الموقع

إلى الصحفية لورين بوث

نايف النوايسة

اعتقد جازما أن الإنسان محشور في هذه الدنيا ، وكأنه أسير ، أو سجين ، أو موقوف لإشعار آخر .. لا بل هو كذلك ، لأن الموت يحرر الإنسان من كل هذه القيود ، هو لحظة إطلاق سراح من حبس مؤقت ، بمعنى أن الإنسان يدرك من لحظة وقوفه على معنى الحياة وقيمتها انه متورط في مسيرة خاسرة إن لم يتعامل معها من منطق الاستخلاف والتكليف الإلهي وفق قوله تعالى: ( إني جاعل في الأرض خليفة ).. يسير الإنسان في نفق مظلم ويظل العمر كله يفتش عن بصيص نور وهو داخل النفق ، وكلما ازداد النفق إعتاما ازداد بحث الإنسان عن النور.. وهل هناك نورٌ يُضيء عتمة دهليز الحياة غير الإسلام ؟!

لورين بوث الانجليزية أسلمت حديثا وهي صحفية متنعمة ولا ينقصها من متع الحياة المادية شيء فضلا عن أن أختها هي زوجة بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق .. فما الذي دعاها إلى الإسلام لتجد فيه الخلاص ؟! وليست لورين وحدها هي التي عاشت جدلية النفق المعتم والنور من غير المسلمين ، فكثيرات هن اللواتي خلعن ثوب الوحل المادي بكل قرفة وطينة ولزوجته المربكة ولبسن من شفيف الروح خير لباس وتحررن من قيود الدنيا قبل الموت ، لان الإسلام هو معراج يومي للمسلم يلجأ إليه حينما تحاصره كلاب المادة وكلاليب التشبث بها .

تحدت لورين نفسها بداية وسيطرة على نزعاتها ورغباتها التي ولدت معها في وحل المدنية الحديثة ، وجاهدت هذه النفس لتخرج بها من عتمة الدهليز إلى آفاق النور ، ونحن لا نعلم كيف كابدت ذلك على جسر الانتقال من حياة مغرقة في “القرف” المادي إلى حياة جديدة تتوضأ فيها بالخلاص والنور الإلهي ورجاء العروج إلى عليين .. لكننا نقدر أنها عاشت متعة هذا الانتقال بأنها انتصرت على نفسها الأمّارة ولوت عنقها وتأخذ عنانها إلى رياض فسيحة من حياة مؤطرة بالوجدان الحقيقي والنظر الصحيح والهدف النبيل والوزن ذي المعنى .

لورين جاءت إلى الشرق مثل ريشة ضائعة .. مضطربة على هوج العواصف الغربية التي دمرت النفوس والمرافئ والمراكب ، لورين هي لاجئه دينية تبحث قبل أن يفوت الأوان عن اتجاه توظّف فيه عقلها وعواطفها بعد رحلة عذاب لم تنفع معها ما توفر لها من عيش رغيد وحياة مادية هانئة … إنها تبحث عن النور في هذا النفق الذي توفر فيه كل شيء، لكن  العتمة جعلت كل شيء غير موجود ، هكذا اعتقدت لورين وهي تعلن إسلامها ثم تعود إلى بريطانيا بوجه آخر غير الذي كان ..

لقد تركت وراءها كل شيء يُضّيع العقل ، وسلكت كل شيء يعيد له قيمته ووزنه ، وواجهت مجتمعها بنفس جديدة وروح جديدة وقلب جديد وكأنها ولدت للتو … وماذا عسى أن يقول مجتمعها عنها ، انه غارق في مادية العصر غير آبه بها ، فالعجلة السريعة التي تطحنه لم تعد تطحن لورين كما كانت ..إنها الآن على سطح جديد يواجه السماء بمعراج الروح .. ولكن ماذا عسى أن تقول لورين لمجتمعها الذي يتلوّى في وحل الإغراق المادي، ستقول :إنها عاشت لذة هذا الدين الجديد ، وكأنها أصبحت داعية له من حيث لا تدري ،ولكنني وأنا أخاطبها الآن اطلب منها أن تقترب من سنة النبي الحقيقية ( ص) ونهج صحابته وأمهات المؤمنين الذين اخذوا جميعا بسنته وعملوا بها .

ولا املك إلاّ أن أقول لفضائية العربية : لماذا تصرين على إعادة لورين إلى مستنقع الوحل بعد أن تخلصت منه ؟ ونحن نعلم أنْ لا وصاية على مسلم أي كان من احد ما دام يرفع نظره إلى الله تعالى طالبا الخلاص.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق