الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | ادورد سعيد ومحنته الامبريالية..

ادورد سعيد ومحنته الامبريالية..

وديع العبيدي

(1)
لم اقتنع بشخصية ادورد سعيد وطروحاته الى حد ما. فضلا عن وصوله المتأخر عربيا. فلم يكن كاتبا او مفكرا عربيا بحكم انتمائه الثقافي او القومي، ولم تفلح القشرة الفلستينية التي اكتشفها مؤخرا، او استخدمت لتسويقه عربيا، في تقريبه من مجساتي الثقافية المحلية.
ظهر ادوارد سعيد عربيا بهدوء خافت، عقب حرب اكتوبر(1973م) بين العرب واسرائيل، ليلمع حضوره عالميا في التسعينيات. ولا يخفى عمق وقوة الاحداث والتغيرات السياسية المتخللة تلك الفترة في شرق المتوسط:[جمهورية الخميني، حرب ايران والعراق، حرب الكويت، مؤتمر مدريد، اتفاق اوسلو، دولة فلستينية..الخ].
ومن حقنا اليوم مراجعة ما قدمه ادورد سعيد لنا؟.. واسمحوا لي ان احصر المراجعة فينا نحن/ عرب شرق المتوسط تحديدا؟.. وهو المجال/ النطاق الذي اشتغل عليه فيه. ويمكن حصرها بثلاثة محاور مركزية:
– محور فلستيني: موقف ونظرة قيادة منظمة التحرير/ (عرفات شخصيا!) من اسرائيل.
– الدور الايراني في الشرق الاوسط: (حكم الخميني تحديدا!).
– الاسلام العربي والاسلام السياسي، (في الموقف من الغرب والولايات المتحدة واسرائيل).

(2)
في البدء ظهرت بعض مقالات سعيد مترجمة في بعض المجلات، قبل صدورها في كتب مترجمة للعربية. استقبل البعض كتابات ادوارد سعيد ضمن رؤية حلمية متطلعة الى تدعيم جيل التنوير العربي بكتاب من الوزن الثقيل، ممن ظهروا بعد منتصف الخمسينيات. ورغم جاذبية التطلعات الغربية والتفكير الخلافي في الذائقة العربية، فقد بقي فكر سعيد ضبابيا لحد ما. فيما تناوله الثورة الايرانية ورسائله التوجيهية الى عرفات، اعطته صورة كارزماتيه اكبر من حقيقته.
هزيمة 1967م او (الوعي المهزوم) عامة عند العرب، واليأس من التغيير والتفكير من الداخل، انتج شعورا عاما بانتظار (خلاص خارجي)، وكانت صورة نبي يعود من الغرب، متفقدا جذوره العربية، جزء من توحمات الوعي العربي لتجاوز واقع الهزيمة. في هذا الباب ظهر محمد اركون/(استشراق فرنسي) وادورد سعيد/(استشراق امريكي) .
و بشكل عام ظهر اهتمام مبالغ ببعض الكتاب والمؤلفين العرب في الخارج، وجرى منحهم فرصة واسعة لاعلان افكارهم وارائهم، والترويج لها، امثال: أدونيس، الطاهر وطار، وغيرهم. هذا على الصعيد الثقافي الرسمي. وعلى صعيد غير رسمي اكتسبت كتابات علي شريعتي ومحمود محمد طه وسيد قطب، وغيرهم جاذبية جديدة، باختلاف الاستقطابات والمرجعيات، الى جانب افكار الافغاني والكواكبي. مع ملاحظة التغيرات الراديكالية النابعة من الضياع والاضطرابات واحتراق الارضيات التي خلفها انقلاب المرتكزات القومية الثابتة في الراهن العربي:
1- حرب اسلامية- اسلامية/ (عراق-ايران).
2- حرب عربية- عربية/ (عراق- كويت) منافية لميثاق الجامعة العربية/(1945م) وميثاق العمل القومي/ (1989م).
3- فضائح عربية قومية: تحالف سوري مع ايران ضد العراق في حرب الثمانينيات؛ تحالف عربي عام مع العدوان الانكلومريكي ضد العراق العربي والمسلم.
4- اتفاق فلستيني مع اسرائيل، وتنازل عن شعارات الماضي وسياساته.
5- هاته التغيرات ترافقت عمليا لانسيابية غزو سياسي اعلامي، تخذ من محادثات السلام والتسوية بين هنري كسينجر والحكومة المصرية قاعدة انطلاق تاريخية، اتتصل حلقاتها الى توريد مبادئ الخصخصة الاقتصادية والانفتاح السياسي وفتح الحدود الجمركية للشركات الخارجية وحركة رؤوس الاموال: [سياسات البنك الدولي].
6- ان ربع القرن الاخير من القرن العشرين، قلب موازين واسس وطرز الحياة البشرية في الشرق الاوسط/ العربي بين اواسط السبعينيات واواخر التسعينيات، بحيث جعل ابن السبعينيات على طرف نقيض وخلاف من ابن التسعينيات: انقلاب الابناء على الاباء، وسوف يستمر التناقض الفكر الاجتماعي للاجيال من بعدهم.
7- غياب دور الدولة والقانون والدين والاخلاق العامة، وتحولها الى ادوات ضغط ومحاصرة للفرد من الداخل والخارج، في اطار شبكة عالمية، قرينة بوصف مظفر النواب لاعضاء الجامعة العربية: [سجان يمسك سجان].

(3)
ان كل تغير جذري يتناول الثوابت الحياتية والسياسية، يحتاج الى خطاب ثقافي ومعالجة فكرية، تشكل قنطرة بينه وبين الفرد الاجتماعي. لكن ازدحام التغيرات الراديكالية في الوسط العربي في ربع القرن الماضي الاخير، ترافق مع تراجع ثقافي فكري عام، زاد من معدل ضبابية الرؤى، والضياع الاجتماعي السياسي والتحلل الخلقي والفكري.
وقد جاء كل ذلك، لخدمة انزياح اجتماعي/ سياسي/ ثقافي/ اخلاقي، ذي طابع تسليمي عاجز، لصالح المنظومة الغربية الانكلومركية. وسوف تقوم تلك المنظومة، باستثمار تفوقها الاعلامي، لتسجيل اكبر غزو عسكري سياسي شامل باكتساح اكبر المركزيات السياسية الاقتصادية الثقافية في العالم العربي [عراق/ ليبيا/ مصر/ سوريا/ تونس/ اليمن]/ [2003- 2013م].
واعتقد شخصيا، ان كلا من خيانة الناشرين العرب من جهة، ودخول شبكة النت الامريكية على حساب الاعلام الورقي، لعبا دورا اساسيا في تدمير الموقف الثقافي والفكري العربي والمستمر حتى الان.
ان الفرد العربي الذي خذل مشروع [الدولة الوطنية والقومية]، وجد نفسه عاريا من أي حصانة سياسية او اجتماعية في مواجهة مشاريع وسياسات العولمة التي تتناول وتتحكم بكل شيء، في قطاعات الحياة المختلفة، العامة والخاصة. وفي مشروع البركست الانجليزي كما النت الامريكي، تجد السلطات تتدخل في كل خصوصيات الفرد وتفاصيل الحياة، عبر التجسس والتحكم وصولا لتوظيفها وتحويل الفرد الى [robote] يخدمها رغما عنه. ولا يجد فكاكا او مناصا، حتى في بلده الام، او في غور الصحراء.
اعلام السبعينيات شهد بداية ترويج شعارات [النظام الاقتصادي العالمي الجديد] و[ثورة الاتصالات الالكترونية]، والطريف يومذاك، ان كتاب العالم الثالث، تفاءلوا في الحصول على فرصة افضل، متوحمين قيام ذلك النظام على افكار العدل والمساواة والتعاون الدولي المتوارثة من عصر التنوير والثورة الفرنسية الى ترويسات المنظمات الدولية، ومنها منظمة الامم المتحدة.
كل هاتيك التغيرات التي يحتاج تفصيلها الى دراسات ومجلدات وشجاعة في الرأي والتصريح، كانت تجري، والاوضاع الداخلية للبلدان العربية تستغرق في اضطرابات امنية وصراعات سياسية داخلية وفوضى اجتماعية واقتصادية، لمجتمعات –ما زالت- تخوض تجربة الانتقال من البداوة والتريف والغيبيات، الى التمدن والنظام والدولة الوطنية.
تفاصيل البارانوما العامة للمشرق العربي، كان كفيلا بها تقديم ادورد سعيد في صورة نبي عالمي جديد، على غرار (نبي) جبران قبل حوالي القرن. لا غرو ان طروحات سعيد المتعلقة بثيمات الشرق الاوسط الساخنة، تخللت التفكير والاعلام العربي، الى جانب غيرها، وساهمت في خلخلته عن مواضعه التقليدية، لكنها – بالمقابل- لم يكن لها دور ايجابي وجاد في هذا المجال. ولعنا اليوم، عقب سنوات قليلة، نكتشف غياب تلك الافكار واصحابها، كما نكتشف عمق الهوة التي انحدر اليها الشرق الاوسط، بلا مناص.

(4)
عام 1978 جاءت مساهمة ادورد سعيد الاولى حول مشروع الخميني، وهو نفس عام صدور كتاب حنا بطاطو عن العراق المعاصر ودور التيارات السياسية الفاعلة فيه. كلاهما امريكيان من خلفية فلستينية، عربيان من خلفية مسيحية/(سريان ارثوذكس). ومن طائفة السريان الارثوذكس ظهر في وقت سابق كل من انطون سعادة زعيم الحزب القومي السوري، وميشيل عفلق زعيم حزب البعث العربي الاشتراكي.
لعل افكار حنا بطاطو اكثر منهجية فكرية واكادمية، من افكار سعيد المكتوبة في صور مقالات لمجلات اكادمية او سياسية ستراتيجية. وهي مقالات يجري تلخيصها من محاضرات او ندوات متخصصة، يلعب فيها شخص الملخص ومنظور المؤسسة دورا يفوق رؤية الكاتب الخاصة.
لقد كان ادورد سعيد استاذا في جامعة كولومبيا الاميركية، وهو الاستاذ الفلستيني فيها، الى جانب نعوم تشومسكي الاستاذ الامريكي من خلفية يهودية. هكذا جرى تسويق سعيد اعلاميا، وفقا لمعادلة سياسية [فلستيني- يهودي]. على الرغم من كون تشومسكي علماني اكثر منه يهوديا، ولا صله له باسرائيل. فأن نسبة سعيد لفلسطين اكثر هشاشة من الواقع.
حيث كان والده من سكان القدس الذين تطوعوا في الحرب الامريكية طمعا في الحصول على الجنسية الامريكية. وبعد الحرب سوف يقيم في مصر [جزيرة الزمالك في النيل] حيث يولد ادورد في مستوطنة امريكية، متحدثا الانجليزية الاميركانية كلغة ام. وفي سن الثالثة عشرة يسافر للولايات المتحدة لاستكمال دراسته.
ثمة حاجة ماسة للاهتمام بالطلبة/ المواطنين العرب في الولايات المتحدة، ودراسة اثرهم الاكاديمي والفكري فيما يختص بالقضايا العربية او الشرق اوسطية. فالطلبة الذين يستمرون في الحياة هناك بعد التخرج، غير الذين يعودون الى بلدانهم. تلك الازدواجية هي ظاهرة نفسجتماعية ملحوظة تنعكس في افكارهم وكتاباتهم، سلبا او ايجابا. وسوف تساهم كل تلك الطروحات والاراء في تغذية وعي ثقافي جمعي مختلف عبر الاتلانتك، فيمن يعتبر كتابنا الامريكان بمثابة انبياء قوميين ينطقون بلغة الغرب.
وقد سبق ان تناول هشام شرابي ظاهرة الازدواجية في الشخصية العربية، والتي تحولت الى العنوان الرئيس لطروحات علي الوردي المتخرج من جامعة اميركية بعد شرابي بسنوات قليلة. في وقت متأخر صدر لادورد سعيد كتاب عن المكان والمنفى، ويبدو انه محاولة كتابة سيرة ذاتية جديدة، نابعة من قدرة التخيل والتخييل، اكثر من مصداقية الامكنة.

(5)
فكرة التشبث بالسيرة وتعالقات المكان الفلسفية، تنعكس ايضا في كتب وكتابات ادونيس المتأخرة. فمنذ التحاقه لكتابة عمود في جريدة الحياة اللندنية، كان للذاكرة والتخيل دور رئيس في ملء تلك المادة، التي يعاد تفريغها في كتب لاحقة.
لكن ادونيس في سيرته المبعثرة في تلك الكتابات، يفتقد رؤية واضحة عما يريده. نزعته للتنظير تجعله لدى البعض فيلسوفا، يجول عبر التاريخ ويبيع الحكمة مجانا. لكن شخصية [النبي/ الحكيم]/ [المثقف/ العارف/ الفيلسوف] تصهر اولئك وترفعهم فوق المجتمعات والمشهد الثقافي والتاريخ، لتجعل منهم عيون المكان.
نزعة التفوق هاته، هي انعكاس لعمق الشعور بالهزيمة، وملفوظ المنفى هو الرفض والانفصال والغياب. لفظة المنفى هاته اشكالية، هي اشكالية مفارقة بين كل من ادونيس التي يخضعها لمنطق جدلي مراوغ، وبين سعيد الذي يجعلها الوجه الاخر للمكان/ الذاكرة.
الطريف، ان ادورد سعيد الذي غادر والده /(اعزبا) القدس عام (1901م)، والمولود في مصر في مجتمع اميركي، يحاول تقمص صورة الفلستيني المنفي، اسوة بالمفهوم الذي شاع بعد سنوات [1948م، 1967م] عن التشرد والتهجير وفلسطيني المخيمات والمهاجر.
لكن الذاكرة الفلسطينية لم تتقبل هذا الدور المزدوج لشخص ذي دورين، في كل منهما يحاول تصدر المشهد. يقول كاتب سيرته العربية، ان سعيد ذهب الى جنوبي لبنان في ايام الانتفاضة، وقف مع الجموع أو أمامهم: انحنى على الارض ورفع حجارة ليقذفها تجاه العدو!.. المصور سجل ذلك في لقطة، تلقتها الجماعات اليهودية في اوربا، واحتجت لدى سلطات النمسا على دخوله البلاد للمشاركة في احتفال عن فرويد [علماني فند اليهودية وعارض دول اسرائيل].
صحيح ان فرويد وتشومسكي متقاربان الى حد بعيد، بعيدان كل البعد عن طائفتهما دينيا وسياسيا، ولكن ذلك لا يجعلهما قريبين من سعيد الذي ينتحل الشخصية الفلستينية دون التخلي عن ولائه الوطني ودوره في المشروع الاميركي في الشرق الاوسط والامبريالي العالمي.
الثقافة النمساوية العامة/ (الاعلام)، فضلت تسويق تلك الصورة الظاهرية لصورة الانسجام والتقارب بين الفلستيني/ المثقف/ المنفتح، واليهودي/ المثقف/ المنفتح. في هذا الاتجاه منحت بعض الجمعيات الثقافية جوائز نمساوية مشتركة لشخصيات يهودية وفلستينية. كان من بين الممنوحين مناصفة الشاعر الراحل محمود درويش. لكن موقف النمسا وغرضها من وراء ذلك، مختلف تماما، عن موقف وغرض الولايات المتحدة التي تسخر كل الاشياء لخدمة مشروع هيمنتها الدولية.

(6)
الكتاب الاكثر شهرة عالميا/ [عربيا واوربيا] المنسوب لسعيد، هو كتاب (الثقافة الامبريالية)، ونظرا لشائكية مصطلح [imperialism]، فاني افضل ترجمته الى (الثقافة الكولونيالية) الاوضح دلالة/ [collonialism].
وهو كتاب مكتوب باللغة الانجليزية التي لا يكاد سعيد يجيد غيرها. وقد سبق نوهت عن جهل سعيد بالعربية التي حاول تعلمها في بيروت خلال السبعينيات، مما لا يؤهل للكتابة بها. ان مجرد الكتابة بلغة –اميركانية- هو تجسيد للثقافة الامبريالية/ الكولونيالية. اما تأويل طروحات الكتاب باتجاه اخر، فذلك استعارة من خطاب تشومسكي، اكثر منه حيثية شخصية من ادورد سعيد. وهو ما نخرج به اليوم – بعد رحيل ادرود سعيد- من كتاباته وكتبه المعروفة.
(المزدوج)- هو صورة ادورد سعيد الثقافية، بين ثقافته الاميركية النازعة للتفوق، وبين استعارة شخصية (المهاجر) الفلستيني، التي تبرر نفسها بصورة صحفية يرفع خلالها الحجارة على حدود اسرائيل الشمالية. يمكن للمرء ان يقول: ما حاجة / استاذ اكاديمي ناجح/ مفكر عالمي الى انتساب محلي من شرق المتوسط؟.. الذي يهرب ابناؤه نحو الغرب ويعلمون اطفالهم لغات وعادات غربية..
واقع الحال.. ان المهاجر خارج بلده، يبقى مهاجرا الى الآبد. ولهذا تحدث ادورد سعيد وادونيس وغيرهم كثيرون عن المنفى، بدل لفظة (مهجر). ان ملفوظ (منفى) اكثر قسوة وعمقا ووحشية، اشد مصداقية، من غيره. النفي هو القلع والاقتلاع، النزع والانتزاع، السلخ والانسلاخ، الفصل الانفصال.
والنفي لابد ان يكون دائما وابديا في اصله، وفي نفس الوقت عصيا على التكيف والاندماج والانسجام مع التربة الجديدة. الشجرة المقتلعة يمكنها الانبات في ارض اخرى احيانا، لكن الانسان ليس شجرة. وقدماه لا تنبتان في بطن الارض.
كيان المرء ليس جسده، وانما نفسه ووعيه وذاكرته، وهاته لا تزرع ولا تستزرع، لا تنبت ولا تستنبت. قد تدفع الظروف وتحدياتها الى تصور امكانية قتل الوطن والانتماء لوطن بدل، مثل قميص او امرأة، ولكن عبثا.

(7)
Late Style Character
(ليت ستايل) فكرة تنسب الى ادورد سعيد ايضا. وتتعلق باعادة ترسيم شخصية الفرد مع تقدمه في السن. ففي الاجتماع التقليدي كان المرء ينسب الى طفولته وصباه او شبابه، الى عائلته او قبيلته، وتستمر تلك النسبة/ الصفة في اسمه وشخصيته واسم العائلة.
ثمة من يلقب بالنجار او العامل او التاجر او الكاتب، وثمة من يلقب بالغريب او المهاجر او الطارق او العجمي او العبد، متوارثا تلك الصفة عبر اجيال. ولكن ادورد سعيد الذي لا ينتهي اسمه بلقب، وليس له وطن حقيقي، او سيرة عائلية او ذاتية يمكن الركون اليها، يجد طريقة ثانية لتحقيق ذاته. ذلك هو الاكتشاف المتأخر/ الوعي المتأخر/ ليت ستايل.
حتى وقت قريب كان علم النفس يتعارف على ظاهرة نفسية بيولوجية باسم [مراهقة ثانية/ مراهقة متأخرة/ تصابي]. وارتبطت عمريا بتجاوز العقد الاربعين او الخمسين لدى البعض. ومن تفاصيلنا الاجتماعية المتعارفة، هو ميل الشخص للتدين: (التفكير في الموت)، او التحول من العمل الى الراحة والتقاعد، التحول نحو اعمال الاحسان، ومنها ايضا وغالبا، تجربة الزواج الثاني.
في تلك السن يبدأ المرء بتذكر طفولته واستعادة ماضيه، ومحاولة التعلم من اخطائه وتقديم النصح لغيره. وسواء اتسمت حياته بالاخطاء والندم، او اتسمت بالنجاح والسعادة، فأنه يتطلع لتجربة حياة جديدة لمعالجة اخطاء الماضي او استمرار سعادته.
هاته التجربة في حياة سعيد، كانت سبب نقلة وتجديد، لمحاولة اقتراف شخصية جديدة، شخص اخر. عندما زار ادورد سعيد مصر للمرة الاولى كان ذلك في السبعينيات. لكن غايته لم تكن مصر المولود فيها. لقد شعر بمزيد من الاغتراب والانفصام وهو يزور مرابع طفولته في النيل.
لذلك جعل لبنان وجهته ومحطته التالية. ليس لزيارة، ولكن أكثر منها. سعى للاقامة في لبنان، بدأ في تعلم اللغة العربية، ذهب للجنوب وحاول مشاركة الناس في جهادهم اليومي من اجل الكرامة. يومها كانت صورة مشرد او ارملة بلا سكن، تفوق العالم كله في اهميتها ووجعها.
هنا وجد ادورد سعيد نفسه للمرة الثانية. هنا وجد ان انتماءه الحقيقي ليس لسيرة والده الذي اشترى جنسية بلد غريب ببذل دمائه من اجله. وان ذلك البلد يتحول مع الوقت الى عدو لانتمائه الاصيل، ورائد النزعة التدميرية في العالم.

(8)
وكان لعقيدته الدينية المسيحية، اثر في اكتشافاته المتأخرة تلك..
1- الاكتشاف الجديد او الشخصية الجديدة هي بمثابة (الولادة الجديدة)/(يو 3: 4) في العقيدة المسيحية، وهي تحدث بعد الايمان، والانفصال الروحي عن الشخصية العتيقة. فالشخصية القديمة/(الولادة الاولى من الابوين) لا قيمة لها في المسيحية، ان لم تحصل الولادة الثانية/ (يو 3: 3). وانتماء سعيد الفلسطيني هنا يقابل ولادته/ الشخصية الجديدة.
2- ان انتماء الفرد المسيحي ليس لذاته او العائلة والقبيلة بالعرف التقليدي، ولكن انتماءه الحقيقي يكون للسيد المسيح والملكوت. وتلعب المصادفة دورا عندما تكون (القدس) هي دالة الملكوت وعودة المسيح.
يصعب الجزم بأية ميول دينية واضحة في كتابات سعيد، حيث لا يذكر شيء عن تحوله للبروتستانتية او الانجيلية، لكن ذلك لابد من حضوره في حياته الخاصة وتأملاته الذاتية.
هنا ايضا نجد ان مصطلح [المنفى/ exile] يستعار هو الاخر من التاريخ والادبيات اليهودية. حيث اعتبر اليهود انفسهم [منفيين/ شتات] خارج حدود فلسطين.

(9)
محنة ادورد سعيد الذاتية..
في عام (1963م) اصبح ادورد سعيد استاذا في الجامعة، الى جانب اساتذة ومفكرين كبار مثل نعوم تشومسكي، وانفتحت امام سعيد الشاب ابواب المستقبل. وكان تشومسكي كاتبا سياسيا يجهر بافكاره ومواقفه المعارضة للسياسة الاميركية.
هذا المهاجر اليهودي يجاهر بالمعارضة على صعيد عالمي، فكيف بالعربي/ الفلستيني؟..
عندما حصلت نكسة حزيران (1967م)، احتدمت في ذاته تلك الاسئلة، ووجد نفسه شيئا فشيئا داخل ازمة عصية النفاذ. في داخله تتشابك الهزائم والحرائق وكل مظاهر العجز والحيرة. وهذا اليهودي العجوز يجمع الشجاعة والابتسامة والرأي الصريح من دون أي ازدواجية او التباس او ازمة مع ذاته. خلال ذلك كان الاثنان يلتقيان ويتبادلان الرأي والتجربة. وهكذا كانت شخصية المفكر والسياسي تنمو داخل ادورد سعيد، وتتفاعل مع احتراقاته واسئلته.
من هنا جاء قراره حاسما جازما، للاقامة في لبنان والتجذر في القضية الوطنية. كان بمكنة سعيد البقاء في الولايات المتحدة والاستمرار في عمله الجامعي ومعاهد البحث الملحقة بها. وهو ما فعله غيره من العرب والفلسطينيين في المهجر.
لكن سعيد كانت تنقصه اشياء كثيرة ليقارب الاخرين، اولها اللغة والثقافة. فوجد في لبنان والجامعة الاميركية حاضنته للخروج من ازمة المنفى والتجذر في تربة محلية، تضفي عليه، او تعيد اليه صبغة المهاجر/ المنفي/ الشتات (الفلستيني).
لم يصل الى فلسطين، ولم يدخل اسرائيل. ولم يتدرج في مراكز الدراسات الستراتيجية للعمل في دوائر الخارجية والدبلوماسية الاميركية. ولم يتحول الى رمز او عمود في منظومة الاستشراق الاميركي الجديد. واليوم بعد سنوات قليلة من رحيله، يخفت اسم ادورد سعيد وتنسى طروحاته، ولا يبقى منه غير اثر في الذاكرة الالكترونية. بينما يتسابق عرب اخرون لتزلف الحلبة السياسية في الغرب، او اصطياد جائزة نوبل، عسى ان تعيد لهم شيئا من اعتبار غربي، يمسح القرار العربي الشامل، بتغييب الثقافة والمثقف والمهجر!.

(10)
واليوم.. يولد كثيرون في المهجر، وكثيرون وصلوه اطفالا صحبة ذويهم، اقتنوا كل ما في الغرب، ولا يعرف اكثرهم شيئا عن مواطن ذويهم واجدادهم. فهل تستمر شخصياتهم وقناعاتهم بلا تغيير حتى كهواتهم وشيخوختهم؟.. وماذا لو رغبوا عن الفردوس الزائف، وتاقوا لارض الاجداد ولغتهم وعاداتهم؟..
لم يكن للصبي ادورد سعيد دور في قصة وقرار والده، ولكنه لم يطق تبعاته، ولا الاستمرار فيه. مما يذكر بمحنة (مصطفى سعيد)، بطل الطيب صالح في (موسم الهجرة نحو الشمال). ونعرف عن انفسنا، نحن الذين وصلنا الى المهجر قبل عقود، عجزنا عن الاستمرار فيه، ونتمنى لو ان الزمن عاد القهقرى، لما خرجنا من القرية والمحلة التي عاد اليها مصطفى سعيد.
ان محنة ادورد سعيد هي نسخة اخرى من محنة مصطفى سعيد، وان محنة مصطفى سعيد هي نفسها قصة حياة الطيب صالح الذي كتب [وطني السودان] مغادرا فردوس الغرب الى بلده حتى الموت.
حري بنا، وبكل المعنيين، البحث عن حل لمحنة مصطفى سعيد وادورد سعيد وكلنا نحن غير السعداء بتاتا!.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ثقافة المقاومة

طارق بوحالة* (خاص): “ثقافة المقاومة” هو عنوان لكتاب من تأليف جماعي أشرف عليه وقدم له …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *