ثقافة السرد

أحاديث الغزل

وفاء نصر شهاب الدين *

طرق بابها ذات ليله ودخل بدون استئذان، لا تدري كيف اخترق تلك الأبواب الفولاذية بتلك السلاسة وحول ذلك الجحيم إلى غابة استوائية المعالم فردوسية الروح. تلك الليله التي التقت به للمرة الأولى، اقترب منها  في رفق، همس إليها بعدة كلمات، تظاهرت بالتماسك وهي تتطلع إلى عينيه الجارحتين في حذر، كان حديث عمل ولكن مشاعر غريبة كسته ليبدو في عينيها أروع أحاديث الغزل . عملها كصحفية أجبرها على  اللقاء معه ومحاورته، روى لها قصة نجاحه ،خيباته، وآلامه ، كانت كل كلمة تخرج من بين شفتيه أقوى تأثيرا ــ عليها ـ من أقوى كئوس الخمر، حاولت التمادي في الصد، الابتعاد، ولكن كبريائه كرجل  ــ لا يشق له غبار في عالم الذكور ـ منحه الصبر.

كان كائنا خرافيا صادفته في حلم قديم، فتلك الملامح التي لم تعرف أهي لملاك أم لبشر لم تستطع تحديد طبيعتها، ذلك الصوت الباهر الذي فشل أعظم موسيقيي العالم في أسره داخل نوتة موسيقية أثار خيالها .

ملت من تكرار غزواته لحصونها المنيعة، فخلايا دمها مشبعة بذعر خفي أبت عزة نفسها أن تعلنه،  فدخول رجل أسوار قلبها لن ينتج عنه سوى تحطيم ذلك القلب فوق رأسه . كانت تجر  خلفها ماض مؤلم وخيبات متتالية ونكبات سيطرت على تفكيرها وحولتها من طائر حر إلى داجنة عاجزة عن التحليق.

سألته يوما ما “من انت لتضرب بمشاعرك حولي ذلك السياج، قال:”مولاتي  أنا من سيمنحك الحياة سأعيد إحتلال قلبك وأرغمك على الحياة كما تتمنين”

رعب التخوف من المصير المؤلم على يدي رجل دفعها إلى الابتعاد، تركت عملها وذهبت إلى القرية التي نشأت بها.

كلما تحركت رافقتها عيناه، وكلما تكلمت غزت شفتيها تعبيراته ومشتقات كلماته، وعندما ترفع بصرها إلى السماء يضن عليها القمر بضيائه.

يوماً ما جلست في حقل من القمح، أخذت تتأمل لونه الذهبي الذي يعكس أشعة الشمس فترتد عنه  في خجل  ولكنه جمال أدركت أنه بلا روح،

تطلعت إلى الأرض تحت قدميها فهالتها الشقوق العميقة التي حفرتها رغبة جامحة في الارتواء، سألت أحد الفلاحين”لماذا لا تقومون بري هذه الأرض ؟” فرد قائلاً :ــ يا سيدتي لكل شيء أوان نحن نمد الزرع بالماء عندما يكون محتاجا للري أما إذا نضج فنقطة ماء واحدة كفيلة بالقضاء عليه”

سقطت كلماته على قلبها الذي حفر فيه الشوق أخاديد بعمق لا يستطيع أمهر غواص أن يسبر أغواره، مسحت دمعة تمردت واعتزلت رموش انطبقت بقوه حتى تحبسها ، تفصل بينها وبينه مسافات، وزواج سابق أنهى ثقتها بعالم الرجال وخوف من مجهول يطبق على رئتيها بعنف محاولاً إبعادها عن مدن المشاعر .

أعياها التقلب بين الحب والخوف ولكنها أمسكت بقلبها بقوة وقررت أن تجازف وتمنحه الفرصة ليرتوي فهي لن تسمح لتجربة مضت أن تحولها إلى شبح جميل خالِ من الروح.

كان واقفا في شرفة مكتبه عندما ربتت على كتفه في رفق، فاستدار في رشاقة تثير اللهب في قلب  كل رياضي، انفرجت شفتاها  وهمست ” تدري أنني ألفت الطيران هل يمكن أن تمدني بجناحيك فلا أقوى على التحليق بمفردي”

ابتسم ومد إليها ذراعيه قائلا ” جناحيّ ملك لك وسماواتي مفتوحة لمغامراتك “.

ارتقت مكانها بجواره وقد ارتدت ثوب الزفاف نقي البياض وبدت كحورية هاربة من فردوس الحب طمعاً في احتواء ملك تتواري الهيبة خلف غيوم  الجمال  خجلاً عندما يذكر اسمه .

أمسك بيدها في رفق وهما بالذهاب لعش الحب ولكن استوقفهما ضابط شرطة وعدد من العسكر جاءوا في صحبة زوجها الأول .

تحولت عيناها إلى مرآه تجمد فيها الحب وتحولت إلى غيوم مطر صبغه الخوف بلون قاتم. قال الضابط في حزم ” اتفضلي معانا يا مدام حضرتك متهمة بتعدد الأزواج “

رد الصمت الذي عبر بوضوح عن قلب تجمدت الدماء بداخله وهزم الحبيب ذلك الصمت قائلاً في حزم :ــ أي تعدد أزواج يا سيدي لقد انفصمت عرى علاقتهما الزوجية رسمياً  منذ سبع سنوات وبحوزتنا  وثيقة الطلاق؟

ابتسم الزوج السابق قائلاً : ــ أنا طلقتها بالفعل ولكنني راجعتها في فترة العدة. تلونت خلاياها بالفزع  و بح صوتها وقالت “ولكنني لم أمنحك موافقتي على العودة لحياتك ولم يعلني أحد بعودتي إلى جحيم قبرك بعد أن منحت لي الروح   .

ابتسم وهو يحاول  تحرير يدها من قبضة الحبيب الذي غامت عيناه وتفوق لونهما على لون الشفق وضمها في قوة إلى أن شعر بها تنساب من بين ذراعيه لتحلق في سماواتها الأثيرة .

*كاتبة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق