الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | تجلي الأشكال الثقافية في الرواية الجزائرية

تجلي الأشكال الثقافية في الرواية الجزائرية

د. نعيمة دبار*

(خاص)- تمهيد: كثيرا ما يروج دعاة المحايثة إلى دراسة النص في ذاته ولأجل ذاته، بمنأى عن التغيرات الاجتماعية والثقافية، حيث تنحصر تلك الدراسات في خندق اللغة الضيق، فتغيب القيم والمعايير الثقافية التي تتحكم في إنتاج العمل الأدبي وفي إيديولوجية الكاتب والناقد معا. فهل النص الأدبي مجرد نسق لغوي مكتف ببنياته الداخلية؟
وهل تكفي الدراسات اللسانية والبنيوية في كشف خبايا النصوص وإبراز جماليتها؟ وهل يمكن للناقد إقصاء الروافد الثقافية والأنساق المتشكلة من حياة المجتمعات عن الأدب؟ فإذا كانت الدراسات النسقية ذات جدوى إبستمولوجي في ضوء المتعاليات النصية التي تحجب حقيقة النص وجوهره، فإن حياة النص لا محالة تنبض من خلال الأنساق والرموز التي أرستها ثقافة العصر واحتضنها المناخ العام الذي أنتج فيه، من هذا المنظور تقف الأنثروبولوجيا بموازاة النقد الثقافي، لتمنحه أدواتها ومنظومتها الاصطلاحية.
وقد يظن ظان أن النقد الثقافي لا يتجانس وعلم الإنسان، بل الأدب ـ على حد تعبير )إدوارد سعيد( ـ هو الذي يعيد للفرد إنسانيته الحقة، ولا تكتمل هذه الإنسانية إلا بفهم هذا الكائن في اجتماعه مع غيره، لذا يأنس النقد الثقافي بالأنثروبولوجيا، فيكتسب الناقد من خلال هذا العلم ملكة التمييز الوجودي بين الإنسان في بداياته الأولى وهو معتنق لثقافة بدائية يغلب عليها الطابع المادي والبراغماتي وبين إنسان اليوم الذي يعود في كل مرة إلى ماديته الأولى، ولكن في شكلها الحضاري المتجدد.
إذن، تحدد الأنثروبولوجيا الثقافية المجال الجغرافي والعقلي للإنسان وأسلوب عيشه، وطرائقه النمطية في انتهاج سلوكيات معينة، أو تبني معتقدات محددة، أو ممارسة طقوس واستعمال أدوات خاصة تبرز ثقافة ذلك المجتمع بشقيها المادي والروحي، إن هذا الكل المركب الذي تفرزه تلك الأنساق الأنثروبولوجية ليمثل همزة الوصل بين أفراد الأمة الواحدة، ويشد الوشائج التي تجمعها ويصنع كيانها التاريخي الخاص.

ـ تجلي الأشكال الأنثروبولوجية المادية:
يقتضي فهم الأشكال الأنثروبولوجية بحثا عميقا عن البواكير الأولى للتفكير الإنساني عموما، والجزائري على وجه الخصوص، وكذا التنقيب عن تطور هذه الأشكال وتحولها الراديكالي المتجذر في التاريخ الثقافي للإنسان في ضوء الرواية الجزائرية، باعتبارها من أرقى الأشكال الثقافية التي أنتجها العقل البشري، ومن هذا المنظور يغدو الاعتراف بالحتمية التاريخية ضرورة اقتضتها الحاجة.
كثيرا ما تبوح المظاهر الخارجية للإنسان بنمط عيشه وأسلوب حياته، وتوجهه الاجتماعي والثقافي، من خلال اقتناء أدوات معينة، أو ارتداء لباس ما، أو تناول أطعمة محددة في مناسبات بعينها، ولا تخلو الروايات الجزائرية من هذا النزوع الذي يمثل بدوره الذوق العام للمجتمع. ومن بين تلك الأشكال :
1ـ اللباس والأدوات: تمثل العباءة التي يرتديها الشيخ نموذجا تقليديا مرتبطا بعقلية عربية ثم إسلامية اعتدت بالعباءة كلباس يمثل أصالتها وتميزها، ففي رواية السبعينيات يتحدث الكاتب عن الراعي في رواية ريح الجنوب “لاحظ رابح أنها كانت تلبس عباءة زرقاء أخذ لونها يحول، وتتجلل جلا من صوف مشدودا على صدرها بإبزيم فضة. أما رأسها فكان مغطى بعدد من المناديل وعمة دكناء من فوق تمسك كل ذلك حتى لا يكاد يظهر وجهها من تحت ذلك الكوخ الموضوع على رأسها”.
لقد خرجت الجزائر من نكسة الاستعمار حديثا في السبعينيات، فلم يمر عقد من الزمن على تلك الحقبة المظلمة من التاريخ الجزائري، لذلك صورت الرواية الجزائرية في تلك الحقبة المرأة كمرآة عاكسة لوضعيتها الاجتماعية التي تسمها المحافظة على التقاليد والنمط القار في اللباس، وإن كانت الحاجة إلى اللباس حتمية فرضتها الأعراف الإنسانية التي تحتم على الإنسان تغطية معظم جسمه تمييزا له عن الحيوان الذي يكشف عورته، إلا أن الكاتب الجزائري أدرج في نصه ما تعارف عليه أهل العشيرة التي تحتم الالتزام بالنسق الثقافي المتداول بينهم في اللباس من عباءة تقليدية وإبزيم فضي وغيره، لذا كانت والدة الراعي في الرواية ترتدي عباءة تستر كل جسمها، وتضع المناديل والعمة على رأسها، وترتدي جلا من الصوف تشده بإبزيم من الفضة، وهو نوع من الحلية التي مازالت ترتديها النساء إلى يومنا هذا، لاسيما العجائز.
وفي رواية الطاهر وطار اللاز: “إننا كما عرفنا أنفسنا، منذ خلقنا، الشيشان على رؤوسنا تكاد تقطر وسخا، البرانس مهلهلة، رثة، متداعية، والأحذية مجرد قطع من الجلد أو المطاط، تشدها أسلاك صدئة”.
يعتبر اللباس الذي وصفه الكاتب زمن الاستعمار حتمية تاريخية اقتضتها الظروف الاجتماعية، إذ ساد الفقر والحرمان حتى صارت المعيشة ضنكه، وقد تحمل المجتمع تبعات الحرب، فازداد بؤسا، وبدت مظاهره في اللباس التقليدي المتداعي والأحذية المطاطية، فاللباس مظهر مادي، وهو علامة ثقافية تدل على خصائص الهوية الجمعية، ولا يقف دور اللباس في هذه العبارات عند هذا المعنى، بل يتجاوزه إلى معان أعمق، فلنتأمل العبارة: إننا كما عرفنا أنفسنا، منذ خلقنا، يخاطب الكاتب المتلقي بصوت الجماعة مستعملا ضمير المتكلم نحن، الذي يشير إلى الهوية القومية التي جعلها الكاتب متجذرة في القدم، أي منذ خلقنا، حيث جعل الكاتب نفسه لسان الجماعة، إذن، فيم تتمثل معالم وملامح هذه الهوية؟ يجيب الكاتب: الشيشان، البرانس مهلهلة، الحذاء المطاطي بأسلاك صدئة، يتجلى من خلال هذا الخطاب نوع من البوح والاعتراف بوجود الفقر المدقع الذي تحول إلى قيمة وجودية من خلال اللباس الرث، وهو دلالة ثقافية على نمط عيش المجتمع الجزائري الذي يقطر وسخا.
من هنا غلب النسق الراسخ على ذهنية الكاتب وتعمق في لا وعيه، وطفا على السطح اللغوي، ففي الذاكرة الجمعية يقترن مفهوم اللباس الرث مع الوسخ والقذارة، فهناك علاقة وجودية تفاعلية بينهما، وما نبرة التذمر والتحسر التي يستشعرها القارئ إلا دليل على هيمنة النسق الثقافي على الذهن والوجدان، لأن اللباس علامة على المعاناة والبؤس، وحافز يدفع الآخر إلى التحقير والإذلال، ويشهد كل جزائري على الحالة الشعورية المزرية التي تنتابه إذا مكث بين رفقائه في ملابس رثة، وبحذاء ممزق بال، حتى لتبدو عليه مظاهر الدنس والوسخ التي تلازم هذا النوع من اللباس.
في رواية الزلزال، حين يصف الكاتب مشعوذا جزائريا زمن السبعينيات: “إلى جانبها طالب يقرأ جريدة، وإلى جواره بقليل في زي مغربي، يرسم على رمل في منديل خطوطا ودوائر”.
إن العرف السائد عند الغرب عن سكان المغرب العربي أنهم أكثر المجتمعات المغاربية إيمانا وممارسة لطقوس السحر والشعوذة، وعادة يرتدي المشعوذ برنسا مغربيا مميزا، وهو زي يمثل الخصوصية الثقافية لدي سكان المغرب، وقد احتذى السحرة والمشعوذون في الجزائر حذو هؤلاء، من خلال ارتداء الزي نفسه كعلامة على الاحتراف. وورد أيضا: “تأمل صاحب الدعوة المترددة، فألفاه شيخا بلحية كثة، ونظارات صغيرة شفافة، وعراقية بيضاء متسخة على رأسه، وقميص ممزق مرقع على صدره، وسروال حوكي في عجزه وبلغة مهترئة قديمة”.
وفي الطموح: “استطاع خليفة في لمح البصر أن يلاحظ كل شيء، فستان أمه الأزرق، حزامها الأصفر، ونعليها الخفيفين”
كانت النساء يرتدين الفساتين الفضفاضة، ويشددنها بالحزام، ومازالت النساء اللواتي عشن في تلك الحقبة محافظات على العرف، غير أن التغيير لحق بالأجيال اللاحقة من الأبناء.
وفي جسد الحرائق لواسيني الأعرج: “ردد درويش طاعن في السن. ينام جسمه المسلول وسط عباءة فضفاضة”.
إذن، ليست العباءة لباسا خاصا بالشيوخ الوقورين فحسب، بل تختص بالدراويش والفقراء أيضا، وقد كانت مظهرا ثقافيا يسم المجتمع الجزائري آنذاك.
يبدو من خلال الروايات أن الكتاب قد احتفوا بالتقاليد، واعتدوا بالعرف والموروث من خلال وصف اللباس، فغلب النسق الراسخ الذي حفز مخيال هؤلاء لتكريس القيمة المركزية للنظام الجزائري الذي تسمه البداوة، والمتميز عن غيره من أنماط المعيشة لمجتمعات أخرى، فالعباءة والبرنس والإبزيم الفضي والسروال الحوكي والحزام النسوي والنعل الخفيف وغيرها تجسيد لديمومة ثقافية قائمة على الالتزام بالتقليد الراسخ، والتمسك بالتراث، وتأكيد الانتماء العشائري، وتعزيز الانتساب للسلف في المظهر، فجعلوا من السلف نهجا يتبع.
أما في الثمانينيات ، فلا يخرج الكاتب محمد مفلاح في الانفجار عن تجسيد صورة الإنسان الجزائري المحافظ، حيث يبدو الإمام وهو بطل الرواية متدثرا بعباءته،”تهب نسائم باردة، يتدثر الشيخ بعباءته الزرقاء أيها الراعي ستكون وعصاك في المقدمة”.
تعتبر العباءة التي يرتديها إمام القرية شكلا ماديا لنمط الحياة التقليدية للمجتمع الجزائري، وقد حظيت العباءة بهالة قدسية قبل الإسلام وبعده، ومنه ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنه في الصحاح خبر (عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها) أنها استقبلت أنصارية في بيتها، فرأت فراش الرسول عليه الصلاة والسلام عليه عباءة، فذهبت وبعثت إلى عائشة بفراش فيه صوف، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: رديه، فوالله لو شئت لأجرى الله لي جبال الذهب والفضة، فردته.
من هنا، تبدو هيمنة النسق الديني، أما العصا فتحمل كثافة رمزية وشعورية، فهي أداة الراعي في نهر غنمه، كما تنطوي على أبعاد سحرية عجائبية، نظرا لارتباطها بالشعوذة، فالعصا السحرية أداة الساحر والمشعوذ في فعل العجائب والخوارق، وقد أشار الله تعالى في قصة (موسى عليه السلام) إلى القيمة الوجودية للعصا ليمنحها القداسة والعجائبية، فيحولها من مجرد عصا خشبية إلى أداة سحرية، قال تعالى: “وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الجحر، فانفجرت منه اثنتا عشر عينا”، وقال أيضا: “وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصايا أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى، قال ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هي حية تسعى”.
لذا استعان بها الروائيون في مواضع كثيرة، لأنها مارست فعل السحر على الأذهان، لأن النسق الفحولي مغروس في الذات الجزائرية.
وفي رائحة الكلب لجيلالي خلاص يرى البطل: “أباه ذي الوجه الترابي الأدكن، الجالس القرفصاء، في ردهة البيت يعد حبات سبحته” وفي الانهيار لمحمد مفلاح: “تضع منديلها على شعرها القصير الفاحم”.
تعتبر السبحة التي يعتمدها المسلم للذكر من الخصوصيات الثقافية، وكذلك استعمال المرأة للمنديل على شعرها، فهي العادة التي تعارفت عليها النساء المحافظات في الجزائر، غير أن السبحة رمز ديني، لا يختص بالمسلم فقط بل بالأديان الأخرى أيضا، فالمسيحيون واليهود من الكهنة والحاخامات يستعملون السبحة أيضا للذكر، كرمز للقداسة، وفي رواية التفكك لرشيد بوجدرة: “لم يمت أخي ثملا على سجادة أمي”. فالسجادة أيضا من الرموز الدينية، لأنها علامة على إقام الصلاة، ويقترن وجودها في البيت بالإيمان والإذعان لأمر الله، من خلال أداء ركن الصلاة.
ويشهد العصر الإسلامي على اعتزاز العربي المسلم بلباسه التقليدي، ويروى في الأثر أن (الرسول صلى الله عليه وسلم) أهدى بردته، وهي أعز ما يملك للشاعر (كعب بن زهير) بعد أن ألقى قصيدته الشهيرة في مدحه.
للعباءة معنى أنتروبولوجي متجذر في القدم، فقد امتدت دلالاتها إلى الثمانينيات من القرن الماضي، فقد اصطدم الروائي بموروث مادي مارس سلطته على الكتابة الروائية، فقد تخلت تلك المادية عن سكونها وتحجرها لتضحي رموزا تنطوي على مختلف الدلالات، فقد خلق الإنسان الجزائري ثقافته المادية وأحاطها بمعالم معينة، كما رسم لها ملامح ميزتها، ولم يكتسب هذه الثقافة عبثا، بل جعل لها وظيفة اجتماعية من شأنها تحديد فرادة الذات الإنسانية ضمن النظام النمطي الذي يحكمه نفسيا وسلوكيا واجتماعيا، فما النص الروائي إلا مسرحا لأحداث ثقافية افتراضية، لها وجودها العيني وأثرها الراسخ، لذلك فإن “الثقافة بوصفها ذاكرة جمعية تتجه في الغالب إلى الماضي لحفظه وصيانته”
إذن، ترتقي الثقافة في سلم القيم لتلمس روح الفرد الذي يتبناها، ففي رواية الانهيار مثلا تحاول زوجة البطل ربيعة أن تغير من حالها وترتقي إلى مستوى أفضل،علها تنتقل إلى الضفة الأخرى حيث تثبت ذاتها وكيانها بعد أن أهملها زوجها محفوظ وأهان أنوثتها بدعوى الفن وهوس الكتابة، فتتمرد على نواميس المجتمع المجحفة، فتستعير اللغة من الثقافة المادية للمجتمع أدوات المرأة التي تستعملها في الغواية كالعطور والملابس،حيث “تقصد الخزانة وتفتح أبوابها، ماذا تنتظر الآن؟ إلى أين تذهب؟ ترتدي معطفا صوفيا، تغلق الخزانة، تلقي نظرة فاحصة على المرآة، تجعل من عطرها المفضل بورجوة، تضع الحايك الأصفر وتخرج”.
إن المعطف الصوفي والحايك الأصفر هما رمزان ثقافيان يحددان الفروق القائمة بين المجتمع الجزائري والمجتمعات الأخرى، ولا يخفى على الذاكرة الجمعية تلك الصورة الذهنية التي يكونها الفرد عن الحايك والمعطف الصوفي، فهما من المنسوجات التقليدية التي تعتز المرأة الجزائرية بها، باعتبارها رمزا للفن الأصيل الدال على الاحتراف والإبداع، من هنا “يتجه الأنتروبولوجيون عند دراستهم لأسلوب حياة مجتمع معين، إلى الربط بين الجانبين المعنوي والمادي، لما يدور في الحياة اليومية للناس، وإبراز الكيفية التي ينظم بها الأفراد والجماعات وسائل عيشهم” كما وضح حسين فهيم في كتابه قصة الأنثوبولوجيا.
ويرى الأصوليون المتمسكون بالتراث والأصالة العربية أن الماضي يبقى حاضرا إذا امتد بجذوره ليشمل المستقبل ويحتويه تأكيدا للذات ورد الاعتبار إليها كحتمية تفرضها مواجهة التحدي الحضاري الغربي بجميع أشكاله وأبعاده كما بين ذلك محمد عابد الجابري في كتابه نحن والتراث.
ترسخ في ذهنية الكتاب أساليب الغواية التي تعتمدها المرأة، فما ترسب في الذاكرة أن العطور والملابس المميزة تستثير الآخر، لأنها أول ما تقع عليه العين، فيحرك الرغبة ويوجه الذائقة والسلوك، وللعطور في عبق أريجها قصة أخرى، وتفضي الأنثروبولوجيا الثقافية إلى اعتبار العطور نزوعا فطريا إلى الجمال، وتشهد الحضارات الإنسانية كلها على ميل الإنسان إلى الروائح الزكية العطرة.
خـــــــــاتمـة:
إن جماليات الثقافة تتمثل في مجموع العادات والتقاليد والمعتقدات وأساليب التفكير وطرق المعيشة المرتبطة بالثقافة، وبين أن العلاقة بين الجماليات الثقافية والجماليات الأدبية تكمن في إدراج الثانية ضمن الأولى، لأن الجماليات الأدبية رغم أهميتها إلا أنها غير كافية لمشروع النقد الثقافي، وتعتبر الرواية من أهم الأنواع الأدبية التي تختزن أشكال الثقافة المادية والروحية.
فالروايات الجزائرية عامرة بتمثيلات الثقافة الشعبية، لأنها تعكس الأنساق الكامنة في المجتمع، وتنقل أبعادها، وتبرز تجلياتها، فمنذ التأسيس كانت الرواية حاضرة لتسرد تاريخ الأمة، وتعرب عن تجاربها، وثقافتها، وحياتها، إذ ليست الطبيعة وحدها ما يحتوي الإنسان، بل الثقافة المتغيرة والدينامية أيضا تعبر عن كينونته، وتفضح خباياه، وتعري جوهره الوجودي، لأن الأنساق الثقافية هي ما يشكل عالم الإنسان، سواء كان حاكما أو محكوما، فنانا أو عالما أو مفكرا، أو كان مهمشا منبوذا، إذ تحكمه أنساق وأنظمة توجه تفكيره وسلوكه وحياته، وتحدد موقفه تجاه الأشياء من حوله، وهي بهذا المعنى تصنع هويته الخاصة. وحتى أشرح هذا الموضوع اعتمدت على مراجع منها: رواية ريح الجنوب لعبد الحميد بن هدوقة وجسد الحرائق لواسيني الأعرج، وروايتا الانهيار والانفجار لمحمد مفلاح، ورواية محمد عرعار الطموح، وروايتا الزلزال واللاز للطاهر وطار، وكتاب تمثيلات الآخر لنادر كاظم، وقصة الأنثروبولوجيا لحسين فهيم، وكتاب محمد عابد الجابري نحن والتراث.

 

*دكتورة في الأدب العربي، جامعة عنابة

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الجواهري يرثي أمه

عدنان الظاهر*  الجواهري ( 1900 – 1998 ) قفص العظام تتكون قصيدة الجواهري من ثلاثة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *