الثلاثاء , نوفمبر 21 2017

النهر المالح

أسعد العزوني

اهتدى الحاج عبد الله إلى زراعة شجرة زيتون تقيه حر الشمس اللاهبة ويكون لها منها فوائد أخرى، وبعد أن اهتدى إلى تلك الفكرة عرضها على زوجته وأولاده الذين رحبوا بدورهم بها وأقسموا جميعاً على ان يتعهدوا تلك الشجرة حتى تكبر وتثمر وتقيهم الشمس اللاهبة ويجنون منها الزيتون ويصنعون منه الزيت.
– توكل على الله يا حاج عبد الله قالتها زوجته وسنكون كلنا حماة لها من أعداء الخضرة والظلال.
– سنكون كلنا لها رهباناً يا أبانا – قالها الأولاد – وسنحميها من كل الرعاة الذين لا يحبون ان يروا بيننا عوداً أخضر.
– يا أبانا سنحضر لها المياه من العيون البعيدة وإن شحت فسنسقيها من دمنا – قالتها البنات بحماس منقطع النظير.
فرح الحاج عبد الله لذلك الحماس وقرر أن يزرعها فوراً وأنه سيعمل كذلك لو نجحت فكرته على زراعة أشجار اخرى في المناطق البعيدة التي تكويها الشمس بحرها اللاهب في الصيف، وبدأ بالحفر بعصاه القوية وفجأة صاح فيه ابنه الصغير.
– أبي.. أبي: إن أحد المارة وهو من أقاربنا ينظر إليه شزراً ويهز رأسه مستنكراً على ما يبدو.
– أنظر.. انظر يا أبي.. قالتها البنت إن أحدهم يؤكد لصاحبه أنه سيفعل شيئاً ما وهو أن ينظر إلينا.
– يا حاج توكل على الله وأكمل الحفر وليكن ما يكون المهم أننا سنزرع تلك الشجرة قالتها زوجته.
وقف الحاج عبد الله مع نفسه وأدرك الموقف جيداً أن أولاده على حق حيث أن أقاربه قد رفضوا أن يزرع شجرة الزيتون لتقيه من الحر لعدة أسباب منها أنه لن يحتاج بعدها إلى أن يجد ظلاً يجلس تحته ثم أنهم يخافون من أن تتسرب تلك الفكرة إلى أولادهم فيزرعوا أشجاراً أخرى بعدها فيفقدوا السيطرة عليهم كذلك ….توقف عن الحفر قليلاً.. نظر إلى السماء.. وتمتم بكلمات قليلة (باركها يا رب السماوات – يا خالق الظل امنحها الحياة) ونزلت دموعه من عينيه لتستقر في الحفرة، واستمر بالحفر شارد الذهن والتفكير مما جعله خطأ يضرب إحد أصابع قدميه ليسيل الدم منه ويختلط مع الدموع بتراب الحفرة.
– إنك تشهد يا ربي أن هذه الشجرة مباركة أصلاً وما زادها قدسية عندي هو انها شربت أول ما شربت من دموعي ودمي.. احفظها يا رب، إنك على كل شيء قدير، قالها الحاج عبد الله وغرس الشجرة الصغيرة في الحفرة.
مضت الأيام وأخذت الشجرة تنمو وتنمو والجميع يسهر عليها وقد حددوا برنامجاً لحراستها في الليل ووضعوا على كل فرد منهم حراستها ليلة كاملة.
أثمرت الشجرة وأكلوا من ثمرها الزيت والزيتون وجلسوا في ظلها الذي منحهم القوة الإضافية والحماية من الحر.
– تعالي يا حاجة.. تعالوا يا أولادي – قالها الحاج عبد الله لزوجته وأولاده.
– اسمعوني جيداً وانتبهوا لما أقول: ها هي الشجرة قد اينعت وأثمرت، وها أنتم أكلتم من ثمرها وجلستم في ظلها وما أريده منكم هو المحافظة عليها وأراد أن يكمل إلا أن دموع بناته أوقفته:
– مالي أراكن باكيات يا بناتي! هل في الأمر شيء؟ هل تردن أن تقلن شيئاً؟
تنهدت البنات بصوت واحد وقلن له:
– يا أبانا.. جفت العيون القريبة ولم نعد نجد فيها شيئاً لنطفئ رمقنا وصمتن!
جن جنونه، طار عقله، ضرب بعصاه الأرض ثم قال:
– رحماك يا رب هذه الشجرة مباركة فامنحها قوة من عندك.
ثم أن أولادي سيقتلهم الحر وكيف سيقبلون بالحياة في الحر بعد أن ذاقوا طعم الظل: وكيف سيرون الشجرة التي سقيناها بدموعنا ودمائنا تموت أمامهم – رحمتك يا رب. قالها وحاول أن يتجلد بالصبر لكن الدموع غافلته ونزلت من عينيه ثم قال بعدها:
– لا عليكم يا أولادي فدموعنا ودماؤنا لن تذهب هدراً وهذه الشجرة ستكبر وتكبر بمشيئة الله وإرادتنا سأتدبر أمرها بنفسي.
لم يقف الأمر عند جفاف العيون وبطء نمو الشجرة بل عمد بعضهم إلى السطو عليها ومحاولة قطع بعض أغصانها انتقاماً، الأمر الذي جعل الحاج عبد الله وأولاده لا يحتملونه بعد أن تبين أن أقاربهم بالدرجة الأولى هم السبب في قطع المياه من العيون وجفافها وأنهم كما ثبت بالدليل القاطع هم الذين هاجموها وقتلوا أحد أبنائه وقطعوا بعض أغصانها.
– افعل شيئاً يا حاج فاليوم قتل الولد وقطعت بعض الأغصان وبالأمس جفت العيون – افعل شيئاً مع أقاربك يا رجل هددهم إن اقتضى الأمر واشعرهم بوجودك – قالت له زوجته.
ابتسم الحاج عبد الله قليلاً وقال لها بشيء من السخرية
– أقاربي؟ أين هم أقاربي، إنهم لئام إلى درجة اللؤم ثم ألا تعرفين وضعهم أنهم أقوام متفرقون في الصحراء لا ظل فوقهم ولا شجرة بينهم لقد اكسبتهم الطبيعة قسوة فوق قسوتهم وزادتهم لؤماً فوق لؤمهم، ولكن الله أعطاهم العيون والماء ولا شيء غير الماء، أما نحن فبعد أن أجبرنا على المكوث هنا لا ماء لدينا ولا عيون وتوقف قليلاً ثم قال: ألا تذكرين يوم زرعنا الشجرة كيف سقيناها ألم نسقها بالدموع والدم؟ وصمت لأنه تذكر أنهم أقاربه وليسوا أقاربها.
أراد الحاج عبد الله أن يكابر فهو يخاف أن (تعايره) زوجته بأقاربه وتقول له لو أن أقاربي موجودين لأحضروا بدل الماء شهداً مصفى وأخذ يقول لنفسه:
– لا يا حاج إنها امرأة والنسوة عقلهن ناقص لا تضعف أمامها، وهو في الحقيقة يعرف أقاربه أكثر مما يعرفون أنفسهم.
وقال مخاطباً زوجته:
– سأذهب إليهم… سأقابلهم …سأشرح لهم الأمر بالتفصيل.
أولادي كبروا وبناتي صرن صبايا ولا يجوز أن يبقين هكذا يجب أن يجدوا حلاً ويساعدوني على إحضار المياه لهذه الشجرة التي ستظلنا جميعاً وسأصارحكم بكل شيء.
– توكل على الله يا حاج انهم ليسوا أغراباً إنهم أقاربك ولو أنهم فعلوها معنا وبنا، ولم تكمل لأنها شعرت بتفكير زوجها ولم تحرجه بأقاربه أكثر من ذلك!
وصل الحاج عبد الله إلى أقاربه واحداً بعد الآخر، والكل اشترط أن يكون له نصيب من الزيت والظل في نفس الوقت حتى أن بعضهم اشترط عليه شكلها الخارجي والداخلي وأنه سيتعهد بتقليم الأغصان الشاذة حسب وجهة نظره وأخيراً عرض عليه أحدهم أن يشق له قناة تمر في نصيبه بلا شروط معلنة في الوقت الحاضر وقال بالحرف الواحد سأشق لك قناة، تكفي ألف شجرة ولكن سيكون لي معك كلام حول الشجرة ولكن ليس الآن، سنجلس معاً ونتكلم حول الموضوع في الوقت المناسب.
فرح الحاج عبد الله فرحاً ظاهرياً وقبل الموضوع برمته على مضض فالشجرة ستموت ولم يرض كرجل شرقي أن تبيت بناته في العراء هكذا.
قبل كل الشروط علهم يعودوا عنها فيما بعد ولكنهم كما اليهود يزدادون كفراً كلما جاءهم نبي، فقد شاركوه في الزيت وتقليم الأغصان الشادة بل وحتى في الورق المتساقط منها وعينوا له كلاباً بل فرضوها عليه فرضاً لتحرسها ولكنهم في الحقيقة وضعوها لتمنع الأولاد من الخروج من تحتها خوفاً منهم!
– قاتلكم الله أيها القوم المتفرقون أمكنة والمتجمعون ذلاً إنكم يهود عصرنا أنتم جاحدون نعمة مثل هذه الشجرة، افعلوا ما شئتم المهم أن تبقوا الشجرة حية وسيأتي يوم تقلبكم بجذورها التي ستمتد إليكم سأقبل بشروطهم قالها الحاج عبد الله نفسه.
رجع إلى أهله مستبشراً خيراً ظاهرياً لكنه يخفي الشر كل الشر داخلياً ولكن هل يستطيع الإفصاح عنه آنذاك افرجها الله يا أولادي ستغمرنا المياه والشجرة ستنمو أكثر وتثمر.
ولم يكمل لان هناك همهمات أخذت تعلوا شفاه الجميع بعد أن سمعوا بالفرج المزعوم.
توقف وفهم كل شيء فهم ما كان يدور برؤوسهم وكأن بهم يقولون:
– بالأمس جفاف وقطع أغصان، وقتل أخينا، واليوم صهاريج مياه، لا نظن ذلك، إن في الأمر شيئاً!
لم يطق الحاج عبد الله ان يبقى صامتاً لأنه لم يستطع ذلك وقال لهم:
– يا أولادي إن كل ما تفكرون به صحيح ولكني كما ترون شيخ مسن وقد عملت ما أستطيع أن اعمله زرعت الشجرة بدمي ودموعي وعليكم ما تبقى وصيتي لكم هي أن تدفنوني تحتها وتحافظوا عليها لأنكم بذلك تحافظون على قبري، والعقبات أمامكم كبيرة، ولكن أنتم شباب أقوياء لا فرق بين ولد وبنت كلكم أكتويتم بالحر قبلها وأكلتم من ثمرها وجلستم تحت ظلها.
هذه وصيتي وهذه أمانة أضعها في أعناقكم!
وبعد مدة لاحظ الجميع بعد وصول القناة إلى الشجرة أنها أخذت تذبل وتذبل بعد أن أينعت وأثمرت ثمراً كثيراً، فكروا في الأمر ملياً، تشاوروا، لنتذوق قناة المياه: قالها أحدهم – أبانا – إن القناة ماؤها مالح!

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

الإهداء: إلى كل من لم يدخل سوق الإستسلام ولم يفرط بالحقوق (أسعد).  – أريد أن أفهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *