الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | موكب السلطان (أكس)

موكب السلطان (أكس)

محمد سهيل احمد (*)

بعد أن تسلقا درجات السلم الحلزوني الضيق, دلفا لاهثين لصالة المقهى المعلق مثل قفص عند الطابق الثاني, انتزعت الفتاة يدها من قبضة صاحبها:

– ليس لهذه الدرجة… أوجعت أصابعي..!

تناول يدها , وربّت على أسفل بنصرها حيث أثر لخاتم منزوع :

– لا بأس الآن..

غمغمت وهي تطوح بشعرها الفاحم المسترسل لما وراء كتفيها:

– أي عسل هذا ؟ الأمر سيان… أين نجلس ؟

مسكها من ذراعها لكن بارتخاء متيحاً فرصة تفادي انفلاتها المباغت:

– أنصتي

– ماذا؟

– السيمفونية السادسة…

– لكنني لا أسمعها…

– ربما لا تستطيعين تمييزها…

– أليست هي الرعوية التي تحفل بأصوات الغاب والمرعى؟

– بلى…

– أنت تدير اسطوانتها كل يوم فكيف لا أستطيع ؟!

أشار إلى شرفة المقهى:

– تعالي نستمع إليها هناك…

– البرد قارس… هل ستمنحنا بعض الدفء؟!

– توقفي عن التهكم… السماء صافية على الأقل… سنستحم بأشعة شمس الضحى.. الضحى أروع أوقاتي.

– أروع أوقاتي هي أن نكون معاً.. لكن الصقيع.

ـ في البداية… ربما سنوصي على مشروب ساخن…

ـ ما رأيك بنسكافة بالحليب ؟

– إنني أتفكر… كنا صغيرين… هل تذكر موقد البيت ؟

– وماذا أيضاً ؟

– كنت تتظاهر بالإنصات لحكايات جدتي.. تغافلها وتسرق كستناواتي بمنخس الجمر…

– هل كنت أفعل ؟

– يبدو أن ذكراتك مثقوبة..

– ذاكرتي خضراء.. لكن شقاواتي كانت بعدد نجوم السماء.

ممر الشرفة لا يتسع لأكثر من عابر واحد… الكراسي والطاولات قلصت المساحة، والشيء نفسه قامت به مظلة القرميد ومزهريات نباتات ظل وبرية الملمس مبثوثة على امتداد إفريز الشرفة المدهون باللون الأصفر.. ازدانت جدران الشرفة بلوحات زيتية لأعلام تزخر بأهلّة ونجوم وأقمار وصلبان. كان سائحان أشقران يشغلان طاولة تطل على رصيف المقهى حيث بسطات ملابس البالات الأوربية. أرخى كتفيه على الكرسي في مواجهة الشمس في حين أراحت رفيقته ذقنها على راحة يدها متعكزة بمرفقها على أرضية الطاولة وانهمكت بتأمل خارطة سياحية تتصدر غلافها كلمة (فيلادلفيا). قدم النادل ولقط قدحي القهوة الفارغين من على طاولتها. مازالت نغمات (السيمفونية الرعوية) تنبعث من مكمن في الشرفة خفي, أختار الشابان الطاولة المواجهة للمدخل. ثمة رجل أشيب… عند الطاولة الخلفية… يرتدي معطفاً ماحل الزرقة, يعبّ دخان نارجيلته أو يحتسي شاياً ويكحّ بضراوة من وقت لآخر.. التفت الفتى لصاحبته:

– هل أعجبك المكان؟

– السوق هو ضالة المرأة.. أنت وعدتني.. أنظر!

كانت تومئ للرصيف المقابل, ألقى نظرة عدم اكتراث إلى نهر الشارع المزدحم بالمركبات الضاج بأبواق التنبيه و زعيق احتكاك الفرامل ونداءات باعة اليانصيب. و اللا نصيب وشتائم مجانين المدينة والى حشود المارة وهي تتجارى على نحو مترادف أو متقاطع ولمح شاشة سكرين عملاقة تتقلب على تدرجاتها إعلانات لهواتف خلوية ومساحيق تجميل وودائع مصرفية.

– لا أرى ما ترين.

يبدو أن الفتاة كانت منشغلة بالرنو إلى حيث الرصيف المقابل.

هتفت بغتة:

-أخيراً وجدتها…

-الذائقة الخفية لأعالي الضحى.. أليس كذلك؟

راحت تهز أصابعها بالنفي:

-أين أنت… أين أنا…؟! تك المحلات فقدت أثرها…!

ردد بصوت هامس:

-هزّة الغاب… أصوات العصافير… هذه الظلال وتلك الأيام…

واصلت الفتاة حديثها :

– الذهب الذي يذهل الإبصار… القلائد, الأسوار… الخواتم, وهي تتلامع في الواجهات الزجاجية..

نكست رأسها… دعكت بنصرها بحركة نصف دائرية :

– وعدتني بخاتم بديل.. لم لا نذهب ونتفرج ؟

احمر وجه الفتى .. ردد بتوتر:

– ليس الآن.. ليس.. ولم لا ؟ نتفرج.. اوكي.. لكن آه.. ربطوه بقرن وعل وقالوا طاردوه أن أردتم إمساكه حقاً!

– ما كان ينبغي أن تبتاع غراماًفوناً وحفنة أسطوانات..

– النار.. تسكن أيامنا وتكملها!

أنتفض كمن استيقظ من سبات:

– تذكري.. نحن في قاع الشهر.. كم هو تاريخ اليوم؟

– السابع والعشرون أو الثامن والعشرون.. لست واثقة.

في تلك اللحظة تحجرت حركة المركبات في الشارع وكأن الصقيع استحال إلى قشرة اكتسى بها نهر الشارع, فتوقف عن الجريان, سرعان ما ذابت ليحل محلها ضجيج أعلى درجة وأقل حدة. تخاطفت أرتال من الدراجات النارية تحمل أسرجتها رجال شرطة متدرعون بخوذات رصاصية, أردفت بمركبات ذات أحواض خلفية, اقتعد مصاطبها أفراد يرتدون بذلات عسكرية مرقطة ويعتمرون بيريات أرجوانية يتفيأون ماسورة مدفع مطلي الفوهة باللون نفسه..

سرحت الفتاة طرفيها في وجه الرجل:

– منع تجول؟

أبتسم دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليها.. ربما لأنه هو أيضاً لم يكن يملك إجابة قاطعة.. اكتفى بالقول:

– تبدو مدافع جديدة بحيث أن أي ساذج يجزم أنها لم تخض حرباً قط!

تدخل الرجل العجوز وهو يقرقر معدة الأرجيلة مبعداً مبسمها عن شفتيه:

– أنه موكب السلطان (×)…

لاحظ الفتى:

ـ بدأ الموكب بالدراجات النارية.. لكن أين هو السلطان؟

التفت نحو الشيخ:

– هل يمر بهذا الشارع يومياً؟

– كلا… مرة واحدة بالشهر.

– لماذا هكذا؟ هل هو مزاجي؟

ابتسم العجوز ورفع ياقتي معطفه:

– انه مقتضى الحال…

– من الواضح أنه صاحب نفوذ…

– هل عرفت سلطانا بلا نفوذ؟

– طبعاً لا…

– ينبغي أن تعرف أن هذا السلطان هو واحد من أكثر سلاطين العالم نفوذاً.

– ليس سلطان بروناي بكل تأكيد.

انبثقت من فم العجوز سحابة زرقاء:

– هو أكثر ثراء بكثير.. هذا ان لم يكن الأكثر ثراء من بين سلاطين العالم كلهم.

– غير معقول.. أهو لغز أم أحجية؟!

أنبرى العجوز متسائلاً:

– ما رأيك أنت؟

همس الرجل بإذن امرأته:

– ننتظره عند الرصيف المقابل فإذا ما صادف مروره وقوفنا هناك سألناه أن يبتاع لك خاتماً.. فكرة جهنمية.. أليس كذلك؟ ها.. ها!!

أعتكرت قسمات وجهها:

– دعك من هذا المزاح.. أخالك لن تبتاع لي خاتماً.. حجتك حديدية.. الديون ولا هوادة !

– لا… أنا أمزح وحسب.

تلتفت الفتاة جهة الرجل العجوز:

– خبرنا يا عم… هل تعرف السلطان عن كثب؟

– نادراً ما التقينا وجهاً لوجه…

– لماذا؟ هل يكره أحدكما الأخر؟

– كلا… أنه سوء حظ .

– هل يستطيع أن يغير حياة إنسان ما ؟

– يا ما فعل.. لكن كيف الوصول إليه؟

– هل هو شديد الانشغال؟

– أنه معشوق الجميع ومطوق بهم دائماً..

– أذن فهو سلطان السلاطين..

– هو ما تقولين…

استأنفت عربات حماية أخرى مدججة بالمدافع والجنود مسيرتها ثم كسر رتابة المشهد اقتراب مركبة (فان) ذات جوانب مشبكة, كانت المركبة تسير ببطء نسبي فرض إيقاعه على عربات المقدمة والمؤخرة. الآن بميسور الاثنين بابها الخلفي. باب حديدي يتوسطه مزلاج ضخم ألجمت إليه ثلاثة أقفال عملاقة.

استدار الشاب جهة الشيخ ليسأله .توقف بغتة. لم يجد أحداً . كان الشيخ قد غادر المكان مخلفاً بقايا من عبق النارجيلة.. ارتسمت علامات حيرة على قسمات الفتى, هتف للنادل:

– الحساب لطفاً.

خطّ النادل بضعِ كلمات وأرقاماً على دفتر صغير مستلاً وريقة ملوحاً بها نحو الشباب. ناوله الأخير ورقة مالية متسائلاً:

-هذا الموكب.. هل هو موكب السلطان حقاً ؟

تبسم النادل:

– آه.. عملها الشيخ.. اليوم هو موعد ترحيل مرتبات الموظفين من البنك المركزي إلى دوائر الدولة.. هل عرفتما من هو صاحب الجلالة الآن؟!

شهق الاثنان:

– آه..!

ثم انحدرا مهرولين بخطى طغى إيقاعها المتسارع على شدو العنادل وخرير سواقي المراعي, وصمت الغاب , وعبرا نهر الشارع سباحة إلى الرصيف المقابل !
—————————————–

(*) قاص روائي ومترجم من البصرة ـ العراق

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

الإهداء: إلى كل من لم يدخل سوق الإستسلام ولم يفرط بالحقوق (أسعد).  – أريد أن أفهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *