قراءات ودراسات

التماعة من “شاعر يمر” لعبد اللطيف اللعبي

كتبت: د. العالية ماءالعينين*

“الحياة أقوى” قد تكون هذه العتبة الأخيرة من “شاعر يمر” هي التوصيف الأكثر دلالة لمسار حياة عبد اللطيف اللعبي وعنوان، الإرث /الكتاب، الذي أورثه لصغيرته مي…ولنا “هذا الكتاب الذي يظهر بمظهر متاهة تم فيها الانتقال من الشعر إلى النثر ..من المسرح إلى الحكاية من الغضب إلى التأمل ومن الجنون إلى الحكمة.” (1)

في كتابه الأخير ” شاعر يمر”، يستمر اللعبي  في مقارعة الحياة بالكلمة، ويحاول بعد أكثر من خمسين سنة، استئناف مذكراته التي بدأها ذات مراهقة. واعترفُ أنني تفاجأت قليلا  و ربما تساءلت بابتسامة خبيثة. كيف له أن يستكين ؟   وهل أطاع يوما؟

“توقف القلم عن الطاعة

والإملاء

قرر اعتماد الخفة ”   (2)

ومع ذلك فإن هذه المذكرات بدأت بانضباط كلي مريب، يحاكي تلك المذكرات الأنيقة المضبوطة. لولا لحظات التأمل التي كانت تنتاب الكاتب “هل هذه اليوميات فكرة جيدة؟ أليس هناك خشية من تحولها إلى فعل قسري ، ومن وقوعها في تسلسل زمني مبالغ في تقديره؟…أليس هناك تهافت من قبلي حين أريد أن أوقظ بالحركة نفسها ما عشته يوما بيوم؟.” (3)  هذه المساءلات ..لم توقف الكاتب عن يومياته ولكنها انحرفت به إلى حيث التداعي بدون كبير سلطة عليها. فأصبحت التواريخ المضبوطة ترتخي تحت وطأة ذاكرة عنيدة عصية على القيد. ذاكرة ترمي شباكها على الحاضر وتراود المستقبل في غير تجني ولا استلاب، ذاكرة لم تفلح في سجن صاحبها أو تجعله أسيرا لها بل زرعت جذوره التي يستمد منها قوة الاستمرار. ونسجت تلك العلاقة المتماسكة بين الأمس واليوم والغد..والتي لم يقطع الألم والحديد والغربة، حبل سرتها، فلا عجب أن ينفلت قلمه  من عقال اليوميات ليتطارح معنا الثابت بعد مساره الطويل  الذي اخترقت فيه آهاتُ الألم، آهاتَ اللذة، التي كان يستعد ذلك الشاب المتوثب ليطلقها في عروق الحياة ممتطيا حرفه  وروحه المتعطشة .

مع “شاعر يمر”، اقتفينا أثره وهو يحاور الوطن في “بلدي العزيز” وهو يحفر عميقا في ندوب علاقته بفلسطين في “صباح الخير يا قدس” وهو يحكي عن الأصدقاء الذين رحلوا، عن ردهة الموت، عن الحياة…: “إني أفضل تلك الكتابات التي أشعر أن مؤلفها لا يملك سلطة كبيرة عليها والتي تعطيك الانطباع بأنها برزت من المجهول” (4)

ولذلك سرعان ما اندكت اليوميات تحت ضربات قلم استنزف كل التقنيات والأساليب التي فكت عقاله ليبحر عميقا. فأحيانا يستحضر “الشيء بالشيء يذكر” وأحيانا كثيرة يستعير الأسلوب الألف ليلي، حين تستدعي الحكاية حكايات..ومنها نلتقط:

“بلدي العزيز” ذلك الاسم السحري والذي في أول مواجهة له بسببه،  شعر أن طفولته تنسحب منه قبل أن تغشى العتمة دماغه…

بين الراوي و بلده العزيز علاقة حب بقيت رغم المد والجزر مستكينة في ” أول مراحل الحب” حيث الشغف الشديد والعصبية والغيرة وكثرة الصراعات و سوء الظن..ولكنها شعلة استعصت على الخفوت مهما جار عليها الزمن. يقول مخاطبا الوطن في وصف بديع بليغ مخيف: ” كنتَ قد تركتني مثل حلزون في ماء مالح أُفْرِزُ بلا طائل لُعاب هرقطاتي ثم أُطهى على مهل في صلصةُ إِحْباطاتي..قبل أن تضعني في فرن الحرية الفاتنة وأنت تسقيني من وقت إلى آخر بعصير نقمتي الذي كنت أسرِّبه لكي أطرى وأغدو قطعة لحم فاخرة لأجل الغول الذي لا يشبع ..التاريخ…..” (5)

ومع ذلك وبكل سذاجة المحبين..لن يستبقي له سوى اللطف الذي احاطه به..سيتذكر أنه بعد أن التقفه وابتلعه ..أخرجه للعالم من جديد وفتح له أبواب التحول والتمرد والرفض بين فاس والرباط والانفتاح على عوالم الكتاب و ” جمهور المتحولين” هناك حيث سيتنفس “الوجه المخفي” الصعداء وتتصاعد تلك الرغبة الجارفة في معانقة “الحرية” ذلك الباب الذي “بالكاد انفتح ..وكان بصدد الانغلاق من جديد” (6) سيتذكر له “أنفاس” تلك المغامرة الفكرية المدهشة…والكثير الكثير…مما لم يُرَدْ له أن يسبر أغواره،” لم ترق تلك العلاقة الطيبة بيني وبينك لسادة الوقت فقرروا قطعها بساطورهم لكي تنطفئ  الشعلة..” (7)

ومع ذلك يتفادى اللعبي العودة إلى الحديث عن أيام السجن..وحتى عندما يضطر إلى ذلك يقول  متأففا ” عودة إلى الوراء سأضطر مجددا، للأسف، للكلام عن السجن صبرا” (8)

وكأن القارئ سينزعج أو يستثقل هذا الحديث، والحقيقة أن اللعبي هو من يخاف على نفسه الوقوعَ في حبال فتنة هذه التجربة المُرََّة، وترسيخها نقطة عبور متدفقة إلى القارئ… فبينما يتهافت المتهافتون على أية خلفية تاريخية أو اجتماعية أو ذاتية، ليبنوا جسورا من الدخان، يكون اللعبي قد أكمل دورة دالحة في الحياة, ووطد علاقاته بقارئه الذي خبره شاعرا وكاتبا مسرحيا وروائيا  ومناضلا لم يفلح السجن رغم آثاره، في مد سلاسله إلى روحه الشاعرة وفكره المتوثب..نعم لم يفلح في سَجنه..

ولا أطفأ جذوة عشقه وتطلعه.. و أحلامه

“بما أن العالم

قد صنع هكذا

على أحلامنا

أن تكون أكثر عنادا”(9)

فلا عجب ان يختم الشاعر مروره هذا بمقولة لويس سيبوافيدا: ” ليس الأجداد سوى أطفال متنكرين” (10)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-      ص 182 من الكتاب

2-      ص 67  من ديوان ” الشمس تحتضر”

3-        ” –  “شاعر يمر” ص 22

4-            –  …………. ص 22

5-            – …………..  ص43

6-            – …………..  ص39

7-           – …………… ص 44

8-           -………….   ص 160

9-           _   ص 82  من ديوان ” الشمس تحتضر”

10-       –     ص 184 من “شاعر يمر”

*كاتبة من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق