ثقافة السرد

مواسم الحزن

للكاتب الجزائري: عبد القادر حميدة

لوحات مرفوعة إلى الراحل الكبير القاص والصديق أحمد بن الصغير

لحظات لا غير

قبل أن يأتيني الخبر المشؤوم، كنت قد ألقيت نظرة على صندوقي البريدي، فوجدته مزهوا حد الشبع برواية “لحظات لا غير ” للشاعرة و الروائية المغربية فاتحة مرشيد، لم أتساءل لماذا اليوم بالذات وصلتني الرواية، و قد ظلت مدة شهور لا تريد أن تجيء، و ما هي إلا ” لحظات لا غير ” حتى رن هاتفي.. ليصدمني صوت ذكوري حاد و جارح بأنه ( لا بقاء إلا لله ) و بأنك قد غادرت إلى رجعة، و سافرت للمرة الأخيرة.. حينها .. تركت الصندوق وروايته.. و هرعت لا أدري إلى أين؟ .. تقاذفتني الأرصفة .. والوجوه.. وغزاني الشحوب واعترتني رعشة .. وغبت .. و لست أدري ماذا جرى بعدها لمدة عشر دقائق .. أو تزيد قليلا .. حسب روايات شهود فيما بعد.. ولما أفقت و أنا متكئ على كتف ذكورية .. سألتهم عنك .. فلم يجيبوا .. فعلمت أن الرواية اختارت هذا اليوم عن عمد.. يوم الأحد .. فاصل .. حاد.. مؤلم .. جارح.. برزخ.. و يبدوا أن ما قبله لم يكن سوى ” لحظات لا غير “.

عن الراحلين:

العام الذي أمسكت فيه عن الكتابة عن الراحلين عمدا.. و بدأت أكتب رواية أذكر فيها ذلك.. هو السنة التي أرغمتني فيها الكاتبة سهيلة بورزق على الكتابة عنهم من خلال رسالة رائعة وجهتها من هنا ( الدنيا ) وهناك (أمريكا ) .. إلى مالك حداد إلى حيث هو الآن .. فكتبت عن حالتي تلك ( حجارة على الجسر ) .. و ظننت أنني شفيت بعدها.. وأنني لن أعاود الكتابة عنهم.. لكنك ترغمني أنت مرة أخرى.. ليس بكتابة مختلفة تستثيرني.. ولا بترغيب في الكتابة عن هذا أو ذاك .. ولا بحكاية حكيتها .. ولا بقصة كتبتها .. و لا بمكالمة.. و لا بأمر حتى.. بل برحيلك ..

الرحيل.. هو الطريقة الوحيدة التي لم أتوقعها.. و لم أعهدها منك.. فماذا سأفعل ..

فجاءة

فجأة و دون سابق إنذار أو رنة هاتف، غادرت.. و تركتني بلا كلمة وداع ، فقط ابتسامة ما زلت أذكرها .. يوم تصافحنا بود كأنه وداع .. وكانت ضحكتك يومها صافية لم أر مثلها من قبل.. تصافحنا بود قبل ستة أيام عن رحيلك.. هل كنت تريد أن تحدثني طويلا.. وتروي لي تفاصيل سفرك إلى غرب البلاد.. بالتأكيد كان في جعبتك الكثير.. كما عهدتك .. تروي .. و تعيد .. و تتوقف .. وتتأمل .. وتبتسم و أنت تنفث دخان سيجارة صرت احسدها الآن لأنها حاورتك طويلا.. لأنها حظيت ببوحك الحقيقي الذي لم يحظ به أحد سواها.. أما أنا وحين صدمتني الفاجعة .. قرأت أبيات الشعر الملحون التي رثا بها أخو جدي الحاج بلقاسم صديقه الشيخ المختار :

ما ودعتو ما لقاني واتكلم ** والدنيا وأحوالها تقدى زهدات

هلت عليه اتراب في الجثة نردم ** بعد العز تهون عني هذي الذات

يا ما حوسنا في مهاميد ومقسم ** يا ما عدينا ليالي وانهارات

وحيدة

لم أكن أنوي أن أخط هذه الكلمات.. لأن حرقة فقدك وألم فراقك.. جعلتني أكره الكتابة .. الكتابة التي عرفتها معك.. كنا صغارا نحلم بالقصة الخالدة .. وظللنا نهرع .. حتى تعب القلب ركضا.. وما تعب الأفق.. مقت الكتابة اليوم.. لأنها تعريني أمام حزني، فأغدو كطفل فقد أمه في فلاة فهو يصرخ ولا يدري ما يفعل.. هكذا أنا اليوم.. رغم أن هاجسا ما يفتأ يحرضني على بث حزني.. لأتطهر من تقصيري معك.. تقصير صار يلازمني مع الأصدقاء الطيبين.. استغفار بديل هي الكتابة الآن.. أعرف أنك لن تقرأ لي مجددا.. ولكنك ستحسني .. ستتلمس ضياء الحروف .. فتدرك أنني أرتكب وأرتبك.. أنني أبكي كمدا.. أنني فتى تائه اليوم.. لا مرفأ فأرسو عليه.. ولا خل فأشكو له بثي.. وهل صدر كصدرك في اتساعه.. وهل حلم كحلمك .. وهل صبر كصبرك .. وهل حنو كحنوك .. وهل قلب كقلبك .. وهل روح كروحك .. وهل جمال كجمالك .. ولكن هل أشفى من حزني.. وآلامي.. و ذاكرتي..إذا أنا كتبت؟ اسألوا الخنساء أو أحلام مستغانمي.. وها أنا أراك خلفت القصيدة التي أهديتها لك  (وحيدة) من كل قصائدي أهديتك قصيدة وحيدة .. بعنوان وحيدة.. هل تذكرها يا أحمد :

حري بنا ..

أن نجيء امتدادا لغيم مضى أو سيمضي ..

و هوميروس قائم على رأسنا ..

يملي علينا ملاحمه ..

وحين نقرفص لدى موقد في الشتاء ..

يسائله غيمنا ..

لماذا حملنا الرذاذ من المدن الشمالية

لنسكبه على رملنا ..

والصحاري تناشدنا ..

بلا موعد.. سوف نمضي إذن ..

يا وحيدة ..

قد نلتقي ..

لكنه الغيم يحكمنا و الرذاذ ..

أراك تبتسم الآن كما عهدتك.. وتعيد القراءة بصوتك كما تعودت.. بهدوء وحزن.. كأنك تتشرب كلماتها حرفا.. حرفا.. وتستنشقها لتشم رذاذ المدن الشمالية ..

قهوة الريف:

في تلك الأمسية.. منذ ثلاث سنين.. أتذكر تلك الأمسية.. أجل .. يوم أخبرتك عن رغبتي في إجراء حوار معك.. حوار مميز.. أخذنا كأسي شاي من مقهى “راحة البال”.. امتطينا سيارتك.. وسرنا على مهل خارج المدينة.. من الجهة الغربية.. حدثتك عن أحلامك القديمة.. وعن ضرورة أن تكتب من جديد.. وكنت تعرف أني أمهر شخص يمكنه أن يستفز روحك الإبداعية.. قلت لي أن حديثك يثير كوامني .. ودون دراية منك رحت تبوح.. ورحت أسجل.. واجهتك بجميع قصصك الموجودة في مجموعتك ” أجراس المكان”.. قرعت الأجراس.. واستثرت فيك سحر الأمكنة.. فرحت تفضي و تفضي.. إلى أن جن الليل.. وعدنا القهقري إلى المدينة.. وأنا أقرأ عليك بصوت تحبه ما كتبت.. فقلت لي منتشيا.. رافعا رأسك كأنك جمال عبد الناصر يلقي بأمره للمشير عامر عبد الحكيم.. سيكون عنوان الحوار كالتالي.. اكتب ..فكتبت :لم يعد هناك متسع لقهوة الريف.. حينها أجفلت أنا.. وأحسست أن عبارات التابين ما ترافقك في كل حكاياك .. و خاصة في قصتك ” نهاية رجل شجاع ” ..لكنني بعد رحيلك.. أدركت أنه كان حوارا وحيدا.. وعلمت أنك كتبت قصة أخيرة بعنوان “اذكريني”.. كانت تأبينا حقيقيا.. فعلتها مثلما فعلها بورخيس من قبلك .. حينما كتب نعيه ..

و الآن يا صديقي ..ستذكرك الحواري كلها.. وخاصة حي البرج الذي فيه كتبت أول قصصك ..

ستذكرك المساءات كلها ..ستذكرك المرافئ .. و الموانئ .. و المطارات.. ستذكرك المسارح .. والقصص المحكية همسا و جهرا ..وستذكرك القصائد ..و ستذكرك أيضا قهوة الريف.. الممزوجة بعطر الشيح و دفء الأم ..

وسيذكرك الخبز الناضج وقت الضحى ..بل ستذكرك المدائن كلها .. يا أحمد ..

دعاء

يارب كن له .

يا رب كن لأبيه وأمه وإخوته وجميع أهله ..

يارب كن لنا ..اللهم ألهمنا الصبر و السلوان ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق