الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | ​”الرواية العراقية موضوعا للنقد الثقافي”​

​”الرواية العراقية موضوعا للنقد الثقافي”​

قراءة في كتاب الناقد العراقي سمير الخليل، مقتربات السرد الروائي.

بقلم: طارق بوحالة*

(خاص): “مقتربات السرد الروائي، دراسات في تقنيات سردية” هي محاولة نقدية أخرى قدمها الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور: “سمير الخليل” الصادرة عام 2016 عن دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع العراقية، سعيّا منه إلى عرض مقاربات إجرائية لنصوص روائية عربيّة من وجهتين، الأولى وفق تقنيّات سرديّة، والثانية من منظور الدراسات الثقافية.
يقول الناقد في مقدمة الكتاب واضعا القارئ في سياق عمله النقدي: “حاولنا في هذا الكتاب رصد كثير من التقنيات السردية المتطورة التي تجسدت في الرواية العربية، بل منها ما تجاوز إلى (ما وراء السرد ) لتحقق قفزة نوعية في مجال تلك التقنيات. وأضفنا تقنيات أخرى ذات منحى (ثيمي) ثقافي لتكتمل الصورة وتأخذ إطارها المناسب.” ( مقتربات السرد الروائي، ص 08)
ولعل اللافت في هذه الدراسة تسليطها الضوء على نماذج روائية عراقية خاصة تلك المتون غير المعروفة بشكل كبير لدى القارئ العربي لأسباب مختلفة، الأمر الذي سمح له بأن يطلع على السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يحيل بدوره على أبرز التحولات التي مست البنية الاجتماعية العراقية خاصة بعد 2003.
فـ”الرواية قبل أن تكون أدبا هي شكل من أشكال الثقافة، فقبل أن تختص الرواية بخاصيتها الأدبية تكون قبل ذلك شكلا من أشكال الثقافة، وإذ نقول أن الرواية ثقافة فهذا يعني أنها جزء من كل، وإنها تشبه غيرها من الانتاجات الثقافية من حيث خضوعها للمتغيرات المكانية والاجتماعية والسياسية”( ص 218)
ومنه يقارب الدكتور سمير الخليل نصوصا روائية عراقية من منظور النقد الثقافي، حيث يمارس حفرا في موضوعات ثقافية راهنية منسحبة على عناصر عديدة منها: الهوية والعنف الثقافي وثقافة التواصل بين الأنا والأخر، حيث حاول الكشف عن أهم المواطن التي تحيل على التمثيلات النسقيّة المخبوءة خلف البناء الجمالي لهذه النصوص.
يقارب هذا الكتاب في قسمه الثاني الذي يحمل عنوان: الدراسات الثقافية، جملة من التمثيلات المختلفة، حيث يقف أولا عند العلاقات الحضارية بين الشرق والغرب من خلال نص موسم الهجرة إلى الشمال للروائي السوداني الطيب صالح.
وكذا التمثيلات المتعلقة بالهوية الضائعة والمحاولات المتكررة لاستردادها داخل روايتين للعراقي شوقي كريم، الأولى تحمل عنوان “شروكية” والثانية “خوشية”، إذ “يرصد الروائي في “الشروكية” فكرة هجرة الفلاحين من محافظات الجنوب إلى العاصمة بحثا عن سبل العيش عندما بدأت البلاد بالتحول إلى القطاع الصناعي، بينما ينشغل في “الخوشية” بتحقيق فكرة الفضيلة بواسطة القادمين من الجنوب؛ كي تعود الحياة إلى نقاء الأصل والبراءة، وهو ما تمثله قيم الريف من منظور البطل، أي أن الروايتين تشكلان حلقة متكاملة من تصارع القيم الريفية مع قيم المدينة لتشويهها، وهي محاولة لتحقيق مفهوم للفضيلة في إطار اليوتوبيا” (ص 186)
ويبحث الدكتور سمير الخليل في العنصر الثالث عن مواطن تضمر تمثيلات العنف الثقافي في الرواية العراقية مستحضرا في ذلك روايتي: “خضر قد والعصر الزيتوني” للروائي العراقي نصيف فلك، و”طشاري” لإنعام كجه جي.
حيث “تحكي رواية خضر قد معاناة الشعب العراقي وأساه وصبره في مرحلة من أصعب المراحل التاريخية التي عاشها العراق حيث يستعرض الكاتب الحياة العراقية في ظل العنف الذي صحب الحرب العراقية الإيرانية “(ص 207)
“أما العنف الثقافي في رواية “طشاري” فلم يكن أقل وحشية من رواية خضر قد وكما شمل عنوان العصر الزيتوني عنفه الثقافي، شمل أيضا عنوان طشاري (تطشروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات، إنها عنوان الموت والفرقة.” (ص212)
وجاء المبحث الرابع معنونا بالرواية الثقافية والمتخيل السردي، والذي خصصه الناقد للبحث عن مجموعة من العلاقات الموجودة بين السرد والثقافة مطبقا وجهته القرائية على رواية “عمكا” للروائي العراقي سعدي المالح التي يعدها … من أقرب الروايات العراقية ما بعد الحداثية إلى مفهوم الرواية الثقافية…(ص220)
وينهي الباحث تحليله الثقافي ببحثه عن مواطن تحيل على ثقافة التواصل بين الأنا والآخر في الرواية العراقية عبر استحضار نموذج لنص العراقي علي بدر الموسوم بـ: “بابا سارتر”، ورواية “طشاري” لإنعام كجه جي.
تبقى محاولة الدكتور سمير الخليل من المحاولات النقدية الجادة التي ساءلت المتن الروائي العراقي من منظور الدراسات الثقافية كاشفة بذلك عن التمثيلات الثقافية المختلفة والمرتبطة ببنية المجتمع العراقي خاصة بعد 2003، إثر التغيرات الجذرية التي لحقته مخلفة أنساقاً ثقافية انتشرت داخل المجتمع مما أفرز بنية ثقافية جديدة، هذه الأنساق التي تسربت إلى النصوص الأدبية عبر تشكيل خطابي خاص.

*أستاذ النقد الثقافي، المركز الجامعي لميلة.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ثقافة المقاومة

طارق بوحالة* (خاص): “ثقافة المقاومة” هو عنوان لكتاب من تأليف جماعي أشرف عليه وقدم له …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *