الموقع

سعر القدم أغلى من سعر الرأس !

لست الوحيد دونما شك من شعر بالخيبة من كونه مثقفا في عالم يعتبر الثقافة وجبة سريعة وغير مجدية في غالب الأحيان، سعر القدم أغلى مليون مرة من سعر العقل، ولاعب كرة يساوي الملايين، تماما كما يساويها الممثل التافه والراقصة التي تتصدر صورتها شاشات التلفزيون والمجلات الاجتماعية وحتى الثقافية، بينما المثقف فلا يساوي الحبر الذي يكتب به ! نعرف كلنا أن تذاكر الملعب أكثر تكلفة من سعر الكتاب، مثلها كمثل تذاكر الحفلات الراقصة والأغاني الهابطة التي ينشطها مطربون يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة، مع ذلك يتحايل الشباب على أوضاعهم للحصول على التذكرة: تذكرة الملعب وتذكرة المرقص، على اعتبار أن “الكتاب مضيعة للوقت” ! كما قالت لهم صحف كل يوم، تلك التي تشجع الأرداف مثلما تعتبر القدم أهم من الفكر ! هذه ليست معادلة صعبة، وليست إشكالية بالمعنى التكنوقراطي كما يظنها البعض، بل هي حالة من الانحطاط التي جعلت الأب يحلم أن يصبح ابنه لاعب كرة (أـو فنان أو راقصة!)، فيشجعه محتقرا أمامه كراريس المدرسة التي لا تجيب سوى وجع الرأس ! لقد قرأت مثلكم كم تساوي القدم اليمنى أو اليسرى للاعب في المونديال، مثلما قرأنا عن الحوافز التي قيل أن المنتخبات المشاركة ـ بمن فيها الخارجة من الدور الأول ـ حصلت عليها قبلا، أو ستحصل عليها بعدا، وقد حصل منتخبنا الجزائري قبل المونديال على أكثر مما حصل عليه منتخب ما يزال يتنافس على اللعب في الأدوار الأولى في المونديال ! نجومية “عنتر يحيى” و”مجيد بوقرة”، و”كريم زياني” أكبر ألف مرة من نجومية المثقفين الذين لا يسمع عنهم الناس، اللهم إلا من استحوذ بالقوة على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة ونصب نفسه مثقفا جماهيريا على حساب مئات المثقفين المغبونين الذين لا يتوفر أغلبهم على ثمن الدواء الذي يعالج  به روحه من ربو المدن المكتظة بالغبار وبالسفسطة ! وأن يعبر لاعب الكرة، أو الممثل، أو المطربة أو الراقصة عن سعادتهم لأنهم لم يصبحوا شيئا آخر، فهذا أمر نفهمه، فهم يتقاضون إلى جانب الأموال، الشهرة، وإعجاب الملايين من البشر بأرجلهم وأردافهم، لكن أن يعترف كاتب بحزنه لأنه لم يجد في حياته عملا آخر سوى الكتابة لهي المأساة التي نجترها جميعا من المحيط إلى الخليج، ربما لأن الكاتب كمثقف، عليه أن يستوعب الواقع من منظور مغاير، فأمام همومه الإنسانية الكبيرة يمكنه قراءة واقع أمته بمجرد فتحه الصفحة الأولى من الصحيفة، أو أمام مقدمة نشرة الأخبار التي تقدس الحاكم واللاعب والراقصة، وكلّهم من طينة واحدة ! فيا أيها المثقف تحرر من كذبة الحظ !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق