قراءات ودراسات

التوازن في البناء السَّردي في رواية قاع البلد لصبحي فحماوي

أَحمد أَبو سليم

هل يمكن القول نظريَّاً إنَّنا نبحث عن الاستقرار في البناء الفنيِّ، لذا فإنَّنا حين نغوص في تفاصيله، نحاول أَن نحدِّد نقاط الارتكاز، والتَّوازنات، والقوى الفاعلة، وردود الأَفعال، تماماً كما نفعل مع كتلة ماديَّة فيزيائيَّة، تستند إلى نقاط ارتكاز تحدِّد شروط توازنها؟ أَم أَنَّ الأَمر أَبعد من ذلك، وأَكثر تعقيداً، وأَنَّ الأَعمال الفنيَّة برمَّتها لا تخضع للقوانين الماديَّة، وشروطها، بل هي أَقرب إلى لامنطق الكوانتوم، وعشوائيَّته، حسب ما يظهر لنا على الأَقلِّ؟
في معرض المقارنة بين الإنتاج الفنيِّ البشريِّ سنجد كلا الأَمرين قائم، وملموس، إذ ثمَّة نصوص تتَّخذ من القوانين الملموسة شرطاً لها، تُبنى على أَساسها، فتنعكس من خلال ذلك ماهيَّتها، ونصوص أُخرى تحاول أَن تتملَّص من الشَّرط، والقانون، والمنطق، وتحدِّد سلوكها، وقانونها، بناء على بُنيتها الدَّاخليَّة المتفلِّتة من كلِّ منطق، وأَكثر ما يُسمَّى بالكتابة الجديدة يندرج ضمن هذا الإنتاج.
كلا الأَمرين جائز، فمثلما هناك وعي، هناك أَيضاً لا وعي، ومثلما يمكن للنصِّ أَن ينكتب من الدَّاخل إلى الخارج، يمكن له أَن ينكتب من الخارج إلى الدَّاخل، وهكذا…لكنَّ ذلك يضعنا أَمام مسؤوليَّة الرَّائي للنصِّ، فلا يمكن أَيضاً محاكمة النصُّوص بالطَّريقة ذاتها، وعلى الأُسس ذاتها، وبناء على القوانين ذاتها، فلكل نوع من الكتابة قوانينها الَّتي يجب علينا بالضَّرورة أَن نلتزم بها في معرض تذوُّقنا للنصِّ، وقراءتنا له.
هل ثمَّة إذن، أَمام ما سبق ذكره، حوامل للنصِّ، نقاط ارتكاز، لا يستقيم دونها؟
كلُّ نصٍّ يحمل في أَعماقه قوانينه الموضوعيَّة، الَّتي لا يمكن الحكم عليه إلاّ من خلال المرور بها، ولا تتمُّ محاكمته إلاّ من خلالها، وهناك نصوص رسمت لنفسها نقاط ارتكاز لا تستقيم بدونها، ومنها ما نحن الآن بصدده: رواية قاع البلد لصبحي فحماوي.
ثمَّة ثلاث نقاط ارتكاز، حسب رؤيتي، لرواية صبحي فحماوي: المكان، وشخصيَّة الهربيد، والزَّمن.
المكان: هو وسط البلد في عمَّان.
والزَّمن: 1968 آب، بعد نكسة حزيران، ومعركة الكرامة بأَشهر.
وشخصيَّة الهربيد: هي شخصيَّة بطل الرِّواية الَّتي يدور حولها معظم السَّرد، ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً.
ويحقُّ لنا بعد ذلك أَن نتسائل: ما هو الشَّيء المحمول على هذه القوائم الثَّلاث؟ أَي ما هي الفكرة الَّتي حملتها نقاط الارتكاز هذه؟
تنفتح الرِّواية على مصراعيها في العنوان، الَّذي يقودك مباشرة من يدك إلى المكان، ويقودك المكان بالضَّرورة إلى شخصيَّات متجذِّرة تحمل ملامح هذا المكان.
في فندق الوادي، وسط عمَّان، تدور أَحداث الرِّواية، وهو فندقٌّ شعبيٌّ، كفنادق وسط البلد، وملامح الشَّخصيَّات تشبه المكان، وما دام هناك قاع، هناك قمَّة، أَو قمم، وهي الجبال المحيطة بعمَّان، ولها ملامح مختلفة.
هل حاول صبحي الفحماوي أَن يؤرِّخ لوسط عمَّان في نهاية الستينيَّات من القرن الماضي؟…بلى، كان ذلك واضحاً تماماً، لذلك تجرَّأت واعتبرتُ المكان حاملاً رئيسيَّاً للنصِّ.
لقد رسم المكان بدقَّة، السَّيل الَّذي لم يكن مسقوفاً آنذاك، وشارع الطلياني، والمسجد الحسيني، وما حوله، وما دار آنذاك في المكان من صراع بشريٍّ أَشبه بصراع الغاب، في زمن النُّزوح، والبحث عن موطئ قدم، وإلصِّراع الَّذي أَفرزته سنوات التَّشرُّد، أَي صراع البقاء، وليس من العبث أَن يختار صبحي الفحماوي البالة، وبيعها عملاً للهربيد، وكأَنَّه بذلك يحاول أَن يعقد وجه الشَّبه بين وسط عمَّان، ومن يعيش فيه، مع الملابس المستعملة الَّتي لاكها الزَّمن، وتحاول مع ذلك أَن تبدو جديدة، بالصَّبغ، والكوي….وكأَنَّها تُصارع الفناء.
أَمَّا بالنِّسبة للزَّمن، الحامل الثَّاني، فلا أَعتقد أَنَّ الفحماوي قد نجح في توظيفه جيِّداً في الرِّواية، لذا وجدنا الرِّواية تعاني خللاً في هذا الجانب.
تبدأُ الرِّواية بتحديد الزَّمن، والمكان في الصفحة الثَّانية، فتشير إلى آب 1968، وتتعرَّض إلى نكسة حزيران، ومعركة الكرامة، وما تلاهما من تعاظم وجود الفدائيِّين في عمَّان.
إن كان المكان، والزَّمن قد اعتبرا عنصرين رئيسيَّين في البناء الرِّوائي الكلاسيكي، فذلك لأَنَّ كافَّة العناصر في الرِّواية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهما، معاً، بدرجة أَو بأُخرى، قد تكون متفاوتة أَحياناً، فالمكان يحدِّد الهويَّة، ونمط التَّفكير على الأَغلب، والأَفعال، وردود الأَفعال، وفي بعض الأَعمال الرِّوائيَّة، يصبح المكان الحامل الرَّئيسيَّ الَّذي تُبنى عليه كافَّة الأَحداث، والأَسباب، والنَّتائج، وعناصر متعدِّدة أُخرى، أَمَّا الزَّمن فيعتبر بعداً مقيِّداً بشكل تام، أَو جزئيٍّ، حسب المرحلة الزَّمنيَّة الَّتي يختارها الكاتب، إذ ثمَّة محطَّات زمنيَّة مكثَّفة تتقرَّر فيها، ومن خلالها، سيرورة الزَّمن التَّالي، ومساراته، فإذا اخترناها زمناً للرِّواية لا يمكن لنا أَن نقفز ببساطة عن معطياتها.
ذلك يعني ببساطة أَنَّ الحدث، والشَّخصيَّات، لا تنخلع أَبداً من زمنها الرِّوائيِّ، لأَنَّها ستنهار لو وضعت في زمن آخر، حيث لا تستقيم الأَحداث، ولا الشخصيَّات، إلاّ ضمن هذا الزَّمن، وقد اختار صبحي الفحماوي في رواية قاع البلد زمناً مشابهاً، مُقيِّداً بكل معطياته، فعام 1967 زمن مقيِّد، ليس على الصَّعيد الفلسطينيِّ فقط، وإنَّما عربيَّاً، وقد انتجت هزيمة عام 1967 –الحدث المفصل- مسارات بعينها، واحتمالات دون سواها، وقد يكون مفهوم القدر أصلاً مرتبطاً بهذه الفكرة.
وقد كانت حرب الكرامة جزءاً من هذه المسارات، وما تلاها من تعاظم للحركة الفدائيَّة في الأردنِّ، وما رافق ذلك من تداخلات، أَدَّت إلى ما يُعرف بأَيلول الأَسود.
يمرُّ الفحماوي هامشيَّاً على تلك الحركة ضمن الزَّمن، بنظري، ولا يجعل الزَّمن محرِّكاً رئيسيَّاً، فلو انتقل الزَّمن ليصبح آب 1978 لن يتغيَّر الكثير في البناء الرِّوائي، خصوصاً أَن ملامح المكان لم تتغيَّر أَصلاً كثيراً، وأَعني وسط البلد، أو قاع البلد، ومفردات الهزيمة، وإفرازاتها.
ففي الليلة الأُولى يتمُّ التَّعارف بين الطرفين.
وفي اللَّيلة الثَّانية بعد هذيان طويل يروي الهربيد قصَّة موت أَبيه.
وفي اللَّيلة الثَّالثة يواصل الهربيد سرد قصَّة عمله في مصنع الألبان في بيت لحم، قبل النكسة.
ويقارن بين حياته هناك، ودخله، والفقر، والتشرد، بعد نزوحه إلى عمان ومبيته في مغارة العجوز ابو غليون، وعمله في العتالة، ثمَّ تعرُّفه إلى امرأَة دعته إلى محفل الجنس، في بيتها، في جبل عمَّان، وقلبت كيانه.
وفي اللَّيلة الرَّابعة، ونتيجة للانقلاب الَّذي حصل في حياته، وبتوجيه من أَبي غليون، يسرد كيفيَّة تعرفه على الجبالي، وبداية عمله في سوق البالة، وقصَّة حبِّه لوظحاء، جارته، قبل النزوح، ويمرُّ على انفلات بعض التنظيمات الفلسطينيَّة سريعاً، أَثناء السَّرد، وقصص وحكايات وسط البلد.
في الليلة الخامسة يلتقيان خارج الفندق، أَمام مقهى السنترال، حيث يكتشف طالب الطب أن ثمة بار جهة اليمين، هذه الليلة تدخل زمن السرد، لكنَّها بلا أحداث تقريباً، يشربان، ويستعرضان بعض مظاهر المقهى، وسينما زهران، وما جرى لروادها ذات يوم حين أَلقى عليهم الجيش القبض، وأَلحقوهم بالخدمة الإجباريَّة، ويعربد الهربيد على النَّادل، ولا يدفع الحساب، بل يضيفه إلى الحساب القديم، ما يجعل الرَّاوي يعود لدفعه، فيما بعد.
في اللَّيلة السَّادسة، يعود الهربيد للعمل موظَّفاً لدى الجبالي، بعد أَن كان يبيع البالة لصالحه، حيث يحصل عليها بالدَّين من الجبالي، ويسدِّد قيمتها بعد بيعها، وخصم ربحه، ويستعرض زعران السُّوق، والخاوات الَّتي فرضوها عليه.
في اليوم السَّابع، يذهب طالب الطبِّ لزيارة الهربيد في دكان الجباليِّ حيث بدأَ العمل، يعرِّج على المسجد، ويسدي بعض النَّصائح للإمام، لكنَّ الإمام لا يهتمُّ بها، ثمَّ يستعرض لذاته أَسماء الكتب الَّتي قرأَها في مصر، والَّتي اشتراها من سور الأَزبكيَّة، مستعملة، والتي شكلت مصادر معرفته، وأَسباب تسمية البالة بهذا الاسم، وتقاعس العرب، في منولوج داخلي، ثمَّ يلتقي الجبالي، والهربيد في الدكَّان، ويستعرض بعض طباع أَهل الخليل، لأَنَّ كلاهما من هذه المدينة، هو، والجبالي، والعلاقة بين البالة والزَّبائن الأَغنياء.
أَما في تلك الليلة، السَّابعة، فنكتشف أَنَّ الهربيد مصاب بفتق منذ موت أَبيه، ازداد مع الزَّمن، ويستعرض الهربيد قصَّة لجوئه إلى المشفى لإجراء عمليَّة للفتق، وعدم تأثير البنج به، ما حدى بالطَّبيب إلى إلغاء العمليَّة، ثمَّ في هذه اللَّيلة، يدخل على السَّرد شخصيَّة جديدة هي شخصيَّة الشَّيخ لهلوب، المزواج، الَّذي يفسِّر الدِّين على طريقته، ويبقي دائماً على ذمَّته أَربع نساء، وكلَّما همَّ بالزَّواج من فتاة جديدة، يطلِّق القديمة.
في اللَّيلة الثَّامنة يروي الهربيد قصَّة رجل صنع من بسطة البالة هودجاً، يمارس تحته وسط السُّوق، بين النَّاس، الجنس، من لا يجدون مكاناً يمارسون الجنس فيه، طبعاً مقابل المال، حيث تلقي الشُّرطة القبض على الجميع، في فضيحة مجلجلة وسط السُّوق.
في اللَّيلة التَّاسعة، يكمل الهربيد قصَّته مع الشَّيخ لهلوب حيث نكتشف أَنَّه شيخ صوفيٌّ له مريدين، وقد وعد الهربيد أَن يشفيه، لذلك يشارك الهربيد في إحدى حلقات الشَّيخ، ويصفها الفحماوي بدقَّة، ونكتشف في هذه اللَّيلة أَيضاً أَنَّ عارف أَبو غليون العجوز مريض في المشفى يصارع الموت.
في اللَّيلة العاشرة، الأَخيرة، يستعرض الفحماوي مظاهر العمل الفدائيِّ في المدينة، ويدلي بدلوه وآرائه بما يخصُّ هذا العمل، ثمَّ نعود إلى الهربيد الَّذي قابل امرأَة في دكان البالة اسمها لبيبة، أَخبرته أَنَّ أُمَّه تعيش شرق الأَزرق، مع بدويٍّ كان أَصلاً معجباً بها، أَخذها لتعيش معه بعد أَن أَصبحتْ وحيدة، فالأب مات، والهربيد، مشرَّد، وابنتها تزوَّجت وسافرت إلى أوروبَّا.
لا يوجد ثمَّة ليلة أُخرى….
طالب الطبِّ عاد ليسافر إلى القاهرة، وانتهت علاقته بالهربيد، لكنه يقرأ صباح ذات يوم عن عملية فدائية ويكتشف ان الهربيد احد من قاموا بها، حيث يُعتقل سبع سنوات، ثمَّ يُفرج عنه في عمليَّة لتبادل الأَسرى.
إنَّ الخيط اللاظم بين كلِّ تلك الأَحداث هو الهربيد نفسه، ولا يوجد أَيُّ خيط آخر، وهذا التقسيم الفنِّي يحيلنا بالضَّرورة إلى حكايات أَلف ليلة وليلة، وهو على ما أَظنُّ مقصود، لكنَّه بهذه الطَّريقة أَفقد النصَّ ما سمَّيناه في البداية المحمول، أَي المتن، فلا يمكن أَن تكون قصَّة الهربيد متناً، وموضوعاً، بحدِّ ذاته، إلاّ إذا سارت ضمن منهج يستحقُّ روائيَّاً أَن يكون كذلك.
من هنا علينا أَن نسأَل، بالضَّرورة، السُّؤال الَّذي اختلف عليه النقَّاد: هل يمكن اعتبار حكايات ألف ليلة وليلة رواية؟ وما الفرق أَصلاً بين الحكاية والرِّواية؟
ضمن الشَّرط الرِّوائيِّ ذاته، علينا أَن نلتفت مثلاً إلى مجموعة أُخرى مهمَّة من الملاحظات:
لماذا هيَّأنا الفحماوي في بداية الرِّواية إلى أَن الهربيد يسير أَثناء النَّوم، وركَّز على هذه النُّقطة، ولم يعد للإشارة لها فيما بعد، أو استعمالها؟
لماذا اختفى أَبو غليون بعد دخوله المشفى، ولم نعرف إن كان قد مات، أو بقي على قيد الحياة، وماذا أَصلاً لو لم تكن هذه الشخصيَّة موجودة، بماذا سيؤثِّر ذلك على النصِّ، لماذا لم تُستثمر؟
إن عدم إدخال حركة الشَّارع الرَّئيسيَّة في الخارج إلى الأَحداث المؤسِّسة للنصِّ جعل كلَّ ما قيل عنها، مجرَّد تنظير على لسان الفحماوي شخصيَّاً، واستعراض معرفي، لا يحتمله النصُّ لأَنَّه لم يأت من نسيج النصِّ، وبنية شخصيَّاته.
هي مجرَّد أَسئلة قارئ توضع أَمام الكاتب فقط….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق