الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | العلم بين الجهل والفضول

العلم بين الجهل والفضول

بقلم : فاي فلام
ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف
مراجعة : سوسن علي عبود

قبل أن تشعر بالهلع من الأخبار المزيفة ، اقرأ المفارقة التالية :

لقد كثف العلماء تحقيقاتهم في مدى دقة أخبار مزيفة في الأشهر الأخيرة ، وفي خضم جميع التحليلات والدراسات والاجتماعات ، أثار البعض إمكانية أن الكثير من الناس ببساطة لا يهتمون فيما إذا كانت هذه الادعاءات التي يروج لها صحيحة. وقد أصبح مفهوم “ما بعد الحقيقة ” موضوعا ساخنا للباحثين في مختلف المجالات ، بما في ذلك الكيميائيون الحائزون على جائزة نوبل : فقد رفع اجتماع لينداو السنوي الخاص بجائزة نوبل في ألمانيا هذا الصيف شعار ” العلم في حقبة ما بعد الحقيقة “.

وقد درس أصحاب مذهب الشك منذ وقت طويل لماذا يعتقد الناس خطأ في علم التنجيم والحاسة السادسة وجميع أنواع العلوم الغريبة ، ولكن عدم الاهتمام بالحقيقة مطلقا يبدو أن يتبدد أمام الفضول البشري الأساسي. يرسل البشر المسابر إلى الكواكب الأخرى ويحفرون الأرض بحثا عن عظام الديناصورات ويبنون المناظر التلسكوبية الجبارة لمعرفة الحقيقة حول الفضاء الداخلي والخارجي. نحن نتابع قصص الجريمة لأننا نريد أن نتعلم ما الذي حدث حقا. ألا ينبغي أن يكون الفضول بمثابة السياج الواقي الذي يمنعنا من السقوط في عالم ما بعد الحقيقة ؟

يقدم عالم الفيزياء الفلكية ماريو ليفيو ملاحظة هامة في كتابه الجديد ” لماذا نحن فضوليون ؟ ما الذي يجعلنا فضوليين ؟ ” حيث يقول : أن تكون فضوليا حقا يتطلب مستوى متوسط من المعرفة. إذا كنت لا تعرف أي شيء على الإطلاق ، تكون لا تعرف الأشياء التي ستكون فضوليا حولها وإذا كنت تعرف كل شيء ،لن يكون لديك أي مبرر للاستفسار. ولهذا السبب نجد أن الأطفال الذين لم يسمعوا عن الديناصورات لا يمكن أن يكونون فضوليين في معرفة المزيد عنها ، ونجد عددا قليلا جدا من البالغين فضوليين في معرفة كم بنس يحتوي الدولار.

ومع ذلك ، فقد أدركت أن المهم ليس المعرفة الفعلية ولكن المهم هو فهم الناس لمعارفهم الخاصة التي تثير الفضول أو تقمعه. التقطت هذه الملاحظة في مكان مخصص لي في مناسبة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مختبر وسائل الإعلام. في حديث له ، لاحظت كاتبة سيرة حياة بوتين السيدة ماشا جيسن أن أحد التشابه الملحوظ بين بوتين وترامب هو افتقارهم المطلق للفضول. طلبت منها أن تفسر الأمر ، فقالت إن كلا الرجلين يعتقدان أنهما يعرفان كل شيء بالفعل. ويأتي هذا الإدراك للمعرفة الفائقة من خلال عادة ترامب عندما يقول دائما: “لا أحد يعرف ذلك أفضل مني” عند مناقشة مجموعة متنوعة من المواضيع مثل الضرائب والتجارة والتأشيرات والبنية التحتية ووسائل الإعلام الاجتماعية ومبيعات اليورانيوم و “الرعب النووي” على سبيل المثال .
لذا يتطلب الفضول مستوى معينا من التواضع. ولكن إلى أي مدى تذهب مشكلة التضخم في الأنا هذه ؟ في كتابه الجديد ” موت الخبرة ” ، يخلق توم نيكولس قضية من وباء النرجسية المستشري في الولايات المتحدة. ويقول: ” يمكن التغلب على معظم حالات الجهل إذا كان الناس على استعداد للتعلم ” . وأضاف ” لا شيء في هذا الكون يمكن أن يتغلب على التحالف السام بين الغطرسة والنرجسية والسخرية التي يرتديه الأميركيون الآن مثل بزة كاملة يتسلحون بها ضد جهود الخبراء والمهنيين”.
إن نيكولس غير مقتنع بأن الفضول يهم معظم الجمهور. وقال ، بالتأكيد ، بعض الناس كالمهندسين والعلماء والفنانين العالميين فضوليين لكنه لا يرى الفضول محركا هاما للسلوك البشري. ويتابع قائلا : “الناس لا يذهبون إلى روديت لتعلم الأشياء – يذهبون إلى هناك للفوز. وعندما يقرؤون الصحف والمجلات لا يكون السبب إرواء العطش للمعرفة وإنما للبهرجة أو لجمع ” اللايكات” على الفيسبوك .”

وبطبيعة الحال ، لا يأخذ الجميع مثل هذا الرأي القاتم عن الفضول البشري. في كتاب آخر عن الخبرة ، ” لو أنني فهمتك هل ستتكون تلك النظرة على وجهي؟ ” يفترض الممثل والمدافع عن العلم ألان ألدا أنه من المسلم به أن الكثير من الناس يعانون من الجوع للمعرفة. ولكن ، من أجل الاستفادة من هذا الفضول ، كما يقول ، على الخبراء أن يولوا اهتماما خاصا لجمهورهم لمعرفة أين ومتى يكتشفون هذا الطيف من المعرفة الوسيطة. ويمكن للخبراء ، من خلال الاستماع والتواصل ، تجنب الحديث عن عقول الناس أو تكرار الأشياء التي يعرفونها مسبقا بالفعل – وهذين الخطأين يرتكبهما العلماء في بعض الأحيان على حد سواء.

ألدا نفسه شخصية فضولية . وقد شارك في الاتصالات العلمية بعد استضافته على البرنامج التلفزيوني ” الحدود العلمية الأمريكية “. وأدرك أن العلماء غالبا ما يجدون أنفسهم على خشبة المسرح أو أمام الكاميرات يكافحون من أجل شرح أبحاثهم ، ويعتقد أن خبرته في التمثيل والارتجال قد تثبت أنها مفيدة. الآن هو يكيف أفكاره لقادة الأعمال والخبراء الآخرين.

يقول إن أحد دروس الارتجال هو أن التواصل الحقيقي يقوم على التبادل ، وما تقوله يجب أن يعتمد على ما تراه وما تسمعه من الطرف الآخر. عندما تحدثت مع ألدا ، أدلى بملاحظة لا يمكن أن تنسى وهي أن الجميع يعرفون الأشياء التي لا تعرفها أنت – سواء كنت تتحدث إلى عالم الفيزياء الفلكية أو الشخص الذي يقص شعرك أو الشخص الذي يوصل إليك البيتزا . لكل شخص تجاربه المختلفة . وكل واحد منهم نظر إلى العالم من زاوية مختلفة. إذا كان الناس يمكن أن الاستفادة من فضولهم ، لا يهم من هو الأكثر ذكاء. ما يهم هو أن كلا الطرفين يتركان اللقاء وهما أكثر ذكاء مما كانا عليه من قبل.
ويليام مورنر، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء ، هو أحد هؤلاء الناس الفضوليين. كنت أجري معه المقابلات حول مواضيع مختلفة بعد أن تحدث في اجتماع الفائزين بجائزة نوبل في ألمانيا ، عندما طالعنا قرار الولايات المتحدة بإلغاء اللجنة الوطنية للعلوم القضائية. أراد أن يعرف ما أعرفه أنا. كان لديه جهاز كمبيوتر محمول وقلم في متناول اليد ، وعند انتهاء حديثنا ، وقال انه ربما طرح العديد من الأسئلة ودون العديد من الملاحظات بقدر ما أمتلك من أسئلة .

وبينما كان على خشبة المسرح خلال حلقة النقاش ، سأله صحفي آخر لماذا لم يكن أكثر غضبا ، بسبب الطريقة التي كانت الحكومة الأمريكية تهمش فيها العلم. في الواقع ، يبدو أن العالم (وخاصة عالم وسائل التواصل الاجتماعية ) يطالب بالسخط على الحكومة الأمريكية ولكن الغضب يتوقف على اليقين – وليس على هذا المستوى المتوسط من المعرفة التي تحفز التفحص والبحث والفضول. أكانت هذه استجابة مورنر ؟ قال: ” في مثل هذه الأحوال يحتاج الإنسان إلى العقلانية”.

العنوان الأصلي للمقالة :
Ignorance Feeds Curiosity. Curiosity Cures Ignorance. Faye Flam , 2017

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ثقافة المقاومة

طارق بوحالة* (خاص): “ثقافة المقاومة” هو عنوان لكتاب من تأليف جماعي أشرف عليه وقدم له …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *