي تعينينني على مصائب الدهر.
صمتت الفتاة وشردت بعد ان أحست أن ذلك الشاب يخفي بداخله شيء ما.
– يا إلهي إنه جريء جداً. ماذا يريد مني؟ إنه وسيم أيضاً ورجولته بادية من ثقته بنفسه وإلا لما كلمني بهذه الطريقة في الشارع! أوه ماذا تخبىء لي أيها القدر، وصمتت بعض الشيء، وأحمد ينظر إليها بعينيه العسليتين فقالت تحدث نفسها.
– آه مشكلة لو كان مسلماً فأنا مسيحية تباً للعادات والتقاليد وفجأة قطع عليها أحمد تفكيرها وكأنه قرأ أفكارها.
– اسمي أحمد وكما ترين من الأسم فأنا مسلم وأنت ما اسمك يا ترى.
– آه، آه اسمي ماريا عمري عشرون عاماً مسيحية كما ترى من الاسم كذلك ولكن قل لي باسم الرب ماذا تريد مني بالضبط لقد انهارت أعصابي.
وبابتسامته المعهودة أجابها:
– لا أريد شيئاً عزيزتي سوى الصداقة نكون صديقين فقط ربما ستفرجين عليّ همومي وتعينينني على قضاء حاجتي.
وبحركة هستيرية نظرت إلى ساعتها وكأنها أصابها الدوار.
– أوه يا عزيزي.. إنني آسفة لقد تأخرت ولكني سوف أراك في الغد هل لك بتحديد موعد؟
– لك ذلك يا عزيزتي ماريا غداً الساعة الخامسة مساء عند مدخل شارع الحمراء.
– أورفوار.
– مع السلامة.
افترق الاثنان وأصبحا كالهشيم الذي دبت فيه النار كل يحدث نفسه عن تلك الصداقة العجيبة.
– يا إلهي، كيف سأكسبها؟ إنها ناعمة رائعة وعلى ما يبدو فهي على درجة كبيرة من الثقافة إن غداً لناظره قريب.
أما ماريا فقد كانت تمشي وتتعثر بلا شيء وتنظر إلى الخلف كلما خطت خطوتين إلى الأمام.
– أوه إنه هو فارس أحلامي بل وفارس أحلام كل فتاة في مثل سني لكنه لم يأت على صهوة جواد أبيض بل جاء راجلاً على قدميه، لا يهم ذلك المهم النتيجة كيف سأحتفظ به دعيها للرب يا ماريا! قالت لنفسها.
وصلت ماريا إلى البيت على غير عادتها مرتبكة ترجف كأنها في شهر كانون منهكة، كانت ولم تستطع أن تبين وجهها لأبيها وأمها اللذين كانا جالسين حول مائدة العشاء، ولكن شعور الأم لا يخيب، وهي أدرى الناس بابنتها حيث لحقت بها تستفسر عن أحوالها.
– أماه بحق الرب ألا تكلميني، سوف أفقد عقلي إذا تكلمت الليلة دعيني وحدي أرجوك بحق الرب.
– ولكن كيف للأم المخلصة أن تترك ابنتها الوحيدة في مثل تلك اللحظات؟ لقد اصرت على معرفة ما جرى لابنتها.
– لا يا ماريا! لا يا ابنتي العزيزة بحق القديسين والقديسات.
وأشارت إشارة الصليب على جسدها وقالت : أريدك أن تخبريني بما يجول في خاطرك فأنا صديقتك قبل أن أكون أمك.
صرخت ماريا وبدت بعفوية التي خرجت من البحر في ليل موحش.
– لا، لا يا أماه دعيني، دعيني بحق القديسات الذين تعرفينهن.
انتظرت الأم قليلاً وأحضرت كوباً من العصير المثلج لابنتها.
– اهدأي قليلاً يا ابنتي وقولي لي وأعدك وعداً صادقاً أنني سأعمل المستحيل لأجلك فمن لي غيرك يا ابنتي!
هدأت ماريا بعض الشيء هدوء المخدر وأخذت تسرد على أمها ما جرى معها عند لقاء ذلك الشاب الغريب وكيف أوقفها في منتصف الشارع وكلمها.
– لا يا ابنتي، إنه ليس مسيحياً وأنت تعرفين أباك والكاهن أنهما لن يقبلا بذلك.
– لا يهم ذلك إنني مقتنعة به، صحيح أنني رأيته أول مرة ولكن إحساسي لا يخيب فهو يختلف عن غيره من الشباب إنه رجل أتعرفين يا أماه ماذا تعني كلمة رجل؟ إنه شهم إن له ماض يخفيه وسأعرفه، ولقد أعطيته موعداً غداً الساعة الخامسة وسوف أراه ولو وقف الجميع بوجهي!
كانت العلاقة التي تربط بينهما أقوى من الأمومة، وكانت الأم تعرف ابنتها جيداً، أه يا ابنتي وأعرفها جيداً، إذا أرادت شيئاً فإنها تفعله لو نزلت حرب الكهنة والأفضل أن أتركها الآن!
هكذا همهمت الأم وقالت:
– افعلي ما ترينه يا ابنتي باركك الرب.
أما أحمد فكيف له أن ينام وهو الذي ينتظر الغد بفارغ الصبر.؟
– ستكونين لي يا ماريا وسأنفذ بواسطتك إلى بوابات السماء السبع واسقط حممها ولهبها على أعمامي أينما يتواجدون، لم أمت أيها الأعمام الأنذال.
وفي اليوم التالي وحسب الاتفاق توجه أحمد الساعة الرابعة إلى مدخل شارع الحمراء ينتظر الفتاة الشقراء، أحرق علبة من السجائر وتناول عدة فناجين من القهوة التركية يترقب إطلالتها.
– آه.. ها هي ذي يا أحمد لقد جاءت لقد كسبتها ولم يكمل جملته، إذ كانت تقف بجواره.
– بنسوار عزيزي أحمد.
ورفع رأسه كأنه لم يكن يراقبها من بعيد.
– أهلاً عزيزتي ماريا – مساء الخير.. كيف حالك اليوم؟ أخاف أن أكون قد أزعجتك بالأمس.
– لا يا أستاذ ولو – أنا جاهزة شو بتريد تحكي أن بسمعلك – بس لا تكذب علي وتقول أنك عنترة وأنا عبلة.
وأخذ أحمد يحدث نفسه.
– أوه، يا ماريا إنني أرمي لأبعد من ذلك فعبلة وعنتر طواهما التاريخ مثل قيس وليلى وروميو وجوليت، سنكون أنا وأنت أسمى من ذلك، حبنا سنكتب له بالدم كي يعيش، ولم يكمل تمتمته حتى فاجأته ماريا.
– شو أستاذ أحمد شو عم بتفكر؟ – أنا عندك ولو ما عزمتني على شيء يا عيب الشوم فنجان قهوة يا ماريا سيجارة!
ورفع رأسه…
– لا يا ماريا لم أنسك، آسف لكني متعب بعض الشيء تفضلي واجلسي بجانبي فقد اخترت هذه الطاولة في هذا الركن المنعزل كي نكون على انفراد ولا يستطيع أحد أن يراقبنا.
– شو أحمد بتخاف من حدا؟
– لا يا ماريا لكن الحذر واجب.
قالها والشرر يتطاير من عينيه مع الأمل كذلك.
– أوه يا إلهي إنه قديس، إن لهجته غريبة إنه يأمرني بشيء أنا ما بعرف في السياسة يا خيي دخلك خليني بحالي. قالت ذلك متمتمة تنظر إلى عينيه.
وبعد قليل طلب فنجانين من القهوة المرة وناولها سيجارة.
– احكي أحمد شوبك سارح – يا عيني عليك انا ماريا ست البنات مرني شو بتريد انا جاهزة بدك كنز سليمان بجيبلك ياه من قاع البحر.
– لا يا ماريا أنا لم آت إلى هنا كي أجمع المال جئت لأجمع نفسي وقص عليها ما جرى له مع اعمامه.
– يا احمد انا عرفتك امبيرح وما رحت معك ولا جيت ولكن احساسي ما بخيب انت رجال وسيد الرجال كمان.. شو بدك انا حاضرة.
وبدءا يتحدثان أول الأمر حديث العاشقين الولهين وتطرقا إلى روميو وجولييت وقيس وليلى وعنترة وعبلة وهكذا بديا كأنهما من عباقرة القرن في العشق.
واقترح عليها أحمد أن يتزوجا
انتفضت ماريا عند سماعها كلمة زواج.
– ولك يا أحمد شو هالحكي – بدك تتجوزني – يا دلي – ولك احنا عنا ما بيصير هالحكي بيقتلوني انت مسلم وانا مسيحية، وبهدوء القاضي الذي يملك كل الأدلة أجابها.
– يا عزيزتي ماريا انا مسلم وأنت مسيحية أو أنت مسلمة وأنا مسيحي الدين لله والوطن للجميع!
– ولك صحيح يا خيي بس العادات والتقاليد وأبونا الكاهن.
– لقد تجاوزنا هذه الحدود، وقد وصل الأمريكان إلى القمر كي يتجسسوا على الأرض وما زلنا نحن الشرقيين نحسب الدين حاجزاً إن الاديان واحدة ولم ينزل الله الأنبياء كي يكونوا حجر عثرة امام سعادة البشر، إنني أهنئ نفسي يا عزيزتي وأقول أنت لي وأنا لك ولنبدأ معاً بكسر هذه القاعدة ونكون مفتاحاً لغيرنا من العشاق.
لم تتوقع ماريا من نفسها أن تتصرف ذلك التصرف حيث انتفضت واقفة كمن لسعتهاعقرب وأخذت تجري والعرق يتصبب من جسدها – لا – نعم – أريده – كيف أننا..
وبقي أحمد مشدوها ولكن هدوءه كان غالباً عليه سترجعين يا ماري.. قالها وصمت.
وصلت ماريا إلى البيت كما وصلته بالأمس ولحسن الحظ لم يكن أبوها موجوداً وقصت على أمها ما جرى معها.
أدركت الأم ما تعانيه ابنتها، إنها تريده ولكن خوفها من الكاهن ومن أبيها.
– ما العمل – اسمعي يا ابنتي – ابتعدي عنه، ولا تذهبي للقائه لقد سمعت أباك الليلة يتكلم مع الكاهن عن شاب غريب جاء إلى بيروت وأنه مظلوم ولا أحد يدري كيف عرف الكاهن بأمره لقد كانت عينا الكاهن تتقادحان شرراً إنهم يبيتون له أمراً ما.
وما أن سمعت ماريا هذا الكلام حتى ارتعدت جميع أوصالها وأخذت تلح على أمها أن تحكي لها المزيد عما قاله الكاهن لأبيها.
تغيبت ماريا عنه أياماً في البيت لا تخرج منه ولم تفارق أمها وكانت بين الحين والآخر تخاطب أمها.
– أماه إنني أحبه فهو جريء – رجل شرس – إني أحبه يا أمي لا يهمني دينه ساعديني بالله عليك إنك أقرب إلى أبي مني هذه ليلة الأحد اقنعيه بوسائلك الخاصة سأذهب معكما إلى الكنيسة لأصلي.
جاء الأب مبكراً وأمر زوجته أن تعد له الشراب والعشاء معاً وأوعزت الام لابنتها أن تقضي الليلة عند صديقتها في البيت المقابل وعندما بدأ بالشرب وتناول العشاء أخبرته بطريقة لبقة قصة الشاب الغريب مع ابنته وأنها تحبه وتريد الزواج منه.
طارت نشوة الشراب من رأسه وأصبح كالنمر:
– شو هالحكي ما سمعتي أبونا الكاهن شو كان يحكي امبيرح بدهم يذبحوه، خايفين منه، لا يا خيتي، بنتي ما بجوزها لواحد مالوا حدا، أنا مجنون؟ لا .. لا
وأخذ يشرب من جديد وهي تحاول اقناعه بكل الأساليب.
لم يتأثر أحمد كثيراً وبدأ يلف الشوارع من جديد يتعرف على هذا ويجلس مع ذاك حتى أصبح معروفاً لدى الجميع ومحبوباً من قبل الجميع وبعد منتصف الليل نجحت الأم في اقناع زوجها بالمشروع شرط أن يأخذوا موافقة الكاهن وطارت ماريا فرحاً لتخبر أحمد بالموضوع ولكن هيهات فالكاهن لا يوافق يا ماريا قالها أحمد وعيونه مثبتة على وجهها.
– إنها مشكلتنا يا عزيزتي، وعلينا أن نحلها بأنفسنا لن يقبل الكاهن سيظهر نفوذه عليكم، أنا أريدكم فلنتمم المشروع ونتوكل على الله، ولا يهم إن كنت مسيحية أو مسلمة.
أحست ماريا بمرارة فظيعة من كلامه واستأذنته كي ترجع إلى البيت وتستفسر عن رأي الكاهن.
– لم يوافق يا ابنتي قالتها الأم بحسرة لا يريد الكاهن وجود هذا الشاب في البلد، إنه يكرهه – لا أدري ماذا يريد منه.
– اسمعي يا أماه، الموت أفضل لي من أعيش بدونه فأنا كما ترين جميلة والكل يطمع فيّ حتى الكاهن قبل ان انقطع عن الذهاب إلى الكنيسة راودني عن نفسي.. ألم أعلمك بذلك؟
أريد رجلاً يا أماه.. أريد رجلاً.. أتفهمين؟
استمر الحوار بينهما لمعرفة أسباب رفض الكاهن الذي كان يريدها لنفسه وقررتا أن يحضر أحمد إلى البيت كي يتعرف على أمها وأبيها وبعد ذلك يصبح الأمر سهلاً.
طارت إليه فرحة تخبره بما جرى معها وما اتفقتا هي وأمها عليه وقاما معاً بعد أن شربا القهوة وتوجها عند المغرب إلى البيت ليجدا الأم والأب في انتظاره.
كان الأب مثقفاً واعياً طيباً في نفس الوقت حيث رحب بأحمد أجمل ترحاب وجلس معه وزوجته وابنته وبدون مقدمات دخلوا في الموضوع مباشرة وقال الأب بصراحة فائقة:
اسمع يا ابني أنا موافق وأمها كذلك، ولكن هناك عقبة أزلية أبونا الكاهن، إنه يريدها لنفسه وقد راودها عن نفسها في الكنيسة وقد أقسم بكهنوت السماء أن لن يأخذها أحد غيره ولو بالقوة فافعل ما بدا لك.
وبعد أخذ وعطاء اتفق الجميع أن ينتقل أحمد للسكن في بيتهم الأمر الذي أثار حنق الكاهن وغضبه وأخذ يسلط الأعداء على البيت وينصب لهم المكائد التي لم ينجح في واحدة منها بسبب فطنة أحمد واهتمامه بماريا التي لم يفارقها أبداً، الأمر الذي جعل الأهل يحبونه ويقدرون فيه حبه لابنتهم ودفاعه عن شرفها والأهم من ذلك انه لم يحاول الاعتداء عليها.
وذات يوم اجتمعت العائلة وقررت زواج ماريا المسيحية بأحمد المسلم وهتفوا بصوت واحد: الدين لله والوطن للجميع.

*أديب أردني

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

الإهداء: إلى كل من لم يدخل سوق الإستسلام ولم يفرط بالحقوق (أسعد).  – أريد أن أفهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *